أبرز المواضيعإقتصاد

من نبوءة “يوسف” إلى غطرسة “الخوارزميات”: رحلة العقل البشري في ترويض غيب الاقتصاد

عتبة الغيب الاقتصادي.. من قلق البدائية إلى عقلانية الأسواق

يعيش الإنسان المعاصر في مفارقة وجودية هائلة؛ فبينما تحيط به التكنولوجيا الرقمية من كل جانب، وتتنبأ الخوارزميات المعقدة بحركاته وسكناته، وتكاد أنظمة الذكاء الاصطناعي تحصي عليه أنفاسه وتفضيلاته الاستهلاكية، يظل المستقبل الفعلي، في جوهره العميق، لغزاً مغلقاً ومحاطاً بضباب كثيف. هذا الضباب ليس مجرد عائق طارئ يمكن تبديده بمزيد من البيانات، بل هو جوهر “حالة عدم اليقين” التي رافقت خطى البشرية منذ أن خط العقل الأول تصوراته عن الغد. في كتابهما الصادر حديثاً والمثير للجدل الفكري والاقتصادي، “التوقعات المشروطة: عدم اليقين، المخاطر، والسلوك الاقتصادي من منظور تاريخي” (Contingent Expectations: Uncertainty, Risk, and Economic Behavior in Historical Perspective)، يأخذنا المؤرخان الاقتصاديان البارزان ألكسندر نيتزناديل وجوخن ستريب في رحلة معرفية باذخة وعميقة، تمتد عبر القرون، لتفكيك الشفرة الوراثية لكيفية صناعة القرار البشري عندما تكون الرؤية منعدمة، وكيف تحولت التوقعات من مجرد “نبوءات” أو “مخاوف غريزية” إلى علم، وسياسة، ومؤسسات، وأسواق مالية تهز عروش الأمم.

ينطلق الكتاب، الذي جاء ثمرة مشروع بحثي ممتد ومكثف استغرق قرابة ثماني سنوات (منذ عام 2016 وحتى عام 2024) بدعم سخي من مؤسسة الأبحاث الألمانية، من أطروحة أساسية بالغة الأهمية والتحدي للمدارس الاقتصادية التقليدية: وهي أن “التوقعات الاقتصادية” ليست مجرد معادلات رياضية باردة يجريها فاعلون عقلانيون يمتلكون معلومات كاملة، كما تفترض نظرية “التوقعات العقلانية” (Rational Expectations) التي هيمنت على الفكر النيوليبرالي لعقود. بدلاً من ذلك، يقدم المؤلفان مفهوماً بديلاً، أكثر مرونة وإنسانية واشتباكاً مع الواقع التاريخي، وهو “التوقعات المشروطة” (Contingent Expectations). هذا المفهوم يفترض أن البشر، عبر العصور، لم يعتمدوا على صيغة واحدة أو مسطرة تنبؤية ثابتة، بل طوروا “ترسانة” من الأساليب المتنوعة، والمشروطة بالسياقات الثقافية والمؤسسية والاجتماعية التي يعيشون فيها، للتكيف مع المجهول واحتواء الأزمات.

معضلة نايت: في التمييز الحاسم بين “المخاطرة” و”عدم اليقين”

ليؤسس المؤلفان أرضية صلبة لعملهما، يعودان إلى النقطة المعرفية المفصلية التي صاغها عالم الاقتصاد الأمريكي الفذ فرانك نايت (Frank Knight) في عشرينيات القرن العشرين، وتحديداً في كتابه الكلاسيكي “المخاطرة، وعدم اليقين، والربح” (1921). هذا التمييز، الذي غاب طويلاً خلف غبار النماذج الرياضية المعقدة في النصف الثاني من القرن العشرين، يُعيده نيتزناديل وستريب إلى الواجهة باعتباره المفتاح السحري لفهم التاريخ الاقتصادي.

المخاطرة (Risk)، وفقاً لهذا المنظور، تمثل المواقف التي لا نعرف نتائجها بدقة، لكننا نستطيع، من خلال البيانات التاريخية والإحصاءات، حساب “احتمالات” حدوثها. إنها تشبه لعبة الروليت أو رمي النرد؛ فأنت لا تعرف الرقم القادم، لكنك تعرف يقيناً حدود الفرص المتاحة (واحد من ستة في النرد). هذا النوع من المخاطرة القابلة للحساب هو الذي جعل صناعة التأمين المعاصرة ممكنة، وهو الذي تقوم عليه الأسواق المالية في فترات استقرارها. أما “عدم اليقين” (Uncertainty)، فهو الوحش الكاسر الحقيقي؛ إنه يمثل المواقف التي نجهل فيها النتائج، ونعجز تماماً عن وضع أي توزيع احتمالي ذي معنى لها. إنه “المجهول المطلق” أو ما يمكن تسميته بالأحداث التي تقع خارج نطاق الخبرة البشرية السابقة، مثل الأوبئة الفجائية، أو الثورات السياسية العاصفة، أو الانهيارات التكنولوجية والبيئية غير المتوقعة.

هنا يكمن بريق الأطروحة التاريخية للكتاب: فالرأسمالية، في عمقها، ليست مجرد آلية لتبادل السلع أو تراكم رأس المال، بل هي منظومة مخصصة لإدارة هذا التوتر الدائم بين المخاطرة القابلة للقياس وعدم اليقين المستعصي على الضبط. والربح الريادي الحقيقي، كما جادل نايت وتبعه مؤلفا الكتاب، لا ينشأ من تحمل “المخاطر” (التي يمكن التحوط ضدها عبر التأمين)، بل ينشأ من الشجاعة الوجودية والاقتصادية لمواجهة “عدم اليقين” واتخاذ قرارات حاسمة في ظل غياب الرؤية.

سيكولوجية التنبؤ وتجاوز النماذج الباردة

ينتقد نيتزناديل وستريب بشدة، وعبر لغة مشحونة بالحقائق التاريخية، تلك النظرة الجافة التي تحاول قولبة السلوك البشري في قوالب “الرجل الاقتصادي” (Homo Economicus) شديد العقلانية. إن الممارسة التاريخية الفعلية تكشف أن التوقعات هي ظواهر “سيكوسوسيولوجية” (نفسية واجتماعية) بامتياز. عندما يواجه الأفراد أو الشركات أو حتى الحكومات مواقف ضبابية، فإنهم لا يجلسون لحساب مصفوفات الاحتمالات المعقدة؛ بل يلجأون إلى ما يسميه الكتاب “الروتين المؤسسي”، و”الخبرة المتراكمة”، و”القصص المسرودة” (Narratives).

إن “التوقعات المشروطة” تعني أن عقولنا مشروطة بالقصص التي نرويها لأنفسنا عن الماضي. فإذا كانت هناك ذاكرة جمعية عن تضخم جامح (كما حدث في ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي)، فإن توقعات الناس وسلوكهم الاقتصادي تجاه أي زيادة طفيفة في الأسعار ستكون مشروطة بتلك الذاكرة المخيفة، مما يدفعهم إلى سلوكيات قد تبدو غير عقلانية في نظر اقتصادي يجلس في غرفته المغلقة، لكنها عقلانية تماماً في سياقها التاريخي والنفسي. يجادل الكتاب بأن الاقتصاد الحقيقي لا يتحرك وفقاً لخطوط الرسوم البيانية المستقيمة، بل يتأرجح بعنف على أمواج العواطف البشرية: من الطمع الأعمى والتهافت الذي يصنع “الفقاعات الاقتصادية”، إلى الذعر الشديد والهلع الذي يفجر الأزمات والكساد.

العمارة الهيكلية للكتاب: رحلة عبر الزمن والأفكار

يتوزع الكتاب عبر فصول محكمة البناء، تنتقل بالقارئ من التأصيل النظري والمفهومي إلى التطبيقات التاريخية الملموسة. ولا يكتفي المؤلفان بمراقبة المشهد من علٍ، بل يغوصان في أرشيفات ممتدة، ومحاضر اجتماعات الشركات، والتقارير الحكومية، والصحف القديمة، ليوثقا كيف كان صانعو القرار يفكرون ويتوجسون ويسطرون توقعاتهم.

يبدأ الكتاب بتتبع ما يسميانه “الثورة الاحتمالية” في العصور الحديثة المبكرة، وكيف بدأ العقل البشري في محاولة “كمونة” (Quantification) الغيب وتحويل القدر إلى أرقام. ثم ينتقل الفصلان التاليان لاستكشاف كيف تعاملت المجتمعات والشركات في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مع البيئة الديناميكية شديدة العنف التي فرضتها الثورة الصناعية وتوسع الأسواق العالمية. هنا يدرس الكتاب بالتفصيل قطاعات حيوية مثل الأسواق المالية الناشئة، والمضاربات العقارية، وتطور قطاع التأمين الذي مثل ذروة المحاولة البشرية لمأسسة المخاطر.

لكن الميزة الكبرى التي تمنح هذا الكتاب فرادته، هي رفضه القاطع لـ”المركزية الحاضرة” أو الاعتقاد بأن التوقع هو اختراع حديث. لذلك، يعود بنا الكتاب في ومضات تاريخية مقارنة إلى العصور قبل الحديثة والعصور القديمة، ليرصد كيف شكلت التوقعات ملامح الإمبراطوريات الكبرى وحمت المجتمعات الزراعية من الفناء. إنها معالجة تاريخية وفلسفية فذة، تعيد الاعتبار للزمن كعنصر فاعل ومشكل للوعي الاقتصادي، وليس مجرد محور أفقي في رسم بياني. إن هذا الكتاب ليس مجرد تأريخ للاقتصاد، بل هو تأريخ للعقل البشري في مواجهة أعمق مخاوفه: مخاوف الغد المجهول.

هندسة النبوءة وعقلنة القدر.. من “مخازن يوسف” إلى ثورة الاحتمالات

لم يكن التوقع يوماً وليد المصادفة، ولم يكن التفكير في الغد ترفاً فكرياً جلبته الحداثة الغربية مع بزوغ عصر الآلات البخارية والمصانع العملاقة، بل هو غريزة بقاء مغروسة في الوعي البشري منذ أن أدرك الإنسان الأول أن الشمس المعلقة في كبد السماء ستغيب حتماً ليتلوها ليل مظلم وبارد. يعيدنا ألكسندر نيتزناديل وجوخن ستريب في أطروحتهما التاريخية الشائقة إلى تفكيك تلك النظرة الاستعلائية التي يتبناها قطاع واسع من الاقتصاديين المعاصرين، والذين يفترضون أن المجتمعات التقليدية أو “ما قبل الحديثة” كانت تعيش في حالة من السكون الرتيب، حيث تدار الشؤون الحياتية بالاتكال المطلق على الأقدار، دون أدنى محاولة لتشكيل توقعات منهجية أو بناء استراتيجيات تحوطية طويلة الأمد. يفند الكتاب هذه الرؤية القاصرة عبر العودة إلى العصور القديمة، متخذاً من السرديات التاريخية والدينية الكبرى، وعلى رأسها قصة النبي يوسف في مصر، نموذجاً فذاً ومبكراً لكيفية إدارة “عدم اليقين” وحالات الطوارئ الاقتصادية القصوى من خلال بناء منظومة متكاملة للتوقعات المشروطة.

إن القراءة الفلسفية والاقتصادية التي يقدمها المؤلفان لقصة سنوات السبع العجاف والسبع السمان لا تتعامل مع الحدث باعتباره مجرد معجزة غيبية معزولة عن السياق الإنساني، بل تحللها بوصفها “نموذجاً إرشادياً” لكيفية تحويل النبوءة والرؤية المستقبلية إلى خطة عمل مؤسسية صارمة. في تلك الحقبة التاريخية، كانت الحضارة الزراعية في وادي النيل تقف تحت رحمة تقلبات المناخ وفيضانات النهر التي لا يمكن التنبؤ بها بدقة، مما يمثل حالة نموذجية من حالات “عدم اليقين المطلق” بمفهوم فرانك نايت. هنا، تتدخل آلية التوقع المشروط: الرؤية تحدد ملامح الخطر القادم، لكن الاستجابة البشرية والمؤسسية هي التي تصنع الفارق بين الفناء والنجاة. فبدلاً من الاستسلام السلبي لقدريّة المجاعة، أُنشئت منظومة تخزين مركزي عملاقة، وجرى تعديل السلوك الاستهلاكي والإنتاجي للمجتمع بأسره بناءً على توقعات مشروطة بمدى كفاية المخزون وزمن الأزمة الممتد. هذه المعالجة الذكية تكشف أن الإنسان القديم لم يكن عاجزاً عن التفكير التوقعي، بل كان يمتلك أدواته الخاصة التي تناسب عصره، حيث كانت النبوءات، وتفسير الأحلام، وقراءة النجوم، والطقوس الدينية، تمثل القنوات المؤسسية المقبولة اجتماعياً لتمرير التوقعات وصياغة القرارات الاقتصادية الجماعية.

ومع تحرك عقارب التاريخ نحو العصور الحديثة، بدأت هذه القنوات التقليدية تتراجع تدريجياً لتفسح المجال أمام تحول معرفي هائل عُرف في الأوساط الفكرية باسم “الثورة الاحتمالية”. يصف المؤلفان هذا التحول بأنه أعظم محاولة قام بها العقل البشري لتجريد “القدر” من غموضه الميتافيزيقي وتحويله إلى أرقام ونسب رياضية قابلة للقياس. لقد بدأت هذه الثورة في المدن الإيطالية المزدهرة خلال عصر النهضة، حيث كانت التجارة البحرية عبر المتوسط تواجه مخاطر جمة، من القراصنة إلى العواصف الهوجاء التي قد تبتلع ثروات كاملة في لمح البصر. هنا ولدت الحاجة إلى عقلنة المخاطر، فظهرت أولى أشكال عقود التأمين البحري، وظلت الرياضيات تتطور ببطء حتى القرن السابع عشر عندما وضع مفكرون من أمثال بليز باسكال وبيير دي فيرما أسس نظرية الاحتمالات. لم تعد إدارة المستقبل تعتمد على استرضاء الآلهة أو انتظار النبوءات، بل أصبحت تعتمد على حساب الفرص، وتدوين جداول الوفيات، ومراقبة التكرار الإحصائي للحوادث.

هذا الانتقال من “عدم اليقين” المستعصي على الفهم إلى “المخاطرة” القابلة للحساب غيّر وجه الوجود الإنساني بأكمله، ومثل الحجر الأساس لنشوء الرأسمالية التجارية ثم الصناعية. غير أن نيتزناديل وستريب يلفتان انتباهنا إلى فخ نظري وقع فيه الفكر الاقتصادي اللاحق؛ إذ اعتقد الواثقون في قوة الأرقام أن “الثورة الاحتمالية” قد قضت تماماً على عدم اليقين، وأن كل شيء في الكون يمكن اختزاله في معادلة توزيع طبيعي. هذا الوهم المعرفي هو الذي ينتقده الكتاب بضراوة، مبيناً أن عقلنة القدر من خلال الرياضيات والتمويل خلقت نوعاً من الاستقرار الزائف، لأنها تجاهلت السلوك البشري المتقلب بطبعه، وظلت تفترض أن المستقبل ليس سوى تكرار ميكانيكي لبيانات الماضي. إن التوقعات، حتى في أكثر العصور تقدماً علمياً، تظل مشروطة بالسياق النفسي والاجتماعي الذي تولد فيه، وهي لا تتشكل في فراغ مختبري، بل في خضم صراعات وتطلعات ومخاوف مجتمعات حية ومتحركة.

إن جوهر الأطروحة في هذا الجزء من الكتاب يتجلى في كشف التناقض الصارخ بين محاولات المأسسة الباردة للمخاطر وبين الطبيعة الفوضوية للأزمات التاريخية. فعندما يتحدث المؤلفان عن تطور قطاع التأمين، فإنهما لا يريان فيه مجرد أداة مالية، بل يقرآن فيه “مؤسسة سيكولوجية” تمنح المستثمرين والأفراد الجرأة الوجودية على المضي قدماً في مشروعاتهم رغم ضبابية الغد. التأمين هو الآلية التي تحول الخوف من الكارثة إلى قسط مالي شهري معلوم، وبذلك يتمكن العقل الاقتصادي من ترويض القلق وتحويله إلى بند في الميزانية. ولكن، ماذا يحدث عندما تقع كارثة خارج نطاق كل الجداول الإحصائية المتاحة؟ ماذا يحدث عندما تنهار الأسواق بفعل حدث فريد لا أصل له في السجلات القديمة؟ هنا يتداعى نموذج “المخاطرة” وتعود البشرية لتواجه وجه لوجه غريمها الأزلي: عدم اليقين المطلق.

يربط الكتاب بين هذه التحولات التاريخية وبين الأزمات المعاصرة التي شهدها عالمنا مؤخراً، مؤكداً أن الانهيارات المالية الكبرى، مثل أزمة عام 2008، لم تكن بسبب نقص في النماذج الرياضية، بل بسبب الإفراط في الثقة بها. لقد نسيت البنوك الاستثمارية الكبرى والمؤسسات التنظيمية أن التوقعات هي كائنات حية تتأثر بالعدوى النفسية والشائعات والقصص السائدة في المجتمع. عندما تسيطر قصة معينة على عقول الفاعلين الاقتصاديين، مثل القصة التي كانت تقول “إن أسعار العقارات لا يمكن أن تنخفض أبداً”، تصبح التوقعات مشروطة بهذه السردية، ويتصرف الجميع بناءً عليها، مما يؤدي في النهاية إلى تضخم الفقاعة وانفجارها الحتمي. ومن ثم، فإن كتاب “التوقعات المشروطة” يعيد الاعتبار للتاريخ كمعمل حقيقي للاقتصاد، مبيناً أن دراسة سلوك البشر في الماضي عند مواجهتهم للأزمات هي الوسيلة الوحيدة لفهم لغز اتخاذ القرار في الحاضر، وتجنب السقوط المتكرر في هاوية الثقة العمياء بالنماذج الرقمية المصمتة التي تدعي امتلاك مفاتيح الغد.

زلزال التصنيع وولادة الرأسمالية المضاربة.. القرن التاسع عشر واختراع الغد

إذا كانت الثورة الاحتمالية قد وضعت البذور النظرية الأولى لتكميم وتأطير المستقبل، فإن القرن التاسع عشر كان بمثابة المختبر العملي العاصف الذي قذف بالبشرية إلى أتون بيئة اقتصادية ديناميكية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل. يكرس ألكسندر نيتزناديل وجوخن ستريب هذا الجزء من كتابهما لرصد ذلك التحول  الهائل الذي أحدثته الثورة الصناعية في عقول الأفراد والمؤسسات على حد سواء، حيث لم يعد التوقع مجرد أداة لحماية رأس المال من عوادي الزمن، بل تحول إلى محرك أساسي لإنتاج الثروة ومضاعفتها عبر قنوات مالية ومستقبلية بالترادف. مع ظهور السكك الحديدية التي طوت المسافات، والتلغراف الذي نقل الأخبار والأسعار عبر القارات في ثوانٍ معدودات، والمصانع الضخمة التي كانت تلتهم المواد الخام وتضخ السلع بكميات فلكية، انهار العالم القديم المستقر برتابته الزراعية، وحلت محله رأسمالية صناعية وتجارية تتغذى على الحركة الدائبة، وتعتمد بقوة على صياغة رهانات مستمرة حول ما سيكون عليه حال الأسواق في القادم من الأيام.

يأخذنا المؤلفان في جولة أرشيفية معمقة لاستكشاف أسواق المضاربة الكبرى التي ولدت وترعرعت في مدن مثل لندن وباريس ونيويورك خلال ذلك القرن الصاخب. لم تكن بورصات الأوراق المالية والسلع الناشئة مجرد ساحات لتبادل الصكوك والأسهم، بل كانت في جوهرها مزارع لإنتاج وتداول “التوقعات المشروطة”. هنا، بدأت الشركات والحكومات تتعلم كيف تبيع وتشتري أشياءً لم توجد بعد؛ مثل محاصيل القطن والقمح التي لا تزال بذوراً في الأرض، أو أرباح مناجم الذهب والفضة التي لم تُحفر أعماقها بعد. في هذه البيئة بالذات، أصبح مفهوم التوقع مشروطاً بتدفق المعلومات وسرعة التقاطها، وتحول الفاعل الاقتصادي من مجرد تاجر تقليدي يقارن بين العرض والطلب في سوقه المحلية، إلى مضارب محترف يحاول قراءة الاتجاهات العالمية، ويتوقع قرارات الحروب، والاتفاقيات التجارية، وتقلبات المناخ العابرة للحدود، ليصيغ بناءً عليها قراراته الاستثمارية الفورية.

يركز الكتاب على قطاعين حيويين شهدا طفرة غير مسبوقة في القرن التاسع عشر، وهما المضاربات العقارية والأسواق المالية، ليظهر كيف يمكن للتوقعات المشروطة أن تتحول من قوة دافعة للبناء والتنمية إلى معول هدم يفجر الأزمات العنيفة. فمع التوسع العمراني الهائل وهجرة الملايين من الأرياف إلى المدن الصناعية المتضخمة، تحولت الأراضي الحضرية إلى ساحة كبرى للمضاربة. كان المستثمرون يشترون المساحات الشاسعة على أطراف المدن لا بناءً على قيمتها الحالية، بل بناءً على “توقعات مشروطة” بامتداد خطوط السكك الحديدية أو نمو المصانع المجاورة نحوها. وعندما كانت هذه التوقعات تتغذى على التفاؤل المفرط والقصص الحماسية التي تروجها الصحافة والمؤسسات المالية، كانت أسعار الأراضي ترتفع إلى مستويات خيالية لا تعكس أي واقع اقتصادي ملموس، مما يخلق فقاعات عقارية ضخمة سرعان ما كانت تنفجر لتترك وراءها موجات من الإفلاس والخراب، كمثال حي على انزلاق التوقعات من عقلانية المخاطرة إلى فوضى عدم اليقين.

وفي موازاة ذلك، يتتبع نيتزناديل وستريب التطور المذهل لصناعة التأمين الحديثة خلال هذه الحقبة، معتبرين إياها الذروة المؤسسية للمحاولة البشرية الرامية لمأسسة وتدجين المخاطر. لم يعد التأمين مقتصراً على الرحلات البحرية كما كان في السابق، بل امتد ليشمل المصانع ضد الحريق، والعمال ضد الحوادث، وحتى التأمين على الحياة الذي أحدث ثورة فكرية وأخلاقية في المجتمعات الغربية. يحلل المؤلفان كيف نجحت شركات التأمين الكبرى في تحويل البيانات الإحصائية المتراكمة حول الحرائق والأمراض والوفيات إلى أداة جبارة لتقليل منسوب عدم اليقين لدى أصحاب العمل والعائلات. من خلال دفع قسط مالي محدد، كان المستثمر يشتري الطمأنينة ويحمي مشروعه من المفاجآت الكارثية، وبذلك تحول التأمين إلى “ممتص للصدمات الوجودية والاقتصادية” سمح للرأسمالية الصناعية بالاندفاع نحو الأمام دون الخوف من الشلل الناتج عن القلق من الغد. ومع ذلك، فإن هذه المنظومة المؤسسية المحكمة كانت تقف عاجزة في كل مرة يعاد فيها تشكيل الوعي الجمعي بفعل أزمة هيكلية كبرى تتجاوز قدرة البيانات التاريخية على التنبؤ، وهو ما يكشف الحدود الذاتية لعملية عقلنة الأسواق.

يوضح المؤلفان، من خلال فحص دقيق لمحاضر اجتماعات مجالس الإدارات والتقارير المالية للشركات في القرن التاسع عشر، أن صانعي القرار لم يكونوا بآلات حاسبة بشرية، بل كانوا بشراً يقعون تحت تأثير الروتين المؤسسي والأعراف الاجتماعية والعدوى النفسية للأسواق. عندما كانت تهب عواصف الذعر المالي، كأزمة عام 1873 الشهيرة التي أدخلت العالم في فترة طويلة من الركود، كانت كل النماذج التنبؤية المتاحة آنذاك تتهاوى كبيوت من ورق، لأن توقعات الناس أصبحت مشروطة فجأة بالخوف التام وفقدان الثقة المطلق في النظام المصرفي. إن التاريخ، في معالجة نيتزناديل وستريب، يثبت مراراً وتكراراً أن عقلنة السلوك الاقتصادي هي قشرة رقيقة للغاية، وأن الرغبة في التنبؤ بالغد تظل محكومة بجدلية أزلية بين الطموح البشري في السيطرة وبين الطبيعة المنفلتة والمفاجئة للتحولات التاريخية والاجتماعية التي ترفض الانصياع لأي قوالب نظرية جامدة.

اختبارات القرن العشرين العاصف.. تصدع النماذج المعيارية وانفجار الأزمات

إذا كان القرن التاسع عشر قد مثل العصر الذهبي لاختراع وتشييد منظومات التوقع وصناعة الطمأنينة المؤسسية، فإن القرن العشرين قد جاء كصدمة معرفية وتاريخية مروعة، عكست بقسوة بالغة حدود القدرة البشرية على التنبؤ والتحكم في مسارات الاقتصاد العالمي. ينتقل بنا ألكسندر نيتزناديل وجوخن ستريب في هذا المنعطف الحاسم من كتابهما إلى دراسة القرن العشرين باعتباره حقل ألغام حقيقي، تفجرت فيه كل اليقينيات الرياضية التي اعتقدت الرأسمالية أنها استقرت عليها، حيث لم تعد الأزمات مجرد دورات تجارية عابرة يمكن امتصاص صدماتها عبر آليات التأمين والمضاربة المنظمة، بل تحولت إلى كوارث  عنيفة ارتبطت بالحروب العالمية الكبرى، والأيديولوجيات الشمولية المتصارعة، والانهيارات المالية العابرة للقارات. في هذا المشهد الضبابي والمعقد، تكشف أطروحة الكتاب كيف تهاوت النماذج الاقتصادية المعيارية التي تفترض عقلانية الفاعلين وثبات السلوك البشري، لتثبت من جديد أن التوقعات تظل دائماً كائنات حية، مشروطة بالخوف، والذاكرة الجمعية، والاضطرابات السياسية التي لا يمكن لأي معادلة حسابية أن تتسع لها.

يركز المؤلفان على حدثين مفصليين غيرا وجه العالم، وهما الحرب العالمية الأولى وموجة الكساد الكبير عام 1929، ليظهرا كيف ينبثق عدم اليقين المطلق ليعصف بكل محاولات العقلنة السابقة. فقبل صيف عام 1914، كان الاقتصاديون والمصرفيون يعتقدون أن العولمة الأولى وتشابك المصالح التجارية والمالية بين القوى العظمى يجعل من نشوب حرب شاملة أمراً شبه مستحيل، أو على الأقل خطراً مستبعداً للغاية وفق حسابات الاحتمالات السائدة آنذاك. ولكن، بمجرد أن انطلقت الرصاصات الأولى في سراييفو، انهار هذا التوقع المتفائل في غضون أسابيع قليلة، ووجد العالم نفسه أمام نمط جديد تماماً من الاقتصاد؛ وهو “اقتصاد الحرب” الذي تدار فيه التوقعات بناءً على قرارات التعبئة العسكرية، وحصار الموانئ، والدمار الشامل. هنا، يوضح الكتاب كيف اضطرت الدول والشركات إلى هجر خططها التقليدية وتطوير آليات طارئة للتوقع المشروط، محكومة بمتغيرات سياسية وعسكرية بحتة تقع تماماً خارج حدود علم الاقتصاد التقليدي وجداوله الإحصائية.

ومع تراجع غبار الحرب، لم يكد العالم يلتقط أنفاسه حتى باغتته أزمة الكساد الكبير عام 1929، والتي يحللها نيتزناديل وستريب بوصفها الإدانة التاريخية الأكبر لغطرست النماذج المعيارية الباردة. لم يكن الانهيار المفاجئ لبورصة وول ستريت مجرد خلل فني في آليات التداول، بل كان انعكاساً لتلاشي الثقة الجمعية وانفجار فقاعة من التوقعات المشروطة بالتفاؤل الأعمى وسرديات الثراء السريع التي ميزت حقبة العشرينيات الصاخبة. عندما تحول التفاؤل المفرط فجأة إلى ذعر مطلق، عجزت كل النماذج الاقتصادية والسياسات النقدية التقليدية عن احتواء الأزمة، لأن سلوك البشر أصبح محكوماً بغريزة البقاء والخوف من الغد، مما دفع الجميع إلى سحب أموالهم من البنوك ووقف الاستهلاك، وهي سلوكيات بدت عقلانية وفردية لحماية الذات، لكنها قادت بشكل جمعي إلى شلل كامل في شرايين الاقتصاد العالمي واقتصادات الدول. هذه المعالجة التاريخية العميقة تكشف أن التوقعات الاقتصادية لا تتحرك في مسارات خطية مستقيمة، بل تخضع لقفزات وتحولات سيكولوجية ومؤسسية مفاجئة يفرضها سياق الأزمة نفسه.

يتتبع الكتاب بعد ذلك كيف أدت هذه الصدمات المتلاحقة إلى ولادة فكر اقتصادي جديد حاول مأسسة التوقعات بطريقة مختلفة، وتحديداً مع صعود النظرية الكينزية وتعاظم دور الدولة التدخلي في الاقتصاد. أدرك جون ماينارد كينز، كما يوضح المؤلفان، أن الاستثمار لا يقاد بالحسابات الرياضية الباردة للمستقبل، بل بما أسماه “الأرواح الحيوانية” (Animal Spirits)، وهي تلك الاندفاعات النفسية من ثقة وخوف وإقدام وتراجع التي تحرك المستثمرين في ظروف عدم اليقين. بناءً على ذلك، تحولت الدولة في النصف الثاني من القرن العشرين إلى “صانع لليقين الاستراتيجي”، من خلال تبني سياسات الرفاه الاجتماعي، وضمان الودائع البنكية، وإدارة الطلب الكلي، بهدف خلق بيئة مؤسسية مستقرة تتيح للأفراد والشركات تشكيل توقعات إيجابية ومشروطة بضمانة الدولة وحمايتها. ومع ذلك، فإن هذه البنية المؤسسية الكينزية واجهت بدورها اختباراً عاصفاً في سبعينيات القرن العشرين مع ظهور معضلة الركود التضخمي، وهي الأزمة التي استغلتها مدرسة شيكاغو والنيوليبرالية لإعادة تسويق نظرية “التوقعات العقلانية” التي افترضت مجدداً أن الأسواق قادرة على تصحيح نفسها بنفسها إذا ما رُفعت يد الدولة عنها، وهو الوهم الذي استمر في الهيمنة حتى تفجرت أزمة الركود العظيم عام 2008.

إن الدرس الكبير والمحوري الذي يستخلصه نيتزناديل وستريب من تقلبات القرن العشرين، ويقدمانه كإسهام فكري رصين، هو أن محاولة اختزال الاقتصاد في مجرد معادلات تقنية تتجاهل البعد التاريخي والاجتماعي هي وصفة مؤكدة للكوارث. التوقعات الاقتصادية، في نهاية المطاف، ليست مجرد تنبؤات علمية محايدة بالمستقبل، بل هي قوى فاعلة ومؤثرة تشارك في صنع هذا المستقبل وتشكيله؛ فالخوف من الأزمة قد يفجر الأزمة بالفعل، والتفاؤل بوجود نمو قد يصنع الطفرة الاقتصادية. من هنا، يجادل الكتاب بأن المرونة المؤسسية والقدرة على التكيف مع الأحداث غير المتوقعة، والاعتراف الصريح بوجود مناطق شاسعة من عدم اليقين المطلق المستعصي على الحساب، هي الوسائل الوحيدة المتاحة للمجتمعات الحديثة لإدارة شؤونها وضمان استقرارها، بدلاً من الركون الزائف إلى نماذج تنبؤية معيارية أثبت التاريخ مراراً وتكراراً عجزها وقصورها عند أول اختبار حقيقي.

أسر خوارزميات التنبؤ وعصر البيانات الضخمة.. هل ينهي الذكاء الاصطناعي عدم اليقين؟

مع ولوج البشرية أعتاب الألفية الثالثة، وتحول العالم إلى شبكة رقمية عملاقة تتدفق عبر شرايينها مليارات البيانات في كل ثانية، يبدو للوهلة الأولى أننا قد حققنا أخيراً الحلم القديم لعقلنة القدر والقضاء التام على ضبابية المستقبل البشري والاقتصادي. يدخل ألكسندر نيتزناديل وجوخن ستريب في الفصل الختامي من أطروحتهما  إلى قلب هذا العصر الرقمي الجديد، ليفككا منظومات التنبؤ الخوارزمي، ملقيين بظلال كثيفة من الشك حول الادعاءات الطوباوية لشركات التكنولوجيا الكبرى ومختبرات الذكاء الاصطناعي التي تروج لقدرتها الفائقة على قراءة الغد واحتواء المخاطر قبل حدوثها. يجادل المؤلفان بأن الطفرة التقنية الهائلة التي نعيشها اليوم، بدءاً من الخوارزميات التنبؤية المعقدة في الأسواق المالية وصولاً إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تلغِ في واقع الأمر “حالة عدم اليقين المطلق”، بل قامت بنقلها إلى مستويات جديدة أكثر تعقيداً وخفاءً، مما يجعل مفهوم “التوقعات المشروطة” أكثر راهنية وإلحاحاً من أي وقت مضى لفهم السلوك الاقتصادي المعاصر.

يتتبع الكتاب كيف تحولت “البيانات الضخمة” في عصرنا الحالي إلى الديانة الجديدة للاقتصاد العالمي، حيث ساد اعتقاد واهم بأن جمع المزيد من المعلومات حول سلوك المستهلكين، وحركات الأسواق، وتقلبات المناخ، كفيل بتحويل كل مظاهر عدم اليقين المستعصية إلى مخاطر قابلة للحساب والتحوط المالي البحت. في هذا السياق، أصبحت التوقعات الاقتصادية مشروطة بالكامل بالنماذج الرياضية التي تغذيها خوارزميات التعلم الآلي، والتي تعمل على فحص الماضي بسرعة فائقة لإيجاد أنماط متكررة وصياغة تنبؤات فورية بناءً عليها. غير أن نيتزناديل وستريب يكشفان العوار في هذه المقاربة التقنية؛ فالخوارزميات، مهما بلغت درجة تعقيدها، تظل أسيرة البيانات التاريخية التي دُرّبت عليها، وهي تعجز تماماً عن التنبؤ بالأحداث الفريدة والقطائع التاريخية الكبرى التي تقع خارج نطاق السجلات القديمة، مثل الأزمات الصحية المفاجئة أو التحولات الجيوسياسية العاصفة التي تعيد تشكيل توازنات القوى العالمية في لمح البصر.

ويذهب المؤلفان إلى أبعد من ذلك في تحليلهما النقدي، مبيّنين أن الاعتماد المفرط على خوارزميات التنبؤ يخلق في حد ذاته نوعاً جديداً من عدم اليقين يطلق عليه الكتاب “عدم اليقين التكنولوجي الداخلي”. فعندما تصبح قرارات الاستثمار والبيع والشراء في البورصات العالمية تدار بواسطة أنظمة التداول الآلي عالي التردد التي تتخذ قراراتها في أجزاء من المليون من الثانية، يقع الاقتصاد تحت رحمة تفاعلات خوارزمية غير متوقعة قد تفجر انهيارات خاطفة ومفاجئة لا يمكن لأي عقل بشري السيطرة عليها في وقتها. إن هذه البيئة الرقمية المصمتة تلغي البعد الإنساني والسياق الاجتماعي لصناعة التوقعات، وتفترض أن الفاعلين الاقتصاديين هم مجرد نقاط بيانات في شبكة، متجاهلة تماماً أن الوعي البشري يظل محكوماً بالعواطف، والشائعات، والعدوى النفسية الجماعية التي يمكنها أن تبدد كل الحسابات الخوارزمية الباردة في لحظات الذعر الشديد أو التفاؤل المفرط.

ومن هنا، يقدم كتاب “التوقعات المشروطة” معالجة فلسفية وتاريخية بالغة الأهمية لكيفية استعادة الإنسان لسيادته على قراره الاقتصادي في مواجهة غطرسة الآلة. يوضح المؤلفان أن التنبؤ الحقيقي لا يكمن في محاولة إلغاء المجهول أو ادعاء امتلاك مفاتيح الغيب الرقمي، بل في بناء مؤسسات مرنة قادرة على التكيف مع المفاجآت واحتواء الصدمات عندما تقع حتماً. فالإنسان، عبر رحلته الطويلة من مخازن يوسف العتيقة في مصر إلى بورصات القرن التاسع عشر وصدمات القرن العشرين، لم ينجُ بفضل دقة تنبؤاته، وإنما بفضل قدرته على تطوير استراتيجيات بديلة مشروطة بسياق الأزمة نفسه، والاعتماد على الأعراف الاجتماعية والروابط التضامنية والخبرات المتراكمة التي توفر حماية حقيقية ضد عواصف المجهول، وهي أبعاد حيوية تعجز أعتى خوارزميات الذكاء الاصطناعي عن محاكاتها أو استبدالها.

وفي الختام، يبرز كتاب “التوقعات المشروطة” كواحد من الإسهامات الفكرية التي تعيد الاعتبار للتاريخ كمعمل حقيقي وعميق لعلم الاقتصاد. لقد نجح ألكسندر نيتزناديل وجوخن ستريب، عبر هذا الجهد البحثي الممتد والرصين، في هدم الأوهام النيوليبرالية والمعيارية الجافة التي حاولت طويلاً قولبة السلوك البشري في معادلات رياضية باردة ومنفصلة عن واقعها الاجتماعي والسياسي. إن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن فقط في تأريخه الشائق والعميق لكيفية إدارة البشر للمخاطر وعدم اليقين عبر العصور، بل في قدرته على تزويدنا بمنظور بديل وعقلاني يدعونا إلى التصالح مع فكرة أن المستقبل سيظل دائماً يحمل جنبات من الغموض العصي على الضبط، وأن الشجاعة الاقتصادية والسياسية لا تكمن في الهروب إلى اليقين الزائف للرقم، بل في امتلاك المرونة والحكمة المؤسسية لمواجهة هذا المجهول والاشتباك معه بصدر رحب وعقل يقظ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى