أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

صفقات مع الديكتاتوريات

تاريخ آخر لجمهورية ألمانيا الاتحادية

هذا الكتاب، “صفقات مع الديكتاتوريات: تاريخ آخر لجمهورية ألمانيا الاتحادية” (Deals mit Diktaturen: Eine andere Geschichte der Bundesrepublik)، لمؤلفه المؤرخ الألماني البارز فرانك بوش، الصادر عن دار نشر “سي هيرش بيك” (C.H. Beck) عام 2024، يمثل صدمة معرفية ومراجعة تاريخية عميقة تتجاوز السردية التقليدية لألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. فبينما اعتادت السردية الرسمية تصوير ألمانيا كـ”دولة نموذجية” نجحت في التطهر من ماضيها النازي وتحولت إلى منارة للديمقراطية وحقوق الإنسان، يأتي فرانك بوش ليفتح “الصناديق السوداء” للخارجية الألمانية والشركات الكبرى، كاشفاً عن شبكة معقدة من العلاقات البراغماتية، والصفقات السرية، والتحالفات التي جمعت بون مع أعتى الدكتاتوريات في العالم.

تحت عباءة “المعجزة الاقتصادية”.. عندما تصافح الديمقراطية الناشئة الطغاة

في ديسمبر من عام 1964، وصل رئيس وزراء الكونغو، مويز تشومبي، إلى برلين في زيارة رسمية. وبينما كانت السجادات الحمراء تُفرش له، كانت الشوارع تغلي غضباً؛ حيث رشق المتظاهرون موكبه بالطماطم، في مشهد وصفه الناشط الطلابي “رودي دوتشكه” آنذاك بأنه “بداية الثورة الثقافية”. كانت تلك اللحظة تجسيداً لشرخ عميق بدأ يتسع في وجدان ألمانيا الاتحادية: فجوة هائلة بين خطاب الدولة الديمقراطي وبين ممارساتها الدبلوماسية التي كانت ترحب بـ “الأباطرة” من إيران وإثيوبيا وسواهم من حكام العالم “بيدٍ حديدية”.

المفارقة الألمانية: ديمقراطية هشة ومصالح صلبة

ينطلق فرانك بوش، أستاذ التاريخ الأوروبي في جامعة بوتسدام ومدير مركز “لايبنتس” للتاريخ المعاصر، من تساؤل جوهري: كيف يمكن لدولة وُلدت من رماد النازية، وتعهدت ألا يتكرر الاستبداد أبداً، أن تصبح في الوقت نفسه شريكاً تجارياً وسياسياً وفياً لأنظمة قمعية في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا؟.

يرى بوش أن التعامل مع الدول غير الديمقراطية لم يكن مجرد “أثر جانبي” للعولمة أو “هفوات” لسياسيين بعينهم، بل كان جزءاً أصيلاً من استراتيجية بناء الدولة الألمانية بعد عام 1949. لقد كان لزاماً على ألمانيا التي دُمرت في الحرب أن تنهض اقتصادياً، وكان طريق هذه النهضة يمر عبر “تصدير الآلات” إلى كل ركن في العالم، بغض النظر عن طبيعة النظام الذي يشتريها.

عقيدة هالشتاين: الديكتاتور كحليف ضد “العدو الشرقي”

في الخمسينيات، وخلال عهد المستشار كونراد أديناور، لم تكن حقوق الإنسان تحتل مرتبة متقدمة في الأجندة الخارجية. كانت الأولوية المطلقة هي “عقيدة هالشتاين”، التي تقتضي قطع العلاقات مع أي دولة تعترف بألمانيا الشرقية الشيوعية. هنا، وجد الطغاة في العالم الثالث فرصة ذهبية للمساومة؛ فالديكتاتور في زائير أو إيران كان يضمن لبون الولاء السياسي ومنع الاعتراف بالشرق مقابل الحصول على القروض، والمساعدات التنموية، والسلاح.

يستعرض بوش في فصوله الأولى كيف تحول “شاه إيران” إلى الشريك المفضل. لقد كانت بون ترى فيه “مصلحاً” قادراً على تحديث بلاده، وتجاهلت تماماً ممارسات أجهزته الأمنية في قمع المعارضة. وفي المقابل، كان الشاه يغدق على الشركات الألمانية بالعقود الضخمة، بل ويصل الأمر إلى ممارسة ضغوط على حرية الصحافة داخل ألمانيا نفسها. يشير الكتاب إلى واقعة “ليكس ثريا” (Lex Soraya)، حيث حاولت السلطات الألمانية تقييد انتقادات الصحافة المحلية للملكة ثريا (زوجة الشاه) إرضاءً لغرور الحاكم المستبد في طهران، في مقايضة صريحة بين “السيادة الوطنية” و”المصالح التجارية”.

إرث النازية المتخفي في الدبلوماسية

أحد أكثر جوانب الكتاب إثارة للجدل هو تتبع بوش للاستمرارية البشرية في الجهاز الدبلوماسي الألماني. فالعديد من السفراء والخبراء الذين عملوا في عهد أديناور كانوا من كوادر الحقبة النازية السابقة. هؤلاء الرجال، بعقليتهم السلطوية المتأصلة، لم يجدوا غضاضة في التعامل مع الجنرالات في مدريد (فرانكو) أو لشبونة (سالازار). بل إنهم غالباً ما كانوا يبررون الانقلابات العسكرية في دول مثل اليونان أو تشيلي بوصفها “ضرورة لاستعادة النظام” ومنع “الفوضى الشيوعية”.

بالنسبة لهؤلاء الدبلوماسيين، كانت الديمقراطية “ترفاً” لا تزال بعض الشعوب في الجنوب “غير ناضجة” له، وهو ما سمح بنشوء لغة مشتركة بين نخبة بون الديمقراطية وطغاة العالم الثالث، لغة تقوم على “الاستقرار” و”الأمن” و”التنمية” فوق أي اعتبار آخر.

السينما والواقع: بريق الزيارات الرسمية

يصف بوش بدقة “الأبهة” التي كانت تُحيط بزيارات الديكتاتوريين إلى بون في الخمسينيات. كانت تلك الزيارات تُستغل كمنصات دعائية لإظهار القوة الاقتصادية الألمانية. كان الجمهور الألماني يصفق لـ “الملوك والجنرالات” القادمين من عوالم غريبة، بينما كانت التقارير الاستخباراتية التي تملأ أدراج الخارجية الألمانية تتحدث عن السجون الممتلئة والتعذيب المنهجي في تلك الدول.

لكن هذا “الصمت المريح” لن يدوم طويلاً. فمع نهاية الستينيات، ستبدأ رياح التغيير في الهبوب من داخل الجامعات الألمانية ومن أوساط المهاجرين الذين فروا من تلك الديكتاتوريات إلى ألمانيا، لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة بين “القيم” و”الصفقات”.

براندت وشميت.. عندما ترسم “المصالح” حدود “الانفتاح”

دخلت ألمانيا الاتحادية عقد السبعينيات وهي محملة بآمال عريضة؛ فالمستشار الاشتراكي الديمقراطي ويلي براندت، الحائز على جائزة نوبل للسلام، رفع شعار “المخاطرة بمزيد من الديمقراطية”. لكن فرانك بوش يكشف في كتابه أن هذا الشعار كان يواجه اختباراً عسيراً كلما اتجهت بوصلة المصالح نحو “نصف الكرة الجنوبي”.

مفارقة “السياسة الشرقية”: انفتاح في برلين وقمع في سانتياغو

يركز بوش على مفارقة تاريخية مذهلة: في الوقت الذي كان فيه ويلي براندت يمد يد المصالحة لكتلة الشرق الشيوعية (Ostpolitik) ويسعى لكسر حواجز الحرب الباردة، كانت حكومته والشركات الألمانية تتعامل بحذر -بل وبدعم مستتر أحياناً- مع ديكتاتوريات يمينية شرسة في أمريكا اللاتينية.

يتوقف الكتاب طويلاً عند “مأساة تشيلي” عام 1973. فعندما أطاح الجنرال أوغستو بينوشيه بحكومة سالفادور أليندي الاشتراكية المنتخبة، ساد الصمت في أروقة بون. لم يكن الصمت نابعاً من فراغ، بل من تقارير كانت تصل من السفارة الألمانية في سانتياغو تصف الانقلاب بأنه “ضرورة لإنقاذ الاقتصاد”. يوثق بوش كيف استمرت الشركات الألمانية الكبرى، مثل “باير” و”هويشت”، في العمل بشكل طبيعي، بل وزادت من استثماراتها تحت حكم العسكر، معتبرة أن “الاستقرار” الذي وفره بينوشيه هو المناخ الأمثل للتجارة.

الأرجنتين 1978: كرة القدم فوق جثث “المختفين”

ينتقل بوش إلى مشهد أكثر قتامة في الأرجنتين. ففي عام 1978، استضافت الأرجنتين كأس العالم تحت وطأة حكم “المجلس العسكري” الذي كان يمارس سياسة “الاختفاء القسري” ضد الآلاف من مواطنيه. هنا، يبرز الكتاب دور المستشار هلموت شميت، الذي خلف براندت. كان شميت، المعروف ببراغماتيته “الباردة”، يرفض بشدة الضغوط التي مارستها الكنيسة ومنظمات المجتمع المدني لمقاطعة البطولة أو الضغط على بوينس آيرس.

يكشف الكتاب عن وثائق سرية تُظهر أن الأولوية القصوى للحكومة الألمانية آنذاك كانت تأمين عقود لبناء مفاعلات نووية (Atucha II) وتوريد فرقاطات عسكرية من إنتاج شركة “تيسين كروب”. كان المنطق الألماني الرسمي يقول: “إذا لم نبع نحن، فسيبيع الفرنسيون أو البريطانيون”. لقد كانت “المنافسة الدولية” هي الذريعة الدائمة لتجاهل نداءات حقوق الإنسان.

ظهور “منظمة العفو الدولية”: الصداع الدبلوماسي الجديد

في هذا السياق، يسلط فرانك بوش الضوء على بزوغ فجر حركات حقوق الإنسان كفاعل سياسي جديد ومزعج للدولة. بدأت “منظمة العفو الدولية” (Amnesty International) في ألمانيا تكتسب زخماً كبيراً، وبدأت تنشر تقارير مفصلة عن التعذيب في سجون الديكتاتوريات التي يزور قادتها بون.

يصف بوش كيف تحول “ملف حقوق الإنسان” إلى بند ثقيل في حقائب الدبلوماسيين الألمان. لم يعد بإمكان الوزير أو المستشار تجاهل السؤال عن المعتقلين السياسيين أمام الكاميرات. ومع ذلك، يحلل بوش بذكاء كيف طورت الدبلوماسية الألمانية تقنية “الدبلوماسية الهادئة”؛ وهي عبارة عن إشارات خجولة تُقدم في الجلسات المغلقة لطلب إطلاق سراح سجين أو اثنين (غالباً من ذوي الأصول الألمانية أو ممن لديهم صلات قوية بالغرب)، مقابل استمرار الصفقات الكبرى بعيداً عن أعين الجمهور.

فولكس فاجن والبرازيل: عندما يصبح المصنع أداة مراقبة

من بين أكثر الفصول إثارة للصدمة في الكتاب، ذلك الذي يتناول تورط شركة “فولكس فاجن” في البرازيل خلال فترة الحكم العسكري (1964-1985). يعرض بوش كيف تعاونت إدارة المصنع بشكل مباشر مع أجهزة الاستخبارات العسكرية البرازيلية للتجسس على العمال والنقابيين، وتسليم “القوائم السوداء” للشرطة السياسية.

لم تكن “فولكس فاجن” مجرد مستثمر، بل أصبحت -كما يحلل بوش- جزءاً من الجهاز الأمني للديكتاتورية لضمان “سلامة الإنتاج”. وهذه النقطة تحديداً تكسر الأسطورة القائلة بأن الشركات هي مجرد “لاعب اقتصادي محايد”، بل هي فاعل سياسي يساهم في تثبيت أركان الأنظمة القمعية طالما أنها تضمن الأرباح.

إرث شميت وبراغماتية “الأزمات النفطية”

ينهي بوش هذا القسم بتحليل أثر أزمتي النفط في السبعينيات على السياسة الألمانية. فالحاجة الماسة للطاقة دفعت بون للارتقاء بعلاقاتها مع “ديكتاتوريات النفط” في الشرق الأوسط إلى مستويات استراتيجية. لم يعد الحديث عن “القيم” ممكناً عندما كانت المصانع الألمانية مهددة بالتوقف.

لقد صاغ هلموت شميت في تلك الحقبة عقيدة ألمانية غير معلنة: “الأمن القومي والأمن الاقتصادي أولاً”. وهي العقيدة التي ستستمر، بل وتتطور، مع وصول المحافظين إلى السلطة في الثمانينيات، وهو ما سنستعرضه في الجزء القادم من هذه المراجعة، حيث سنرى كيف تعاملت ألمانيا مع الصين الصاعدة، ومع دول “محور الشر” في خضم التحولات العالمية الكبرى.

عصر “كول” وصعود التنين.. عندما تهزم التجارةُ الدبابات

دخلت ألمانيا الثمانينيات تحت قيادة “المستشار الدائم” هلموت كول، الذي وعد بـ “تحول” (Wende) قيمي وسياسي. لكن بوش يثبت في فصوله المتعمقة أن هذا التحول كان في معظمه “شكلياً”، بينما ظل المحرك الأساسي للسياسة الخارجية هو “التصدير أولاً”.

فرانز جوزيف شتراوس: “الدبلوماسي الظل” والبحث عن العقود

يفرد بوش مساحة هامة لظاهرة فرانز جوزيف شتراوس، زعيم الحزب الاجتماعي المسيحي، الذي أدار ما يشبه “سياسة خارجية موازية” من ميونيخ. يوثق الكتاب كيف كان شتراوس يتجاوز وزارة الخارجية في بون ليعقد صفقات مباشرة مع أنظمة كان يُنظر إليها دولياً كـ “منبوذة”. كان شتراوس يرى أن المصالح الألمانية لا يجب أن تتوقف عند حدود الأيديولوجيا، سواء كان ذلك في “توجو” أو “ساحل العاج”، أو حتى في وساطاته المالية الغريبة مع ألمانيا الشرقية نفسها. لقد مهدت هذه التحركات الطريق لنموذج ألماني فريد: “دبلوماسية الشركات” التي تسبق دبلوماسية الدول

.

الصين: من “الثورة الثقافية” إلى “السوق الواعدة”

يعتبر الفصل الخاص بالصين من أهم فصول الكتاب، حيث يحلل بوش كيف تحولت بكين من “دكتاتورية شمولية” مخيفة في عهد ماو إلى “شريك استراتيجي” في عهد دينج شياو بينج. يكشف الكتاب أن ألمانيا الغربية كانت في الثمانينيات تستوعب حوالي نصف صادرات الصين إلى المجموعة الأوروبية.

لم يقتصر الأمر على التجارة؛ بل يوثق بوش “تغلغلاً ناعماً” شمل تبادل الخبرات الجامعية وتدريب الكوادر الصينية في المؤسسات الألمانية مثل “ماكس بلانك”، مما خلق شبكة من النخب الصينية التي تدين بتعليمها لألمانيا. وفي حين كانت بون ترفض رسمياً بيع الأسلحة الفتاكة لبكين، يوضح بوش كيف تم الالتفاف على ذلك من خلال “الإنتاج المشترك” مع دول أخرى (مثل فرنسا) لتوريد صواريخ مضادة للدبابات، أو عبر تصدير تقنيات “مزدوجة الاستخدام” (مدنية وعسكرية).

اختبار “تيانانمن” 1989: الصدمة ثم العودة إلى العمل

يصل الكتاب إلى لحظة الحقيقة في يونيو 1989، عندما سحقت الدبابات الصينية احتجاجات ساحة “تيانانمن”. يصف بوش رد الفعل الألماني بأنه كان “مزيجاً من الذهول الأخلاقي والحذر الاقتصادي”. فرغم فرض عقوبات مؤقتة ووقف الزيارات الرسمية، إلا أن الوثائق التي استخرجها بوش تظهر كيف بدأت الحكومة والشركات الألمانية في البحث عن سبل “لتطبيع” العلاقات بعد أشهر قليلة فقط.

بحلول عام 1990، كان المسؤولون الألمان يلتقون بالقادة الصينيين سراً، وبدأت العقوبات تتآكل تدريجياً تحت ضغط الحاجة إلى تأمين العقود الكبرى في البنية التحتية الصينية الناشئة. يخلص بوش إلى أن تجربة “تيانانمن” أرست قاعدة ستتبعها ألمانيا لثلاثة عقود: “الانتقاد الخجول في العلن، والشراكة العميقة في السر”.

ليبيا والعراق: فضائح “مصانع الموت”

لا يغفل بوش الجوانب القاتمة للبراغماتية الألمانية في الشرق الأوسط. ففي عهد معمر القذافي، تورطت شركات ألمانية في بناء ما عُرف بمصنع “الرابطة” للأسلحة الكيميائية، والذي وصفته الصحافة الدولية آنذاك بـ “أوشفيتز في الرمال”.

يوثق الكتاب كيف كانت التقنيات والخبرات الألمانية تتدفق إلى أنظمة مثل العراق وليبيا تحت ستار “المشاريع الصناعية”، بينما كانت الأجهزة الاستخباراتية الألمانية تغض الطرف أحياناً لضمان استمرار تدفق النفط وتأمين عقود الإعمار. كانت هذه الصفقات تمثل قمة التناقض: دولة تفتخر بدستورها الأخلاقي، لكن شركاتها تساهم في تسليح أكثر الأنظمة دموية في المنطقة.

إرث الثمانينيات المستمر

ينهي بوش هذا القسم بالإشارة إلى أن الثمانينيات لم تكن مجرد عقد عابر، بل هي التي أسست لمفهوم “التغيير عبر التجارة” (Wandel durch Handel)، وهي العقيدة التي ستتبناها أنجيلا ميركل لاحقاً. لقد آمن الساسة الألمان أن دمج الدكتاتوريات في السوق العالمي سيؤدي بالضرورة إلى ديمقراطيتها، وهو الرهان الذي يثبت بوش –بالنظر إلى واقع الصين اليوم– أنه كان رهاناً خاسراً من الناحية السياسية، وإن كان رابحاً جداً من الناحية المالية.

من “دبلوماسية الساونا” إلى حُراس البوابات.. انهيار الأوهام في عالم معولم

في الثامن والعشرين من أبريل عام 2014، نظمت شركة “نورد ستريم” حفل استقبال باذخ بمناسبة عيد الميلاد السبعين للمستشار الألماني الأسبق جيرهارد شرودر في قصر “يوسوبوف” بمدينة سان بطرسبرج الروسية. كان من بين الحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سارع شرودر لمعانقته بحرارة، متجاهلاً حقيقة أن روسيا كانت قبل ذلك بوقت قصير قد احتلت شبه جزيرة القرم. لم يكن هذا العناق استثناءً في مسيرة المستشار الأسبق؛ فقد احتفل بعيد ميلاده الخامس والستين في هانوفر بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتقى في رحلاته الخارجية بالرئيس السوري بشار الأسد، وبقادة إيران، بل وانتقد خليفته أنجيلا ميركل بشدة عندما أثارت مسألة قمع التبت خلال زيارتها للصين.

يتخذ فرانك بوش من هذه المشاهد مدخلاً صادماً لفتح ملف العلاقات الألمانية مع الأنظمة الاستبدادية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، ليثبت أن “الصفقات مع الدكتاتوريات” لم تكن مجرد ضرورة أملتها الحرب الباردة، بل إرثاً ممتداً أعاد إنتاج نفسه في عصر العولمة.

سراب الديمقراطية وتدخلات “لن يتكرر أوشفيتز”

مع انهيار المعسكر الاشتراكي مطلع التسعينيات، ساد تفاؤل عالمي بقرب سيادة الديمقراطية والأسواق الحرة وحقوق الإنسان، وتحدث علماء السياسة عن “الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي”. لكن هذا التفاؤل سرعان ما تبدد مع اندلاع الحروب الأهلية وظهور حكام سلطويين جدد، وبروز أنظمة دكتاتورية في دول غنية بالنفط في الشرق الأوسط، وفي دول مثل سنغافورة والصين، حيث لم تؤدِ الثروة الجديدة والسياحة إلى تحرر سياسي، بل إلى ترسيخ هيمنة نخب فاسدة دعمت بعضها البعض.

في هذا السياق المعقد، حاولت ألمانيا الموحدة البحث عن دور خارجي جديد. والمفارقة التي يرصدها بوش هنا هي كيف تم توظيف “عقدة الذنب” التاريخية الألمانية لتبرير التدخل العسكري بدلاً من تبرير العزلة. فبينما كان الماضي النازي يُستخدم سابقاً كحجة لرفض إرسال قوات ألمانية للخارج، استخدم وزير الخارجية المنتمي لحزب الخضر، يوشكا فيشر، شعار “لن يتكرر أوشفيتز أبداً” لتبرير فرض حقوق الإنسان بقوة السلاح، والمشاركة في ضربات حلف الناتو في حرب كوسوفو عام 1999. رغم ذلك، ظلت ألمانيا “دولة تجارية ما بعد عسكرية تتجنب المخاطر”، وركزت سياستها الخارجية بالأساس على تأمين مصالحها الاقتصادية.

المِلَف الروسي: من “أولوية موسكو” إلى “سياسة الصقيع”

لم تبدأ التقاربات مع روسيا في عهد شرودر، بل تعود إلى حكومة هلموت كول التي انتهجت سياسة “أولوية موسكو” (Moscow first) بعد توحيد ألمانيا، مدفوعة بتقديم مساعدات مالية ضخمة لتسهيل انسحاب الجيش الأحمر. كان كول يطمح لإدماج روسيا في الغرب، ونسج علاقة ودية مع بوريس يلتسين سُميت تندراً بـ “دبلوماسية الساونا”.

حاول شرودر في بداية عهده النأي بنفسه عن هذا الإرث بشعار “الخروج من الساونا”، لكنه سرعان ما عاد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين للتقارب مع بوتين، مبرراً ذلك بشعار “التغيير عبر التجارة”، ومقللاً من شأن الانتهاكات الروسية في الشيشان التي وصفها بأنها شأن داخلي وحرب على الإرهاب.

استمرت أنجيلا ميركل في هذا النهج المزدوج؛ فرغم تخليها عن “صداقة الساونا”، واصلت اللقاءات المنتظمة ودعم العلاقات التجارية والاستثمارية. وحتى بعد احتلال القرم في 2014، ورغم دفع ميركل باتجاه فرض عقوبات أوروبية قاسية أدت لانخفاض الصادرات الألمانية لروسيا بنسبة 25% ، استمرت حكومتها في دعم مشروع خط أنابيب “نورد ستريم 2″، مبررة ذلك بأنه “مشروع اقتصادي بحت” متجاهلة طابعه السياسي العميق، ومتحملة التوترات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجله.

حراس البوابات: توظيف الطغاة في أزمة اللاجئين

يُسلط الكتاب الضوء على تحول خطير في السياسة الألمانية والأوروبية خلال أزمة الهجرة في العقد الماضي؛ حيث أدت الرغبة في الحد من تدفق اللاجئين إلى تعميق التعاون مع دكتاتوريات أفريقية وشرق أوسطية. فمن أجل إغلاق طرق الفرار من أفريقيا، سعت إيطاليا والاتحاد الأوروبي للتعاون مع معمر القذافي، وقدموا له تكنولوجيا مراقبة وقوارب دورية رغم الحظر المفروض عليه للتسليح.

وعندما زارت ميركل النيجر –التي كانت تقبع في ذيل مؤشرات الديمقراطية– وعدت بتقديم مساعدات مالية ضخمة مقابل الحد من مرور اللاجئين نحو البحر المتوسط، لتصبح النيجر المتلقي الأول للمساعدات التنموية الألمانية للفرد. والأبرز من ذلك كان الاتفاق الأوروبي مع تركيا في 2016، بقيادة ألمانية، والذي منح الرئيس التركي أردوغان مليارات اليوروهات ومزايا سياسية مقابل احتجاز اللاجئين السوريين، وهو ما زاد من نفوذه الداخلي والخارجي رغم القمع المتزايد الذي كان يمارسه ضد معارضيه والصحفيين. يؤكد بوش أن تدفق اللاجئين جعل الأنظمة الاستبدادية تستخدمهم كورقة مساومة لابتزاز الديمقراطيات الغربية.

خلاصة قاسية: “التجارة عبر التغيير”

يختتم فرانك بوش كتابه باستنتاج مرير؛ فالسياسة الخارجية والاقتصادية الألمانية طوال عقود ساهمت بشكل مباشر في التعزيز الاقتصادي للأنظمة الاستبدادية في إيران وليبيا والصين وحتى الاتحاد السوفيتي. ورغم تنامي دور حقوق الإنسان في الخطاب الرسمي، واستخدام برلين للعقوبات بشكل انتقائي تحت ضغط الرأي العام، إلا أن الرهان الألماني على أن “التغيير يأتي عبر التجارة” (Wandel durch Handel) أثبت فشله الذريع.

في حالة الصين تحديداً، يرى بوش أن إدخال الرأسمالية والتعاون مع الديمقراطيات لم يؤدِ إلى التحرر السياسي، بل أفرز نظاماً هجيناً هو “اشتراكية السوق ذات الخصائص الصينية”. والأسوأ من ذلك، وفقاً للمؤلف، هو أن المبدأ انعكس على ألمانيا نفسها؛ فبدلاً من أن تغير التجارةُ الدكتاتوريات، تسببت المصالح الاقتصادية العميقة في تكيّف الديمقراطيات الغربية، وفي مقدمتها ألمانيا، مع قواعد وقمع هذه الدكتاتوريات، ليتحول الشعار فعلياً إلى “التجارة عبر التغيير” (Handel durch Wandel)، حيث تغيرت ألمانيا لتلائم شركاءها الاستبداديين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى