مقالات الرأي

سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم

مما قرات :
د. سراج الدين عبد الغفار :

باب ما جاء في المعية والنّجوى :
عن صفوان بن محرز المازنيّ قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر آخذ بيده إذ عرض رجل فقال: كيف سمعتَ رسول اللَّه ﷺ في النّجوى؟ فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: «إنّ اللَّه يُدني المؤمن فيضع عليه كنفَه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أيْ ربِّ، حتّى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي كتاب حسناته. وأمّا الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود: ١٨]».
هذا حديث عظيم من أحاديث يوم القيامة وأهوالها، يرويه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

. شرح المفردات:
يُدني المؤمن: يقربه منه تعالى ويلحقه بجنابه.
يضع عليه كنفه: الكنف هو الستر والحماية، أي يستره بلطفه ورحمته.
يقرّره بذنوبه: يوقفه عليها ويعترف بها.
الأشهاد: هم الملائكة والشهداء من البشر الذين يشهدون على الناس بأعمالهم.

يصور الحديث مشهداً من مشاهد يوم القيامة، حيث يقرب الله تعالى المؤمن الحقيقي فيحظى بلطفه وستره، فيذكره بذنوبه التي ارتكبها في الدنيا واحدة تلو الأخرى، حتى ييأس المؤمن من الرحمة ويظن أنه هلك. عندها يبشره الله بأنه قد سترها عليه في الدنيا ولم يفضحه، ويغفرها له في الآخرة، ثم يعطيه كتاب أعماله الحسنة بيمينه. أما الكفار والمنافقون، فيشهد عليهم الملائكة والشهداء بكفرهم ونفاقهم، ويُعلن أن لعنة الله عليهم.
الدروس المستفادة والعبر:
– سعة رحمة الله وعفوه: الحديث من أعظم ما يدل على سعة مغفرة الله ورحمته بعباده المؤمنين، حتى لمن كثرت ذنوبهم.
– فضل الستر في الدنيا والآخرة: من ستر الله عليه ذنبه في الدنيا ولم يفضحه، فإنه يرجى له أن يستره الله ويغفر له في الآخرة.
– الاعتراف بالذنب والندم طريق المغفرة:
-اعتراف العبد بذنبه وندمه عليه سبب عظيم لمغفرة الله له.
– الفرق بين حال المؤمن وحال الكافر: المؤمن ينتهي أمره إلى المغفرة والرحمة، والكافر والمنافق إلى الخزي واللعنة.
– الحث على الاستغفار وترك المعاصي:
– ⁠لينال العبد هذا الستر والمغفرة، فعليه أن يقلع عن الذنوب ويستغفر من زلاته.
– يستحب للعبد أن يدعو الله بأن يستره في الدنيا والآخرة،
-ومن الأدعية المشهورة : “اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي”.
– هذا الموقف خاص بالمؤمنين الذين ماتوا على الإسلام وإن كانوا مقصرين، أما من مات على الكفر أو النفاق فمصيره إلى العذاب.
– ينبغي للمسلم أن يكون ستراً لإخوانه في الدنيا، فلا يفشي أسرارهم ولا يعيرهم بذنوبهم، حتى يستره الله في الدنيا والآخرة.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يغفر لنا ذنوبنا ويستر عيوبنا، وأن يتوفانا وهو راض عنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر :
رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٤١)،
ومسلم في التوبة (٢٧٦٨) كلاهما من حديث هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرز، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
وفي مسلم نحوه وفيه: «وأمّا الكفار والمنافقون فينادَى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى