إقتصاد

في الليلة الظلماء يُفتقد مكاوي.. سيرة مهندس قهر الحصار وأضاء السودان

الخرطوم | نايل بوست
حين يغرق السودان اليوم في عتمة دامسة، وتتوالى قطوعات الكهرباء لتشل المستشفيات والمصانع وتُعطل شرايين الحياة اليومية، يقفز إلى أذهان السودانيين ذلك التساؤل الممزوج بالحسرة عمن بنوا قطاع الطاقة من العدم، ليتحور المثل العربي الخالد ويصيب كبد الحقيقة: “وفي الليلة الظلماء يُفتقد مكاوي”. لم تكن تجربة المهندس مكاوي محمد عوض مجرد محطة عابرة لمسؤول جلس على مقاعد الإدارة، بل هي ملحمة بناء وطني لرجل بدأ مسيرته مهندساً ميدانياً للكهرباء، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا لمواصلة دراساته العليا وتعميق معارفه الأكاديمية والتطبيقية، ليعقبها بالعمل في المملكة العربية السعودية مراكماً رصيداً إدارياً وهندسياً واسعاً وفق معايير عالمية، ثم عاد إلى أرض الوطن ليلتحق بالهيئة القومية للكهرباء ويتدرج في مفاصلها ومواقعها الفنية حتى تولى إدارتها العامة، ليقود ثورة تنموية وتأسيسية غير مسبوقة وضعت قطاع الطاقة والسكك الحديدية على مشارف الريادة الإقليمية.
تجلت عبقرية مكاوي في اللحظة التاريخية المعقدة التي تسلم فيها مقاليد الهيئة قبيل مطلع الألفية الجديدة، إذ كان إجمالي إنتاج الكهرباء في السودان لا يتجاوز تسعين ميغاواط فقط تعتمد على محطات مائية شحيحة، في ظل انعدام البنية التحتية الرقمية وغياب البيانات، بينما كانت البلاد ترزح تحت وطأة حصار اقتصادي خانق وعقوبات دولية تحظر استيراد المعدات والتوربينات وقطع الغيار. أدرك مكاوي بحسه الإداري الثاقب أن أزمة الكهرباء في جوهرها مالية وإدارية قبل أن تكون فنية؛ فاستعان بكوادر وطنية شابة من خريجي جامعتي الخرطوم والسودان لإدخال الحاسوب لأول مرة في مفاصل الهيئة، وابتكر نظام الشرائح الثابتة بحسب الأحياء لتوزيع الفواتير، مما أطلق تدفقاً مالياً غير مسبوق شجع المواطنين على السداد طواعية، ومكن الهيئة من التوسع من بضعة مكاتب إلى أكثر من أربعين مكتباً فرعياً يعتمد اللامركزية الإلكترونية.
انطلق مكاوي بعدها في تنفيذ خطة إصلاحية ثلاثية، نقلت الهيئة عبر أربعة أسس محكمة إلى مصاف المؤسسات الحديثة؛ فحصر أعمالها في مجالاتها الحيوية من توليد ونقل وتوزيع، وطبق معايير الجودة الشاملة عبر برامج تدريب امتدت ثماني سنوات، وأنهى المعاملات الورقية باعتماد المكاتب المفتوحة، وكان سبّاقاً على مستوى السودان في إسناد الخدمات المساندة للقطاع الخاص. وبشجاعة استثنائية، خفّض الترهل الوظيفي من ثلاثة وعشرين ألف موظف إلى نحو سبعة آلاف كادر مؤهل عبر حوافز مجزية وإلغاء الوظائف غير الأساسية بقرارات وزارية مدروسة، بالتوازي مع رفع شروط التوظيف، لتتحول الهيئة من عبء يستنزف الخزينة العامة إلى مؤسسة رابحة تدعم الدولة ومشاريعها.
وعلى صعيد البنية التحتية، ركز مكاوي على تنويع مصادر التوليد وكسر احتكار التقنيات الغربية؛ فاستقدم محطة قري الأولى كأول محطة صينية تدخل القارة الإفريقية، ثم وظف أموال التأمين بذكاء استثماري عقب احتراق أحد الأبراج لجلب محطة قري الثانية من تايلاند إبان أزمتها الاقتصادية وتحويلها إلى نظام الدورة المركبة، إلى جانب رفع كفاءة محطة بحري الحرارية لتصل إلى ثلاثمئة وثمانين ميغاواط، وتشييد صرح محطة أم دباكر بكوستي بسعة خمسمئة ميغاواط مع تجهيز بنيتها التحتية للتوسع المستقبلي والاعتماد على الغاز الطبيعي. كما أسند بناء أبراج النقل وشد الخطوط بالكامل للكوادر الهندسية السودانية، ليرتفع معدل الإنجاز إلى تركيب مئة برج شهرياً، مع إحلال محطات التحويل العملاقة بدلاً من المحولات الصغيرة، ومد نحو ثلاثة آلاف وثمانمئة كيلومتر من خطوط الضغط العالي التي ربطت حلفا شمالاً بالرنك جنوباً وكسلا وبورتسودان شرقاً.
واكب هذه الطفرة استثمار إستراتيجي في العنصر البشري؛ حيث ابتعث مكاوي أفواجاً من المهندسين والفنيين للتدريب الخارجي في بريطانيا وغيرها لاكتساب الخبرات المتقدمة، وهم الكوادر المؤهلة التي باتت اليوم تشغل مواقع قيادية ومفصلية تضيء قطاعات الطاقة في مختلف بلدان الخليج والمنطقة العربية. ولم تتوقف طموحاته عند حدود التوليد القائم، بل أطلق مشاريع التصنيع المحلي لعدادات الدفع المقدم، ومصانع الأعمدة الكهربائية، ومحولات ترانسودان وسوداتراف، وكوابل جياد وليدر تكنولوجي، ووضع خططاً متكاملة للوصول إلى خمسة عشر ألف ميغاواط تشمل محطة بورتسودان بالفحم الحجري ومحطات الغاز بالفولة، وتوج جهوده برئاسة اللجنة الفنية لمشروع الطاقة النووية السلمية المسجل رسمياً لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحت الرمز الفني المعتمد.
إن استحضار مسيرة المهندس مكاوي محمد عوض، الموثقة في كتبه ومؤلفات رفاقه حول ملامح الإصلاح الإداري والهندسي، يعكس كيف تبنى الأمم بإرادة الرجال والتخطيط العلمي الصارم في مواجهة أصعب الظروف. وتبرز المفارقة المؤلمة حين نرى ذلك القطاع الذي كان يبني المحطات العملاقة ويخطط لتصدير الفائض، وقد آل في الراهن إلى شبكة متهالكة تتهاوى تحت وطأة الإهمال وتداعيات الصراع، بعد أن تعطلت مسيرة التنمية بالاستقطاب والشعارات غير المسؤولة. إن الخروج من الظلام لا يتطلب البدء من فراغ؛ فخطط النهضة ودراساتها التشغيلية ما تزال محفوظة ومكتملة، وتنتظر فقط عودة روح الإدارة الميدانية الحازمة والإرادة الوطنية المخلصة التي صنعت إشراقات مكاوي وفريقه لبناء مستقبل السودان وإعادة النور إلى ربوعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى