“وقضيتُ العام بعد العام خلف خطوط الميليشيا”.. كتاب للصحفي محمد عثمان يكسر حاجز الصمت ويخترق وعي العالم
لندن | نايل بوست
في خضم الحرب الطاحنة التي يشهدها السودان، ظلت السردية الموجهة للغرب والناطقين بالإنجليزية أسيرة إما للترجمات العابرة، أو لأقلام وتقارير أجنبية تفتقر لعمق المعايشة، أو لمصادر مغرضة تخدم أجندات بعينها. وسط هذا الفراغ الإعلامي الخطير، يأتي كتاب “وقضيتُ العام بعد العام.. خلف خطوط الميليشيا (رواية صحافي شاهد)” للكاتب والخبير الصحفي محمد عثمان آدم، ليشكل وثيقة دامغة واختراقاً معرفياً حقيقياً ينقل الحقيقة من قلب الجحيم إلى الوعي العالمي بلسان سوداني أصيل.
شهادة حية من “ثاني أرفع منصب” في سونا
لا تنبع أهمية هذا الكتاب من مجرد كونه توثيقاً صحفياً محترفاً، بل من الموقع الاستثنائي والخطير لمؤلفه؛ فالأستاذ محمد عثمان آدم ليس مجرد مراقب خارجي، بل عمل مراسلاً لوكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية لأكثر من 27 عاماً، ومراسلاً لوكالة الأنباء الأفريقية (بانا) لأكثر من عقد، ورئيس تحرير لمجلة سونا، فضلاً عن كونه شغل منصب نائب المدير العام لوكالة الأنباء السودانية (سونا) ومساعد المدير العام للشؤون التحريرية.
كان هذا المنصب الرسمي الرفيع أشبه بـ “شهادة وفاة معلقة على رقبته” وهو يعيش لنحو عامين متخفياً وسط عناصر ميليشيا الدعم السريع، يرى ويسمع، ويضطر يومياً للكذب والتحايل ومواراة هويته الحقيقية لتجنب التصفية الفورية.
لماذا بالإنجليزية؟.. تفكيك الاحتكار الغربي للسردية
أُعد هذا الكتاب في الأصل باللغة الإنجليزية في محاولة جادة ومدروسة لملء فجوة طالما أضرت بالقضية السودانية في الدوائر الدولية؛ فالقضايا السياسية والنزاعات غالباً ما تتشكل مواقف العالم حيالها بناءً على ما يُكتب بالإنجليزية. وبحكم خبرته الطويلة مع الإعلام الغربي، يُدرك الكاتب كيف يفكر المتلقي الخارجي وكيف يتشكك في المصادر الحكومية، مما يجعل هذا العمل شهادة ميدانية مباشرة تخاطب العقل الغربي بأدواته ولكن بضمير ووجدان سوداني خالص.
الميكروسكوب الإنساني: تفاصيل الرعب اليومي
بينما تنشغل التحليلات السياسية بنظرة الدولة الكلية، يضعنا محمد عثمان آدم تحت “مجهر التفاصيل الصغيرة” والحياة اليومية للمواطن العادي؛ حيث يروي الكاتب ببراعة:
-
كيف تدار ممارسات الميليشيا داخل الأحياء والأسواق، وكيف تتساقط مساحيق التجميل التي تحاول آلتهم الإعلامية البترودولارية ترويجها لتظهر طبيعتهم الحقيقية.
-
تفاصيل مروعة من محطات “الحاج يوسف” و”كوسوفو”، حيث يطلق المسلحون النار بدم بارد على الماعز والحيوانات ويسرقونها أمام أطفال خرجوا لشراء طعام الإفطار.
-
استهداف الكلاب الأليفة (مثل كلب العائلة “تايقر”) وقتلها داخل أقفاصها، واختفاء المشردين والمصابين بالاضطرابات النفسية من الشوارع ليعثر عليهم جثثاً محروقة في مكبات النفايات.
-
خطاب الاستعلاء المناطقي والتصنيف القبلي البغيض وتوجيه شتائم عنصرية لكل من يخالفهم الرأي.
عالم من العزلة.. صوت الملايين من الضحايا
يسرد الكتاب تجربة مروعة لرجل عاش في القرن الحادي والعشرين لأكثر من سنة كاملة دون كهرباء، تلفزيون، راديو، أو أي وسيلة اتصال، وحيداً بلا أسرته، ومجرداً من أدوات مهنته. إنه ليس مجرد سرد لتاريخ عسكري، بل هو تجسيد حي لشعور ملايين السودانيين الذين ذاقوا الخوف، والجوع، والبطش تحت وطأة بنادق لا ترحم.
دعوة للقراءة والاقتناء
إن كتاب “وقضيتُ العام بعد العام.. خلف خطوط الميليشيا” ليس كتاباً يُقرأ كفصول متسلسلة فحسب، بل يمكن قراءة كل فصل فيه كوثيقة قائمة بذاتها. إنه عمل لا غنى عنه لكل باحث عن الحقيقة، ولكل دبلوماسي ومهتم بالشأن الإفريقي، ولكل سوداني يرغب في أن يرى العالم حجم المأساة بعدسة الواقعية الصادقة.
ندعو القراء والمهتمين والإعلاميين لاقتناء هذا السفر الوثائقي الباذخ والمساهمة في نشره، ليكون سلاحاً في معركة الوعي وصوتاً لمن لا صوت لهم خلف خطوط النار.




