دكتور صلاح البندر يكتب : مواجهة البيان الختامي لمؤتمر برلين

لم يعد السؤال: ماذا يريد المجتمع الدولي من السودان؟ السؤال الأدق والأقسى هو: كيف يريد أن يدير السودان وهو يحترق؟ ذلك أن المؤتمر الثالث في برلين بشأن السودان، الذي انعقد في 15 أبريل 2026 امتداداً لمسار باريس 2024 ولندن 2025، لم يكن مؤتمراً لإيقاف الحرب بقدر ما كان مؤتمراً لإعادة ترتيبها في اللغة الدولية: من يتحدث عنها، ومن يمول آثارها، ومن يُستدعى لتمثيل ضحاياها، ومن يُترك خارج القاعة بينما تُرسم ملامح ما بعده من مخططات. وقد نظم المؤتمر كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، بحضور 55 دولة ومنظمات أممية وإقليمية و38 منظمة غير حكومية، مع منصة خاصة للفاعلين المدنيين السودانيين الذين تم اختيارهم بدقة وغرف الطوارئ. هذه الأرقام لا تقول فقط إن العالم حضر؛ بل تقول إن العالم أعاد تثبيت يده على الملف السوداني في لحظة التمزق الأعظم.
لا شيء جديد في هذا المشهد غير البريء. البيان الختامي يفيض بعبارات الرحمة والشفقة والقلق المصطنع: نزوح جماعي، مجاعة، عنف إثني، انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، نساء وأطفال وعاملون إنسانيون تحت النار. وكل ذلك صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن هذا الوصف الإنساني لم يُستخدم هنا فقط لإدانة الحرب، بل لإعادة تعريف السودان نفسه: لم يعد البلد في عين المؤتمر قضية سيادة ودولة تتعرض للعدوان ولمخاطر التفكك، بل أخطر أزمة إنسانية في العالم ينبغي احتواؤها وإدارتها وتخفيف انفجارها. وهذا هو التحول الأخطر.
فحين يقول البيان إن الوصول الإنساني لا ينبغي أن يكون مشروطاً بهدنة أو وقف إطلاق نار، فإنه لا يكتفي بحماية المدنيين من منطق الابتزاز العسكري، بل يعلن، من حيث يدري أو لا يدري، أن العالم بدأ يتأقلم مع استمرار الحرب. أي أنه انتقل من منطق “أوقفوا الحرب لننقذ الناس” إلى منطق “سنحاول إنقاذ الناس ولو استمرت الحرب”. هنا، بالضبط، ينكشف جوهر برلين: مؤتمر لإدارة المأساة السودانية، لا لتفكيك ووقف القوى الداعمة للمليشيا وعدوانها.
قد يصفق البعض للتعهدات المالية. نحو 1.5 مليار يورو، منها أكثر من 811 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. وهذا رقم مهم في ميزان الإغاثة، لكنه متواضع في ميزان السياسة إذا ظل السلاح يتدفق والرعاة الإقليميون يواصلون تغذية الحرب. المال هنا يداوي بعض الجراح، لكنه لا يوقف اليد التي تطعن. ولذلك لم يكن غريباً أن تؤكد التغطيات الموثوقة أن الحرب ما تزال بعيدة عن النهاية، وأن المؤتمر لم يحقق اختراقاً فعلياً في وقف إطلاق النار، وأن المجتمع الدولي نفسه بات يقر بفشله في السودان. وهنا تقع الفضيحة الكاملة لبرلين. العالم اجتمع ليجمع المال، لكنه لم يجتمع بالوضوح نفسه ليجفف منابع السلاح. اجتمع ليشجب الفظائع، لكنه لم يملك الجرأة نفسها ليسمّي من يمولون الفظائع. اجتمع ليرفع مستوى الحرج الأخلاقي، لا مستوى الكلفة السياسية على رعاة الحرب.
فالبيان يدعو إلى وقف الدعم الخارجي لأطراف النزاع، لكنه لا يسمي الفاعلين الإقليميين في صياغته التوافقية. كأن المجتمع الدولي يريد أن يبدو غاضباً من النار من دون أن يغضب ممن يصبون الوقود عليها. ولذلك فإن برلين ليس لحظة عدالة، بل لحظة توازنات دولية مهذبة فوق جثث السودانيين.
فالجريمة موصوفة، لكن الجناة غير مسمين؛
والخراب موثق، لكن الرعاة محميون بلغة التعميم؛
والشجب حاضر، لكن العقوبة غائبة.
وهنا لا يعود البيان تعبيراً عن ضمير عالمي بقدر ما يصبح تعبيراً عن حدود ذلك الضمير حين يصطدم بمصالح الدول. ثم هناك المسألة التي ينبغي أن تُقال بلا تزويق: من يمثل السودان في هذا الترتيب؟
لقد انعقد المؤتمر في غياب السودان ومليشيا الدعم السريع، فيما أفادت رويترز بأن الحكومة السودانية رفضته بوصفه تدخلاً غير مقبول في شؤونها الداخلية، ورفضه أيضاً الكيان السياسي المرتبط بالدعم السريع. هذا في حد ذاته ليس أمراً عابراً. إنه يقول إن العالم فقد الرغبة في وقف الحرب، ففتح نافذة أخرى: نافذة بدائل المدنيين وغرف الطوارئ والفاعلين المقبولين دولياً.
لكن حتى هذه النافذة ليست بريئة تماماً. فالمدنيون الذين مُنحوا فرصة المشاركة في منصة برلين يدخلون إلى المشهد من باب الحاجة الدولية إلى شريك غير عسكري لتوظيفه في الخطوات التالية، لا فقط من باب الاعتراف بعدالة قضيتهم. والخماسية التي تحدثت بعد المؤتمر عن زخم جديد وإطار متماسك ومتسلسل لحوار سياسي سوداني–سوداني، لا تفعل ذلك في فراغ، بل في إطار هندسة جديدة تريد أن تهيئ من الآن وعاءً مدنياً بديلاً يمكن الاستثمار فيه سياسياً حين يحين أوان ما بعد الحرب.
وهنا تكمن المفارقة السودانية: المدنيون مطلوبون بشدة لأن كلاشنكوفات ومسيرات الدعم الإماراتي للمليشيا فشل في إعادة إنتاج المشهد السياسي لصالح الخطة الغربية، لكنهم مطلوبون أيضاً ضمن سقف دولي لا يترك لهم حرية الحركة كاملة. أي أنهم يُستعادون كضرورة لتمرير المخطط، لا بالضرورة كأصحاب قرار. وهذا ما يجعل المعركة القادمة ليست فقط معركة وقف حرب، بل معركة تحديد من يملك حق الكلام باسم السودان حين تهدأ المدافع أو تتعب. أما الحكومة السودانية، فإن أخطر ما كشفه برلين عنها ليس غيابها عن القاعة، بل قدرتها على منع الآخرين من تسويق إعادة تعريف الملف من دونها، وموقف سعودي قوي. فالسيادة ليست خطبة احتجاج، ولا بيان رفض، ولا شكوى من “التدخل الخارجي”. السيادة فعل وقدرة ومبادرة والاجتهاد في امتلاء أي فراغ. وواضح الآن ان الخطة الغربية هي ان تفشل الدولة السودانية في ذلك، ويتحول احتجاجها إلى مجرد تسجيل موقف لا أكثر، فيما تستمر خطط تنتقل بالمبادرة إلى الخارج.
وهذا هو الدرس الموجع: تجارب العراق وأفغانستان وليبيا واليمن واضحة، لا يأتي التدخل من الخارج دائماً غازياً؛ قد يأتي متخفياً ومنظِّماً للفوضى باسم الإنسانية. من هنا فإن السؤال: ثم ماذا بعد؟ إجابته، للأسف، لا تحمل بشائر كثيرة.
بعد برلين، سنرى غالباً مزيداً من المؤتمرات، ومزيداً من التنمر، ومزيداً من التنسيق مع قوى تأسيس وقيادات صمود ومجموعات قحت، ومزيداً من التعهدات، ومزيداً من المسارات للبحث عن قيادات مدنية بديلة، ومزيداً من الحديث عن عدم نسيان السودان. لكننا لن نرى تحولاً حقيقياً ما لم تنتقل العواصم الكبرى من إدارة نتائج الحرب إلى مواجهة أسبابها: أمدادات السلاح والمرتزقة لمليشيا الدعم السريع، والرعاة، والتمويل، والغطاء السياسي الإقليمي والدولي. ومن دون ذلك، سيظل السودان في أسوأ موقع ممكن: بلد يُترك لينزف، ثم يُكافأ العالم على حسن إدارة نزيفه.
وهكذا، فإن برلين لم يكن مؤتمراً للسلام، بل مؤتمراً لتجميل العجز الدولي. نجح في أن يقول: لم ننسى السودان !! لكنه فشل في أن يقول: هذه هي الأطراف التي يجب أن تتوقف عن دعم مليشيا الدعم السريع، وهذه هي التكلفة التي ستُفرض عليها إن لم تتوقف. وهذا هو الفرق كله بين مؤتمر يكتب شهادة حضور، ومؤتمر يغير مسار التاريخ. الخلاصة القاطعة هي هذه:
برلين لم يطفئ الحريق؛
برلين رتّب رجال الإطفاء أمام الكاميرات؛
جمع الماء، وترك الوقود؛
واستدعى الضحايا، وتجاهل رعاة مليشيا الدعم السريع؛
ورفع الصوت على المأساة، من دون أن يرفع التكلفة على صانعيها.
ولذلك، فإن السودان بعد برلين ليس أقرب إلى السلام، بل أقرب إلى مرحلة أشد قسوة في إدارة الخراب واستمرار العدوان على البلد وسيادتها.
لذلك في تقديري، محاصرة تداعيات بيان برلين لا تكون بالاحتجاج عليه فقط، بل بإفساد منطقه السياسي عملياً. فالمشكلة في البيان ليست أنه جمع مالاً أو تحدث عن المأساة الإنسانية، بل أنه فتح 3 مسارات خطرة على الحكومة السودانية معاً:
أولها فصل الإنساني عن السياسي بحيث يتوسع العمل الإنساني حتى من دون وقف النار؛
وثانيها إبراز مسار مدني بديل موازٍ برعاية الخماسية؛
وثالثها تعزيز قابلية تجاوز الدولة في تمثيل السودان وإدارة بعض ملفاته.
وهذه كلها واردة بوضوح في نص البيان ومخرجات المؤتمر وما تلاه من حديث الخماسية للتغطية عن عجزها عن إطار “متماسك ومتسلسل” لحوار سياسي سوداني–سوداني، إلى جانب التعهدات المالية الكبيرة المخصصة للاستجابة الإنسانية داخل السودان والدول المجاورة. لذلك، فإن الخطوات العملية للحكومة السودانية ينبغي أن تتحرك بسرعة على 7 محاور متزامنة:
الانتقال من خطاب الرفض إلى خطاب المبادرة
أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الحكومة هو أن تكتفي بوصف المؤتمر بأنه تدخل في الشأن الداخلي. هذا مهم رمزياً، لكنه غير كافٍ سياسياً. المطلوب هو أن تقول للعالم: نرفض تجاوز الدولة، وأنتهاك السيادة لكننا لا نرفض معالجة الكارثة. أي أن تتحول من موقع المدافع عن السيادة والشرعية المجردة إلى موقع صاحب الخطة البديلة. فالعالم الغربي لا يعاقب السودان فقط لأنه لا يحبه، بل لأنه يرى فراغاً سياسياً وإنسانياً ودبلوماسياً لم يملأه أحد.
إذن الإجراء العملي:
خلال أيام، تصدر الحكومة مذكرة استراتيجية مضادة لا تهاجم برلين فقط، بل تشاور بسرعة من خلال وفد السعودية والصين وروسيا وجنوب أفريقيا وتقدم بديلاً سودانياً واضحاً:
تصوراً لوقف النار؛
تصوراً للوصول الآمن للدعم الإنساني؛
تصوراً للحوار السياسي الوطني؛
تصوراً للرقابة وللمساءلة عن سبل توزيع الدعم الخارجي (حتى لا تتكرر غلطة عملية شريان الحياة التي تحولت لدعم حركة قرنق).
سحب الورقة الإنسانية من يد الآخرين
برلين بنى شرعيته الأساسية على أن السودان هو “أخطر أزمة إنسانية في العالم”، وعلى أن الوصول الإنساني يجب ألا يُربط بهدنة أو وقف نار. فإذا ظلت الحكومة متهمة بالتعطيل البيروقراطي أو ضعف التنسيق، فإنها ستخسر المعركة الأخلاقية والسياسية معاً.
الإجراء العملي:
تعلن الحكومة فوراً مبادرة وطنية للوصول الإنساني تتضمن:
إزالة أو تخفيف العوائق الإدارية المعروفة خلال سقف زمني معلن؛
نشر خريطة محدثة للمنافذ والمعابر ومسارات الإغاثة؛
إنشاء غرفة تنسيق يومية مع الأمم المتحدة والمنظمات ذات الصلة؛
دعوة مراقبين من الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية لحضور آلية المتابعة؛
تقرير أسبوعي علني بالإنجليزية والعربية والفرنسية والإسبانية يوضح ما تم السماح به وما تم تعطيله ومن المسؤول.
الهدف هنا ليس فقط تسهيل الإغاثة، بل حرمان مخطط مؤتمر برلين وما بعده من حجة تجاوز الدولة وسيادتها باسم الغوث الإنساني.
تنظيم مسار مدني من الداخل قبل أن يُعاد تركيبه خارجياً
أخطر ما في برلين ليس التمويل، بل تأسيس منصة مدنية بديلة وموازية تحت رعاية الخماسية، مع حديث واضح عن حوار سوداني–سوداني يمهد لانتقال مدني. وإذا تُرك هذا المسار بالكامل للخارج، فقد تستيقظ الخرطوم لاحقاً على “وعاء مدني” صيغت شرعيته خارجها، كما حدث قبل غزو العراق، ثم يطُرح على العالم باعتباره الشريك السياسي المقبل.
الإجراء العملي:
تعلن الحكومة، خلال أيام لا أشهر، إطاراً وطنياً للحوار المدني بشروط ذكية:
اعتراف صريح بأهمية الانتقال المدني في نهاية الحرب؛
دعوة طيف مدني واسع غير مرتبط بالعمل المسلح؛
رعاية وطنية سودانية خالصة مع حضور مراقبين من الاتحاد الأفريقي و“إيغاد” وجامعة الدول العربية؛
جدول أعمال واضح: وقف الحرب، الإغاثة، حماية المدنيين، ترتيبات الانتقال التدريجية؛
ضمانات إجرائية تعزز الثقة وتمنع احتكار الحوار بواسطة فصيل أو واجهة مصنوعة.
القاعدة هنا بسيطة: إذا لم يصنع السودان مساره المدني، فسيُصنع ضده مسار بديل آخر تابع للمخطط.
هجوم دبلوماسي منظم على بند “الدعم الخارجي”
بيان مؤتمر برلين دعا إلى وقف الدعم الخارجي لأطراف الحرب، لكنه لم يسمِّ الأطراف وتجاهل الدلائل الموثقة. وهذه ثغرة يستطيع السودان أن يحولها إلى فرصة، إذا امتلك ملفاً موثقاً واشتغل عليه بذكاء (لغات مختلفة ومسارات ترويج متكاملة إعلامياً).
الإجراء العملي:
إنشاء خلية عمل قانونية–دبلوماسية خلال أسبوع تتولى:
إعداد ملف موثق عن شبكات التسليح والتمويل والدعم اللوجستي للمليشيا؛
تقديمه إلى الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والعواصم المؤثرة؛
المطالبة العلنية بلجنة تقصي أو آلية رصد مستقلة؛
استخدام البيان نفسه كسند سياسي: “أنتم دعوتم لوقف الدعم الخارجي، وهذه ملفاتنا وأدلتنا”
بهذا ينتقل السودان من خانة الشكوى العامة والاحتجاج إلى خانة فرض الإحراج والمواقف على الآخرين بأدلة.
عدم مقاطعة المسارات الدولية بل اختراقها
من الخطأ أن يقاطع السودان كل ما خرج من برلين. لأن المقاطعة الكاملة تعني ترك الطاولة للآخرين. والأذكى هو الاختراق لا الهجر.
الإجراء العملي:
طلب اجتماع مباشر وعاجل مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو؛
مخاطبة الخماسية بخطاب رسمي يرحب بأي حوار “سوداني الملكية” ويرفض فقط فرض الوكلاء؛
إرسال ورقة سودانية مكتوبة إلى الشركاء الدوليين تتضمن الشروط والضمانات والمعايير؛
العمل مع الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية تحديداً لمنع احتكار أوروبا والغرب لصياغة الملف.
المطلوب هنا هو إعادة تموضع السودان داخل المشهد، لا الوقوف خارجه وهو يلوّح بالاعتراض.
بناء جبهة إقليمية مضادة لاحتكار برلين
إذا أصبح السودان يواجه مسار برلين وحده، سيخسر. أما إذا استطاع تحويل القضية إلى ملف إقليمي أوسع بالتنسيق مع السعودية ومصر وروسيا والصين وجنوب أفريقيا، فإنها ستملك هامشاً أكبر.
الإجراء العملي:
التحرك الفوري نحو:
الاتحاد الأفريقي؛
جامعة الدول العربية؛
دول الجوار المباشر؛
الدول العربية والأفريقية والآسيوية المتحفظة على تجاوز الدولة الوطنية.
ليس المطلوب فقط إصدار بيانات مؤيدة، بل بناء موقف إقليمي ودولي يقول إن معالجة الأزمة الإنسانية لا تبرر تهميش الدولة السودانية وتجاوز سيادتها الوطنية ولا صناعة تمثيل بديل لها في الخارج.
إعادة ضبط الرسالة الإعلامية
الخطاب الرسمي السوداني غالباً ما يخسر لأنه يبدأ من فكرة “المؤامرة علينا” وينتهي عندها. العالم أصبح لا يتأثر بهذا الخطاب كثيراً، خصوصاً إذا لم يُرفق بأرقام وخطط وصور فعلية.
الإجراء العملي:
إطلاق حملة اتصالات استراتيجية من 3 لغات على الأقل، رسالتها:
السودان ليس ضد المدنيين ولا ضد الإغاثة؛
السودان يريد وقف الحرب ومحاسبة داعميها؛
السودان يرفض تجاوز الدولة لا حماية المدنيين؛
السودان مستعدة للتعاون مع أي جهد منضبط يحترم السيادة ووحدة البلاد.
ويجب أن تكون هذه الحملة مدعومة بمتحدثين منضبطين يتم اختيارهم بعناية، ومواد موجزة، وإحاطات دورية للسفارات ووسائل الإعلام الدولية.
إنشاء “غرفة متابعة برلين”
التعامل مع بيان برلين لا ينبغي أن يظل متفرقاً بين وزارة الخارجية والإعلام والأجهزة الإنسانية والأمنية والعسكرية. المطلوب هو وحدة قيادة مركزية سياسية موحدة.
الإجراء العملي:
إنشاء غرفة متابعة عليا تضم:
الخارجية
الجهات الإنسانية
الأجهزة القانونية
الإعلام الرسمي
جهاز الأمن والمخابرات
القوات المسلحة
منسقاً سياسياً واحداً
ومهمتها:
متابعة تنفيذ ما بعد برلين؛
رصد المسار المدني الخارجي؛
تتبع التمويل والدعم للمليشيا وحلفائها ومنافذه؛
إدارة الرد السياسي والإعلامي؛
رفع تقارير أسبوعية لدوائر القرار.
ما الذي يجب أن تتجنبه الحكومة؟
هناك 4 أخطاء قاتلة ينبغي تفاديها:
أولاً: الإنكار أو التقليل من خطورة الكارثة الإنسانية. لأن ذلك يعطي الآخرين الحق الأخلاقي الكامل في تجاوزها.
ثانياً: شيطنة كل الفاعلين المدنيين من دون تمييز بالجملة. لأن هذا يدفع مزيداً منهم إلى أحضان المسارات الخارجية.
ثالثاً: الاكتفاء بلغة السيادة المجردة بلا خطة عمل. لأن السيادة غير المسنودة بالفعل تتحول إلى مجرد شكوى.
رابعاً: مقاطعة الخماسية والمبعوثين والآليات الدولية بالكامل. لأن الفراغ الذي تتركه الحكومة سيملؤه غيرها فوراً.
إذا أرادت الحكومة السودانية محاصرة تداعيات بيان برلين، فعليها أن تفهم أن المعركة ليست ضد مؤتمر عابر، بل ضد منطق ومخطط كامل يريد أن يعالج السودان إنسانياً، ويرتبه سياسياً، ويتحدث باسمه مدنياً، بينما تتراجع الدولة إلى موقع المعترض. ولذلك فالمعادلة الصحيحة هي:
لا ترفضوا مسار الغوث الإنساني، بل امتلكوه؛
لا تهاجموا المسار المدني، بل استبقوه بمسار وطني أوسع؛
لا تكتفوا بالشكوى من الدعم الخارجي، بل قدّموا ملفاً موثقاً يحرج داعمي الحرب؛
لا تغادروا الطاولة الدولية، بل أعيدوا تشكيل موقعكم عليها.
وبجملة واحدة:
محاصرة تداعيات برلين لا تكون بالصوت الأعلى، بل بالفعل الأذكى
كيمبريدج، بريطانيا



