أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“هل الرياضة لعبة؟”

من براءة اللعب إلى هيمنة النظام

إن تفكيك الظواهر الإنسانية المألوفة وإعادة وضعها تحت المجهر التحليلي هو ما يميز العقل الباحث الذي لا يكتفي بالقشور، بل يغوص في أعماق البنى المجتمعية ليكشف عن محركاتها الحقيقية. في هذا السياق، يبرز كتاب “هل الرياضة لعبة؟” (Le sport est-il un jeu) لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي البارز “فيليب ديسكولا” (Philippe Descola)، والصادر ضمن سلسلة “الإنسان اللاعب” (Homo Ludens)، كوثيقة نقدية بالغة الأهمية. هذا العمل يقدم سرداً أكاديمياً مكثفاً يتجاوز حدود الملاعب الرياضية ليتطرق إلى صميم التفاعلات الإنسانية، وطبيعة التكوين البنيوي للمجتمعات، وكيفية انتقال الأفكار والممارسات وتجذرها عبر بنية النظام الدولي.

ينطلق ديسكولا من تساؤل يبدو للوهلة الأولى بديهياً: هل الرياضة التي نعرفها اليوم وتملأ شاشاتنا وتهيمن على نقاشاتنا، هي حقاً مجرد “لعبة”؟ للإجابة عن هذا التساؤل العميق، يعقد المؤلف مقارنة أنثروبولوجية حادة وصريحة بين مفهوم “الرياضة” كما كرسه وأسس له النموذج الغربي الحديث، ومفهوم “اللعب” كما تمارسه وتفهمه المجتمعات غير الحديثة أو الأصلية. ويتخذ ديسكولا من مجتمعات أمريكا اللاتينية، وتحديداً شعب “الأشوار” (Achuar) في حوض الأمازون، نموذجاً تطبيقياً حياً لهذه الدراسة.

في النموذج الأمازوني البديل، عندما يمارس أفراد “الأشوار” نشاطاً يشبه كرة القدم، فإن الغاية القصوى والهدف الجوهري من هذا النشاط لا يمت بصلة من قريب أو بعيد إلى مفهوم “الانتصار” أو “الهزيمة”، وهما المفهومان اللذان يحكمان العقلية الحديثة بقبضة من حديد. اللعب لدى هذه المجتمعات هو غاية قائمة بذاتها؛ إنه ممارسة طقسية جماعية تهدف في المقام الأول إلى تعزيز الترابط واستمرارية النسيج المجتمعي. يركض اللاعبون، يتناقلون الكرة، ويسجلون الأهداف، بمهارة وشغف، ولكن بمجرد اقتراب اللعبة من نهايتها الزمنية، تتعمد الأطراف المشاركة، بوعي جمعي مذهل، ضبط الإيقاع وتعديل النتائج بطريقة عفوية لضمان خروج الجميع متعادلين. لا توجد تراتبية يتم فرضها في نهاية المطاف، ولا يوجد فائز يفرض سطوته الرمزية أو المادية على خاسر منكسر. إنها ممارسة اجتماعية خالية تماماً من محاولات ترسيخ اللامساواة، حيث يتم تذويب النزعة الفردية الطاغية لصالح التناغم الجماعي المطلق، وإعادة تأكيد أواصر التضامن.

على النقيض من ذلك تماماً، يضعنا ديسكولا أمام المرآة لنرى حقيقة النموذج الغربي للرياضة؛ وهو النموذج الذي لم يبقَ حبيس جغرافيته الأصلية، بل تم تصديره وفرضه على بقية أنحاء العالم كجزء من عملية هيمنة ثقافية واسعة النطاق، تترافق بشكل لا يمكن إنكاره مع تحولات النظام الدولي وتوازنات القوى فيه. لقد جرد العقل الغربي الحديث “اللعب” من براءته وغايته التشاركية البسيطة، وحوله إلى “رياضة تنافسية” (Competitive Sport) مؤسسية، مبنية بالأساس على فكرة الصراع المفتوح، وإثبات التفوق الحتمي، وإقصاء الآخر وتهميشه.

هذا النموذج التنافسي الغربي يحمل في طياته، كما يجادل ديسكولا ببراعة، منظومة قيمية كاملة تعكس بدقة بنية المجتمعات الرأسمالية الحديثة والفلسفات التي قامت عليها. فالرياضة المعاصرة، بشكلها المؤسسي والتجاري، تقوم على تمجيد الفردانية، وتكريس اللامساواة كمآل حتمي وطبيعي بل ومطلوب لأي تفاعل بشري. فضلاً عن ذلك، تعتبر الرياضة التنافسية أداة سياسية واجتماعية بالغة الفعالية لتأجيج المشاعر القومية وتوجيه الجماهير. في الملاعب الحديثة، لا يتم الاحتفاء بمتعة المشاركة في حد ذاتها، بل تتركز الأضواء والمكاسب على الهيمنة المطلقة للفائز، وهو ما يعكس، في جوهره، استنساخاً مصغراً لآليات التنافس الجيوسياسي والاقتصادي والصراع على الموارد والمكانة التي تحكم العالم المعاصر.

لا يتوقف سرد ديسكولا الأنثروبولوجي عند حدود رصد الاختلافات السلوكية أو نقد المؤسسات الرياضية، بل يغوص في الأبعاد الفلسفية الأعمق، مستمداً أدواته من نظريته الشهيرة والمؤثرة حول “ثنائية الطبيعة والثقافة”. فالرياضة الحديثة، من هذا المنظور، لم تعد مجرد نشاط بدني ترفيهي، بل تحولت إلى ساحة علمية وعملية لاختبار حدود الجسد البشري، وتطويعه، وإخضاعه لمعايير صارمة من القياس المتواصل، والضبط الدقيق، والتحسين المستمر. الإنسان في قلب المنظومة الرياضية التنافسية يتحول تدريجياً إلى ما يشبه “الآلة” المعقدة، حيث تتلاشى الفروق بمرور الوقت بين ما هو بيولوجي عضوي وما هو تقني اصطناعي. وتصبح الغاية الكبرى هي كسر الأرقام القياسية وتحقيق أقصى درجات الكفاءة الإنتاجية القصوى، تماماً كما تتطلب آليات السوق المفتوح وسلاسل الإمداد في المنظور الاقتصادي.

إن تفكيك ديسكولا لهذا النموذج يدفعنا للتأمل العميق والنقدي في الكيفية التي استطاعت بها مفاهيم وممارسات محددة، نابعة من سياق ثقافي معين، أن تفرض نفسها بمرور الوقت كمسلمات عالمية لا تقبل الجدل. الغرب، عبر أدوات قوته الناعمة وآلياته المؤسسية العابرة للحدود، جعل من الرياضة التنافسية لغة عالمية موحدة، لكنها لغة مبنية في أساسها على قواعد المنتصر، تفرض على الجميع الانخراط في سباق محموم لا يعترف إلا بالنتائج الكمية والأرقام، متجاهلة الجوهر الإنساني الأصيل لفكرة اللعب؛ تلك الفكرة التي عرفتها البشرية ومارستها لآلاف السنين كأداة عابرة للحواجز تؤكد على التواصل، والتكافؤ، والمساواة الإنسانية.

في هذا السياق، يتتبع المؤلف مسار تحول “اللعب” العفوي إلى “رياضة” مقننة. لقد تم إخضاع النشاط البدني لترسانة من القوانين الصارمة، واللوائح الدقيقة، والاتحادات القارية والدولية التي تحتكر حق التنظيم وتحديد المعايير. هذا الانتقال من العفوية إلى المأسسة يعكس في جوهره رغبة ملحة في السيطرة والضبط. إن الرياضة المؤسسية، بقواعدها التي تحتم حتمية الفوز والخسارة، تكرس لمفهوم “المباراة الصفرية”؛ وهو المفهوم ذاته الذي يحكم التفاعلات الاستراتيجية الصلبة بين الفاعلين الدوليين في ساحة النظام العالمي. في كلا الحالتين، يُنظر إلى الموارد – سواء كانت الميدالية الذهبية، أو النفوذ الجيوسياسي، أو السيطرة على سلاسل الإمداد – على أنها محدودة، ولا يمكن لطرف أن يحقق مكسباً إلا على حساب خسارة الطرف الآخر.

يغوص ديسكولا في تحليل التوظيف السياسي للرياضة، موضحاً كيف التقطت الدولة الحديثة هذا النموذج التنافسي بذكاء براغماتي شديد، لتحوله إلى أداة من أدوات القوة الناعمة، ووسيلة بالغة التأثير في تشكيل الهويات الوطنية وهندستها. لم تعد الملاعب مجرد ساحات للتباري البدني، بل أصبحت ميادين رمزية تُخاض فيها صراعات الإرادات بين الأمم. عندما يقف الرياضي على منصة التتويج، ويُرفع علم بلاده، ويُعزف نشيدها الوطني، فإن هذا المشهد يتجاوز الإنجاز الفردي ليتحول إلى استعراض لقوة الدولة، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على إنتاج “المتفوقين”.

إن هذا الاستثمار الكثيف في الرياضة التنافسية من قبل الدول يسلط الضوء على آليات التعبئة الجماهيرية. فالرياضة توفر سردية وطنية متماسكة، تجمع المواطنين حول هدف مشترك، وتخلق شعوراً بالانتماء والتفوق الجمعي. ومع ذلك، يحذر ديسكولا من الأبعاد الإقصائية لهذه السردية؛ فالهوية الوطنية التي تُبنى على أساس الانتصار الرياضي هي هوية تتغذى على إقصاء “الآخر” وتأكيد الدونية عليه. هذا النمط من التفكير الرياضي يعيد إنتاج التراتبيات القومية، ويبرر الهيمنة الثقافية، ويجعل من الصراع الدائم حالة طبيعية ومقبولة جماهيرياً.

علاوة على ذلك، يربط ديسكولا بين هذا التوجه التنافسي الشرس وبين تسليع الجسد البشري. في ظل هذا النظام، يصبح جسد الرياضي أشبه برأس مال استراتيجي، يخضع للاستكشاف، والتطوير، وإعادة الهيكلة المستمرة لزيادة عوائده الإنتاجية إلى الحد الأقصى. تتدخل العلوم البيولوجية، وتقنيات التغذية، والتحليلات البيانية الدقيقة لتحويل الإنسان إلى مشروع استثماري متكامل. يتم قياس كل حركة، وحساب كل سعرة حرارية، وتحليل كل استجابة عصبية، تماماً كما يتم تقييم كفاءة الاقتصادات المتقدمة وإدارة الموارد الحيوية النادرة. الجسد هنا يُنتزع من سياقه الإنساني والطبيعي، ليصبح ترساً فائق الكفاءة في آلة التنافس العالمية الكبرى.

من خلال هذه القراءة، يقدم لنا ديسكولا سردية مضادة ومزعجة للوعي المستقر. فهو ينزع عن الرياضة المعاصرة هالتها الرومانسية التي تروج للمحبة والسلام العالمي، ليكشف عن هيكل عظمي قائم على تمجيد القوة، وتكريس الفردانية، وتعميق اللامساواة. إن تصدير هذا النموذج الغربي للرياضة ليصبح المعيار الأوحد في كل أرجاء الكوكب، لا يعدو كونه تجلياً آخر من تجليات الهيمنة الثقافية والسياسية التي تفرض قواعد الاشتباك، وتحدد من يحق له الصعود ومن يُحكم عليه بالبقاء في الهامش.

يرصد المؤلف بذكاء كيف أدى صعود الرأسمالية المتأخرة إلى إعادة صياغة مفهوم “الزمن الرياضي”. ففي المجتمعات التقليدية، كان زمن اللعب مرتبطاً بالدورة الطبيعية للحياة، بالمواسم، أو بالاحتفالات الدينية والاجتماعية. أما في النسق العالمي الراهن، فقد تم “تقييس” هذا الزمن وإخضاعه لمتطلبات البث الفضائي وساعات الذروة الإعلانية. لقد أصبحت المباراة، في جوهرها، محتوى بصرياً يتم بيعه وتسويقه بمليارات الدولارات. هذا التحول لم يغير فقط طريقة مشاهدتنا للرياضة، بل غير بنيتها الداخلية؛ فأصبحت القواعد تُعدل أحياناً لتناسب “إيقاع الفرجة” وتضمن استمرارية الإثارة التي تدر الأرباح، مما يعني تغليب المنطق التجاري على المنطق الرياضي الأصيل.

يحلل ديسكولا دور “الإعلام” ليس كجسر للنقل، بل كفاعل أساسي في إعادة اختراع الرياضة. فالبث الفضائي عابر للحدود خلق ما يمكن تسميته بـ “المشجع العالمي” (The Global Fan). هذا الكائن الجديد قد يسكن في القاهرة أو بكين أو نيروبي، لكن ولاءه العاطفي المطلق واليومي موجه لنادٍ في لندن أو مدريد. هذا الاغتراب عن “المحلي” لصالح “العالمي” هو جزء من عملية تذويب الهويات التقليدية وإحلال “هوية استهلاكية” مكانها. الولاء هنا لم يعد مرتبطاً بالجغرافيا أو بالانتماء العضوي للمكان، بل بمدى قوة العلامة التجارية للنادي وقدرتها على التسويق الرمزي.

ومن هنا، يبرز مفهوم “تسليع العاطفة”. فالأندية الكبرى لم تعد مجرد جمعيات رياضية، بل تحولت إلى شركات مساهمة وكيانات مالية معقدة تبحث عن التوسع في الأسواق الناشئة. إن ديسكولا يرى في هذا التوسع شكلاً من أشكال “الاستعمار الثقافي الجديد”، حيث يتم تصدير أنماط استهلاكية ورموز غربية تحت غطاء “الروح الرياضية” و”اللعب النظيف”. الرياضة هنا تعمل كقوة ناعمة جبارة تمهد الطريق لقبول المنظومة القيمية الغربية برمتها، بما تتضمنه من تمجيد للمنافسة الشرسة، وتقديس للأرقام والنتائج، وإعلاء من شأن النجاح المادي الفردي.

في هذا السياق، يتطرق الكتاب إلى الفجوة العميقة بين “مركز” النظام الرياضي العالمي و”أطرافه”. فبينما تتركز الثروات، والتكنولوجيا الرياضية، والنجومية في حفنة من الأندية والمدن الغربية، تتحول بقية دول العالم إلى “خزانات للمواد الخام” البشرية. يتم استنزاف المواهب الشابة من القارات الأخرى وتصديرها للمراكز العالمية، في عملية تشبه تماماً سلاسل الإمداد في الصناعات الثقيلة. هذا “النزيف الرياضي” يعمق اللامساواة الدولية، ويجعل من المستحيل على المجتمعات المحلية بناء منظومات رياضية مستقلة تعبر عن ثقافتها وتطلعاتها الخاصة.

ولا يفوت ديسكولا أن يربط بين هذا الواقع الاقتصادي وبين “مجتمع الاستعراض” (Society of the Spectacle). فالرياضة الحديثة تقدم جرعات مكثفة من “الدراما الجاهزة” التي تشغل الجماهير وتصرف أنظارهم عن القضايا السياسية والاجتماعية الجوهرية. إنها تعمل كنوع من “الأفيون المعاصر” الذي يوفر شعوراً زائفاً بالإنجاز والانتصار الجماعي، بينما تظل موازين القوى الحقيقية في العالم دون تغيير. إن الانتصار في الملعب يصبح تعويضاً رمزياً عن الهزائم في ميادين التنمية والاستقلال السياسي والاقتصادي.

إن هذه القراءة النقدية التي يقدمها ديسكولا تجبرنا على التساؤل: هل ما زلنا نلعب حقاً؟ أم أننا مجرد كومبارس في مسرحية عالمية كبرى كُتبت نصوصها في غرف مجالس إدارات الشركات الكبرى؟ إن “اللعبة” في منظور ديسكولا قد فقدت روحها بمجرد أن دخلت في حسابات الأرباح والخسائر، ولم يبقَ منها سوى هيكل تقني ومشهدي يخدم استمرار النظام العالمي الراهن.

ينطلق ديسكولا من فكرة أن الرياضي “السوبر” يمثل ذروة التجسيد المادي للقيم التي يقوم عليها النظام العالمي المعاصر. هذا البطل ليس مجرد إنسان يمتلك موهبة بدنية، بل هو “نصب تذكاري متحرك” لمفاهيم الاستحقاق الفردي والإرادة الصلبة. في عالم يزداد تعقيداً وتشابكاً، حيث يشعر الفرد العادي بضآلة تأثيره أمام القوى البيروقراطية والاقتصادية العملاقة، يأتي البطل الرياضي ليقدم سردية مغرية وبسيطة: “النجاح هو نتاج الجهد الفردي الخالص”. إن ديسكولا يفكك هنا “أسطورة العصامي” التي تروج لها الرياضة، معتبراً إياها أداة إيديولوجية قوية لتبرير التفاوتات الاجتماعية؛ فإذا كان الفوز في الملعب متاحاً لمن يجتهد أكثر، فإن الفوز في الحياة – بالتبعية – يصبح مقياساً للجدارة، متجاهلاً بذلك العوامل الهيكلية والظروف المحيطة.

يغوص المؤلف في تحليل “جسد البطل” كفضاء للتقاطع بين الطبيعة والتقنية. في الأنثروبولوجيا التي يتبناها ديسكولا، لم يعد جسد الرياضي ملكاً له، بل أصبح “مختبراً” يتم فيه اختبار حدود الإمكانات البشرية. هذا الجسد الذي يُصقل بالتدريب العلمي الشاق، ويُراقب بالأجهزة الدقيقة، ويُحسّن بالأنظمة الغذائية الصارمة، يتحول إلى “أيقونة بيولوجية”. الجمهور لا يعجب فقط بالمهارة، بل يعجب بقدرة الإنسان على “تجاوز طبيعته”. هنا تتحول الرياضة إلى نوع من “الدين الدنيوي” أو “القداسة العلمانية”، حيث يصبح الاستاد هو الكنيسة، والمباراة هي الطقس، والنجوم هم القديسون الذين ينتظر منهم المعجزات.

ويشير ديسكولا ببراعة إلى أن “تأليه الأبطال” في العصر الحالي يتجاوز الحدود الوطنية ليخلق “رموزاً عابرة للثقافات”. فالنجم الرياضي العالمي (مثل ميسي أو رونالدو أو ليبرون جيمس) يتحول إلى علامة تجارية عالمية (Brand) تمتلك لغة بصرية يفهمها الجميع من الغرب إلى الشرق. هذا النوع من النجومية يعمل كأداة لتنميط الذوق العالمي؛ فبدلاً من أن تمتلك كل ثقافة أبطالها المحليين المرتبطين بقيمها الخاصة، يفرض النظام الرياضي العالمي “نموذجاً موحداً للبطل” يقوم على التنافسية القصوى والاستهلاك المظهري. البطل الرياضي اليوم هو وسيط إعلاني بقدر ما هو لاعب، وقوته الرمزية تُستغل لتوجيه سلوك المليارات من البشر نحو أنماط استهلاكية محددة.

علاوة على ذلك، يحلل الكتاب ظاهرة “الولاء المطلق” للأبطال كنوع من الهروب من الواقع. المشجع الذي يتماهى مع بطله المفضل يجد في انتصار هذا البطل تعويضاً نفسياً عن إخفاقاته الشخصية أو شعوره بالتهميش في نظام دولي غير عادل. إن ديسكولا يرى في هذا التماهي خطراً يهدد الوعي الجمعي؛ لأنه يحول الطاقات النقدية والسياسية للجماهير إلى طاقات عاطفية “محتواة” داخل إطار الملعب. بدلاً من المطالبة بتغيير حقيقي في توازنات القوى أو تحسين شروط الحياة، تنفجر هذه الطاقات في صراخ مدرجات أو نقاشات حادة حول “من هو الأفضل تاريخياً”.

إن صناعة الأيقونة الرياضية، كما يصفها ديسكولا، هي عملية “هندسة اجتماعية” بامتياز. يتم اختيار البطل، وتلميع صورته، وحمايته إعلامياً، وبناء سردية حول “كفاحه” لخدمة غرض واحد: إقناع الناس بأن النظام الحالي، القائم على المنافسة الشرسة والنتائج الكمية، هو النظام الطبيعي والوحيد الممكن. البطل الرياضي هو “المبشر” الأكبر بمبادئ الرأسمالية المتأخرة، حيث يتم اختزال الإنسان في رقم، والممارسة في نتيجة، واللعب في سلعة.

بهذا، يضعنا ديسكولا أمام حقيقة صادمة: إن إعجابنا المفرط بالأبطال الرياضيين ليس مجرد تقدير للموهبة، بل هو انعكاس لمدى تغلغل قيم النظام التنافسي في أعماق وجداننا. لقد فقدنا “براءة اللعب” لصالح “هوس النجومية”، وأصبحنا نقدس في الأبطال بالضبط تلك الصفات التي تجعل العالم المعاصر مكاناً موحشاً وضاغطاً: الرغبة في السحق، الهوس بالرقم، والبحث الدائم عن التفوق على الآخرين.

يختم ديسكولا أطروحته بعد هذا التشخيص بسؤال هل ثمة مخرج؟ وهل يمكن استعادة “اللعب” بوصفه ممارسة حرة، تواصلية، وغير نفعية؟

يرى ديسكولا أن التحدي الأكبر الذي يواجه مستقبل الرياضة يكمن في “النزعة التقنية” المتطرفة. فمع دخول الذكاء الاصطناعي، والتحليلات البيانية المعقدة، وتقنيات التعديل الحيوي، لم يعد هناك مجال للعفوية أو “الصدفة” التي هي ملح أي لعبة حقيقية. الرياضة تسير بخطى حثيثة نحو “المكننة المطلقة”، حيث يتم التنبؤ بكل حركة والسيطرة على كل نتيجة. هذا المسار، بحسب ديسكولا، يهدد بإفراغ الرياضة من جوهرها الإنساني وتحويلها إلى مجرد “استعراض تقني” بارد، يفقد فيه الجمهور قدرته على التماهي العاطفي الصادق.

ومع ذلك، يترك ديسكولا نافذة مواربة للأمل، تكمن في ما يسميه “الممارسات الهامشية”. فبعيداً عن أضواء الكاميرات وصخب الاستادات المليارية، لا يزال “اللعب” حياً في شوارع المدن المكتظة، وفي ملاعب القرى النائية، وفي الممارسات الرياضية غير الاحترافية. هناك، حيث لا توجد عقود رعاية ولا أرقام قياسية مرصودة، يستعيد الإنسان قدرته على التواصل مع الآخر ومع جسده بعيداً عن ضغوط “الإنتاجية”. إن هذه المساحات العفوية هي “المحميات الطبيعية” الأخيرة لروح اللعب، وهي التي تذكرنا بأن الإنسان هو في جوهره “كائن لاعب” (Homo Ludens) قبل أن يكون كائناً اقتصادياً أو سياسياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى