مقالات الرأي

روائع الصبر والرضاء:قصة أبي قلابة الجرمي ..خاتمة وعِبرة :( الشكر عند الابتلاء )

د. سراج الدين عبد الغفار عمر

​إن قصة أبي قلابة الجرمي ليست مجرد حكاية تُروى للتأثر العابر، بل هي منهج حياة يُعلمنا أن النعمة الحقيقية هي سلامة الدين واللسان الذاكر، وأن العافية ليست عافية الأبدان فحسب، بل عافية القلوب وصبرها. فما أصغر همومنا وشكوانا أمام هذا الجبل الشامخ من الرضا واليقين!
أبو قلابة الجرمي هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، إمام جليل، ومن كبار التابعين، وواحد من ثقات علماء الحديث والفقه.
مولده ونشأته:
وُلد في البصرة، وعاش فيها فترة طويلة قبل أن ينتقل إلى الشام.
موقفه من القضاء: عُرف بورعه الشديد، وحين عُرض عليه تولي القضاء في العراق ، رفضه وهرب منه خوفاً من ثقل المسئولية، فانتقل إلى بلاد الشام واستقر في “داريا”.
روى عن عدد من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية، وسمرة بن جندب، (إرسالاً).
تلاميذه: روى عنه جمع من الأئمة، منهم: أيوب السختياني، وقتادة، وثابت البناني، ويحيى بن أبي كثير.
ووصفه العلماء بالثقة والإتقان وكثرة العلم. قال عنه ابن خراش والعجلي: “ثقة”. وقد ترك تركة علمية ومكتبة كبيرة.
روى أشهب ، عن مالك ، قال : مات ابن المسيب والقاسم ولم يتركوا كتبا ، ومات أبو قلابة فبلغني أنه ترك حمل بغل كتبا .
وروى أيوب ، عن مسلم بن يسار ، قال : لو كان أبو قلابة من العجم [ ص: 470 ] لكان موبذ موبذان – يعني قاضي القضاة .
وروى حماد بن زيد ، عن أبي خشينة ، قال : ذكر أبو قلابة عند ابن سيرين فقال : ذاك أخي حقا .
وقال حماد : سمعت أيوب ذكر أبا قلابة ، فقال : كان والله من الفقهاء ذوي الألباب . إني وجدته أعلم الناس بالقضاء أشدهم منه فرارا ، وأشدهم منه فرقا ، وما أدركت بهذا المصر أعلم بالقضاء من أبي قلابة .

قصة مؤثرة : صبر وابتلاء
أَبُو قِلاَبَةَ الجَرْمِيُّ
(ت 104 هـ = 722 م)
يروي حكايته ابن حبان في كتاب الثقات ،بسنده عن الأوزاعي ، عن عبد الله بن محمد قال:
خرجت إلى ساحل البحر مرابطًا وكان ربطنا يومئذ عريش مصر. قال: فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا بِبطيحة، وفي البطيحة خيمة، فيها رجل قد ذهبت يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره، وماله من جارحة تنفعه إلا لسانه، وهو يقول: ( اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا، أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا )“.
قال الأوزاعي: قال عبد الله: قلت: والله لآتينَّ هذا الرجل، ولأسألنَّه أنَّى له هذا الكلام !!! ، فهمٌ أم علمٌ أم إلهامٌ أُلهم؟ فأتيتُ الرجل فسلمت عليه، فقلت: سمعتك وأنت تقول: “اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا، أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا” فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها ؟ ، وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها ؟.
قال: وما ترى ما صنع ربي؟ والله لو أرسل السماء علي نارًا فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فبلعتني، ما ازددت لربي إلا شكرًا، لما أنعم علي من لساني هذا،
ولكن يا عبد الله إذ أتيتني، لي إليك حاجة، قد تراني على أي حالة ، أنا لست أقدر لنفسي على ضُرٍّ ولا نفع، ولقد كان معي بنيٌّ لي يتعاهدني في وقت صلاتي، فيوضيني، وإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام ، فتحسَّسه لي رحمك الله.
فقلت: واللهِ ما مشى خَلْقٌ في حاجة خلقٍ، كان أعظم عند الله أجرًا ممن يمشي في حاجةِ مثلك.
فمضيت في طلب الغلام ، فما مضيتُ غير بعيد ، حتى صرت بين كثبان من الرمل ، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه، فاسترجعت … وقلت: أنى لي وجه رقيق آتي به الرجل؟ فبينما أنا مقبل نحوه ، إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتيته سلمت عليه، فرد علي السلام، فقال: ألست بصاحبي؟
قلت: بلى.
قال: ما فعلت في حاجتي؟
فقلت: أنت أكرم على الله أم أيوب النبي؟
قال: بل أيوب النبي.
قلت: هل علمت ما صنع به ربه؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده؟
قال: بلى.
قلت: فكيف وجده؟
قال: وجده صابرًا شاكرًا حامدًا.
قلت: لم يرضَ منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبابه؟
قال: نعم. قلت: فكيف وجده ربُّه؟
قال: وجده صابرًا شاكرًا حامدًا.
قلت: فلم يرض منه بذلك حتى صيَّره عَرَضًا لمار الطريق، هل علمتَ؟ قال: نعم.
قلت: فكيف وجده ربه؟
قال: صابرًا شاكرًا حامدًا، أوجز رحمك الله.
قلت له: إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كُثبان الرمل، وقد افترسه سبع فأكل لحمه، فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر.
فقال المبتلى: الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقًا يعصيه، فيعذبه بالنار. ثم استرجع، وشهق شهقة فمات.
فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عظمت مصيبتي، رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع، وإن قعدتُ، لم أقدر على ضر ولا نفع. فسجَّيته بشملةٍ كانت عليه، وقعدت عند رأسه باكيًا، فبينما أنا قاعد إذ تهجم علي أربعة رجال، فقالوا: يا عبد الله، ما حالك؟ وما قصتك؟
فقصصت عليهم قصتي وقصته، فقالوا لي: اكشف لنا عن وجهه، فعسى أن نعرفه. فكشفت عن وجهه، فانكبَّ القوم عليه، يقبلون عينيه مرة، ويديه أخرى، ويقولون: بأبي عينٌ طالما غُضّت عن محارم الله، وبأبي وجسمه طالما كنت ساجدًا والناس نيام.
فقلتُ: من هذا يرحمكم الله؟
فقالوا: هذا أبو قلابة الجرمي، صاحب ابن عباس، لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم .
فغسَّلناه وكفنَّاه بأثواب كانت معنا، وصلينا عليه ودفنَّاه. فانصرف القوم وانصرفتُ إلى رباطي، فلما أن جَنَّ عليَّ الليل، وضعت رأسي، فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة، وعليه حُلَّتانِ من حُلَلِ الجنة، وهو يتلو الوحي: ( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )“، فقلتُ: ألست بصاحبي؟
قال: بلى قلت: أنى لك هذا؟
قال: “إن للهِ درجاتٍ لا تُنَال إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، مع خشية الله عز وجل في السرِّ والعلانية“.

وفاته: توفي سنة 104 هـ (وقيل: 105 أو 106 أو 107 هـ).
المصادر :
– سير أعلام النبلاء
الذهبي – شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي
[ ص: 468 ] أبو قلابة ( ع )
—ابن حبان في كتاب الثقات (ج5 الطبعة الهندية حيدر ءاباد )
-تهذيب الكمال في أسماء الرجال المزي – جمال الدين أبو الحجاج المزي ( 3283 – (ع))
-طبقات الحفاظ – لجلال الدين السيوطي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى