رفيدة ياسين تكتب : طاقة الحب ..!

حروف متمردة
طاقة الحب…!
بقلم رفيدة ياسين
ذات يومٍ ماطر، كعادة أغلب الأيام في بلاد الضباب،
كنت أجلس في مقهاي الإيطالي المفضّل، أتأمل ملامح الطريق من خلف زجاجٍ احتشد بقطرات مطر غزير،
وفي الخلفية صوت آندريا بوتشيلي يغني رائعته المحرضة على الأمل
Canto della Terra
لطالما آمنت أن الناس ليسوا جميعهم مجرد عابرين.
تلك الوجوه التي قد لا تلتقيها في حياتك إلا مرة واحدة، ليست كلها وجوهًا عابرة كما نظن، لكل ملامح حكاية، ولكل حكاية وجعها وفرحها ودروسها، وفي كل إنسان حكمة قد لا ننتبه إليها إلا إذا منحناه من وقتنا لحظةً من الإنصات.
ربما كان أكثر ما لفت انتباهي يومها سيدة ستينية، دخلت المقهى برفقة ثلاثة أطفال، تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام.
كانت في حركتها حماسة شابة في العشرين، وكأن التجاعيد التي أحاطت بعينيها لم تكن سوى اتكاءةٍ هادئة لتجارب السنين.
وحتى النمش المنتشر على وجهها ويديها بدا لي كأنه نقشٌ فنيٌ دقيق يحكي عن جمال زهرةٍ ما زالت تحتفظ بأريجها الأول.
لفتتني هذه السيدة، فهممت بمساعدتها، ومازحتها بشأن مسؤولية الأطفال في هذا الزمن، وتبادلنا حديثًا عابرًا سرعان ما أخذ منحًى آخر.
شعرت أنها بحاجة إلى الكلام، تحديدًا إلى شخص غريب عنها، ولطالما أدركت قيمة البوح عند شخصٍ كتوم، حين يجد أذنًا صاغية لا يعرفها، وقلبًا لا يحاكمه.
فأجلت من أجلها موعدًا، وألغيت آخر، وجلست أستمع إليها وكأنها أهم شخص في حياتي.
لم أكن أعرفها من قبل، ومع ذلك كانت حكايتها تستحق أن أتوقف عندها، أن أتأملها، وأن أمنحها شيئًا من وقتي.
ربما لأنني تعلمت مع الأيام أن اللطف مسؤولية.
فكل إنسان يحمل في داخله قصة لا نعرفها، ومعركةً لا نراها، ومسؤولياتٍ وضغوط قد لا تحتملها أكتافنا نحن.
لذلك أؤمن أن اللطف ليس ترفًا، بل واجب إنساني وعادة ينبغي أن نربيها في أنفسنا حتى تصبح أشبه بيدٍ حانية تُربّت على أكتاف البشر في الحياة.
قد لا نستطيع دائمًا أن نقدم للآخرين شيئًا ملموسًا، لكننا نستطيع أن نقدم لهم كلمة، ابتسامة، أذنًا تُصغي، عقل يتفهم دون أحكام أو لحظة يشعرون فيها أنهم ليسوا وحدهم.
فاللطف لا يكلّفك إلا شيئًا من إنسانيتك، لكنه قد يقع في روح إنسان آخر كالسحر…
كان اسم تلك السيدة لافينا.
أخبرتني أن ابنتها وزوجها توفيا في حادث سير قبل نحو عام، وأن زوجها الثمانيني مصاب بمرض الزهايمر وهو لم يعد يتذكرها، رغم أنه عاش معها أكثر من أربعين عامًا.
قالت إنه في كل مرة يراها يسألها من تكون وما هو سبب وجودها معه، فتجيبه بأنها ممرضته أو مساعدته أو صديقة.
ثم ابتسمت ابتسامة ساحرة،
لم يكن في ابتسامتها تلك حزن أو ضجر، بل شيء يشبه الرضا العميق.
وفي الوقت نفسه، كانت تحمل وحدها مسؤولية رعاية أطفال ابنتها الثلاثة بعد رحيل والديهما. ثلاثة صغار يحتاجون إلى الحب والرعاية والأمان، أحدهم، لديه طيف التوحد ويحتاج إلى عناية واهتمام خاصين.
نظرت إليها بدهشة وسألتها:
كيف تفعلين كل هذا؟
كيف تستطيعين أن تحملي كل هذه المسؤوليات الجسام وحدك، وأن تعتني بزوجٍ لم يعد يتذكر حتى أنك زوجته، وبثلاثة أطفال فقدوا والديهم، ثم تظلين محتفظة بكل هذه البشاشة واللطف، حتى مع غرباء تلتقين بهم للمرة الأولى؟
لم تأخذ وقتًا طويلًا في التفكير.
قالت ببساطة:
«إنها طاقة الحب.»
ثم أضافت:
«الحب يجعلك قادرًا على صنع المعجزات. وحين تخونك طاقة الجسد، تستند إلى وقودٍ إضافي اسمه الحب وهذا شيء لا تقدر عليه إلا نفس سوية”
سألتها: ومن أين جاءتها كل هذه الطاقة؟
قالت:
أنها تربت منذ صغرها على الدفء والحب
توقفت طويلًا عند إجاباتها.
كم هو مدهش ذلك الشيء الذي نسميه حبًا، بينما هو في حقيقته قوة خفية قادرة على أن تحمل الإنسان حين تتعب عضلاته، وأن تدفعه إلى الاستمرار حين يوشك أن يستسلم، وأن تمنحه سببًا جديدًا للنهوض كلما أثقلته الحياة.
كانت لافينا تذهب كل يوم إلى زوجها الذي عاش معها أكثر من أربعة عقود، وتعيد كل مرة اختراع سببٍ جديد لوجودها أمامه، لا لأنها تنتظر منه اعترافًا، بل لأن وجوده، رغم غياب ذاكرته، ما زال يؤنسها ويملأ في روحها مساحة من
العطاء كما وصفت.
قالت إنه ربما فقد معرفته الواعية بها لكنها لا تشعر فقدانه الإحساس بها،
وذكرت أنه قد لا يعرف أنها زوجته، لكنها على يقين أنه يشعر معها تلقائيا بالأمان والراحة والألفة.
وكان أطفال ابنتها الراحلة بالنسبة إليها هديةً من الحياة، أو ربما امتدادًا لذلك الحب الذي لم تستطع وفاة ابنتها أن تنتزعه منها.
قالت لي إنهم يذكّرونها بابنتها، وإنهم يمنحونها من الحب ما يجعلها قادرة على أن تعطيهم أضعاف ما يمنحونها.
وهنا أدركت شيئًا بالغ البساطة والعظمة في آنٍ واحد:
الحب الحقيقي لا يستنزفنا كما نظن، بل يمدّنا بالطاقة.
كلما أعطى، ازداد.
كلما أنفق، نما.
وكلما ظننا أنه بلغ آخره، اكتشفنا أن في الروح مخزونًا آخر منه.
الحب عند الشخص السوي طاقة عطاء لا تنفد، قادرة على تحريك الجبال، وتبديل الحال، واحتمال ما نظنه مستحيلًا، ومنح الإنسان قدرةً على مواصلة الطريق حتى حين لا يبقى في الجسد قدرة.
خرجت من ذلك اللقاء العابر وأنا مسكونة بالعِبَر، أراجع حتى أشياء أعرفها عن نفسي، وأوصف بها كثيرًا.
لطالما آمنت أنني امرأة قوية، أحب التحديات، وأجيد تجاوز الصعاب، وأتعامل مع الأزمات بشيء من الخفة والرشاقة، كمن يقفز الحبل باحترافية.
وكان أقرب أصدقائي يقولون لي دائمًا:
«رفيدة، أنتِ قوية… قدرتك على التجاوز مدهشة.»
لكنني، بعد لقائي بلافينا، فهمت شيئًا آخر.
فهمت أنني لست امرأةً حديدية، ولا خارقة، ولا أمتلك سرًا خاصًا في مواجهة الحياة.
أنا ثرية بتلك الطاقة..طاقة الحب،
أنا فقط نشأت على الحب.
وأصبحت ممتلئة به حتى التشبع،
امرأة تتدفق منها هذه الطاقة لأنها تربت عليها منذ طفولتها، ونشأت في بيت كان الحب فيه لغة يومية، وسندًا حاضرًا، وعطاءً لا ينتظر المقابل.
لقد تعلمنا من أبي وأمي الترابط قبل أي شيء آخر، أن العائلة جسد واحد. إذا أصاب أخي صداع، شعرت أن رأسي يؤلمني، ولا يهدأ لي بال حتى أتقاسم معه وجعه وأبحث معه عن علاجه.
وإذا ألمّت مشكلة بأحدنا، لم يكن السؤال: «من المسؤول؟»
بل كان السؤال: «كيف نحلها؟»
كنا نتحد أمام المشكلة بوعي وموضوعية، لا أن ينقسم بعضنا على بعض بسببها.
وهذا، في ظني، هو الحب في أكثر صوره صدقًا:
أن تشعر أن وجع الآخر يمسّك.
أن يكون نجاحه فرحك، وحزنه شأنك، ومرضه سببًا لأن تمد يدك، لا لأن تراقبه عن بُعد.
وإذا شُفي، ترى في نهوضه نجاتك.
الحب الحقيقي ليس مجرد كلمة جميلة نرددها، ولا شعورًا عابرًا يسكن القلب ثم يرحل.
الحب موقف.
مسؤولية.
عطاء.
وصبر.
وهذه أشياء تزدهر في الإنسان إذا تربى عليها منذ صغره، أو إذا قرر أن يربي نفسه عليها في كبره.
ولذلك أشفق كثيرًا على أولئك الذين تستوطن قلوبهم الكراهية والأحقاد والتشفي، فيجدون متعتهم في التنمر، وإطلاق الشائعات، والإساءة حتى إلى أناس لا يعرفونهم، ولم يلتقوهم في حياتهم ولو مرة واحدة.
أظن أن من يعيش طويلًا في الكراهية يحرم نفسه من شيء عظيم، يحرمها من ذلك السلام الذي يمنحه الحب لمن يعرف كيف يزرعه في حياته.
الحقيقة أن من يزرع الحب يحصده، ويظل الحب معه حصنًا، وزاداً.
أما من يزرع الكراهية، فلن يسعد أبدا سعادة حقيقية ولن يحصد منها إلا ما ينهش روحه ببطء.
وربما لهذا خرجت من لقائي بلافينا وأنا أفكر في عبارتها البسيطة: «إنها طاقة الحب».
نعم، ربما كانت محقة.
ما أجمل تلك الصدف التي تمنحنا شيئا من الأمل بلا موعد مسبق أو خطط.
السر دائما في الحب.
الحمد لله على نعمة الأسرة الصغيرة والكبيرة والترابط والمحبة اللا مشروطة.
والحمد لله على تلك الطاقة الخفية التي لا تُرى، لكننا نشعر بأثرها الإيجابي كل يوم
ربما لهذا نستمر.
وربما لهذا نقاوم.
وربما لهذا،نظل قادرين على الفرح والضحك والحب.
لأن في داخلنا طاقةً لا تنفد ما دمنا نحب.
وما أعظم الحب،
وما أجمل لافينا.



