مقالات الرأي

الأستاذ جمال كامل يكتب : عيد المعلم

عيد المعلم
 عيدٌ بأي حالٍ عُدتَ يا عيد؟
بقلم: الأستاذ جمال كامل أبوبكر أبوالحسن

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيد
بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ
يمر عيد المعلم، وفي القلب غصة وفي الذاكرة سؤال لا يجد إجابة شافية بأي حال يعود عيد المعلم هذا العام
هل يعود عيداً للاحتفاء بمن حملوا رسالة العلم، وصنعوا الأجيال، وأضاءوا للطلاب طريق المعرفة
أم يعود مناسبةً تتكرر فيها عبارات الشكر والثناء، بينما يبقى المعلم في واقعه يواجه قسوة الحياة، وضيق ذات اليد، وتراجع المكانة الاجتماعية، وغياب التقدير الحقيقي
إن الاحتفاء بالمعلم لا يكون بيوم في التقويم، ولا بعبارات تُقال ثم تنتهي بانتهاء المناسبة. المعلم يحتاج إلى دولةٍ تعرف قيمته، ومجتمعٍ يحفظ مكانته، وراتبٍ يصون كرامته، وبيئة تعليمية تمنحه القدرة على أداء رسالته.
المعلم مرتب ضعيف وحاجات لا تنتهي
من المؤلم أن يعيش المعلم الذي يُفترض أن يكون أحد أعمدة المجتمع، براتب لا يفي بالاحتياجات الأساسية لأسرته.
فالأسرة لا تنتظر نهاية الشهر فقط هناك غذاء، ودواء، ومواصلات، وملابس، ورسوم دراسة، والتزامات لا تتوقف. وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، أصبح مرتب المعلم عاجزاً عن مواكبة أبسط ضروريات الحياة.
وهنا نجد بعض المعلمين مضطرين إلى البحث عن أعمال أخرى بعد انتهاء اليوم الدراسي، ليس حباً في ترك مهنتهم، ولا استخفافاً برسالتهم، وإنما بحثاً عن لقمة العيش وحفظ كرامة الأسرة.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً
المعلم الذي نأتمنه على صناعة عقول أبنائنا، قد يضطر بعد انتهاء الدوام إلى ممارسة أعمال هامشية حتى يستطيع أن يطعم أبناءه.
عندما لا يتميز المعلم في نظر الدولة
المعلم ليس موظفاً عادياً لأنه لا يؤدي وظيفةً تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وإنما يحمل مسؤولية بناء الإنسان.
إن كل طبيب ومهندس وقاضٍ وضابط وموظف ورجل أعمال، كان في يوم من الأيام طالبًا جلس أمام معلم.
ومن هنا فإن تمييز المعلم ليس امتيازاً شخصياً له، وإنما هو استثمار في مستقبل الدولة نفسها.
لكن عندما يشعر المعلم بأن الدولة لا تميزه بما يتناسب مع رسالته، وأن مهنته أصبحت في سلم الوظائف من حيث الدخل والحوافز والمزايا، فإن الرسالة التربوية نفسها تصبح مهددة.
معاش لا يضاهي حافزاً شهرياً في مؤسسة ما
ومن المفارقات التي تستحق الوقوف عندها أن ما يحصل عليه المعلم من معاش أو دخل قد لا يوازي أحيانًا حافزاً يُمنح في بعض المؤسسات.
وهنا لا نتحدث عن حسد أو مقارنة بين العاملين في مؤسسات الدولة، وإنما نتحدث عن اختلال في النظرة إلى قيمة العمل التربوي.
فإذا كانت الدولة تريد تعليماً قوياً، فعليها أن تبدأ من المعلم.
لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يصنع طالباِ مبدعاً، وهو يعيش القلق على قوت أسرته.
ولا يمكن أن نطالبه بالتفرغ للبحث والتطوير، وهو منشغل بكيفية توفير احتياجات بيته.
ولا يمكن أن نطالبه بأن يكون قدوة للطلاب، بينما المجتمع يراه يبحث عن عمل إضافي بعد انتهاء المدرسة.
لقد كان المعلم في الذاكرة السودانية صاحب مكانة وهيبة واحترام.
وكان المجتمع ينظر إليه باعتباره مربياً وصاحب رسالة، ويضعه في مقدمة أهل العلم والرأي.
أما اليوم، فقد بدأت هذه الصورة تتراجع لأسباب متعددة، من بينها تدهور الأوضاع الاقتصادية التي دفعت بعض المعلمين إلى ممارسة أعمال إضافية وهامشية خارج مهنة التعليم.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة
المجتمع الذي يحتاج إلى احترام المعلم، هو نفسه الذي يجب أن يسأل لماذا اضطر المعلم إلى البحث عن عمل آخر؟
فلا ينبغي أن يُلام المعلم لأنه يعمل بعد الدوام، بل ينبغي أن نسأل عن الظروف التي دفعته إلى ذلك.
إن كرامة المعلم لا تُستعاد بالمواعظ، وإنما بسياسات تحفظ له دخله، ومكانته، وحقه في حياة كريمة.
إهمال المعلم يعني إهمال التعليم
إن الحديث عن تدهور التعليم لا ينبغي أن يبدأ من الطالب وحده، ولا من المنهج وحده، ولا من المدرسة وحدها.
البداية الحقيقية هي المعلم.
فإذا كان المعلم محبطاً، مثقلاً بالهموم، يبحث عن مصدر دخل إضافي، ويشعر بأن المجتمع والدولة لا يقدران رسالته، فمن الصعب أن نطالبه وحده بحمل مشروع إصلاح التعليم.
إن التعليم منظومة متكاملة، والمعلم قلب هذه المنظومة.
ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي للتعليم يجب أن يضع المعلم في مقدمة الأولويات: راتباً، وتدريباً، وتأهيلاً، وبيئة عمل، وحوافز، وترقياً وظيفياً، وتأميناً اجتماعياً، ومعاشاً يحفظ كرامته.
لا تعليم قوي بمعلم مكسور
هذه ليست دعوة إلى منح المعلم امتيازات بلا حدود، وإنما هي دعوة إلى العدل.
فالعدل أن يحصل المعلم على ما يتناسب مع مسؤوليته.
والعدل أن يشعر أن الدولة تحتاج إليه وتحترم دوره.
والعدل أن يستطيع أن يعيش من مهنته دون أن يضطر إلى البحث عن مهنة أخرى.
لقد أنفقت الدول المتقدمة أموالاً طائلة على إصلاح التعليم، لكنها أدركت أن بناء المدارس والمناهج والتقنيات لا يغني عن بناء المعلم.
فالسبورة لا تُعلّم وحدها، والكتاب لا يُربي وحده، والكمبيوتر لا يصنع إنساناً بمفرده.
المعلم هو الذي يحول كل هذه الأدوات إلى تعليم.
ماذا نريد؟ حلول عملية لإنقاذ المعلم والتعليم
إن تشخيص المشكلة وحده لا يكفي. وإذا كان المعلم هو قلب العملية التعليمية، فإن إصلاح أوضاعه يجب أن يتحول من أمنية إلى خطة عملية قابلة للتنفيذ.
أولاً: رفع راتب المعلم وربطه بتكاليف المعيشة
يجب إعادة النظر بصورة جادة في هيكل أجور المعلمين، بحيث يضمن الراتب الحد الأدنى من الحياة الكريمة، مع وضع آلية لمراجعته دورياً بما يتناسب مع تغير تكاليف المعيشة.
فلا يعقل أن يُطلب من المعلم أن يتفرغ للتعليم بينما راتبه لا يوفر له أبسط احتياجات أسرته.
ثانياً: منح المعلم بدلاً خاصاً بالمهنة
ينبغي أن تكون للمعلم بدلات وحوافز مهنية واضحة، تقديراً لطبيعة عمله ومسؤوليته، على أن تشمل بدلات للمعلمين العاملين في المناطق النائية والمحرومة، والمناطق التي تعاني نقصًا في الكوادر التعليمية.
ثالثاً: حماية المعلم بعد التقاعد
لا ينبغي أن تنتهي كرامة المعلم بانتهاء خدمته.
فمن أفنى سنوات عمره في تعليم الأجيال يستحق معاشاً عادلاً يحفظ له حياته وكرامته، ويمنحه الشعور بأن سنوات خدمته لم تذهب هباءً.
رابعاً: توفير الرعاية الصحية والاجتماعية
المعلم بحاجة إلى نظام تأمين صحي واجتماعي فعّال له ولأسرته.
كما يمكن إنشاء برامج مساندة اجتماعية للمعلمين الأكثر احتياجاً، خاصة في الظروف الاقتصادية الصعبة.
خامساً: توفير التدريب والتأهيل المستمر
المعلم نفسه يحتاج إلى التعليم.
لذلك يجب إقامة دورات تدريبية منتظمة في طرق التدريس، والتكنولوجيا، والتقييم، والتعامل مع الفروق الفردية بين الطلاب، على أن تكون هذه الدورات حقيقية ومفيدة وليست مجرد شهادات شكلية.
سادساً: تقليل الأعباء الإدارية عن المعلم
المعلم مكانه الطبيعي هو الفصل والطالب.
لذلك ينبغي تقليل الأعمال الورقية والإدارية غير الضرورية التي تستهلك وقته وجهده، حتى يتفرغ للمهمة الأساسية: التعليم والتربية.
سابعاً: توفير بيئة مدرسية تليق بالمعلم والطالب
لا يمكن أن نطالب المعلم بالإبداع داخل بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات العملية التعليمية.
المطلوب توفير فصول مناسبة، ومقاعد ووسائل تعليم، ومياه وخدمات أساسية، ومصادر تعلم، وبيئة آمنة للطلاب والمعلمين.
ثامناً: إعادة الاعتبار لمكانة المعلم في المجتمع
استعادة احترام المعلم لا تكون بالشعارات وحدها.
يجب أن تتبنى المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية برامج حقيقية لإبراز دور المعلم، والاحتفاء بالمعلمين المتميزين، وتسليط الضوء على قصص نجاحهم، وإعادة صورة المعلم باعتباره صاحب رسالة لا مجرد موظف.
تاسعاً: إنشاء نظام واضح للترقي والحوافز
يحتاج المعلم إلى أن يعرف أن اجتهاده سيُقدر.
لذلك يجب أن يكون هناك سلم وظيفي واضح، ومعايير عادلة للترقي، وحوافز للتميز، وفرص للوصول إلى مواقع القيادة التعليمية وفق الكفاءة والخبرة.
عاشراً: إشراك المعلمين في صناعة القرار التعليمي
لا يمكن إصلاح التعليم بعيداً عن أهل الميدان.
فالمعلم هو الأكثر معرفةً بما يحدث داخل الفصل، وبمشكلات الطلاب، وبنقاط القوة والضعف في المناهج.
لذلك ينبغي إشراك المعلمين في مراجعة المناهج والسياسات التعليمية، والاستماع إلى مقترحاتهم ومشكلاتهم قبل اتخاذ القرارات التي تمس العملية التعليمية.
حادي عشر محاربة ظاهرة الدروس الخصوصية من جذورها
إذا اضطر المعلم إلى الدروس الخصوصية بسبب ضعف دخله، فإن معالجة الظاهرة تبدأ بتحسين راتبه وظروف عمله، وليس فقط بمحاربته أو معاقبته.
فالسياسة الصحيحة هي إزالة الأسباب قبل معالجة النتائج.
ثاني عشر إنشاء صندوق لدعم المعلمين
يمكن التفكير في إنشاء صندوق وطني أو مجتمعي في كل ولاية لدعم المعلمين، يساهم في حالات الطوارئ والعلاج، والمنح التعليمية، والمساعدات الاجتماعية، خاصة للمعلمين الذين يواجهون ظروفاً استثنائية.
وبذلك يصبح المجتمع شريكاً في حماية من يحملون رسالة التعليم.
إصلاح التعليم يبدأ من هنا
إن إصلاح التعليم ليس مشروعاً قصير الأجل، ولا قراراً إدارياً يصدر من مكتب ثم ينتهي أثره.
إنه مشروع وطني طويل المدى، يبدأ من إعادة الاعتبار للمعلم.
وإذا أردنا أن نرى طالباً متفوقاً، فعلينا أن نمنح معلمه الاستقرار.
وإذا أردنا مدرسةً ناجحة، فعلينا أن نوفر لمعلمها بيئةً مناسبة.
وإذا أردنا جامعة قوية، فعلينا أن نبني أساساً تعليمياً قوياً في المدرسة.
وإذا أردنا وطنًا قادراً على النهوض فعلينا أن نستثمر في الإنسان، والمعلم هو أول من يصنع هذا الإنسان.
عيد المعلم. هل يكون بداية التغيير؟
إن عيد المعلم ليس مجرد يوم نُهدي فيه المعلمين كلمات جميلة، ثم نعود في اليوم التالي إلى الواقع نفسه.
إنه فرصة لنقول بوضوح
إذا أردنا إنقاذ التعليم، فعلينا أن ننقذ المعلم أولاً.
نريد أن يتحول عيد المعلم من مناسبة للخطابات إلى مناسبة لمراجعة السياسات.
نريد أن يكون هذا اليوم موعداً لقرارات حقيقية تحسين الأجور، وحماية المعاشات، وتوفير الرعاية الصحية، وتطوير التدريب، وتحسين بيئة العمل، وحفظ مكانة المعلم، وإشراكه في صناعة القرار.
فالمعلم لا يريد أن يكون فوق الناس، وإنما يريد أن يعيش بين الناس بكرامة.
ولا يريد قصوراً ولا امتيازات استثنائية، وإنما يريد راتباً يكفيه، وبيئة تحترمه، ومجتمعاً يقدّر رسالته، ودولة تدرك أن الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الأكثر أماناً في مستقبل الوطن.
ويبقى سؤال المتنبي حاضراً
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ؟
فهل يكون عيد المعلم هذا العام مجرد عيد آخر يمر، تُقال فيه كلمات الثناء ثم تنتهي؟
أم يكون بدايةً لتجديد حقيقي في نظرة الدولة والمجتمع إلى المعلم، وإلى التعليم، وإلى مستقبل أبنائنا؟
إن المعلم لا يحتاج إلى التصفيق بقدر ما يحتاج إلى الإنصاف، ولا يحتاج إلى يوم واحد في السنة بقدر ما يحتاج إلى تقدير مستمر طوال سنوات خدمته.
فإذا صلح حال المعلم، بدأ إصلاح التعليم وإذا صلح التعليم، بدأ بناء الوطن.
كل عام ومعلمو السودان بخير، وكل عام وهم أكثر تقديراً واحتراماِ ومكانةً، وكل عام والتعليم في بلادنا أقرب إلى التعافي والنهضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى