الصين و الفضاء : تفكيك شبكة التجسس وعقيدة الحرب المعلوماتية الصينية في الفناء الخلفي لـ واشنطن

الفضاء كساحة خلفية.. جردة حساب استراتيجية في أمريكا اللاتينية
حينما تنظر العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، إلى الخريطة السياسية والاقتصادية لأمريكا اللاتينية، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو خطوط التجارة البحرية، ومناجم الليثيوم، وممرات الهجرة المتدفقة شمالاً. لكن تقريراً استثنائياً شديد الخطورة صدر حديثاً عن اللجنة المختارة المعنية بالمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والحزب الشيوعي الصيني في مجلس النواب الأمريكي، يحمل عنواناً صادماً ومباشراً: “الصين في فنائنا الخلفي: المجلد الثاني – سحب أمريكا اللاتينية إلى مدار الصين” (China In Our Backyard: Volume II – Pulling Latin America into China’s Orbit). هذا التقرير لا يكتفي بإعادة قراءة النفوذ الاقتصادي الصيني التقليدي، بل يرفع غطاء السرية الدبلوماسية والعلمية عن مشروعات بدت لسنوات طويلة مجرد إسهامات بريئة لبكين في تطوير قطاع الفضاء والبحث الفلكي في القارة اللاتينية. إنه يقدم وثيقة استقصائية وتحليلاً عسكرياً دقيقاً لكيفية قيام جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) بـ “عسكرة” البنية التحتية الأرضية لما يُعرف بـ “طريق الحرير الفضائي” في دول مثل فنزويلا، والبرازيل، وبوليفيا، والأرجنتين، وتشيلي.
المقالة الصحفية الاستراتيجية التي بين أيدينا اليوم ليست مجرد استعراض لبيانات جافة، بل هي تفكيك لآلية هندسية بالغة التعقيد، تديرها بكين من أعلى الهرم السياسي، لربط مصير الأمن القومي اللاتيني بالعجلات التكنولوجية والعسكرية للحزب الشيوعي الصيني. يذهب التقرير في خلاصته التنفيذية إلى تأكيد حقيقة مركزية واحدة: إن المنشآت الفضائية الصينية المنتشرة عبر تضاريس أمريكا الجنوبية — من صحراء أتاكاما الجافة في تشيلي إلى سهول باتاغونيا في الأرجنتين — ليست مجرد مشاريع علمية معزولة أو مراصد لمراقبة النجوم ؛ بل هي شبكة متكاملة ومزدوجة الاستخدام (مدنية-عسكرية) جرى تصميمها بعناية فائقة لتعزيز قدرات بكين على مراقبة العمليات الفضائية والعسكرية لخصومها، والتحكم فيها، وتدميرها أو شلها وقت الحاجة.
أولاً: العقيدة الجيوسياسية لطريق الحرير الفضائي
لكي نفهم الأبعاد العميقة لهذا التقرير، يجب أن نعود بالذاكرة الجيوسياسية إلى تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2009. في ذلك الوقت، أدلى قائد القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني، شو كيليانغ، بتصريح تاريخي مرّ دون التفات كافٍ من الإعلام الغربي؛ إذ قال إن “المنافسة العسكرية في القرن الحادي والعشرين ستتحدد بشكل حاسم بناءً على نطاقي المعلومات والفضاء، اللذين يمثلان المرتفعات الاستراتيجية الجديدة المطلة على ساحة التنافس الدولي”. منذ ذلك الإعلان الصريح، تحركت الآلة التكنولوجية والعسكرية لجمهورية الصين الشعبية بخطى ثابتة ومخططة بدقة للتوسع الفضائي، سواء داخل حدودها القارية أو وراء البحار.
إن الهيمنة على البنية التحتية الفضائية لم تعد في العرف العسكري الصيني رفاهية تكنولوجية، بل هي الأساس الذي تنهض عليه الفعالية العسكرية الحديثة. يعتمد الأمن العالمي والاقتصاد المعاصر بشكل كلي تقريباً على الفضاء؛ فالأقمار الصناعية هي التي تحرك شبكات الاتصالات، وتوجه الصواريخ والبرمجيات عبر نظام الملاحة الدقيقة، وتدير مساحات الاستشعار عن بُعد، وتدفقات البيانات الضخمة التي تحرك الاقتصادين المدني والعسكري على حد سواء. وبالنسبة لبكين، فإن هذه الأنظمة والأقمار التي يتجاوز عددها اليوم 1000 قمر صناعي نشط، ليست مجرد أدوات تجارية، بل هي العصب النابض لكيفية إدارة الجيش الصيني لعملياته وإسقاط نفوذه وقوته العسكرية في مناطق بعيدة جداً عن محيطه الجغرافي المباشر.
وهنا يكمن العائق الهندسي والجغرافي الكبير الذي واجهته بكين: لكي تضمن دولة ما التحكم الكامل والدائم بأقمارها الصناعية عبر مداراتها حول الأرض، فإنها تحتاج إلى شبكة أرضية من محطات التتبع، والقياس عن بُعد، والتحكم (TT&C). وبسبب كروية الأرض، لا يمكن للمحطات الواقعة داخل الصين القارية أن تظل على اتصال مباشر بالأقمار الصناعية عندما تدور في النصف الآخر من الكرة الأرضية. ومن هنا ولدت الاستراتيجية التي يسميها التقرير بـ “ممر المعلومات المكاني لحزام وطريق الحرير” أو اختصاراً “طريق الحرير الفضائي”.
لقد أدركت بكين، عبر وثائقها التخطيطية الوطنية المتعاقبة، أن أمريكا اللاتينية تمثل الجغرافيا المثالية والموقع الهندسي الحاسم لغلق هذه الفجوة الاتصالية. إنها المنطقة المقابلة جغرافياً لشرق آسيا، والمطلة بشكل مثالي على مسارات الأقمار الصناعية العسكرية والتجارية التي تحلق فوق النصف الغربي من الكرة الأرضية. لذلك، لم يكن التغلغل الصيني في قطاع الفضاء اللاتيني مجرد مبادرة عفوية لعرض المساعدة الفنية في التنبؤ بالطقس أو إدارة الكوارث الطبيعية كما تزعم الخطابات الدبلوماسية الرسمية ؛ بل هو تنفيّذ حرفي لتوجيهات عليا من القيادة السياسية للحزب الشيوعي الصيني لبناء نظام مراقبة عسكري كوني.
ثانياً: تفكيك الاستراتيجية العليا الصينية.. الاندماج المدني-العسكري القسري
يكشف التقرير بوضوح، ومن خلال مراجعة دقيقة لتقارير صينية داخلية، ووثائق حكومية، وأبحاث أكاديمية متخصصة، أن “طريق الحرير الفضائي” يرتكز على سياسة وطنية صارمة تفرضها بكين تُعرف بـ “الاندماج المدني العسكري” (Military-Civil Fusion) وقوانين التعبئة الدفاعية الوطنية. هذه القوانين والسياسات تلغي عملياً وفانياً أي فواصل حقيقية بين ما هو تجاري أو علمي، وما هو استخباراتي عسكري.
بموجب المنظومة القانونية الصينية، فإن شركات الفضاء والأقمار الصناعية التجارية، حتى تلك التي تبدو كشركات ناشئة أو شركات مساهمة خاصة، ملزمة قانوناً بإدراج هيئات تابعة للحزب الشيوعي الصيني داخل هياكلها التنظيمية والإدارية. وتمنح هذه الهياكل الحزبية الدولة الصينية والجيش مسارات رسمية ومباشرة للوصول الفوري إلى الملكية الفكرية، والمعدات، والأجهزة، بل والكوادر البشرية. على سبيل المثال، يوضح التقرير أن الكيانات الصينية الكبرى المسؤولة عن بناء وإدارة هذه البنية الفضائية التحتية في الخارج — مثل “المؤسسة العامة الصينية لإطلاق الأقمار الصناعية والتحكم فيها” (CLTC) — ليست جهة مدنية مستقلة ؛ بل هي مرتبطة ارتباطاً بنيوياً لا يقبل الشك بـ “قوة دعم المعلومات” (Information Support Force – ISF) التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني. وهذه القوة هي ذراع الجيش المكلفة بإدارة التدفق المعلوماتي العسكري، وحماية الموارد الرقمية المتكاملة، وتأمين التفوق المعلوماتي لبكين في حالات السلم والحرب على حد سواء.
حينما أصدرت بكين “الكتاب الأبيض للفضاء” في عام 2016، وضعت خطة طموحة للتحول إلى “قوة فضائية عظمى” بحلول عام 2045. وجاءت النسخة الأحدث من الكتاب الأبيض لعام 2021 لتؤكد دور الفضاء كـ “مدافع عن الأمن القومي”. هذا المفهوم الصيني للأمن يرتبط مباشرة بعقيدة عسكرية تُدعى “الحرب المعلوماتية” (Informationized Warfare). وفي هذه العقيدة، لا يتحقق النصر العسكري في الميدان التقليدي (الأرض، البحر، الجو) إلا من خلال السيطرة المطلقة على النظم الرقمية، وشن الضربات الموجهة بالغة الدقة، وإرباك قدرات العدو على القيادة والسيطرة عبر شل شبكات اتصالاته. وكل هذه المتطلبات العسكرية المعقدة تعتمد في الأساس على معطى تكنولوجي واحد يسميه الخبراء العسكريون: “الوعي بالمجال الفضائي” (Space Domain Awareness – SDA).
ثالثاً: آلية عمل الوعي بالمجال الفضائي (SDA) ومفهوم “المظلة المعلوماتية”
ما هو الوعي بالمجال الفضائي، وكيف تحوله بكين من مصطلح أكاديمي فلكي إلى أداة للهيمنة الحربية؟ يشرح التقرير هذه الآلية الاستخباراتية بالتفصيل. يتطلب الوعي بالمجال الفضائي القدرة على اكتشاف، وتتبع، وتحديد وتوصيف، وفهم طبيعة كل جسم يتحرك في مدارات الأرض. يشمل ذلك الأقمار الصناعية العاملة التابعة للدول الأخرى (والتي قد تكون أقماراً تجسسية أو عسكرية غربية)، بالإضافة إلى الحطام الفضائي.
بكين لا تدير هذه المنشآت في أمريكا اللاتينية لرصد النجوم البعيدة أو المجرات، بل لإنشاء ما تطلق عليه الوثائق الاستراتيجية الصينية اسم “المظلة المعلوماتية” (Information Umbrella). تعمل هذه المظلة كالتالي: يقوم قمر صناعي صيني مخصص لرصد الفضاء في المدار الأرضي المنخفض (LEO) بمراقبة وتصوير قمر صناعي معادٍ أو هدف عسكري أجنبي. تُنقل هذه البيانات الحساسة على الفور إلى قمر اتصالات صيني، والذي يقوم بدوره بإرسالها كإشارات لاسلكية هابطة (Downlink) إلى إحدى المحطات الأرضية المنتشرة في أمريكا اللاتينية. ومن هناك، تتدفق البيانات عبر شبكات أرضية محلية سريعة ومأمونة إلى مراكز معالجة سحابية ضخمة للبيانات، ليتم فك شفرتها وتحليلها وإرسالها مباشرة إلى المستخدم النهائي: “القاعدة 37 التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني” (PLA Base 37).
تعتبر “القاعدة 37” هي الذراع التنفيذية والقيادية العليا في الصين لإدارة ملف الوعي بالمجال الفضائي؛ فهي المسؤولة عن تحديد الهوية الاستخباراتية للأجسام الفضائية الأجنبية، وقياس مساراتها المدارية. ومن خلال دمج البيانات القادمة من محطات أمريكا اللاتينية، توفر هذه القاعدة للجيش الصيني بأكمله صورة حية وتفاعلية ومستمرة لكل ما يحدث فوق رؤوسنا في الفضاء. هذه الصورة المباشرة هي التي تقود وتوجه قرارات القوات الصينية على سطح الأرض وفي المدار؛ مما يمنحها القدرة على التخطيط لعمليات مضادة للفضاء، مثل استخدام أسلحة مضادة للأقمار الصناعية (ASAT)، أو تفعيل منظومات التشويش الكهرومغناطيسي، أو توجيه الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والأسلحة الفرط صوتية عبر تقديم التوجيه النهائي لها في مسارات ارتدادها نحو أهدافها.
إن الفارق الجوهري بين النموذج الصيني والنموذج الغربي في إدارة محطات الفضاء الأرضية — كما يبرزه التقرير بذكاء تحليلي — يكمن في البنية السياسية للعلاقات الدولية. فالولايات المتحدة تعتمد في نشر محطاتها الأرضية على شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء الرسميين والاتفاقات الأمنية المتبادلة طويلة الأجل مع دول تحظى معها بعلاقات استراتيجية شفافة. أما الصين، التي تملك تاريخاً قصيراً جداً ومحدوداً في بناء تحالفات عسكرية دولية متكافئة، فإنها تفتقر إلى إمكانية الوصول المباشر والسهل لمحطات أرضية في الخارج. لذلك، لجأت تاريخياً إلى الاعتماد على أعداد هائلة من الأقمار الصناعية التعويضية في المدار المنخفض للتغلب على النقص الجغرافي. لكنها اليوم، وكما يثبت الاستقصاء النيابي الأمريكي، تقلب هذه القواعد رأساً على عقب عبر التوسع العنيف والسري في تحديث وتأسيس محطات أرضية في الفناء الخلفي لأمريكا، مستغلة الثغرات القانونية والدبلوماسية وحاجة الحكومات اللاتينية المتعطشة للاستثمار والتكنولوجيا.
رابعاً: المسرح الأرجنتيني.. السيادة المثقوبة في سهول باتاغونيا
حينما ننتقل من التنظير الجيوسياسي إلى واقع الأرض التضاريسي، يبرز التقرير الصادر عن اللجنة المختارة بمجلس النواب الأمريكي شبكة من إحدى عشرة منشأة فضائية صينية تمتد كخيوط العنكبوت فوق خريطة أمريكا الجنوبية. هذه المنشآت لا ترفع أعلاماً عسكرية، بل تتلفع بعباءة التعاون العلمي الأكاديمي المشترك والبحوث الفلكية لإدارة الفضاء الخارجي. لكن الفحص الفني والاستقصائي الدقيق لمحتويات هذه القواعد يثبت أنها تمتلك قدرات “مزدوجة الاستخدام” (Dual-Use) ترتبط بنيوياً وعملياتياً بكيانات تابعة مباشرة لجيش التحرير الشعبي. ويأتي في مقدمة هذا المسرح الميداني جمهورية الأرجنتين، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى النواة الصلبة للوجود الفضائي الصيني في نصف الكرة الغربي.
محطة الفضاء السحيق في “إسباسيو ليخانو”.. الصندوق الأسود في نيوكين
تعتبر محطة إسباسيو ليخانو (Espacio Lejano Station) الواقعة في منطقة “باخادا ديل أغريو” بمقاطعة نيوكين الأرجنتينية، النموذج الأكثر فجاجة وخطورة لما يصفه التقرير بـ “الاختراق السيادي الصامت”. تأسست هذه المحطة وبدأت العمل رسمياً في عام 2018 بموجب اتفاقية تعاون بين إدارة الفضاء الوطنية الصينية واللجنة الوطنية للأنشطة الفضائية في الأرجنتين. في العلن، جرى الترويج للمحطة بوصفها مركزاً علمياً حيوياً لدعم مهام الفضاء السحيق الصينية، وتحديداً عائلة مسبار “تشانغ إي” (Chang’e) المتخصصة في استكشاف القمر، والبحوث المستقبلية المتجهة نحو كوكب المريخ.
لكن التفاصيل المخفية داخل ثنايا التقارير الفنية الصينية المسرّبة، والتي فككها تقرير الكونغرس، تكشف حقيقة فنية مغايرة تماماً. لقد اختبرت بكين في هذه المحطة تكنولوجيا متطورة تُعرف بـ “تداخل خط الأساس الطويل جداً” (Very Long Baseline Interferometry – VLBI)، وهي تقنية هندسية فائقة تُستخدم لقياس المسافات الشاسعة والأجسام المدارية بدقة متناهية. والمفاجأة الفنية التي رصدها الاستقصاء هي أن قدرات نقل البيانات الحالية للمحطة تبين أنها غير كافية لإرسال بيانات الـ (VLBI) الفلكية الكاملة في الوقت الفعلي إلى العاصمة بكين. وهذا يعني تحليلياً أنه بينما تعجز المحطة عن تلبية الغرض العلمي المدني المكتوب في عقد تأسيسها بشكل كامل، فإنها تعمل بكفاءة مطلقة في تلبية التطبيقات العسكرية والأمنية لجيش التحرير الشعبي.
تمتلك المحطة هوائياً عملاقاً عالي الكسب (High-Gain Antenna) يبلغ قطره 35 متراً، وهو قادر على العمل في حزم الترددات (S-band) و(X-band) و(Ka-band). هذه الترددات هي ذاتها المطلوبة لتشغيل منظومة الـ (VLBI). ولكن، وفي العرف الاستخباراتي العسكري، تُستخدم هذه الهوائيات الضخمة وعالية الكسب كأدوات هائلة لجمع الاستخبارات الإلكترونية (ELINT) واستخبارات الإشارات (SIGINT). يمكن لهذه الأطباق التقاط واعتراض الإشارات اللاسلكية الضعيفة المنبعثة من الأقمار الصناعية الأجنبية أو مسابير الفضاء العميق، ومراقبة الترددات الهابطة للدول الأخرى بشكل سلبي وخفي لتحليل أنماط حركتها واتصالاتها.
وما يثير الرعب في الأوساط الدفاعية الأمريكية هو الموقع الجغرافي الفريد لهذه المحطة في باتاغونيا. إنها تقع تقريباً على خط الطول الجغرافي ذاته الذي يمر بالساحل الشرقي للولايات المتحدة، وتبعد عن خط الاستواء بالمسافة ذاتها تقريباً التي تفصل العاصمة واشنطن عنه. هذا التموضع الهندسي يمنح الهوائي الصيني خط رؤية مثالي ومباشر لأغلب الأقمار الصناعية المستقرة في المدار الجغرافي الثابت (GEO) والتي تخدم العمليات العسكرية والاتصالات الحيوية في شرق الولايات المتحدة الأمريكية.
تدار هذه المحطة وتُشغّل بالكامل بواسطة “مركز شيآن للتحكم في الأقمار الصناعية”، وهي جهة تخضع مباشرة للمؤسسة العامة الصينية لإطلاق وتتبع الأقمار الصناعية (CLTC) العسكرية. واللافت للنظر هنا هو الطبيعة القانونية والدبلوماسية المجحفة للاتفاق الذي وقعته الأرجنتين في عام 2015. فقد منحت بوينس آيرس الصين عقداً طويل الأجل يمتد لـ 50 عاماً على مساحة 200 هكتار، مع الحق الحصري والكامل للبناء والتشغيل دون دفع أي ضرائب للدولة المضيفة، وبتمويل صيني مباشر تجاوز 54 مليون دولار. وعلى الرغم من توقيع ملحق اتفاق في 2016 ينص على استخدام المحطة للأغراض المدنية فقط، فإن التقرير يفجر مفاجأة قانونية: لم تضع الأرجنتين أي آليات رقابة أو تفتيش مستقلة. إن المواطنين والمسؤولين الأرجنتينيين مستبعدون تماماً من إجراء عمليات تفتيش داخل الموقع؛ مما يجعل المحطة بمثابة “صندوق أسود سيادي” وجزء لا يتجزأ من شبكة الفضاء الصينية السحيقة التي تُستخدم لترحيل بيانات أقمار الاستطلاع العسكرية ودعم تجارب الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية.
خامساً: تمدد الليزر والاتصالات المشفرة في العمق الأرجنتيني
لم تكتف بكين بمحطة نيوكين، بل واصلت نسج خيوطها عبر تضاريس أرجنتينية أخرى لتنويع وسائطها التكنولوجية في مراقبة الفضاء واعتراض الإشارات.
مرصد فيليكس أغيلار الفلكي في سان خوان
في مقاطعة سان خوان، أسست المراصد الفلكية الوطنية الصينية (NAOC) مشروعاً متطوراً لتتبع الأقمار الصناعية بالليزر (Satellite Laser Ranging – SLR) بدأ العمل منذ عام 2005 بالشراكة مع المرصد المحلي. جرى تصميم وتطوير هذا النظام بواسطة الأكاديمية الصينية للمسح ورسم الخرائط بالتعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم، وبتمويل مباشر من وزارة العلوم والتكنولوجيا في بكين.
يعتبر هذا المشروع اليوم الموقع الأكثر نشاطاً في أمريكا اللاتينية لتقنية قياس المدى بالليزر. ويحتوي الموقع على تلسكوب ليزر يبلغ قطره 60 سنتيمتراً، مزود بأنظمة بصريات مكيفة لتصحيح التشوهات الجوية. في المظهر، تجمع المحطة بيانات جيوديسية لدراسة شكل الأرض. أما في الجوهر العسكري، فإن دقة التتبع الميليمترية التي يتيحها هذا التلسكوب تمنح جيش التحرير الصيني بيانات مدارية بالغة الدقة يمكن استخدامها مباشرة في عمليات الدفاع المضاد للأقمار الصناعية، أو توجيه أشعة ليزر قادرة على إعماء وتدمير المستشعرات البصرية لأقمار التجسس الغربية (Dazzlers). كما أنها تسهم في تحسين دقة وموثوقية الأنظمة الصاروخية الباليستية طويلة المدى عبر التدقيق المتناهي لإحداثيات ومواقع منصات الإطلاق.
وكانت بكين قد خططت لتوسيع هذا الموقع عبر مشروع تلسكوب راديوي عملاق يُدعى (CART) بقطر 40 متراً. غير أن المخاوف الأمنية المتصاعدة بشأن إمكانية استخدام هذا الوحش الفلكي لتطوير القدرات الاستخباراتية الصينية وتحديد المواقع الجغرافية العسكرية العميقة، دفعت الحكومة الأرجنتينية في عام 2025 — تحت ضغوط سياسية واقتصادية هائلة من إدارة ترامب لإضعاف نفوذ بكين — إلى تجميد وإيقاف مشروع التلسكوب الراديوي بشكل كامل.
محطة ريو غاليغوس الأرضية.. الروابط الخفية مع قواعد الإطلاق
في أقصى الجنوب الأرجنتيني، وتحديداً في “ريو غاليغوس”، تظهر بؤرة صينية أخرى جرى تمريرها عبر غطاء تجاري بحت. تم تسهيل إنشاء محطة “ريو غاليغوس الأرضية” من خلال شراكة تجارية بين شركة تكنولوجية أرجنتينية تُدعى (Ascentio Technologies) وشركة صينية خاصة تُدعى (Emposat) أو “بكين أيروسبيس يوكسينغ تكنولوجي”.
وعلى الرغم من نيل المحطة ترخيصاً رسمياً كمرفق مدني من الهيئة الوطنية للاتصالات في الأرجنتين عام 2021، فإن التقرير الاستقصائي يكشف عن روابط أمنية مخيفة وعميقة تجمع موظفي شركة (Emposat) الصينية بالبنية العسكرية لجيش التحرير الشعبي. فقد جرى تتبع الخلفيات المهنية لكوادر الشركة ليتبين ارتباطهم المباشر وعملهم السابق داخل القاعدتين العسكريتين 25 و26 التابعتين لجيش التحرير الشعبي. وهاتان القاعدتان هما بمثابة مراكز القيادة والتحكم والمحاور الاستراتيجية العليا المسؤولية عن إدارة وتنفيذ عمليات إطلاق الساتل العسكري والفضائي الصيني. تم تزويد المحطة بأربعة إلى ستة هوائيات تعمل بنطاقات (X-band) و(C-band) وهي الترددات الكفيلة بتأمين الاتصالات المشفرة شديدة الحصانة واللازمة لعمليات الحرب الإلكترونية الحديثة وتوجيه البيانات العسكرية.
سادساً: المربع الفنزويلي.. التموضع داخل القواعد الجوية العسكرية
إذا كانت الأرجنتين قد منحت الصين موطئ قدم تحت لافتات الاستثمار العلمي والتجاري المعقد، فإن فنزويلا، الحليف الأيديولوجي والسياسي العتيق لبكين، قد فتحت أبواب منشآتها العسكرية مباشرة أمام البنية التحتية لطريق الحرير الفضائي.
محطة “إل سومبريرو” الأرضية.. في قلب عرين المقاتلات
تقع محطة إل سومبريرو (El Sombrero Satellite Ground Station)، والمعروفة رسمياً في الوثائق الفنزويلية باسم محطة “باياماري”، في موقع عسكري بامتياز. إنها تقع داخل حدود قاعدة الكابتن مانويل ريوس الجوية في ولاية غواريكو. وهذه القاعدة ليست مرفقاً مدنياً، بل هي المركز اللوجستي والمحور العسكري الأساسي الحاضن والمشغل لأسطول طائرات المقاتلات الحربية الفنزويلية النفاثة الروسية الصنع من طراز “سوخوي” (Sukhoi Su-30MK2).
المحطة التي تولت بناءها بالكامل “مؤسسة سور الصين العظيم للصناعة” (CGWIC) المملوكة للدولة الصينية، تم تزويدها بأنظمة حاسوبية وهوائيات ضخمة للتحكم والتتبع. وفي عام 2023، أخذت هذه العلاقة بعداً استراتيجياً جديداً وأكثر خطورة حينما وقعت كاراكاس اتفاقية للانضمام إلى مشروع المحطة الدولية لأبحاث القمر بقيادة بكين. وبموجب هذا الانضمام، منحت فنزويلا جيش التحرير الشعبي والكيانات الصينية حق الوصول المباشر والكامل إلى البنية التحتية للتحكم الأرضي في محطة “إل سومبريرو”. هذا الوصول يتيح للصين استخدام منشأة تقع داخل قاعدة جوية مقاتلة كنقطة وثب متقدمة لشبكة الوعي بالمجال الفضائي الاستخباراتية.
محطة “لويبا” الأرضية.. نظام الدعم الاحتياطي الخفي
لمزيد من التحصين وتأمين استمرارية تدفق البيانات الاستخباراتية والفضائية، أنشأت الصين محطة لويبا الأرضية للتحكم بالأقمار الصناعية (Luepa Ground Station) في ولاية بوليفار الفنزويلية. تعمل هذه المحطة رسمياً كنظام دعم احتياطي (Backup Station) لمحطة “إل سومبريرو” الرئيسية لضمان عدم انقطاع الاتصال بالأصول الفضائية في حال تعرض المحطة الأولى لأي طارئ أو هجوم. وتدير هذا الموقع الحساس بشكل مباشر كوادر ومهندسو “مؤسسة سور الصين العظيم للصناعة” (CGWIC)، حيث يُستخدم لإجراء عمليات التتبع، والقياس عن بُعد، والتحكم (TT&C)، ورصد الأقمار وحساب مساراتها المدارية بعيداً عن أي رقابة محلية حقيقية.
سابعاً: العقدة البوليفية.. مصيدة الديون والتبعية التكنولوجية الممتدة
إذا كانت الأرجنتين وفنزويلا قد قدمتا الجغرافيا والمقرات العسكرية، فإن بوليفيا تمثل النموذج الصارخ لكيفية استخدام بكين لأدوات القروض المالية الضخمة كمصيدة جيوسياسية طويلة الأجل لانتزاع السيادة التكنولوجية والفضائية، وهو ما يطلق عليه تقرير اللجنة المختارة بمجلس النواب الأمريكي التأسيس البنيوي لمنظومة التبعية المدارية.
محطة “لا غوارديا” الأرضية في سانتا كروز.. احتكار الكوادر والترددات المشتركة
تعد محطة لا غوارديا (La Guardia Ground Station) الواقعة في سانتا كروز البوليفية، عقدة مزدوجة الاستخدام غاية في الحساسية ضمن ممر المعلومات الفضائي الصيني. تم بناء هذه المحطة بالكامل بواسطة “مؤسسة سور الصين العظيم للصناعة” (CGWIC) وبإشراف فني مباشر ومستمر من “المؤسسة العامة الصينية لإطلاق وتتبع الأقمار الصناعية” (CLTC) المرتبطة عسكرياً بجيش التحرير الشعبي. في العلن، تعمل هذه المحطة كموقع دعم احتياطي لتشغيل القمر الصناعي البوليفي “توباك كاتاري” (TKSAT-1).
لكن الخديعة الحقيقية تكمن في الهيكل التمويلي للمشروع؛ إذ جرى تمويل المنشأة عبر قرض مالي ضخم قدمته جمهورية الصين الشعبية بقيمة 250 مليون دولار. هذا البناء المالي المعقد والمثقل بالالتزامات لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل تم تصميمه لضمان وجود فني وعسكري صيني دائم وممتد داخل بوليفيا حتى عام 2028 على الأقل. وبموجب هذه الترتيبات، يظل الخبراء والمهندسون الصينيون مدمجين في قلب العمليات اليومية للمحطة.
المحطة مزودة بهوائيات مكافئة ضخمة بقطر 13 متراً و5 أمتار، وهي تمتلك قدرات تتبع وقياس وتحكم (TT&C) مزدوجة الاستخدام بطبيعتها الفنية. هذه الهوائيات قادرة على العمل في حزم الترددات (Ku-band) و(C-band). وبينما تخدم هذه الترددات ظاهرياً مجالات البث المدني والاستشعار البيئي، فإنها تمنح جيش التحرير الشعبي فائدة عسكرية هائلة؛ إذ يضم الموقع “مختبر معالجة وتحليل الصور الفضائية” الذي يتيح إجراء تحليلات استشعار فائقة الدقة والتعقيد، والتي يمكن إعادة توجيهها وتوظيفها على الفور لخدمة المخابرات العسكرية ورسم الخرائط التضاريسية الحربية لخصوم بكين. علاوة على ذلك، فإن دمج هذه المحطة تقنياً مع الكيانات المرتبطة بالجيش الصيني يسمح لها بالمساهمة الفعالة في منظومة الوعي بالمجال الفضائي (SDA)، عبر رصد وحساب المسارات المدارية لأقمار الصناعية التابعة للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. تمتد المنشأة على مساحة 900 متر مربع وتضم كتلة فنية إدارية ومحطة توليد طاقة ومجال هوائيات متكامل لتأمين المعالجة السحابية الفورية للبيانات.
محطة “أماتشوما” الأرضية في لا باز.. سلسلة القتل المداري المؤجرة
على الجانب الآخر من الجغرافيا البوليفية، تبرز محطة أماتشوما الأرضية (Amachuma Ground Station) الواقعة في منطقة “أتشوكالا” بالعاصمة لا باز، وهي محطة التحكم الأرضي الرئيسية والأساسية لقمر (TKSAT-1). اكتمل بناء هذه المنشأة الاستراتيجية في عام 2013 بواسطة شركة سور الصين العظيم (CGWIC)، وتتميز بامتلاكها ستة هوائيات بارابولية (مكافئة) عملاقة، من بينها ثلاثة أطباق ضخمة بقطر 13 متراً تزن الواحد منها نحو 40 طناً، صممتها وركبتها كوادر فنية صينية مدمجة.
إن قدرات الإرسال والاستقبال الهائلة التي تتمتع بها محطة “أماتشوما”، مدعومة بمختبر متقدم جداً لمعالجة الصور الفضائية، تجعل منها امتداداً عملياً مباشراً لما يُعرف في العقيدة العسكرية لجيش التحرير الشعبي بـ “سلسلة القتل العالمية” (Global Kill Chain). تتيح هذه البنية التقنية لبكين العثور على الأهداف العسكرية المتحركة عبر قارة أمريكا وتتبعها برادارات فضائية عالية الدقة مع انعدام أي رقابة إقليمية من الحكومات المضيفة.
الأمر الأكثر خطورة وصدمة والذي كشف عنه التقرير هو ما أدلى به إيفان زامبرانا، رئيس وكالة الفضاء البوليفية، الذي اعترف علناً وبصراحة أن المنشأة تقوم بانتظام بـ “تأجير وقت الهوائيات الفائض” لكيانات صينية حكومية وعسكرية لاستخدامها في التحكم بإطلاق الأقمار الصناعية الصينية الخاصة. هذا الاعتراف يعني عملياً أنه بالإضافة إلى الكوادر البوليفية المدربة في الصين، فإن أفراد تشغيل الأقمار الصناعية والضباط الفنيين المرتبطين ببكين يحافظون على حضور عملياتي دائم ومستمر داخل القواعد البوليفية، مستغلين تلك الأجهزة والمعدات فائقة الأداء لتنفيّذ مهام استخباراتية وحربية تخدم الأجندة العسكرية الصينية الصرفة.
ثامناً: المسرح التشيلي.. معركة الحوسبة الفائقة في صحراء أتاكاما
حينما نصل إلى تشيلي، نكون بصدد مواجهة من نوع آخر؛ فتشيلي ليست حليفاً سياسياً لبكين كفنزويلا، بل هي دولة تتمتع تاريخياً بعلاقات وثيقة مع المنظومة الغربية والأمريكية. ومع ذلك، نجحت الصين في التغلغل داخل تضاريسها الفلكية الفريدة عبر التكنولوجيا الرقمية وشبكات الحوسبة العملاقة.
مركز البيانات الصيني-التشيلي في سانتياغو وسوبر كمبيوتر “هواوي”
تعتبر صحراء أتاكاما التشيلية أقدس المواقع الفلكية على سطح الأرض نظراً لصفاء جوها وجفافه الكلي؛ مما جعلها مقراً لأكبر المراصد العالمية التابعة لأمريكا وأوروبا. ومن هنا، سعت بكين لإنشاء مركز البيانات الفلكية الصيني-التشيلي في سانتياغو، من خلال شراكة ثلاثية بالغة الذكاء والخطورة جمعت بين الأكاديمية الصينية للعلوم، وعملاق التكنولوجيا الصيني المدرج على قوائم العقوبات الأمريكية شركة “هواوي” (Huawei)، وجامعة فيديريكو سانتا ماريا التقنية في تشيلي.
كان الهدف المعلن والمعزز دعائياً للمركز هو الاستفادة من تكنولوجيا الحوسبة فائقة الأداء (High-Performance Computing) والذكاء الاصطناعي المملوكة لشركة “هواوي” لمعالجة مجموعات البيانات الفلكية الضخمة التي يولّدها مرصد “مصفوفة أتاكاما الكبيرة للموجات المليمترية” (ALMA) الشهير. لكن تقرير الكونغرس ينبه إلى خدعة برمجية بالغة الخطورة: إن الخوارزميات والبرمجيات ذاتها المصممة والمستخدمة لتصفية الضوضاء وتشوهات الغلاف الجوي من الإشارات القادمة من عمق الفضاء السحيق ورصد المجرات البعيدة، هي ذاتها تماماً وبلا أي تعديل بنيوي، الخوارزميات التي يمكن إعادة توظيفها واستخدامها لخدمة استخبارات الإشارات العسكرية (SIGINT). يمكن لهذه المنظومة الحوسبية الفائقة اعتراض وتصنيف وفك شفرات البيانات الحساسة للغاية التي يتم التقاطها من الاتصالات اللاسلكية العسكرية المارة فوق المنطقة والموجهة من وإلى المنشآت الغربية.
لم يتوقف الطموح الصيني عند حدود سانتياغو، بل تمدد في صحراء أتاكاما عبر مشروع رصد الأجسام العابرة في “منتزه فينتارونيس الفلكي”. وتحت لافتة البحث المدني عن الكويكبات القريبة من الأرض وحماية الكوكب، جرى إدخال تكنولوجيات تتبع عالية الدقة متطابقة فنياً وهندسياً مع الأنظمة المطلوبة لتحديد واستهداف الأقمار الصناعية عسكرياً. وتصاعدت المخاوف الدفاعية بشكل حاد عند الكشف عن الهويات المهنية للباحثين؛ إذ تبين أن العالم الصيني الكبير المشرف على المشروع، جينغ ليو، يمتلك ارتباطات موثقة ومؤكدة بـ “الوحدة العسكرية 93147 التابعة لجيش التحرير الشعبي”. وهذه الوحدة هي جناح سري متخصص للغاية في هندسة الأقمار الصناعية والتصوير الراداري العسكري والاستطلاع الفضائي. ومن خلال زرع هؤلاء الباحثين العسكريين في قلب بارك علمي مدني يبعد كيلومترات قليلة عن المنشآت الفضائية الأمريكية والأوروبية الحساسة في تشيلي، نجحت بكين في تأسيس موطئ قدم استخباراتي دائم وخطير.
وقد أحدث الكشف عن هذه التفاصيل زلزالاً دبلوماسياً وأمنياً في عام 2024؛ حيث قاد السفير الأمريكي في سانتياغو حملة ضغوط وتحذيرات مكثفة ومباشرة للحكومة التشيلية بشأن التهديدات التجسسية لهذا المركز وعواقب وجود “هواوي” والجيش الصيني في الفناء الفلكي الخلفي. ونتيجة لتلك الهواجس الأمنية المحققة، اتخذت الحكومة التشيلية في عام 2025 خطوة حاسمة وشجاعة أعلنت بموجبها تجميد وإلغاء المشروع الفلكي الصيني بالكامل لحماية أمنها القومي وسيادتها الاتصالية.
تاسعاً: محطة “سانتياغو” للأقمار الصناعية.. دروس الاختراق السويدي المكرر
في بؤرة تشيلية أخرى، تقع محطة سانتياغو للأقمار الصناعية (Santiago Satellite Station) في جبال الأنديز. بدأت هذه المحطة مسيرتها كموقع تعاوني علمي مشترك لأبحاث الفضاء وتكنولوجيا الاتصالات بين “مؤسسة الفضاء السويدية” (Swedish Space Corporation) والمنظومة الصينية (CLTC).
ولكن في عام 2020، اتخذت المؤسسة السويدية قراراً دراماتيكياً ومفاجئاً بالسماح بانتهاء وصلاحية عقودها مع الجانب الصيني ورفض تجديدها نهائياً. وجاء هذا الموقف السويدي الصارم بعد أن اكتشفت وكالة أبحاث الدفاع السويدية (FOI) أن الصين كانت تستخدم حقوق الوصول الممنوحة لها إلى الهوائيات ومحطات التتبع الأرضية في السويد لتنفيّذ عمليات جمع معلومات استخبارات عسكرية وتجسس فضائي وراء البحار، في انتهاك صارخ وفاضح لشروط الاستخدام المدني التجاري المتفق عليها.
إن البنية التحتية القائمة في محطة سانتياغو التشيلية تضم صفيفاً خطياً متطوراً مكوناً من أربعة صفوف جرى تصميمه خصيصاً لتتبع الأجسام التي تتحرك عبر الفضاء بسرعات فائقة للغاية، إلى جانب مجمع هوائيات من طراز “ياغي” (Yagi) المحاط بأسوار أمنية مشددة. وعلى الرغم من أن هذه الأدوات مخصصة رسمياً للتواصل مع الأقمار الصناعية العلمية، فإن تقرير الكونغرس يؤكد قدرتها الكاملة على جمع استخبارات الإشارات واعتراض الاتصالات المشفرة للأقمار الأجنبية. هذا المسح التقني يتيح لجيش التحرير الشعبي الصيني رسم خريطة جيوديسية وفضائية متناهية الدقة لمواقع وحركات الأصول الفضائية العسكرية للدول الأخرى؛ مما يمهد الطريق لاستخدام تلك البيانات الحيوية لاستهدافها أو شلها إلكترونياً أو فيزيائياً في أي صراع مسلح قادم.
تاسعاً: الاختراق البرازيلي.. التعاون التاريخي وبناء الوعي المداري المشتركتتميز البرازيل عن بقية دول أمريكا اللاتينية بامتلاكها أقدم وأعمق شراكة تكنولوجية وفضائية مع بكين، وهي الشراكة التي تمتد لثلاثة عقود وتتجسد في مشروع “أقمار الموارد الأرضية الصينية البرازيلية” (CBERS). غير أن التحول التكنولوجي الأخير نقل هذه العلاقة من رصد البيئة والمناخ إلى المساهمة الفعالة في منظومة الوعي بالمجال الفضائي العسكري للحزب الشيوعي الصيني.محطات التتبع والتحكم في “إسباس” و”ألكانتارا”.. غلق النوافذ الجغرافيةتعتمد البرازيل في إدارة شؤونها الفضائية على المعهد الوطني لأبحاث الفضاء (INPE)، والذي يدير منشآت حيوية بالتعاون مع الصين. وتبرز في هذا الصدد محطات التتبع، والقياس عن بُعد، والتحكم (TT&C) في كويابا (Cuiabá) وألكانتارا (Alcântara). هذه المحطات تم تزويدها عبر السنين بأجهزة وهوائيات صينية متطورة بذريعة استقبال بيانات أقمار (CBERS) وإرسال أوامر التشغيل لها.لكن التقرير الاستقصائي لمجلس النواب الأمريكي يكشف النقاب عن ثغرة عملياتية بالغة الحساسية. إن هذه المنشآت البرازيلية مدمجة تقنياً عبر قنوات اتصال مشفرة ومؤمنة مع “المؤسسة العامة الصينية لإطلاق وتتبع الأقمار الصناعية” (CLTC). هذا الدمج يتيح لبكين، في أوقات الأزمات أو الصراعات المسلحة، استخدام الهوائيات البرازيلية كـ “محطات ترحيل بديلة” (Relay Stations) للأقمار الصناعية العسكرية الصينية من عائلة “ياوغان” (Yaogan) المخصصة للاستطلاع والتجسس الراداري والبصري.تمتلك محطة “ألكانتارا” على وجه الخصوص موقعاً استراتيجياً لا يثمن بثمن؛ إذ تقع على مقربة شديدة من خط الاستواء. هذا التموضع الجغرافي يمنح منظومة التحكم الصينية نافذة بصرية وإلكترونية مثالية لمراقبة عمليات الإطلاق الفضائي ومسارات الأقمار الصناعية التي تعبر المدارات الاستوائية، وتحديداً الأقمار العسكرية الأمريكية التي تغطي المحيط الأطلسي وأمريكا الجنوبية. وبذلك، تتحول البنية التحتية البرازيلية، بعلم أو بدون علم الحكومات المحلية، إلى ذراع استخباراتية مساندة تساعد “قوة دعم المعلومات” الصينية (ISF) على تحديث مصفوفة أهدافها المدارية وحساب إحداثيات التحركات العسكرية الغربية بدقة متناهية وفي الوقت الفعلي.عاشراً: التداعيات العسكرية والأمنية.. شل “سلسلة القتل” الأمريكيةإن هذا التمدد الفضائي الصيني الكثيف والممنهج في أمريكا اللاتينية لا يستهدف مجرد منافسة واشنطن دبلوماسياً، بل يرمي بالأساس إلى بناء قدرة حربية متكاملة قادرة على تحييد التفوق العسكري الأمريكي في أي صراع دولي قادم، لا سيما في سيناريو اندلاع حرب حول جزيرة تايوان. ويجمل تقرير اللجنة المختارة التداعيات العسكرية الشاملة لهذه الشبكة الفضائية في ثلاث نقاط استراتيجية بالغة الخطورة:
-
1. إعماء واشنطن وشل أقمارها الصناعية: في حال نشوب نزاع مسلح، يمكن للحزب الشيوعي الصيني استخدام البيانات المدارية الدقيقة لتقنيات الـ (VLBI) والتتبع بالليزر المجمعة من الأرجنتين وبوليفيا لتنفيّذ ضربات دقيقة ومضادة للفضاء. يشمل ذلك توجيه أسلحة الهجوم المباشر (الأقمار الانتحارية أو صواريخ ASAT)، أو تفعيل منظومات التشويش الكهرومغناطيسي المكثف من المحطات الأرضية لشل أقمار التجسس والاتصالات الأمريكية العسكرية (مثل أقمار ميلستار). هذا التعطيل كفيل بإعماء القيادة العسكرية الأمريكية ومنعها من رصد التحركات البحرية والجوية الصينية.
-
2. توجيه الصواريخ الفرط صوتية والباليستية: تتيح المحطات الأرضية اللاتينية المقابلة جغرافياً لشرق آسيا إمكانية الحفاظ على اتصال دائم ومستمر بالرؤوس الحربية الانزلاقية الفرط صوتية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات أثناء تحليقها فوق النصف الغربي من الكرة الأرضية. توفر محطات مثل “نيوكين” و”إل سومبريرو” تصحيحات مسار نهائية بالغة الدقة لهذه الصواريخ، مما يضمن تدمير الأهداف الحيوية داخل الأراضي الأمريكية بنجاح، ويقوض تماماً فعالية منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية (THAID وPatriot).
-
3. الاستخبارات الإلكترونية واعتراض الإشارات (SIGINT): إن افتقار المحطات الصينية في أمريكا اللاتينية لآليات التفتيش والمراقبة المستقلة من الدول المضيفة يحولها إلى بؤر تجسس مثالية. يمكن للأطباق اللاقطة الضخمة التقاط الإشارات اللاسلكية والبيانات الحساسة المارة فوق القارة، وفك شفرات الاتصالات العسكرية والتجارية الغربية، ورصد أنماط الحركة الجوية والبحرية لقوات القيادة الجنوبية الأمريكية (SOUTHCOM).
خاتمة واستشراف: مواجهة “الشَّرَك المداري” واستعادة التوازن
يكشف مجلد “الصين في فنائنا الخلفي” الصادر عن الكونغرس الأمريكي، أن بكين نجحت بالفعل في تحويل قطاع الفضاء في أمريكا اللاتينية إلى “شرك مداري” وجبهة استخباراتية وعسكرية متقدمة، مستغلةً حاجة الحكومات اللاتينية للتنمية والتكنولوجيا، وحالة الانكفاء أو التراخي التي ميزت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة لسنوات طويلة.
إن منشآت مثل محطة “إسباسيو ليخانو” في الأرجنتين ومحطات “إل سومبريرو” في فنزويلا لم تعد مجرد مشاريع علمية، بل هي بنية تحتية حربية مزدوجة الاستخدام جرى دمجها بالكامل في عقيدة “الحرب المعلوماتية” لجيش التحرير الشعبي. ورغم أن بعض الدول مثل تشيلي والأرجنتين قد بدأت مؤخراً في عام 2025 — تحت ضغوط سياسية واقتصادية أمريكية حاسمة — في إدراك حجم التهديد واتخاذ خطوات لتجميد أو إلغاء بعض هذه المشروعات المشبوهة، فإن الشبكة لا تزال قائمة وفعالة ومترابطة.
إن مواجهة هذا الصعود الصامت تطلب من واشنطن وحلفائها الغربيين تجاوز منطق التحذيرات الدبلوماسية التقليدية، والانتقال نحو تقديم بدائل تكنولوجية وتمويلية حقيقية وشفافة للدول اللاتينية عبر تعزيز دور وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) والشركات التجارية الغربية. إن معركة السيطرة على الفضاء لم تعد تدور في المدارات العليا فوق رؤوسنا فحسب، بل إن حسمها يتوقف بالأساس على من يمتلك ويتحكم في الهوائيات ومراكز البيانات المزروعة على سطح الأرض في الفناء الخلفي لأمريكا. وإذا لم تستعد واشنطن المبادرة الجيوسياسية والتكنولوجية سريعاً، فإن بكين ستظل قادرة على إدارة خيوط “سلسلة القتل المداري” من قلب سهول وجبال أمريكا اللاتينية، محولةً القارة إلى مدار خاص بالحزب الشيوعي الصيني.




