رغيف الحرب.. حين يلتهم الغلاء آخر ما تبقى للسودانيين

لم يعد ارتفاع أسعار الخبز في السودان مجرد مؤشر اقتصادي على تفاقم الأزمة المعيشية، بل تحول إلى عنوان يومي لمعاناة ملايين المواطنين الذين أنهكتهم الحرب، وأفقدتهم مصادر دخلهم، وأجبرتهم على خوض معركة جديدة من أجل الحصول على أبسط مقومات الحياة. فبعد أن كان مبلغ ألف جنيه سوداني يكفي لشراء أربع قطع من الخبز، أصبح اليوم لا يوفر سوى ثلاث قطع في عدد من الولايات، في مشهد يعكس التدهور المتسارع في القوة الشرائية للمواطن.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل حرب دخلت عامها الرابع، بعدما دمرت قطاعات الإنتاج والخدمات، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية، وأوقفت آلاف الأنشطة الاقتصادية، لتدفع بملايين السودانيين إلى دائرة الفقر والعوز. كما ساهمت زيادة أسعار الوقود وتكاليف النقل، إلى جانب تراجع قيمة العملة المحلية، في ارتفاع أسعار الدقيق ومدخلات إنتاج الخبز، الأمر الذي انعكس مباشرة على المستهلك.
وتبقى الشرائح الأكثر هشاشة هي الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، وفي مقدمتها الأسر النازحة التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، وأصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية أو الأعمال المؤقتة لتوفير قوت يومها. بالنسبة لهذه الأسر، فإن تقليص عدد الأرغفة التي يمكن شراؤها بالألف جنيه يعني وجبة أقل على المائدة، ومعاناة أكبر للأطفال وكبار السن والمرضى، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وترتفع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة.
ولا تقتصر الأزمة على النازحين وحدهم، فآلاف الموظفين والعمال وصغار التجار الذين تآكلت دخولهم بسبب التضخم أصبحوا عاجزين عن مجاراة الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز الذي يمثل الغذاء الرئيسي لمعظم الأسر السودانية. وبين انخفاض القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر، بات كثير من المواطنين يضطرون إلى تقليص استهلاكهم اليومي أو الاستغناء عن احتياجات أساسية أخرى لتوفير ثمن الخبز.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب دون أفق واضح للحل يفاقم الضغوط الاقتصادية والإنسانية، ويجعل الأمن الغذائي في السودان أكثر هشاشة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل. كما تحذر تقارير دولية من اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار النزوح وتعطل سلاسل الإمداد في عدد من المناطق.
وبينما يواصل رغيف الخبز رحلته الصعبة نحو موائد السودانيين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى يستطيع المواطن تحمل فاتورة الحرب، وهو الذي يدفع ثمنها كل يوم من لقمة عيشه، في وقت تتآكل فيه موارده وتتراجع فرصه في حياة كريمة؟




