أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

حبر العلماء: قراءة تفكيكية في جذور الفلسفة الإفريقية وصراع الهيمنة الفكرية

في عالم تتشابك فيه صراعات القوى العالمية مع الهيمنة الثقافية، يبرز كتاب “حبر العلماء: تأملات في الفلسفة في إفريقيا” (The Ink of the Scholars: Reflections on Philosophy in Africa) للفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان ، كوثيقة فكرية حاسمة تعيد رسم خرائط المعرفة. هذا العمل، الذي نقله إلى الإنجليزية جوناثان أدجميان ، ليس مجرد استعراض لتاريخ الأفكار في القارة السمراء، بل هو تفكيك منهجي للمركزية الأوروبية التي طالما احتكرت مفهوم “العقل” وأقصت الآخر في هوامش النسيان.

من خلال دمج التحليل الفلسفي العميق مع النقد التاريخي، يفكك الكتاب الأطروحات الكلاسيكية حول العقلانية المزعومة للغرب مقابل “الشفاهية” أو “القبلية” الإفريقية، ويقدم أطروحة متماسكة تعيد الاعتبار للترجمة الدقيقة، ولتاريخ الإمبراطوريات الفكرية، وللغة كأداة للتحرر بدلاً من كونها قيداً استعمارياً.

مدخل: من دماء الشهداء إلى حبر التدوين

يستمد الكتاب عنوانه من قول مأثور: “مداد العلماء أوزن من دماء الشهداء”. هذا العنوان ليس مجرد اختيار بلاغي، بل هو استدعاء لروح مدينة تمبكتو الأسطورية، التي كانت تاريخياً منارة فكرية ومركزاً حيوياً للتعلم والتبحر الكتابي. يستعير ديان هذا المفهوم من العالم المالي الشهير أحمد بابا التمبكتي، الذي جعل من هذا الحديث جوهر عمله في تسليط الضوء على فضل العلماء وأهمية نقل المعرفة.

إن الهدف الاستراتيجي من هذا العنوان هو إحداث إزاحة منهجية في كيفية النظر إلى التراث الإفريقي؛ فهو ينقل التركيز من النقاش المعتاد والمستهلك حول “الشفاهية” والتقاليد المروية، إلى النظر بجدية في تقليد عريق من المعرفة المدونة. هذه الإزاحة تضرب في صميم البنية الاستشراقية التي طالما نظرت إلى إفريقيا، كما وصفها الفيلسوف هيجل يوماً، ككتلة منغلقة على نفسها في “ليل الروح”، معزولة عن حركة التاريخ وصناعة الحضارة.

ويكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة في ظل السياقات الجيوسياسية المعاصرة، حيث تتعرض مؤسسات المعرفة ومخطوطات تمبكتو القديمة لهجمات من جماعات متطرفة تحتقر ما تمثله هذه الآثار من تسامح وحب للإنسانية. يذكرنا ديان بأن الدين الذي تُرتكب باسمه هذه الحماقات هو ذاته الذي يُعلي من شأن المعرفة، ويعتبر الكلمة المكتوبة وحبر الفلاسفة أقدس من ساحات الوغى.

تفكيك “المركزية الصفرية” وروح ديكارت

يفتتح ديان تأملاته بموقف بالغ الدلالة يعود إلى عام 1996، خلال المؤتمر الدولي السادس والعشرين للفلسفة الذي عُقد في جامعة السوربون بمناسبة الذكرى المئوية الرابعة لميلاد رينيه ديكارت. بعد تقديم ورقته التي تناولت الجبر الديكارتي ومنطق لايبنتز وبول ، واجه ديان سؤالاً من الفيلسوف البنيني بولين هوندونجي، الذي سأله عما إذا كان سيعالج الموضوع ذاته بنفس الطريقة لو كان يتحدث في جامعته بداكار.

هذا التساؤل لم يكن اتهاماً بتجاهل الهوية، بل كان دعوة للتأمل في موقع الفيلسوف الإفريقي من سردية فلسفية عالمية يعتبر فيها “الآخر” مجرد “نقطة صفر”. إن الخطاب الفلسفي الغربي، الذي حرس لعقود انقسامات كبرى بين الـ “نحن” والـ “هم” (بين الإنسانية العاقلة والبرابرة)، اعتاد إغلاق بابه في وجه العالم المتنوع، تماماً كما أغلق ديكارت باب غرفته الدافئة ليتأمل في حقائقه المجردة. يرفض ديان هذا التقسيم الاستعماري الذي يحول الفلسفة إلى ملكية حصرية لأوروبا، مذكراً بأن ديكارت نفسه أقر بأن الجبر، بما قدمه للفكر، قد جاء من الغرباء الناطقين بالعربية.

فلسفة البانتو: قوة الحياة وسؤال الترجمة

ينتقل الكتاب ببراعة لتشريح واحدة من أكثر النصوص إثارة للجدل في تاريخ الفلسفة الإفريقية: كتاب “فلسفة البانتو” (Bantu Philosophy) للأب بلاسيد تيمبلس، الصادر عام 1949. يمثل هذا الكتاب نقطة البداية الأكاديمية لما بات يُعرف بالفلسفة الإفريقية ، وقد أثار حماسة مفكرين كبار مثل ليوبولد سيدار سنغور وعليون ديوب، حيث أنهى فكرة أن “الفلسفة الإفريقية” هي مجرد تناقض لفظي.

بيد أن هذا العمل لم ينجُ من النقد اللاذع، خصوصاً من إيمي سيزير الذي رأى فيه محاولة نيوكولونيالية مبطنة. يعالج ديان هذا التناقض المعرفي بحس نقدي دقيق، مبيناً كيف أن تيمبلس، رغم نواياه الاستعمارية في “فهم البانتو” لتجنب إثارة التمردات ، قد وضع يده على مفهوم أنطولوجي حيوي: فلسفة القوى الحية.

يعتمد هذا النظام الأنطولوجي على مبادئ أساسية، منها:

  • وجود أي شيء يكمن في كونه “قوة”، وجوهر أي شيء هو “قوته”.

  • الكون هو نظام هرمي للقوى يتدرج حسب قوتها، وكل قوة مرتبطة جذرياً بغيرها وتتفاعل معها.

يغوص الكتاب في تعقيدات الترجمة ونقل المصطلحات الفلسفية بين اللغات (الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، واللغات الإفريقية كالسواحيلية والولوفية). يشير ديان إلى أن المأزق الأكبر في فهم الفلسفات الإفريقية هو ما أسماه “وهم التجريد الطبيعي”. يعتقد البعض أن اللغات الإفريقية لغات مجردة بشكل طبيعي لا تصلح للفلسفة، بينما اللغات الأوروبية هي لغات المفاهيم. يفند ديان ذلك مستشهداً بأصول الكلمات الأوروبية ذاتها (مثل شهر مارس أو أغسطس التي تعود لأصول حسية وتاريخية بحتة).

إن مسألة اللغات والترجمة تتقاطع هنا مع نظريات التفكيك، حيث تصبح الفلسفة، كما تراها باربرا كاسين، مرتبطة جذرياً باللغات والتعددية. إن الكلمات التي تستخدمها الفلسفة هي كلمات قبل أن تكون مفاهيم، ولا يمكن فهم الوجود الإفريقي إلا من خلال تفكيك الترجمات الاستعمارية “السيئة” التي افترضت عدم قدرة العقل الإفريقي على استيعاب المنطق.

سجن الزمن: هل يعيش الإفريقي في الماضي حقاً؟

يستعير سليمان بشير ديان مفهوم “الأنثروبولوجيا الاستشرافية” من الفيلسوف غاستون بيرجيه، الذي يدعو إلى التخلص من “العناد الاسترجاعي” والافتتان بالماضي. هذا المدخل ليس بريئاً، بل يمهد لتفكيك خطاب سياسي واستشراقي طويل، تجلى بوضوح في خطاب الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بجامعة داكار عام 2007، حين صرح بأن “الإنسان الإفريقي لم يدخل التاريخ بشكل كافٍ”. يرى ديان أن هذا الخطاب يعيد تدوير كليشيهات أنثروبولوجية قديمة تدعم ما يُعرف بـ “التشاؤم الإفريقي” (Afropessimism)، وهي النظرة التي تُرجع تأخر القارة في ركب التنمية إلى ثقافتها ورؤيتها للعالم، وكأن إفريقيا ترفض التنمية بطبيعتها.

تستند هذه النظرة الاستشراقية إلى أطروحات أكاديمية، أبرزها ما قدمه الفيلسوف الكيني جون مبيتي حول “مفهوم الزمن الإفريقي”. يطرح مبيتي أطروحة صادمة تتكون من عدة مبادئ، أخطرها أن الزمن في إفريقيا “ثنائي الأبعاد”، يتكون من ماضٍ طويل، وحاضر، بينما يكاد المستقبل يكون معدوماً. يعتقد مبيتي أن الزمن بالنسبة للإفريقي هو مجرد “أحداث”، وأنه نهر يتدفق عكسياً من الحاضر ليصب في الماضي. ونتيجة لذلك، يستنتج أن المجتمعات الإفريقية تفتقر إلى التخطيط بعيد المدى، وأن مفهوم المستقبل قد فُرض عليها من الخارج عبر الاستعمار أو التبشير المسيحي.

هنا، يبرز المشرط النقدي لديان لتشريح هذه السردية، مهاجماً “الدليل اللغوي” الذي استند إليه مبيتي. استخدم مبيتي مصطلحي (Sasa) للتعبير عن الحاضر القريب، و(Zamani) للتعبير عن الماضي السحيق في اللغة السواحيلية. لكن ديان يلفت النظر إلى مفارقة مذهلة تجاهلها مبيتي تماماً؛ وهي أن هذين المصطلحين ذوا جذور عربية واضحة (“الساعة” و”الزمان”). فإذا كانت كلمة “زمان” في لغتها الأصلية (العربية) تحمل أبعاداً مستقبلية وإسكاتولوجية (نهاية الزمان)، فكيف نفينا بُعد المستقبل عن مستخدميها في إفريقيا؟.

يخلص ديان إلى أن اللغات لا تمتلك معاني “ملموسة” ومجردة بطبيعتها، بل إن الاستخدام والتاريخ هما ما يمنحان الكلمات دلالاتها. إن عدم وجود صيغة نحوية معقدة للمستقبل في لغة ما، لا يعني أبداً أن المتحدثين بها مصابون بـ “قصر نظر” زمني يمنعهم من التخطيط لمستقبلهم. المستقبل ليس شيئاً “نراه” عبر اللغة فحسب، بل هو، كما يؤكد الفيلسوف الكاميروني إنجيلبرت مفينج، شيء “نصنعه”؛ فالإنسان دائماً ما “يصنع الزمن الذي يحتاجه”.

وهم الشفاهية المحضة: حين تحترق المكتبات

من إشكالية الزمن، يعبر الكتاب بسلاسة إلى قضية أخرى لا تقل تعقيداً: ثنائية الشفاهية والتدوين. لطالما ترددت المقولة الشهيرة للمفكر المالي أمادو هامباتي با: “في إفريقيا، كل شيخ يموت هو مكتبة تحترق”. ورغم أن هذه المقولة تعكس بلاغة آسرة وإحساساً بضرورة توثيق التراث قبل اندثاره ، إلا أن ديان يرى فيها فخاً خفياً.

هذا الفخ يتمثل في حصر الثقافة الإفريقية في زاوية “العقل الشفاهي”، وتجاهل التاريخ الطويل للتدوين. لقد تعاملت الأنثروبولوجيا الغربية مع إفريقيا باعتبارها قارة لا تقرأ ولا تكتب، وهو ما يسميه ديان بـ “نموذج الغريوت” (griot paradigm) -والغريوت هو الراوي الشعبي- الذي يحجب الرؤية عن تقاليد الكتابة والعلماء في المراكز الفكرية مثل تمبكتو وجينّي.

علاوة على ذلك، يفكك الكتاب فكرة أن تدوين التراث الشفاهي هو مجرد عملية “حفظ جثمان”. يرى ديان أن تحويل الحكايات الشفاهية إلى نصوص مكتوبة (كما فعل الكُتّاب أمثال بيراغو ديوب) ليس عملية رثاء لمرحلة تحتضر، بل هو منح هذا التراث “حياة أخرى” وفتحه على مغامرات فكرية وأدبية جديدة. الترجمة والتدوين يحملان شيئاً من الخيانة للنص الأصلي الحي (traduttore traditore)، لكنها خيانة مشروعة تُعيد خلق النص بمتعة فنية ترفض البقاء في أسر الحنين للماضي.

النقد الفلسفي داخل النص الشفاهي: التناص والمحاكاة الساخرة

طرح بعض الفلاسفة، ومنهم بولين هوندونجي، إشكالية مفادها أن الفلسفة الحقيقية تتطلب الكتابة، لأن الثقافات الشفاهية تكون مشغولة تماماً بـ “حفظ” المعرفة ونقلها، مما لا يترك مجالاً أو مسافة للتشكيك فيها أو “نقدها”. بعبارة أخرى، الشفاهية تنتج تفكيراً “إجماعياً” لا يسمح بالتمرد الفلسفي السقراطي.

يرفض ديان هذا الاستنتاج بشدة، مستعيناً بمفهوم “التناص” (intertextuality) لإثبات أن الثقافات الشفاهية الإفريقية كانت تمارس النقد الذاتي ببراعة. لا يتم النقد في هذه المجتمعات عبر أطروحات أكاديمية جافة، بل من خلال إنتاج نصوص و”حكايات” جديدة تحاكي الحكايات الأصلية المقدسة وتُسقط هيبتها بطريقة ساخرة (Parody).

يضرب ديان مثالاً بأسطورة “المُطالبين بالزواج” الكلاسيكية، التي تعكس قِيَم المجتمع ومعاييره الصارمة في الزواج، وكيف ظهرت حكايات أخرى تعارضها وتقدم مسابقات عبثية لاختيار العريس، كنوع من السخرية المبطنة من تلك القيم الاجتماعية الصلبة. وفي قصة “بيندا” للكاتب السنغالي عثمان سوسي ديوب، نرى كيف تتمرد البطلة الشفاهية على القيم الذكورية العسكرية لمجتمعها، مُعبرة عن إرادة الفرد في مواجهة سلطة الجماعة. هذا التمرد الشفاهي هو، في جوهره، ممارسة فلسفية نقدية تبرهن على أن “التقليد” نفسه قادر على مساءلة ذاته.

الإسلام في إفريقيا: “الفلسفة” كفعل تجذير لا تغريب

يرى ديان أن الفصل التعسفي بين “الدراسات الإسلامية” و”الدراسات الإفريقية” هو نتاج لرؤية استعمارية أرادت تقسيم القارة إلى “إفريقيا البيضاء” (الشمال) و”إفريقيا السوداء” (جنوب الصحراء). يرفض ديان هذا التقسيم، مؤكداً أن الإسلام في إفريقيا، وخاصة في مناطق غرب القارة والسودان الغربي، قد أنتج ما يمكن تسميته بـ “الإسلام الإفريقي المتصالح مع ذاته”، حيث تحولت اللغة العربية إلى وعاء ليس فقط للدين، بل للفلسفة والمنطق والعلوم.

يستعيد الكتاب تجربة أحمد بابا التمبكتي، الذي يمثل ذروة “العصر الذهبي” لتمبكتو. لم يكن أحمد بابا مجرد فقيه، بل كان مفكراً استراتيجياً يرفض العبودية القائمة على العرق، محاججاً بالمنطق الفقهي والفلسفي بأن الأصل في الإنسان الحرية. يشير ديان إلى أن المخطوطات التي تركها علماء تمبكتو وجينّي وموريتانيا والسنغال ليست مجرد نصوص دينية جامدة، بل هي اشتباك حقيقي مع أسئلة الوجود، والعدالة، وتنظيم المجتمع.

إن ما يميز أطروحة ديان هنا هو حديثه عن “التبيئة” (Vernacularization). فالإسلام لم يمحُ الهويات المحلية، بل دخل في حوار معها. ويضرب مثالاً بالطرق الصوفية (كالتيجانية والمريدية)، التي طورت فلسفة خاصة حول “العمل” و”القوة الحيوية”. هنا يلتقي مفهوم “القوة الحيوية” الذي تحدث عنه تيمبلس في “فلسفة البانتو” مع مفهوم “البركة” أو “الفيض” في الفلسفة الصوفية. هذا التلاقي المعرفي يثبت أن العقل الإفريقي كان دوماً ساحة لتثاقف عميق، بعيداً عن الانغلاق الذي حاول الاستعمار تصويره.

الاشتراكية الإفريقية: يوتوبيا الفيلسوف والرئيس

ينتقل ديان من فضاء الروح إلى فضاء الدولة، ليحلل ظاهرة “الاشتراكية الإفريقية” التي ميزت جيل الاستقلال (سنجور في السنغال، نيريري في تنزانيا، ونكروما في غانا). بالنسبة لديان، لم تكن هذه الاشتراكية مجرد تقليد للماركسية اللينينية، بل كانت محاولة فلسفية لإيجاد “طريق ثالث” يعيد الاعتبار للقيم الإفريقية الجماعية.

في قلب هذا التحليل يبرز ليوبولد سيدار سنجور. ديان، الذي يعد من أبرز شراح فكر سنجور، يوضح كيف دمج الأخير بين “الزخم الحيوي” للفيلسوف الفرنسي هنري برجسون وبين تقاليد التضامن الإفريقية. كانت اشتراكية سنجور “اشتراكية إنسانية” ترفض الصراع الطبقي العنيف، وتؤمن بأن المجتمع الإفريقي بطبعه مجتمع “تشاركي” (Communitarian).

أما جوليوس نيريري في تنزانيا، فقد قدم مفهوم “أوجاما” (Ujamaa) أو “العائلية”. يحلل ديان هذا المفهوم فلسفياً باعتباره رفضاً للفردانية الرأسمالية وفي الوقت ذاته رفضاً للشمولية الماركسية. “أوجاما” كانت تعني أن الدولة هي امتداد للأسرة الكبيرة، حيث العمل واجب والعدالة هي الغاية.

لكن ديان لا يكتفي بالوصف، بل يمارس نقداً لهذه التجارب. هو يتساءل: هل نجحت هذه الفلسفات في بناء “الدولة-الأمة”؟ أم أنها سقطت في فخ الرومانسية السياسية؟ يرى ديان أن المشكلة لم تكن في القيم الإفريقية ذاتها، بل في محاولة فرض نموذج “الدولة الوطنية” الغربي (بحدوده وجيوشه وبيروقراطيته) على واقع اجتماعي وثقافي يشتغل بمنطق مختلف تماماً.

الديمقراطية وحقوق الإنسان: هل هي قيم “غربية” حصراً؟

يواجه ديان في كتابه السؤال الصعب: هل الديمقراطية وحقوق الإنسان مفاهيم كونية أم أنها “هدايا مسمومة” من الغرب؟ يرفض ديان فكرة “الاستثناء الإفريقي” التي يروج لها بعض الحكام المستبدين لتبرير قمعهم بحجة أن “الديمقراطية لا تناسب الثقافة الإفريقية”. بدلاً من ذلك، يبحث ديان في التراث الإفريقي عما يسميه “أصول الديمقراطية التداولية”.

يستحضر هنا مفهوم “بالافير” (Palaver) أو “مجلس الشورى الإفريقي”. في هذه المجالس، لم تكن القرارات تُتخذ بالأغلبية العددية البسيطة التي قد تظلم الأقلية، بل عبر “الإجماع” الناتج عن نقاش طويل ومضنٍ يشارك فيه الجميع. هذا النوع من الديمقراطية، برأي ديان، هو جوهر ما يحتاجه العالم اليوم: ديمقراطية لا تقوم على الصراع بل على “بناء المشترك”.

وفيما يخص حقوق الإنسان، يشير ديان إلى “ميثاق ماندين” (Manden Charter) الذي يعود للقرن الثالث عشر في إمبراطورية مالي، والذي نص على حرمة الحياة البشرية وحرية الفرد قبل قرون من “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” الفرنسي. إن هدف ديان من هذه الاستشهادات التاريخية ليس “الفخر الأجوف” بالماضي، بل إثبات أن قيم الحرية والكرامة هي قيم إنسانية عامة، ولها جذور عميقة وصلبة في “حبر العلماء” الأفارقة.

منطق الوجود ورياضيات العقل: الفلسفة كعلم دقيق

من الملامح الفريدة في فكر سليمان بشير ديان، والتي يبرزها بوضوح في “حبر العلماء”، هي خلفيته المتينة في تاريخ المنطق والرياضيات. ديان، المتخصص في منطق “جورج بول” و”لايبنتز”، لا يرى انفصالاً بين الرموز الرياضية والتأمل الفلسفي الإفريقي. هو يجادل بأن استعادة “العقلانية الإفريقية” لا تتم عبر العاطفة أو تمجيد الماضي الشفاهي فحسب، بل عبر إثبات قدرة الفكر الإفريقي على الاشتباك مع أكثر العلوم تجريداً.

يشير الكتاب إلى أن النظرة الغربية التقليدية حصرت الإفريقي في “الانفعال” والفرنسي في “العقل”. يفكك ديان هذه الثنائية القاتلة، موضحاً أن الأنظمة المعرفية الإفريقية (مثل أنظمة العرافة المعقدة في غرب إفريقيا أو الهندسة المعمارية في إمبراطوريات بنين ومالي) تعتمد في جوهرها على منطق رياضي احتمالي سابق لعصره. إن إعادة قراءة التراث الإفريقي من منظور “المنطق الرمزي” تفتح الباب أمام فهم أعمق لكيفية تنظيم المجتمعات الإفريقية لعلاقاتها مع الكون والطبيعة، بعيداً عن اتهامات “السحر” و”الخرافة” التي ألصقها المستعمر بهذه المعارف.

أخلاقيات الترجمة: الفلسفة كجسر بين اللغات

يمثل مفهوم “الترجمة” حجر الزاوية في مشروع ديان الفلسفي. بالنسبة له، الفلسفة في إفريقيا هي بالضرورة “فعل ترجمة”. إن الفيلسوف الإفريقي المعاصر يجد نفسه مضطراً للتنقل بين لغاته الأم (الولوفية، السواحيلية، اليوروبا) ولغات التكوين الأكاديمي (الفرنسية، الإنجليزية، العربية).

يرى ديان أن هذه الحالة ليست “إعاقة” معرفية، بل هي ميزة استراتيجية. الترجمة عنده ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي “مواجهة” بين رؤى العالم. ويستشهد هنا بمقولة باربرا كاسين حول “اللامترجم” (Untranslatables)، معتبراً أن الكلمات التي يصعب ترجمتها هي التي تحرضنا على التفلسف. عندما نترجم مفهوماً فلسفياً من “أرسطو” إلى “اللغة العربية” ثم إلى “الولوفية”، نحن لا ننقل المعنى فحسب، بل نقوم بـ “تبيئة” العقل وإثرائه بدلالات جديدة لم تكن موجودة في النص الأصلي.

هذه “الأخلاقيات” ترفض الهيمنة اللغوية، وتدعو إلى عالم يتحدث فيه الجميع مع الجميع دون أن يذوب أحد في الآخر. إن الفلسفة الإفريقية، بهذا المعنى، هي فلسفة “الوساطة” و”العبور” الدائم بين الضفاف الثقافية المختلفة.

الهوية الهجينة: نقد “الأصالة” والانفتاح على الكوني

في واحد من أقوى فصول الكتاب، يشتبك ديان مع سؤال الهوية. هو يحذر من فخ “الأصالة المتوهمة” أو “الانغلاق الهوياتي”. يرفض ديان الفكرة التي تقول إن هناك “ماهية إفريقية” ثابتة وجامدة يجب العودة إليها لتطهير الذات من أثر الاستعمار.

بدلاً من ذلك، يتبنى ديان مفهوم “الهوية كصيرورة”. هو يستلهم من “إدوار غليسون” فكرة “الهوية-العلاقة” أو “الهوية الهجينة”. الإفريقي اليوم هو محصلة لتفاعلات تاريخية كبرى: التراث المحلي، الإسلام، الاستعمار الغربي، والحداثة التقنية. إن محاولة بتر أي جزء من هذا المكون بدعوى البحث عن “إفريقيا الخالصة” هي عملية انتحار فكري.

الفلسفة الإفريقية، كما يراها “حبر العلماء”، هي “إنسانية منفتحة” (Humanism of the Open). إنها لا تكتفي بالحديث عن إفريقيا للأفارقة، بل تسعى لتقديم مساهمة إفريقية في حل المعضلات الإنسانية الكبرى، من التغير المناخي إلى أزمات الديمقراطية. إنها فلسفة ترفض أن تكون “فلسفة طرفية” أو “إثنو-فلسفة” منغلقة، بل تطمح لأن تكون جزءاً أصيلاً من حوار العقل العالمي.

الجامعة الإفريقية ومستقبل المعرفة

يختتم ديان تأملاته في هذا السياق بالحديث عن دور “المؤسسة الأكاديمية”. يتساءل بمرارة: كيف يمكن للجامعات الإفريقية أن تتحول من مراكز “لاستهلاك” المعرفة الغربية إلى مختبرات “لإنتاج” المعرفة الكونية؟

الحل، برأيه، يكمن في “لامركزية المعرفة”. يجب أن تخرج الفلسفة من الأبراج العاجية لجامعات باريس ولندن لتشتبك مع الواقع الإفريقي المعقد. يدعو ديان إلى بناء “شبكات معرفية” تربط بين الجامعات في داكار، والقاهرة، وجوهانسبرغ، وبكين، ونيويورك. إن مستقبل “حبر العلماء” يعتمد على قدرة الجيل الجديد من الباحثين الأفارقة على استخدام أدوات النقد الحديثة (بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي) لإعادة قراءة المخطوطات القديمة، وفي الوقت ذاته صياغة رؤى مستقبلية تتناسب مع “القرن الإفريقي” القادم.

فلسفة “أوبونتو” والبديل الإنساني للعالم

لا يكتمل الحديث عن الفلسفة الإفريقية دون التوقف عند مفهوم “أوبونتو” (Ubuntu)، الذي يعالجه ديان بذكاء يتجاوز الاستهلاك الشعبي لهذا المصطلح. “أوبونتو” التي تترجم غالباً بعبارة “أنا موجود لأننا موجودون”، ليست مجرد شعور أخلاقي بالتعاطف، بل هي “أنطولوجيا سياسية” بديلة.

يرى ديان أن هذا المفهوم يقدم نقداً جذرياً لـ “الكوجيتو” الديكارتي (أنا أفكر إذن أنا موجود). فبينما يضع ديكارت الفرد المنعزل كأساس للحقيقة، تضع الفلسفة الإفريقية “العلاقة” كأساس للوجود. في “حبر العلماء”، يتضح أن الشخص لا يصير “إنساناً” إلا من خلال الآخرين. هذا الطرح يكتسب أهمية قصوى في ظل التوحش الرأسمالي المعاصر الذي حوّل الفرد إلى وحدة استهلاكية معزولة. إن “أوبونتو” هنا هي “فلسفة المقاومة” ضد التشييء، وهي دعوة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس “الكرامة المشتركة” بدلاً من “المصلحة الفردية”.

جدلية “الحبر” و”السيف”: المعرفة في مواجهة العنف

يعود ديان ليؤكد على الاستعارة المركزية في كتابه: “مداد العلماء أوزن من دماء الشهداء”. هذه المقولة ليست دعوة للسكينة أو الاستسلام، بل هي إعلاء لـ “سلطة العقل” على “قوة البطش”. يحلل الكتاب كيف تعرضت القارة الإفريقية عبر تاريخها لمحاولات “تجهيل” ممنهجة، حيث كان تدمير المكتبات وحرق المخطوطات (كما حدث في تمبكتو قديماً وحديثاً) هو الوسيلة المثلى لكسر إرادة الشعوب.

يشير ديان إلى أن “العالم” (بضم العين) في التراث الإفريقي الإسلامي كان يلعب دور “الوسيط” و”المصلح”. الفلسفة هنا ليست ترفاً فكرياً، بل هي أداة لفض النزاعات وحقن الدماء. ومن خلال “الترجمة” و”الحوار”، يتحول الحبر إلى درع يحمي المجتمع من الانزلاق نحو التطرف الأعمى. إن صراع الهيمنة اليوم ليس عسكرياً فقط، بل هو صراع على “من يمتلك السردية”، ومن هنا تكمن خطورة وأهمية استعادة “حبر العلماء” لتأصيل سردية إفريقية قادرة على مواجهة العنف الفكري الممارس ضدها.

نقد “المركزية الإفريقية” المتطرفة (Afrocentrism)

بقدر ما يهاجم ديان المركزية الأوروبية، فإنه لا يتوانى عن نقد بعض تيارات “المركزية الإفريقية” التي تسقط في فخ العنصرية المضادة أو التقديس الأعمى للماضي. يرى ديان أن بعض المفكرين، في محاولتهم لإثبات عظمة إفريقيا، قد يختلقون تاريخاً أسطورياً لا يصمد أمام البحث العلمي الرصين.

موقف ديان هو “العقلانية النقدية”. هو يريد إفريقيا التي تفتخر بماضيها من خلال تحقيقه وتدقيقه، لا من خلال تحويله إلى وثن. “حبر العلماء” هو كتاب يدعو للتمحيص؛ فلا قداسة لنص لمجرد أنه إفريقي، بل القيمة تكمن في مدى قدرة هذا النص على الصمود أمام المساءلة الفلسفية. هذا النزوع نحو “النقد الذاتي” هو ما يميز ديان كفيلسوف كوني؛ فهو لا يريد “غيتو” فكرياً للأفارقة، بل يريد مقعداً للأفارقة في “برلمان العقل العالمي”.

مستقبل الفلسفة الإفريقية في عصر “ما بعد الإنسان”

يختتم ديان هذه التأملات بنظرة استشرافية نحو التكنولوجيا. يتساءل: كيف يمكن لقيم “حبر العلماء” أن تصمد في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟ إن الخطر الذي يراه ديان ليس في التكنولوجيا بذاتها، بل في أن تكرر هذه التقنيات “التحيزات الاستعمارية” القديمة. إذا تم تغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات تنظر لإفريقيا كمجرد “مصدر للمواد الخام” أو “ساحة للحروب”، فإننا سنكون أمام “استعمار رقمي” أكثر دهاءً.

يدعو ديان إلى ضرورة وجود “مساهمة إفريقية” في أخلاقيات التكنولوجيا. إن مفهوم “القوة الحيوية” والترابط الإنساني (أوبونتو) يمكن أن يقدما إطاراً أخلاقياً للتعامل مع الآلة، بحيث تظل التكنولوجيا في خدمة “الحياة” لا في خدمة “الربح” أو “السيطرة”. الفلسفة الإفريقية، بتركيزها على التوازن بين الإنسان والطبيعة وبين الفرد والجماعة، تمتلك مفاتيح النجاة في عالم يزداد اغتراباً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى