خريطة طريق لتجنب سباق تسلح نووي جديد

عندما أعلن جورج بوش الابن في صيف عام 2002 انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية الأحادية من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية (ABM)، وهي الاتفاقية التي ظلت لثلاثة عقود تشكل العمود الفقري لردع التدمير المتبادل المضمون (MAD) بين واشنطن وموسكو، لم يكن يعلم – أو ربما كان يعلم ويتجاهل – أنه يضع الحجر الأساس لعميلة هدم ممتدة لأضخم معمار أمني عرفته البشرية منذ منتصف القرن العشرين. واليوم، ونحن نطل من نافذة عام 2026، تتجلى لنا الصورة الشاملة لخرائب ذلك المعمار؛ حيث تحول ما كان يُعرف بـ “العصر الذهبي لضبط التسليح النووي” – تلك الحقبة الممتدة بين أواخر الثمانينيات وبداية القرن الحالي والتي شهدت تفكيك آلاف الرؤوس الحربية وتأسيس بروتوكولات التفتيش الصارمة – إلى مجرد ذكرى متحفية يُحسر عليها.
في هذا التوقيت الحرج بالذات، وبينما يجتمع ممثلو الدول في أروقة مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النبوية (NPT) لعام 2026 وسط أجواء مفعمة بالريب والتشكيك، يصدر عن المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاثام هاوس” في لندن تقرير بحثي للدكتورة ماريون ميسمر، مدير برنامج الأمن الدولي بالمعهد، بعنوان: “تجنب سباق تسلح نووي جديد: كيف يمكن لصناع السياسات والخبراء إعادة إحياء ضبط التسليح لعهد جديد”.
انقضاء “ستارت الجديدة” وصدمة الفراغ التنظيمي
لتدرك حجم الفراغ المرعب الذي يتناوله تقرير ميسمر، يكفي أن تنظر إلى ما حدث في فبراير من هذا العام 2026. فللمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن – وتحديداً منذ توقيع معاهدة سولت-1 عام 1972 بين بريجنيف ونيكسون – يجد العالم نفسه بلا أي حدود قانونية ملزمة تُنظم أو تحد من نشر وتطوير الأسلحة النووية الاستراتيجية بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة وروسيا.
لقد انتهت الصلاحية القانونية لمعاهدة “ستارت الجديدة” (New START) في فبراير 2026 دون الاتفاق على بديل، ودون حتى البدء في مفاوضات جادة لصياغة معاهدة جديدة. وكانت روسيا قد أعلنت تعليق مشاركتها فيها عام 2023، مُغلقة الباب أمام المفتشين الأمريكيين للدخول إلى منشآتها، ردًا على ما وصفته بالدعم الغربي المباشر لأوكرانيا في الحرب الدائرة. ورغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد لمح في سبتمبر 2025 إلى إمكانية استمرار موسكو في الالتزام السقف العددي للرؤوس الحربية والصواريخ المحدد بـ 1550 رأس حربية مدمرة، إلا أن هذا العرض – كما توضح ميسمر بدقة – ظل محاطاً بشكوك عميقة وحسابات مادية بحتة.
فالكرملين، المستنزف في حرب استنزاف طاحنة في أوكرانيا، يرغب قبل كل شيء في تجنب سباق تسلح استراتيجي مكلف لا تطيقه الميزانية الروسية المجهدة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بأسلحة “فائقة” وجديدة (مثل الصواريخ المجنحة ذات الطاقة النووية والمسيّرات البحرية النيوكليارية) خارج نطاق معاهدة ستارت اصلاً. وفي المقابل، تجد واشنطن نفسها مكبلة بالصعود الصيني السرطاني في المجال النووي، حيث يصر المشرعون والاستراتيجيون الأمريكيون على أن أي معاهدة ثنائية مع روسيا تنص على تقييد الترسانة الأمريكية هي بمثابة انتحار استراتيجي إذا لم تكن الصين طرفاً فيها.
وهكذا، نجد أنفسنا أمام معادلة صفرية: موسكو ترغب في تجميد الترسانات الاستراتيجية الكلاسيكية لتتفرغ لحربها القارية، وتطالب بإدخال القدرات البريطانية والفرنسية في أي حوار قادم؛ وواشنطن ترفض تقييد يديها أمام ترسانة صينية تتضاعف بسرعة غير مسبوقة؛ وبكين ترفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات قبل الوصول إلى “الندية” التامة مع العظميين.
القفزة الصينية والتحدي الثلاثي (The Tri-Polar Dilemma)
تخصص ماريون ميسمر حيزاً للظاهرة الصينية، مشيرة إلى أن النهوض النووي لبيجين هو المتغير الأكبر الذي أطاح بالأطر القديمة. فبينما كانت الصين ل عقود تكتفي بما يسميه الاستراتيجيون “الردع الأدنى” (Minimum Deterrence) عبر الحفاظ على ترسانة صغيرة تتراوح بين 200 إلى 300 رأس حربية، كشفت الصور الفضائية وتقارير الاستخبارات بين عامي 2020 و2025 عن تضاعف حجم الترسانة الصينية لتصل إلى نحو 600 رأس حربية قابلة للاستخدام، مع توقعات بالوصول إلى أكثر من ألف رأس بحلول عام 2030.
هذا التوسع السريع، المصحوب ببناء حقول شاسعة من صوامع الصواريخ الباليستية في صحراء غوبي، وتطوير ثالوث نووي متكامل (براً وبحراً وجواً)، أربك الحسابات الأمريكية. فقد انتقل الفكر الاستراتيجي في واشنطن من التعامل مع “خصم نووي كلاسيكي واحد” (الاتحاد السوفيتي/روسيا) إلى مواجهة “مشكلة الخصمين الأنداد” (Two-Peer Problem).
غير أن كتاب “تجنب سباق تسلح نووي جديد” يفكك هذه المقولة الأمريكية ببراعة؛ إذ تبيّن الباحثة أن وصف المشكلة بـ “الندين المتساويين” هو وصف مبكر وعار عن الدقة العملية. فالترسانة الأمريكية (التي تضم نحو 3700 رأس حربية) والترسانة الروسية (التي تماثلها) تزيدان بأضعاف مضاعفة عن الترسانة الصينية الحالية. ومن هنا ينشأ المأزق: إن مطالبة الصين بالانضمام إلى معاهدة لتقييد الترسانات تراه بكين فخاً أمريكياً لترسيخ تفوق واشنطن الدائم؛ وفي الوقت نفسه، فإن محاولة واشنطن زيادة ترسانتها لتكفي لردع روسيا والصين معاً تدفع بكين إلى تسريع التوسع، مما يدخل الجميع في “حلزونية أمنية” (Security Insecurity Spiral) لا نهاية لها.
إعادة تعريف “ضبط التسليح”: من النصوص الصارمة إلى السلوك والعمليات
أمام هذا الأفق المسدود، لا تستسلم ماريون. بل تقدم أطروحة عملية جريئة تدعو إلى “إعادة تعريف موسعة لمفهوم ضبط التسليح” (Expanded Conception of Arms Control).
تجادل المراجعة بأن خطأ السياسيين والمفاوضين في القرن الحادي والعشرين يكمن في اختزال “ضبط التسليح” في النموذج الموروث من الحرب الباردة: أي المعاهدات القانونية الصلبة الملزمة التي تتضمن أرقاماً محددة للتفكيك وتفتيشاً ميدانياً متبادلاً للرؤوس الحربية والقواعد. هذا النموذج ينتمي إلى عالم ثنائي القطبية، مستقر تكنولوجياً، ومبني على فصل واضح بين الأسلحة التقليدية والنووية. أما اليوم، في عصر التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والأسلحة المزدوجة الاستخدام (Dual-use)، والمواجهات الفضائية، فإن هذا النموذج بات عاجزاً بل ومستحيلاً.
كيف يمكنك تفتيش “كود برجمي” للذكاء الاصطناعي يُستخدم في أنظمة القيادة والسيطرة النووية؟ وكيف يمكنك إلزام دولة بتقييد عدد الصواريخ إذا كانت التكنولوجيا الحديثة تسمح بتحويل صاروخ فرط صوتي تقليدي إلى حامل لنية نووية في دقائق؟
تطرح ميسمر – مستندة إلى إرث المفكرين الاستراتيجيين توماس شيلينغ ومورتون هالبيرين – مفهوماً مرناً يتجاوز الاتفاقيات المعقدة ذات التصديقات البرلمانية المستحيلة، ليركز على:
-
تدابير بناء الثقة (CBMs): كإخطارات إطلاق الصواريخ والاختبارات.
-
حوارات الاستقرار الاستراتيجي: لإعادة فتح قنوات التواصل على مستوى الخبراء التقنيين.
-
الاتفاقيات السلوكية والمعيارية (Normative & Behavioural Agreements): التي تضع أطراً لما هو “سلوك مسؤول” أو “غير مسؤول” في المجالات الناشئة مثل الفضاء والسيبراني والذكاء الاصطناعي، حتى دون الحاجة للعد الفيزيائي للأسلحة.
إن هذه المقاربة التدرجية (Incremental Approach) تهدف إلى خلق مساحات للدبلوماسية في زمن الاستقطاب. فالبلدان التي ترعبها فكرة توقيع معاهدة تخفض من سلاحها، قد تكون مستعدة لمناقشة قواعد الاشتباك لمنع الحوادث البحرية أو التعهد بعدم دمغ الذكاء الاصطناعي بقرار إطلاق الضربة النووية.
(سنتناول في الدفعة التالية تفكيك الثنائيات العظمى: التشريح التفصيلي للمأزق الأمريكي-الروسي، وتداعيات حرب أوكرانيا، وسيناريوهات الانهيار أو الإنقاذ).
المسرح الثنائي الروسي-الأمريكي – الأوهام والتداعيات الجيوسياسية لحرب أوكرانيا
إذا كانت الصين هي التحدي القادم، فإن الترسانتين الأمريكية والروسية تحوزان وحدهما على نحو 90% من إجمالي السلاح النووي في العالم. وهنا يغوص التقرير في قاع المأزق الجيوسياسي المخيم على واشنطن وموسكو، موضحاً كيف أدت حرب أوكرانيا إلى إحداث تحول هيكلي في الفكر الاستراتيجي الروسي، وأطاحت بما تبقى من جسور التواصل الضعيفة.
أوكرانيا وربط “ضبط التسليح” بالابتزاز الاستراتيجي
توثق الدكتورة ماريون ميسمر تحولاً دراماتيكياً في الخطاب الروسي منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022. فلأول مرة منذ عقود، أقدمت موسكو على “ربط شرطي محكم” بين استمرار الاتفاقيات النووية وبين الموقف الغربي من الصراع القاري في أوروبا.
لقد أعلنت الخارجية الروسية صراحة أن ضبط التسليح لم يعد مجالاً منفصلاً للمصلحة المتبادلة كما كان خلال أعتى ظروف الحرب الباردة، بل أصبح – في نظر الكرملين – “أداة غربية تهدف إلى إضعاف روسيا استراتيجياً”. وبحسب هذا المنطق الروسي الجديد، فإنه لا يمكن مناقشة الحد من الأسلحة الاستراتيجية مع دولة (الولايات المتحدة) تسعى سلعاً وبحسب التصريحات الروسية إلى “إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا” عبر دعم كييف.
هذا التصلب الروسي جعل من الصعب للغاية تصوّر إمكانية العودة إلى الموائد الدبلوماسية دون حل شامل أو تجميد للصراع الأوكراني بشروط تقبل بها موسكو. ولكن، كما تحذر ميسمر، فإن الخطر يكمن في أنه حتى لو انتهت الحرب بأي شكل من الأشكال، فإن الرؤية الروسية لجدوى ضبط التسليح قد تغيرت بنحوي دائم. إذا شعرت النخبة الحاكمة في الكرملين أن منطق القوة الصلبة والتهديد بالردع النووي هو الذي حقق لها مكاسب أرضية وسياسية في أوكرانيا، فلن يكون لديها أي حافز لإعادة تقييد قدراتها.
الردع مقابل ضبط التسليح: انقسام المجتمع الاستراتيجي في واشنطن وموسكو
يكشف التقرير عن عمق الانقسام الداخلي داخل مجتمعات صناعة القرار الاستراتيجي في كل من الولايات المتحدة وروسيا، وهو انقسام يعوق أي مبادرة للتقارب:
-
في الجانب الأمريكي: يتنازع معسكران رئيسيان الحديث حول آفاق المستقبل النووي. المعسكر الأول – وهو صوت الصقور والمحافظين جدد المتصاعد – يرى أن على واشنطن توسيع حجم ترسانتها النووية فوراً وتحديثها بدون أي قيود، لتكون قادرة على ردع “هجوم همجي متزامن” من روسيا والصين معاً. ويرى هؤلاء أن ضبط التسليح بات “أفهومة ملغومة” تكبل يد أمريكا بينما يمارس الخصوم التوسع الحر. أما المعسكر الثاني – ويضم مدرستي الواقعية الهادئة وضبط التسليح التقليدية – فيرى أن زيادة عدد الرؤوس الحربية الأمريكية لن توفر أماناً إضافياً، بل ستؤدي إلى إشعال سباق تسلح ثبوتي يدمر الاقتصاد الأمريكي ويزيد من احتمالات التفجير غير المقصود في أوقات الأزمات. ويؤكد هذا المعسكر أن قدرة الردع الحالية المتوفرة لدى الغواصات والصواريخ الأمريكية كافية وزيادة لردع الطرفين.
-
في الجانب الروسي: يبدو المشهد أكثر قتامة. فقد أدت العقوبات الغربية وتصنيف العديد من مراكز الفكر المستقلة والخبراء الروس كـ “عملاء أجانب” أو “منظمات غير مرغوب فيها” إلى تدمير مجتمع الخبراء المستقلين في موسكو. وساد الخطاب المتطرف الذي يمثله شخصيات مثل سيرجي كاراجانوف وديمتري ترينين، والذين باتوا ينادون بضرورة “خفض العتبة النووية” ودراسة إمكانية الاستخدام النووي المحدود لإرغام الغرب على التراجع. وبذلك تحول الفكر الاستراتيجي الروسي من مبدأ “الردع لمنع الحرب” إلى “الردع عبر التهديد الهجومي الاستباقي”.
صدمة الحلفاء الأوروبيين وكابوس “الصفقات الصفقة” (Quid-Pro-Quo)
تطرح ميسمر تحليلاً استثنائياً لموقف الحلفاء الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (NATO)، محذرة من أن أوروبا تعيش حالة من الذعر المزدوج.
فمن ناحية، يخشى الأوروبيون من غياب أي اتفاقيات تضبط الترسانة الروسية التكتيكية والاستراتيجية، مما يجعل العواصم الأوروبية تحت الرحمة المباشرة لصواريخ إسكندر وكينجال. ومن ناحية أخرى، تساورهم مخاوف أعمق من وقوع “صفقة مقايضة” بين ترامب (أو أي إدارة أمريكية انعزالية ذات طابع تجاري) وبوتين، على حساب الأمن الأوروبي.
ويستحضر التقرير سيناريو مرعباً لكنه محتمل استراتيجياً: أن يقترح بوتين على واشنطن سحب الأسلحة النووية الروسية التكتيكية التي نشرها حديثاً في بيلاروسيا، مقابل أن تقوم الولايات المتحدة بسحب أسلحتها النووية التكتيكية الموزعة في قواعد بلجيكا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، وتوركيا ضمن أطر “المشاركة النووية للناتو” (NATO Nuclear Sharing).
بالنسبة للولايات المتحدة البراغماتية، قد تبدو هذه الصفقة “متوازنة ورابحة”؛ ولكن بالنسبة للدول الأوروبية، فإن إزالة المظلة النووية الأمريكية المباشرة من الأرض الأوروبية تعني تقويض صلب المادة الخامسة للحلف، وإشارة سياسية بأن واشنطن قد سلمت أوروبا لمجال النفوذ الروسي. وتزداد هذه المخاوف ضراوة بالنظر إلى الضغوط والتهديدات الأمريكية الشاذة تجاه بعض الحلفاء (مثل التصريحات المتعلقة بجرينلاند والدنمارك في بداية عام 2026)، مما يجعل الثقة الأوروبية في الضمانات الأمريكية في أدنى مستوياتها التاريخية.
أين تكمن الفرص وسط هذا الركام؟
رغم كل هذه الضبابية، يرفض تقرير تشاثام هاوس الاستسلام للمصير المأساوي، ويعرض مجموعة من “المسارات الفرعية” التي يمكن من خلالها إنقاذ ما يمكن إنقاذه بين موسكو واشنطن:
-
دبلوماسية الأزمات ومحفز الكوارث: تشير استطلاعات الأراء التي أجرتها المؤلفة مع عشرات الخبراء الاستراتيجيين إلى أن التطور الأرجح للعودة إلى ضبط التسليح لن يكون عبر الرشد الدبلوماسي المبكر، بل عقب “أزمة خطيرة كادت أن تخرج عن السيطرة” – على غرار أزمة الصواريخ الكوبية عام 1961 التي أجبرت كينيدي وخروتشوف على اختراع خط الهاتف الأحمر المباشر واتفاقيات تجميد التجارب.
-
تجميد الخيارات المؤقت (Moratorium): الاتفاق على تجميد شفوي أو أحادي الجانب لمدة سنة واحدة للالتزام بالحدود المترية لمعاهدة ستارت الجديدة، مما يمنح الطرفين متنفساً خلال مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار.
-
الحوارات التقنية الفرعية: نقل التركيز من الأسلحة الاستراتيجية التقليدية إلى التهديدات المتقاطعة في مجالي الفضاء والسيبراني. نظرًا لأن الأنظمة الفضائية تُستخدم في الاتصالات المبكرة والقيادة والسيطرة النووية (NC3)، فإن الاتفاق على “عدم استهداف الأقمار الصناعية للإنذار المبكر” يُعد مجالاً حيوياً ذي نفع مشترك يقلل من خطورة الهجوم المفاجئ.
-
إنقاذ مسار “المسار الثاني” (Track 2): بناء شبكات حوار غير رسمية تجمع الخبراء المستقلين والأكاديميين المتقاعدين من الطرفين الحفاظ على الكوادر والخبرات التراكمية التي تبددت بفعل الاستقالات والتضييق السياسي، حتى تكون هذه الملاكات جاهزة فور توفر الإرادة السياسية لإعادة المفاوضات الرسمية.
(سنتناول في الدفعة الثالثة الصعود الصيني، والمسرح الآسيوي، ومأزق المثلث الاستراتيجي الجديد بين واشنطن، بكين، وموسكو).
المارد الآسيوي والمثلث النووي الجديد – التحدي الصيني وعقدة عدم اليقين
ننتقل بالتحليل إلى شرق آسيا؛ المحرك الاقتصادي للعالم والمكان الذي تتبلور فيه أشرس المنافسات الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين. تسلط الدكتورة ماريون ميسمر الضوء على العلاقة الأمريكية-الصينية، موضحة أن غياب الإرث التاريخي لضبط التسليح بين واشنطن وبكين يجعل هذا المسرح أكثر خطورة وقابلية للانفجار من المسرح الأوروبي الروسي.
الغموض البناء أم الوهم الخطر؟ عقيدة “عدم البدء بالاستخدام” الصينية
تتمسك الصين رسمياً بمبدأ عقائدي صلب أعلنته منذ تجربتها النووية الأولى عام 1964، وهو سياسة “عدم البدء بالاستخدام” (No First Use – NFU). ووفقاً لهذه العقيدة، تتعهد بكين بعدم استخدام الأسلحة النووية تحت أي ظرف ضد دولة لا تملك سلاحاً نووياً، وعدم المبادرة بضربة نووية الأولى ضد أي دولة نووية، واقتصار دور الترسانة الصينية على “الردعة الانتقامية” في حال تعرض الصين لضربة نووية مؤكدة.
لكن تقرير تشاثام هاوس يفكك مفارقة هذه العقيدة في ظل التوسع الحالي. فالاستراتيجيون الأمريكيون والغربيون باتوا ينظرون إلى سياسة الـ NFU الصينية بقدر عالي من الشك والريبة؛ والسبب في ذلك هو التحول الهيكلي في نوعية الأسلحة التي تبنيها بكين حالياً.
فإن إنشاء مئات صوامع الصواريخ الثابتة ذات الوقود الصلب في مناطق مثل “هامي” و”يومين”، إلى جانب تطوير صواريخ فرط صوتية دقيقة قادرة على حمل رؤوس تقليدية ونووية في الوقت نفسه (Dual-Capable Systems)، يضع الصين أمام ما يُعرف بـ “مأزق الاستخدام أو الخسارة” (Use-it-or-lose-it Dynamic). إن الصوامع الثابتة المعروفة المكشوفة للأقمار الصناعية الأمريكية تعني أنه في حال اندلاع صراع تقليدي احتدم في مضيق تايوان، فإن الصين ستخشى استهداف صوامعها بضربات أمريكية تقليدية دقيقة، مما قد يدفع القيادة الصينية إلى التخلي عن عقيدة عدم المبادرة وإطلاق الصواريخ نووياً قبل تدميرها.
علاوة على ذلك، تستخدم بكين سياستها الـ NFU كـ “درع دبلوماسي” لرفض دعوات واشنطن للانخراط في حوارات استراتيجية جادة حول ضبط التسليح. فالرد الصيني الدائم يتلخص في قول: “بما أننا نتعهد بعدم المبادرة بالاستخدام، فإن نوايانا السلمية واضحة تماماً ولا تحتاج إلى بروتوكولات تعقيدية أو تفتيش متبادل!”.
فخ الندية الحسابية والتخوف الصيني من النموذج السوفيتي
تفسر ماريون ميسمر الامتناع الصيني عن خوض مفاوضات ضبط أسلحة بحسابات تاريخية ونفسية عميقة لدى الحزب الشيوعي الصيني. فالصين ترفض تماماً أن تُعامل وكأنها “نسخة جديدة من الاتحاد السوفيتي”، وترى أن السباق التسليحي الأعمى الذي خاضه السوفيت ضد واشنطن كان السبب المباشر في انهيار اقتصادهم وإفلاس دولتهم.
ومن هنا، فإن بكين مدفوعة بحاجتين متناقضتين:
-
الرغبة في الوصول إلى السقف الردعي المضمون: الذي يمنع الولايات المتحدة من ممارسة “الابتزاز النووي” ضدها في حال نشوب صراع عسكري حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
-
التوجس من الوقوع في فخ الترسانات المفرطة: حيث تدرك بكين أن مجرد محاولتها إحراز التساوي العددي التام مع أمريكا (3700 رأس) سيدفع المجمعات الصناعية العسكرية في واشنطن لمضاعفة أرقامها، مما يستنزف الموارد الصينية التي يحتاجها الاقتصاد الداخلي ومبادرة الحزام والطريق.
إن الاستراتيجية الأمريكية الحالية، التي تحاول إرغام الصين على قبول اتفاق ثنائي أو ثلاثي وهي في موقف “الأقل عدداً”، تبدو من وجهة النظر الصينية محاولة استعمارية جديدة لتثبيت عدم المساواة الاستراتيجية.
مجالات الاختراق الدبلوماسي بين واشنطن وبكين
رغم هذه الاستقطابات الحادة، يستعرض التقرير” عدة ثغرات تشغيلية يمكن من خلالها النفاذ إلى تفاهمات عملية بين واشنطن وبكين لتجنب الانزلاق إلى المواجهة المباشرة:
1. تنظيم الذكاء الاصطناعي في القرار النووي (AI in NC3)
يضيء التقرير على نقطة أمل استثنائية تمثلت في البيان المشترك الصادر عن الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الصيني شي جين بينغ في أواخر عام 2024 (والذي تمت المصادقة عليه في الحوارات اللاحقة)، والذي أكد على ضرورة الاحتفاظ بالسيطرة البشرية التامة (“Human-in-the-Loop”) على قرارات استخدام الأسلحة النووية ورفض أتمتة خوارزميات إطلاق الضربة. توصي ميسمر بتحويل هذا البيان المبدئي إلى آلية عمل تقنية بين الخبراء العسكريين والسيبرانيين في البلدين، لتحديد قواعد الأمن البرمجي، ومكافحة التزييف العميق والهجمات السيبرانية التي قد تخدع أنظمة الإنذار المبكر الذكية.
2. مؤسسية الإخطارات المسبقة لإطلاق الصواريخ
تمتلك الصين بالفعل اتفاقية ثنائية للإخطار المسبق بإطلاق الصواريخ الباليستية مع روسيا. وفي سبتمبر 2024، أقدمت بكين على خطوة لافتة عندما قدمت إخطارات طوعية ومسبقة للولايات المتحدة ودول حوض الهادئ قبل إجرائها تجربة لإطلاق صاروخ باليستي عابر للرارات في المحيط الهادئ. هذا التصرف الصيني يظهر أن بكين تدرك القيمة العملياتية للإخطار كأداة لعدم التصعيد. تحويل هذه الإخطارات الطوعية إلى اتفاقية مأسسية ثنائية بين واشنطن وبكين يُعد هدفا واقعياً وقابل للتحقيق دون أن يمس بالسريات الأمنية للترسانة الصينية.
3. الحوار الفضائي والأقمار الصناعية
نظرًا لأن الأقمار الفضائية تشكل “العيون والأذان” للثالوث النووي (من خلال نظام الملاحة الصيني Beidou والنظام الأمريكي GPS)، فإن أي تشويش أو تدمير لـ أقمار الإنذار المبكر الاستراتيجية يُعد المسبب الأول للهلع والضربات الاستباقية غير المقصودة. إن إعادة إحياء “الحوار الفضائي المدني والعسكري بين الولايات المتحدة والصين” وضبط قواعد عدم الاقتراب والتناور الشاذ بين الأقمار الصناعية يمثل مدخلاً أساسياً للاستقرار.
4. استغلال إطار “مجموعة الـ N5”
عندما تجد بكين صعوبة في الانخراط في حوار ثنائي يضعها تحت المجهر الأمريكي، فإنها تكون أكثر ارتياحاً للانخراط في الأطر متعددة الأطراف التي تتساوى فيها مع باقي الدول الكبرى. وهنا يأتي دور “مسار الـ N5” الذي سنفصله في الجزء القادم كمظلة دبلوماسية مقبولة صينياً.
(سنتناول في الدفعة الرابعة صيغة الـ N5 ومأزق الدول الخمس المعتمدة، إلى جانب بقية المسارح الإقليمية العاصفة وتحديداً الصراع الهندوسي-الباكستاني).
صيغة الـ N5 والشرار الإقليمي – النادي النووي الرسمي وجحيم الجنوب الآسيوي
ننتقل لمناقشة مستوى إضافي من التعقيد في المشهد النووي العالمي: المحور الأول يخص مجموعة الدول الخمس المعتمدة نووياً بموجب معاهدة عدم الانتشار (N5)؛ والمحور الثاني يتناول إحدى أكثر المناطق خطورة على كوكب الأرض، حيث يلتقي السلاح النووي مع العصبية القومية المتصاعدة: الجنوب الآسيوي (الهند وباكستان).
مأزق الـ N5 وتآكل مصداقية معاهدة عدم الانتشار (NPT)
تفرق ميسمر بدقة مفهومية بين المصطلحين الشائعين: “P5″ (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن) و”N5” (الدول الخمس المعترف بها كدول تمتلك أسلحة نووية بموجب معاهدة NPT: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، والمملكة المتحدة). ورغم أن الأعضاء هم أنفسهم في الوقت الحالي، إلا أن التركيز على مفهوم الـ N5 يعكس الالتزام الأخلاقي والقانوني المحدد بـ المادة السادسة من معاهدة NPT، والتي تلزم هذه الدول بالعيش والعمل بنية حسنة نحو نزع السلاح النووي الشامل.
غير أن الواقع الحالي يكشف عن انفصام خطير بين التعهدات والعمليات. ففي يناير 2022، أصدرت القمم الخمس بياناً تاريخياً مشتركاً أعادت فيه التذكير بالمقولة الشهيرة لرونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف: “إن الحرب النووية لا يمكن كسبها ولا يجوز خوضها أبداً”. لكن بعد مرور شهر واحد فقط على هذا البيان، شنت روسيا غزوها لأوكرانيا، ولوحت بالخيار النووي لمنع الغرب من التدخل العسكري المباشر، مما وجه ضربة قاضية لمصداقية البيانات المشتركة.
واليوم، وفي خضم مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار لعام 2026، تشعر غالبية الدول غير النووية (وخاصة دول الجنوب العالمي) بغضب واستياء عارمين. فهذه الدول ترى أن الـ N5 قد حوّلت المعاهدة إلى نظام “أبارتهايد نووي” يمنع الآخرين من امتلاك التقنية بينما تعكف الدول الخمس على تحديث ترساناتها وتوسيعها وتطوير أسلحة أكثر كفاءة وفتكاً.
وتحذر ميسمر من أنه إذا لم تتمكن دول الـ N5 من تقديم بيان أدنى مشترك (Minimum Statement of Support) يتضمن خطوات حقيقية وملموسة لتقليل المخاطر خلال مؤتمر 2026، فإن المعمار الأمني لمعاهدة NPT برمتها قد يواجه خطر الانهيار والتفكك، مما يفتح الباب أمام موجة جديدة من التمدد والانتشار النووي في الشرق الأوسط وشرق آسيا.
الابتكارات الممكنة لمجموعة الـ N5
لإنقاذ مسار الـ N5 من شلله الحرفي، يقدم التقرير مقترحات شجاعة وعملية:
-
الخط المباشر متعدد الأطراف (CATALINK): يسلط التقرير الضوء على مشروع مبتكر يطوره “معهد الأمن والتكنولوجيا” (IST) في كاليفورنيا لإنشاء شبكة اتصالات أزمات مشفرة ومتعددة الأطراف تجمع عواصم الـ N5 مجتمعة. إن الخط الساخن التقليدي كان دائماً ثنائياً (بين واشنطن وموسكو)، أما في العالم متعدد الأقطاب، فإن أي حادثة نووية قد تشمل أطرافاً متعددة، وتطوير “خط ساخن خماسي” يتيح التواصل الفوري بين قادة الدول الخمس لمنع التفسيرات الخاطئة في أوقات الهلع الاستراتيجي.
-
المقاربة القائمة على “المسؤوليات المتميزة” (Nuclear Responsibilities): تتبنى المملكة المتحدة بريادة هذا المفهوم، والذي يهدف إلى نزع الصبغة السياسية عن حوارات التسليح. وبدلاً من إجبار الدول على مناقشة “تخفيض الأعداد”، يتم فتح حوار حول “ما الذي يعنيه أن تكون دولة نووية مسؤولة؟”. يشمل ذلك وضع أطر سلوكية لمنع التحرش في أعالي البحار، وحماية أنظمة الإشارة، والتأكيد الجماعي على الامتناع عن تجارب التفجير النووي تحت الأرض أو في الجو.
-
الدبلوماسية المصغرة (Minilateralism) بين الصين وبريطانيا وفرنسا: نظرًا لأن الترسانتين البريطانية والفرنسية تعتمدان على مبدأ “الردع الأدنى” (نحو 200 إلى 280 رأس لكل منهما)، فإن حجمهما أقرب إلى حجم الترسانة الصينية الحالية منه إلى الترسانتين الأمريكية والروسية الضخمتين. توصي ميسمر بتشكيل ثلاثي مصغر (China-UK-France) لبحث قضايا الاستقرار الاستراتيجي، ومخاطر التقنيات الناشئة، مما يكسر الجمود الثنائي ويوفر بيئة أكثر توازناً للطرف الصيني.
البرميل المشتعل: الجنوب الآسيوي (الهند وباكستان)
إذا كان الردع النووي بين واشنطن وموسكو يتسم بقدر من الحسابات الباردة والتاريخ الممتد، فإن الصراع الهندي-الباكستاني يمثل النموذج الأكثر رعباً للنزاع النووي المباشر.
يوثق التقرير التدهور الخطير في الحدود الفاصلة بين الجارين النوويين، وخاصة عقب التصعيد العسكري الحاد على طول خط التحكم في كشمير في مايو 2025. فلأول مرة منذ عقود، وصلت المواجهات التقليدية إلى شفا الانزلاق إلى المواجهة النووية، وسط غياب تام لآليات التهدئة المباشرة وقنوات التواصل السياسي المفعلة.
يقدم التقرير تحليلاً هائلاً للمخاطر الهيكلية التي تحكم هذا المسرح:
-
خطورة الخطاب القومي المحلي: تعاني كل من الهند وباكستان من صعود التيارات القومية والمزايدات الإعلامية المحلية التي تجعل من أي خطوة خطوة للتهدئة أو التراجع بمثابة “انتحار سياسي” للحكومات الحاكمة. هذا الجو المشحون يفرض على القادة تبني مواقف أكثر تصعيداً و”لعب سياسة الحافة” (Brinkmanship) لإرضاء الرأي العام الداخلي.
-
تأثير “العامل الصيني” على المعادلة الثلاثية: تجادل الهند بأن تطويرها لترسانتها النووية وصواريخها الاستراتيجية لا يستهدف باكستان بقدر ما يستهدف ردع التمدد الصيني على حدودها الشمالية. ولكن كل تطوير تقني أو عددي تقوم به الهند لمواجهة الصين تُفسره إسلام أباد فوراً كتهديد وجودي مباشر لها، مما يدفع باكستان للرد عبر تطوير أسلحة نووية تكتيكية قصيرة المدى (Nasr) وتعميق شراكتها العسكرية مع بكين. هذا التداخل يحول النزاع إلى “عقدة ثلاثية متصادمة” لا يمكن حلها عبر صيغ ثنائية معزولة.
-
فشل الوساطات الخارجية: أظهرت أحداث عام 2025 أن الاعتماد على التدخل الأمريكي أو الدولي لتهدئة الأزمات في لحظاتها الأخيرة لم يعد خياراً مضموناً، وخاصة مع تبني الإدارات الأمريكية لمواقف الانكفاء وتصريحات المسؤولين بأن الصراعات الإقليمية “ليست شأناً أمريكياً مباشرًا”.
آليات الإنقاذ للجنوب الآسيوي
لتجنب الكارثة، تقترح ميسمر العودة إلى الإجراءات الصارمة:
-
تفعيل وتحديث اتفاقيات الحوادث البحرية (IncSea Agreements): نظراً للتوسع السريع في القدرات البحرية والسباق في بناء الغواصات النووية في المحيط الهندي بين الهند وباكستان، ينبغي نقل تجارب الحرب الباردة بين الغرب والسوفيت إلى المحيط الهندي لتفادي الاشتباكات غير المقصودة بين الغواصات.
-
استغلال المظلات الاقليمية (SCO): إمكانية إجراء لقاءات غير رسمية ومغلقة بين القادة العسكريين والمسؤولين الهنود والباكستانيين على هامش اجتماعات منظمة شانغهاي للتعاون.
-
دعم الحوارات غير الرسمية (Track 2): الاعتماد على الخبراء المتقاعدين والضباط السابقيين الذين يمتلكون اتصالات عابرة للحدود لتوجيه النصائح السياسية وصياغة شبكات أمان تمنع الانفجار أثناء الأزمات الشديدة.




