أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“السودان للسودانيين”.. قراءة في وثيقة تاريخية أسست لمانيفستو الاستقلال الوطني

في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، كان السودان يقف على أخطر مفترق طرق في تاريخه الحديث؛ فإما الذوبان في كيان الجارة الشمالية تحت مظلة “وحدة وادي النيل”، وإما التمسك بهوية مستقلة وكيان سيادة خالص. في خضم تلك المعركة السياسية والفكرية الطاحنة، لم يكن الرصاص هو السلاح الوحيد، بل كانت الكلمة والوثيقة هما خط الدفاع الأول. من هنا تنبع الأهمية الاستثنائية لكتاب “السودان للسودانيين: طمع فنزاع ووثبة فجهاد” ، الذي قام بجمع حقائقه ووثائقه الأستاذ عبد الرحمن علي طه ، ليكون بمثابة المانيفستو السياسي والحجة التاريخية الدامغة لتيار الاستقلال.

يعود هذا السفر القيم للظهور مجدداً بفضل الجهد الأكاديمي الرصين الذي بذلته الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه ، التي تولت تحقيق الكتاب وإعادة إصداره في طبعته الثانية عام ١٩٩٢، بعد أن رأت النور طبعته الأولى في عام ١٩٥٥ عن دار جامعة الخرطوم للنشر. إن تحقيق هذا الكتاب لم يكن مجرد استعادة لنص قديم، بل هو تفكيك لمرحلة حساسة من تاريخ السودان إبان فترة الحكم الثنائي الممتدة من ١٨٩٩ وحتى ١٩٥٦.

سياق الإصدار: معركة البقاء والاستقلال

لفهم القيمة التاريخية لهذا الكتاب، يجب أن نضعه في سياقه الزمني الدقيق. تشير محققة الكتاب إلى أن الطبعة الأولى صدرت في مايو ١٩٥٥. لم يكن هذا التاريخ عشوائياً، بل جاء في ذروة المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانتخابات البرلمانية الأولى في نوفمبر ١٩٥٣. كانت تلك المرحلة محددة بثلاث سنوات كحد أقصى، تنتهي بانتخاب جمعية تأسيسية تضع السودانيين أمام خيارين مصيريين لا ثالث لهما: إما الاتحاد مع مصر بأي صورة من الصور، أو الاستقلال التام. وقد كان هذا الاستحقاق منصوصاً عليه في المادة الثانية عشرة من اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير.

في تلك الأجواء المشحونة، حيث أسفرت الانتخابات عن فوز الحزب الوطني الاتحادي وتشكيله للحكومة، وُضِع حزب الأمة في خندق المعارضة. وهنا برز دور هذا الكتاب كأداة تعبوية ودعائية مكثفة أطلقها حزب الأمة لترويج خيار الاستقلال التام، ومواجهة المد الكاسح للدعاية المصرية التي كانت ترمي إلى استمالة السودانيين لخيار الاتحاد. لقد كان الكتاب، بتوقيته ومحتواه، بمثابة قذيفة فكرية أُطلقت في ميدان معركة سياسية محتدمة، وكان تقرير المصير يطرق الأبواب بعنف.

شعار “السودان للسودانيين”.. من تكتيك استعماري إلى عقيدة وطنية

لعل من أكثر القضايا إثارة للجدل والتي يطرحها الكتاب بعمق هي قصة شعار “السودان للسودانيين”. هذا الشعار البراق لم يولد في فراغ، بل ظهر في الحياة السياسية منذ العشرينيات واكتسب لمعاناً وبريقاً خاصاً في الأربعينيات. والمفارقة التاريخية التي يبرزها الكتاب هي أن الإدارة البريطانية هي من رفعت هذا الشعار في البداية، كنوع من التكتيك السياسي لكسب ولاء السودانيين لسياستها الرامية للتدرج في الحكم الذاتي، والهدف المبطن كان إبعاد التأثير والنفوذ المصري عن السودان لتنفرد بريطانيا بحكمه.

هذا التكتيك البريطاني المزدوج – الذي سمح بالترويج لشعار “السودان للسودانيين” وحارب في الوقت ذاته الدعاية المؤيدة للاتحاد مع مصر – خلق حالة من التشكك العميق لدى طبقة المثقفين والخريجين السودانيين. لقد ظنت الغالبية العظمى من هؤلاء الخريجين أن الاستقلال الحقيقي يمكن انتزاعه عبر التعاون مع مصر، باعتبارها جارة مسلمة وناطقة بالعربية، والأهم من ذلك أنها تشاركهم معاناة الخضوع للحكم الأجنبي.

ولكن، كيف تحول هذا الشعار المشكوك في نوايا رافعيه الأوائل إلى عقيدة وطنية؟ يوضح الكتاب أن الشعار وجد صدى واستجابة قوية لدى طائفة الأنصار بزعامة السيد عبد الرحمن المهدي. لم يكن هذا الانحياز من فراغ، بل انطلق من موقف مبدئي للطائفة يرفض رفضاً قاطعاً أي محاولة لفرض السيادة المصرية على التراب السوداني. ورغم أن الشعار وجد قبولاً مبدئياً لدى السيد علي الميرغني، زعيم طائفة الختمية، الذي رفض بدوره النفوذ المصري، إلا أن التنافس الشخصي بين الزعيمين، وشعور السيد علي بأن الإدارة البريطانية تدعم نفوذ السيد عبد الرحمن، دفعه لاحقاً للارتماء في الحضن المصري ورفض الشعار.

الجذور التاريخية للسيادة: من مهدية ١٨٨٥ إلى كرري ١٨٩٨

لا يبدأ المؤلف سرديته من أروقة السياسة في الخمسينيات، بل يعود بالقارئ إلى الجذور العميقة للسيادة الوطنية. يفتتح الكتاب صفحاته الأولى بالعودة إلى عام ١٨٨٥، مبجلاً قيام “السودان الحر المستقل”. ينظر المؤلف إلى الثورة المهدية باعتبارها التجسيد الأول لرفض الاستعمار الأجنبي وتأسيس كيان وطني خالص، حيث يصف كيف استطاع الإمام المهدي أن يخلق للسودان كيانه الدولي ويثبت للعالم وجود السودان كأمة مستقلة.

ولا يرى الكاتب في أحداث عام ١٨٩٨ وموقعة كرري مجرد هزيمة عسكرية أمام الآلة الحربية الإنجليزية-المصرية، بل يصف أولئك المقاتلين بـ “أبطال التحرير”. ويستعرض كيف واجه الخليفة عبد الله والأنصار بصدورهم العارية وأسلحتهم البدائية نيران المدافع، مسطرين بدمائهم أروع الملاحم دفاعاً عن سيادة الأرض. هذا التأصيل التاريخي لم يكن عبثاً، بل كان ضرورياً للمؤلف ليثبت أن النزاع على السودان ليس وليد اتفاقيات القرن العشرين، بل هو صراع تاريخي ممتد بين محاولات الغزو وإرادة التحرر.

اتفاقية الحكم الثنائي (١٨٩٩).. تشريح التواطؤ والتهميش

ينتقل الكتاب لتشريح صلب الأزمة: اتفاقية الحكم الإنجليزي المصري لعام ١٨٩٩. يقدم المؤلف قراءة نقدية لاذعة لهذه الاتفاقية، موضحاً كيف أنها جردت السودان من سيادته ووضعته تحت رحمة مطامع قوتين استعماريتين.

يكشف المؤلف كيف أن هذه الاتفاقية كانت في جوهرها تسوية سياسية لتوزيع الغنائم؛ فبريطانيا، التي استغلت أموال الخزانة المصرية لتمويل حملة الغزو، استحوذت على السلطة الفعلية والعسكرية والمدنية. وفي المقابل، كانت المصالح تتصادم بشراسة؛ فمصر كانت تنظر إلى السودان كامتداد حيوي، وتطمع في تأمين تدفق مياه النيل المتزايد بمتطلباتها الزراعية، وتعتبر أراضي السودان متنفساً سكانياً لزيادة تعدادها. بينما كانت إنجلترا ترمي إلى إبقاء السودان كدولة مفككة، والسيطرة على مقدراته، وتحويله إلى مزرعة قطن ضخمة تخدم مصانع لانكشير، مع تأمين موقع استراتيجي في قلب أفريقيا.

إن هذا التضارب في المصالح، والذي أسس له “طمع” الدولتين كما يشير عنوان الكتاب ، هو ما ولّد “النزاع” المستمر الذي دفع السودانيين للقيام بـ “وثبة” نحو “الجهاد” السياسي لنيل الاستقلال.

تشريح “الطمع”: صراع المصالح فوق رمال النيل

حين يتحدث المؤلف عبد الرحمن علي طه عن “الطمع” في  كتابه، فإنه لا يستخدم مفردة عاطفية، بل يضع يده على المحرك الأساسي لماكينة السياسة الدولية في تلك الحقبة. لقد كان السودان في مخيلة القوتين المتصارعتين، بريطانيا ومصر، يمثل مساحة جغرافية لا تُقدر بثمن، ولكن لأسباب تكاد تكون متناقضة تماماً. يسهب الكتاب في توثيق كيف أن بريطانيا، وهي القوة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، كانت تنظر إلى السودان كحلقة وصل استراتيجية حيوية تؤمن طريقها إلى الهند، وتمنع في الوقت ذاته أي نفوذ أوروبي منافس، خاصة الفرنسي، من السيطرة على منابع النيل. بالنسبة للندن، لم يكن السودان مجرد أرض، بل كان مسألة أمن قومي إمبراطوري، ومصدراً واعداً لإنتاج القطن طويل التيلة الذي تحتاجه مصانع النسيج في لانكشير لتنافس الأسواق العالمية.

على الجانب الآخر من النهر، كانت القاهرة ترى في السودان امتداداً طبيعياً وتاريخياً لا يمكن الفصال فيه. يحلل الكتاب بعين فاحصة “العقيدة المصرية” تجاه السودان في ذلك الوقت، حيث كانت السياسة المصرية تنطلق من مبدأ “وحدة وادي النيل” كحق تاريخي موروث من العهد الخديوي. بالنسبة لمصر، كانت المسألة حياة أو موتاً؛ فالنيل هو شريان البقاء، والسيطرة على السودان تعني السيطرة على مفتاح المحبس المائي الذي يغذي الدلتا والصعيد. هنا، يبرز الكتاب وثائق تثبت كيف أن المصالح المصرية كانت تصطدم دوماً بالتوجسات البريطانية؛ فبريطانيا كانت تخشى من أن استقرار مصر في السودان قد يمنحها قوة تفاوضية كبرى في ملف قناة السويس وغيرها من الملفات العالقة بين البلدين.

اتفاقية ١٨٩٩: صناعة المأزق السيادي

ينتقل بنا السرد التاريخي في الكتاب إلى لحظة التوقيع على اتفاقية الحكم الثنائي في يناير ١٨٩٩، وهي الوثيقة التي يصفها المؤلف بأنها كانت “الميلاد القانوني للأزمة”. لقد كانت الاتفاقية عبارة عن توليفة قانونية غريبة لم يعرفها القانون الدولي من قبل؛ فهي لم تعترف بالسيادة الكاملة لمصر، ولم تعلن السودان مستعمرة بريطانية رسمية، بل أبقته في منطقة رمادية تحت علمين وإدارتين. يوضح الكتاب كيف أن اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، كان هو المهندس الحقيقي لهذا النظام، حيث أراد خلق وضع قانوني يمنع الدول الأوروبية الأخرى من المطالبة بامتيازات في السودان كما كان الحال في مصر، وفي ذات الوقت يبعد السودان عن سلطة المحاكم المختلطة والنظام القضائي المصري المعقد.

تلك الاتفاقية، كما يحللها عبد الرحمن علي طه، كانت في جوهرها تهميشاً كاملاً للإنسان السوداني. لقد وُقعت بين “سيدين” يتنازعان الملكية، بينما كان صاحب الأرض الحقيقي مغيباً تماماً عن المشهد. يستعرض الكتاب نصوصاً من الاتفاقية تمنح الحاكم العام للسودان، وهو بريطاني دوماً، سلطات مطلقة تتجاوز حتى سلطات ملك بريطانيا في مستعمراته، مما جعل من السودان “إقطاعية إدارية” تابعة لمكتب الخارحية البريطانية، بينما تكتفي مصر بدفع الفواتير المالية وتوفير الكوادر الإدارية الصغرى والجنود. هذا التفاوت الصارخ في القوة داخل “الشركة” الاستعمارية هو ما ولد لاحقاً شرارات النزاع بين الشريكين، وهو النزاع الذي استثمر فيه السودانيون لاحقاً لشق طريقهم نحو الاستقلال.

تفكيك بنية الإدارة: الوهم والمصلحة

في هذا الجزء من الكتاب، نجد مادة دسمة حول كيفية إدارة البلاد في العقود الأولى من القرن العشرين. يصف المؤلف ببراعة كيف كانت الإدارة البريطانية تمارس سياسة “فرق تسد” بشكل ناعم، حيث عملت على إضعاف الروابط الثقافية والسياسية بين السودان ومصر عبر قوانين صارمة، مثل قانون المناطق المقفولة الذي عزل جنوب السودان عن شماله، ومنع دخول المؤثرات العربية والإسلامية إلى المديريات الجنوبية. لم يكن هذا مجرد إجراء إداري، بل كان محاولة هندسة اجتماعية طويلة الأمد لخلق هوية سودانية مشوهة تابعة للتاج البريطاني، ومبتورة عن محيطها الطبيعي.

ويكشف الكتاب وثائق مثيرة حول الميزانيات المالية في تلك الفترة، حيث يثبت المؤلف بالحقائق والأرقام أن مصر كانت تتحمل العبء الأكبر من نفقات الإدارة والجيش في السودان، بينما كانت بريطانيا تجني الثمار السياسية والاستراتيجية. هذا الخلل البنيوي كان مثار تذمر دائم لدى النخبة المصرية، ومادة خصبة للصحافة الوطنية في القاهرة التي كانت تصرخ ضد “الخداع البريطاني”. ولكن، وبينما كان النزاع يشتد بين لندن والقاهرة، كان هناك “وعي جديد” يتشكل تحت السطح في الخرطوم ومدني والأبيض؛ وعي بدأ يدرك أن مصلحة السودان لا تكمن في الانحياز لأحد القطبين المتصارعين، بل في الخروج من فلكهما معاً.

نشوء الشخصية الوطنية: من الصدمة إلى التبلور

يتناول الكتاب صدمة السودانيين بعد هزيمة المهدية، وكيف تحولت تلك الصدمة بمرور الوقت إلى رغبة عارمة في استعادة الذات. يركز المؤلف على دور التعليم، وتحديداً “كلية غوردون التذكارية”، التي أرادها البريطانيون لتخريج كتبة وموظفين مطيعين، فإذا بها تتحول إلى معمل لتفريخ الثوار والمفكرين. هؤلاء الخريجون، الذين نهلوا من الثقافة الغربية دون أن ينسوا جذورهم السودانية، بدأوا يتساءلون: إذا كان الإنجليز والمصريون يتنازعون علينا، فلماذا لا نكون نحن أصحاب الحق في إدارة شؤوننا؟

هنا بدأت تظهر ملامح “الوثبة”. لم تكن وثبة عسكرية في البداية، بل كانت وثبة ثقافية واجتماعية تمثلت في تأسيس الجمعيات الأدبية، وإصدار الصحف والمجلات، والنقاشات المحتدمة في بيوت الخريجين. يوثق الكتاب كيف أن هؤلاء الشباب بدأوا في صياغة مفهوم “السودان للسودانيين” كبديل لمشروع “وحدة وادي النيل” الذي كان يروج له الاتحاديون، وكبديل للاستعمار البريطاني الذي كان يروج له بعض المتعاونين. لقد كان هذا الشعار بمثابة طوق النجاة الذي سيعصم البلاد من التلاشي في هويات الغير، وهو ما يسهب الكتاب في شرحه عبر استعراض مواقف الشخصيات الوطنية التي تبنت هذا الخط، وعلى رأسهم السيد عبد الرحمن المهدي، الذي يراه المؤلف الرمز الأبرز لتحويل طاقة المهدية القتالية إلى طاقة سياسية دبلوماسية قادرة على مواجهة مكر الإمبراطورية.

لقد كان النزاع بين بريطانيا ومصر حول السيادة على السودان هو الثقب الذي نفذت منه الإرادة الوطنية السودانية. فبسبب عدم اتفاق الشريكين على من يملك الأرض، بقي هناك فراغ قانوني وسياسي استطاع السودانيون، بذكاء وصبر، أن يملأوه بمطالباتهم المستمرة بتقرير المصير. إن الكتاب في هذه الأجزاء لا يسرد وقائع جافة، بل يرسم لوحة فنية لصراع الإرادات، حيث الطمع يولد النزاع، والنزاع يمنح الفرصة للوثبة، والوثبة تقود في النهاية إلى الجهاد الوطني المقدس من أجل الحرية.

بزوغ فجر الوعي المنظم

ينتقل بنا كتاب الأستاذ عبد الرحمن علي طه إلى المرحلة الأكثر حيوية في الوجدان الوطني السوداني، وهي مرحلة “الوثبة”. هذه الوثبة، كما يصورها الكتاب، لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل كانت تحولاً بنيوياً في كيفية تعاطي السودانيين مع قضيتهم الوطنية، حيث انتقل الثقل من المقاومة المسلحة التقليدية التي انتهت في “كرري” و”أم دبيكرات”، إلى المقاومة المدنية والسياسية المنظمة.

يسرد المؤلف كيف أن فترة العشرينيات من القرن الماضي مثلت المخاض العسير فبينما كانت سلطات الحكم الثنائي تحاول ترسيخ أقدامها، ظهرت “جمعية اللواء الأبيض” في عام 1924 لتشكل أول هزة حقيقية في جدار الاستعمار. يحلل الكتاب هذه اللحظة باعتبارها أول محاولة لكسر الصمت وتوحيد الصفوف بين العسكريين والمدنيين، ورغم أن الحركة قُمعت بقوة السلاح، إلا أنها تركت في الذاكرة الجمعية درساً بليغاً: أن السيادة لا تُمنح كمنحة، بل تُنتزع كحق. هذه “الوثبة” الأولى كانت هي الشرارة التي مهدت الأرض لما سيأتي لاحقاً من عمل نقابي وسياسي أكثر نضجاً وتأثيراً.

مؤتمر الخريجين: المعمل السياسي للأمة

ينتقل الكتاب إلى عام 1938، وهي السنة التي شهدت تأسيس “مؤتمر الخريجين العام”. يولي المؤلف أهمية قصوى لهذا الكيان، ليس فقط كمنصة للنخبة المتعلمة، بل كبديل وطني شرعي بدأ يملأ الفراغ الذي خلفه تنازع السيادة بين القاهرة ولندن. يصف الكتاب كيف تحول المؤتمر من كيان يسعى لتحسين ظروف الموظفين وتقديم الخدمات الاجتماعية، إلى “برلمان شعبي” يطرح القضايا المصيرية على الطاولة الدولية.

وفي واحدة من أهم وثائق الكتاب، يتم استعراض “مذكرة الخريجين” الشهيرة لعام 1942. هذه المذكرة لم تكن مجرد طلبات إدارية، بل كانت إعلاناً سياسياً ناضجاً يطالب بحق تقرير المصير فور انتهاء الحرب العالمية الثانية. يحلل عبد الرحمن علي طه رد الفعل البريطاني المتعجرف تجاه المذكرة، وكيف أن هذا الرد كان بمثابة “الوقود” الذي حول العمل السياسي من مرحلة “الوثبة” إلى مرحلة “الجهاد” الوطني الشامل. لقد أدرك السودانيون حينها أن الإمبراطورية التي استعانت بهم في المجهود الحربي ليست مستعدة لمنحهم الحرية طواعية، ومن هنا بدأ الصدام الحقيقي الذي انتقل من أروقة المكاتب إلى الشوارع والنوادي والجمعيات.

انقسام النخبة: وحدة الوادي أم الاستقلال التام؟

لا يكتفي الكتاب بتوثيق النجاحات، بل يغوص في تعقيدات المشهد الداخلي وصراع الهويات السياسية. يحلل المؤلف علمية الانقسام الذي حدث داخل صفوف الحركة الوطنية بين تيارين كبيرين: “الاتحاديين” الذين رأوا في الوحدة مع مصر وسيلة للتخلص من الاستعمار البريطاني، و”الاستقلاليين” الذين رفعوا شعار “السودان للسودانيين” ورفضوا أي شكل من أشكال التبعية للخارج.

يوضح الكتاب كيف أن هذا الانقسام لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان يعكس رؤى استراتيجية متباينة لمستقبل الدولة. يستعرض المؤلف الحجج التي ساقها كل طرف، موضحاً أن تيار الاستقلال كان يخشى من أن تتحول “الوحدة” إلى “احتلال” مقنع، بينما كان تيار الوحدة يخشى من أن يؤدي “الاستقلال” تحت الرعاية البريطانية إلى بقاء النفوذ الإنجليزي للأبد. هذا الصراع الفكري المرير، والذي يصفه الكتاب بـ “النزاع الداخلي”، كان هو الاختبار الحقيقي لقدرة السودانيين على إدارة شؤونهم قبل نيل الاستقلال الفعلي، وهو ما ميز التجربة السودانية بجعلها تجربة ديمقراطية وتعددية منذ المهد.

دبلوماسية السيد عبد الرحمن المهدي: المهدية في ثوبها الحديث

يفرد الكتاب مساحة واسعة لدور الإمام السيد عبد الرحمن المهدي، ليس فقط كزعيم روحي لطائفة الأنصار، بل كمهندس سياسي بارع استطاع أن يحول إرث المهدية الثوري إلى قوة سياسية ودبلوماسية هادئة ومؤثرة. يوثق المؤلف كيف استطاع السيد عبد الرحمن أن يقنع الدوائر الدولية، وخاصة في لندن، بأن السودان يمتلك قيادة وطنية قادرة على إدارة دولة حديثة ومستقلة.

ويكشف الكتاب عن تفاصيل المفاوضات والرحلات التي قام بها وفد “الاستقلال” إلى الخارج، وكيف كانت هذه التحركات تزعج السلطات المصرية التي كانت تصر على أن السودان جزء لا يتجزأ من التاج المصري. يبرز المؤلف هنا ذكاء شعار “السودان للسودانيين”؛ فهو لم يكن مجرد رفض للغير، بل كان تأكيداً على “الذات الوطنية” التي تمتلك مقومات السيادة الكاملة. هذا التوجه هو ما جعل قضية السودان تخرج من إطار “النزاع الإقليمي” لتصبح قضية “تحرر وطني” معترف بها عالمياً، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لتدويل القضية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

الشركاء الأعداء ومناورات اللحظات الأخيرة

مع اقتراب نهاية الأربعينيات، يصف الكتاب حالة “الارتباك” التي أصابت دولتي الحكم الثنائي. فبريطانيا، التي أضعفتها الحرب، بدأت تدرك أن البقاء في السودان أصبح مكلفاً سياسياً وعسكرياً، ومصر، التي كانت تمر بتحولات سياسية عاصفة، كانت تحاول التمسك بآخر أوراقها في الوادي. يستعرض الكتاب بسرد مشوق كيف كانت لندن والقاهرة تتبادلان الأدوار في محاولة لاحتواء الحركة الوطنية السودانية؛ تارة بالوعد بالحكم الذاتي، وتارة بالتهديد بفرض السيادة الأحادية.

إن “الجهاد” يتجسد في هذه المرحلة في قدرة السودانيين على اللعب على تناقضات القوتين العظميين. يوثق الكتاب كيف أن الجمعية التشريعية لعام 1948، رغم الانتقادات التي وُجهت إليها في البداية، تحولت إلى منصة وطنية لانتزاع المزيد من الصلاحيات. لقد كان السودانيون في تلك اللحظة يمارسون “فن الممكن”، حيث استغلوا كل شبر من الحرية المتاحة لتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية، وهو ما أثبت للعالم أن الشعب الذي يوصف بـ “الكسل” أو “التبعية” في الأدبيات الاستعمارية، هو في الحقيقة شعب يمتلك عبقرية سياسية مكنته من هزيمة إمبراطوريتين في آن واحد دون إراقة دماء واسعة النطاق.

لقد كانت مرحلة “الوثبة فجهاد” هي الفصل الأكثر إلهاماً في الكتاب، حيث تحول السودان من “موضوع” في جملة استعمارية، إلى “فاعل” يكتب تاريخه بيده. وفي الجزء القادم، سنتوسع في تفاصيل “ساعة الحقيقة”: كيف تحول حلم “السودان للسودانيين” من صفحات هذا الكتاب إلى حقيقة ساطعة تحت شمس الاستقلال.

ساعة الصفر: من اتفاقية ١٩٥٣ إلى منصة البرلمان

تصل الرحلة التاريخية التي وثقها الأستاذ عبد الرحمن علي طه في كتابه “السودان للسودانيين” إلى محطتها الحاسمة بوقوع التحول الجذري في السياسة المصرية عقب ثورة يوليو ١٩٥٢، وهو التحول الذي أربك حسابات الإدارة البريطانية ووضع السودان في مسار لا رجعة فيه نحو تقرير المصير. لقد كانت اتفاقية الحكم الذاتي الموقعة في فبراير ١٩٥٣ هي “كلمة السر” التي نقلت القضية من حيز النزاع الثنائي بين القاهره ولندن إلى حيز التنفيذ الوطني الصارم، حيث نصت بوضوح على فترة انتقالية لا تتجاوز ثلاث سنوات، تهدف إلى تصفية الإدارة الاستعمارية “السودنة” وتمهيد الطريق لتقرير المصير.

في هذا الجزء، يحلل المؤلف  كيف تحول حزب الأمة، الذي كان يرى في الكتاب مانيفستو سياسياً له، من خندق المعارضة بعد انتخابات ١٩٥٣ التي فاز بها الحزب الوطني الاتحادي، إلى قوة ضاغطة استطاعت أن تغير مجرى التاريخ. فرغم أن الحكومة المنتخبة برئاسة إسماعيل الأزهري كانت تميل في البداية لخيار “الوحدة مع مصر”، إلا أن ضغط الشارع الاستقلالي، والزخم الفكري الذي وفره شعار “السودان للسودانيين”، جعل الحكومة تدرك أن السيادة التامة هي المطلب الذي لا يقبل المساومة. لقد كان الكتاب في تلك اللحظة بمثابة المرجع الذي يستقي منه المفاوض السوداني حجته التاريخية لإثبات أن “الطمع” الأجنبي في السودان لم ينقطع، وأن الاستقلال هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي الماضي.

التحالف الضروري: عندما تتحد الإرادة خلف الشعار

يكشف الكتاب في فصوله الأخيرة عن كواليس التقارب الذي حدث بين طائفتي الأنصار والختمية، وهو التقارب الذي كان يراه الكثيرون مستحيلاً نظراً للتنافس التاريخي والشخصي بين السيد عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني. يوضح المؤلف أن الشعور بالمسؤولية الوطنية تجاه لحظة تقرير المصير المصيرية جعل الزعيمين يتجاوزان الخلافات العميقة، ليقف الجميع خلف هدف واحد. هذا الاتحاد لم يكن مجرد توافق سياسي عابر، بل كان “الوثبة” الكبرى التي ذكرها العنوان، حيث أدركت كافة القوى أن الاستقلال التام يتطلب جبهة داخلية صلبة لا تسمح للدعاية الخارجية باختراقها.

يستعرض الكتاب كيف بدأت الدعاية المصرية تفقد تأثيرها تدريجياً أمام تنامي الشعور الوطني الخالص، وكيف استثمر حزب الأمة كتاب “السودان للسودانيين” كأداة تعبوية في الأقاليم والمدن لتوعية الجماهير بخطورة الذوبان في كيان سياسي خارجي. لقد كانت الوثائق التي تضمنها الكتاب حول “النزاع” الإنجليزي المصري بمثابة مرآة كشفت للسودانيين أنهم كانوا دوماً “جائزة” في صراع دولي، مما زاد من تمسكهم بأن يكون السودان ملكاً لأبنائه فقط.

الإعلان من الداخل: استقلال لا ينتظر الاستفتاء

يصل الكتاب إلى القمة الدرامية في ١٩ ديسمبر ١٩٥٥. هنا يبرز المؤلف عبقرية المناورة السياسية السودانية؛ فبينما كانت اتفاقية ١٩٥٣ تنص على إجراء استفتاء شعبي لتقرير المصير، أدركت القوى الوطنية أن الاستفتاء قد يفتح الباب للتدخلات الخارجية والمال السياسي. وبإلهام من الروح الوطنية التي بثها شعار “السودان للسودانيين”، قرر البرلمان السوداني قطع الطريق على كافة الاحتمالات بإعلان الاستقلال من داخل القبة وبإجماع كافة الكتل السياسية.

هذه اللحظة لم تكن مجرد إجراء قانوني، بل كانت تجسيداً لانتصار “الجهاد” السياسي الذي خاضه الرعيل الأول. ويختتم المؤلف رؤيته بالتأكيد على أن رفع علم السودان المستقل في الأول من يناير ١٩٥٦ لم يكن نهاية المطاف، بل بداية لمسؤولية كبرى تقع على عاتق السودانيين في الحفاظ على هذه السيادة التي انتُزعت بصبر السنين وحكمة الوثائق.

خاتمة السفر: أمانة التحقيق وتواصل الأجيال

لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن الجهد الكبير الذي بذلته الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه في تحقيقه وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة. فمنذ صدور طبعته الأولى في مايو ١٩٥٥ عن دار جامعة الخرطوم للنشر، ظل الكتاب يمثل المرجع الأهم لتاريخ الحركة الوطنية في تلك الفترة الحرجة. وبفضل الطبعة الثانية المحققة في عام ١٩٩٢، استطاع القارئ المعاصر أن يفهم السياقات المعقدة التي أحاطت باتفاقية الحكم الثنائي وما تلاها من صراعات.

إن كتاب “السودان للسودانيين يظل وثيقة حية تذكرنا بأن الاستقلال لم يكن صدفة جغرافية، بل كان نتاجاً لوعي فكري وسياسي استطاع أن يحول “الطمع” الأجنبي إلى قوة دافعة للحرية. هو سجل لرحلة أمة رفضت أن تكون تابعة، واختارت أن تخوض غمار “النزاع” لتصل إلى “الوثبة” ثم “الجهاد” الذي تُوج بسيادة الدولة السودانية المعاصرة. إنها قصة وطن صاغ هويته من رحم التحدي، وترك للأجيال القادمة مانيفستو لا يزال صالحاً للقراءة والتأمل في كل منعطف تاريخي تمر به البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى