أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

لماذا فشلت النخب السودانية

قراءة في التشريح السياسي

يقف كتاب “النخبة السودانية وإدمان الفشل” للدكتور الراحل منصور خالد، ليس كوثيقة تاريخية تسرد وقائع ماضية فحسب، بل كمشرط جراح يغوص في تعقيدات العقل السياسي السوداني، محاولاً تشريح الجذور العميقة للأزمات التي عصفت وتستمر في العصف بالدولة السودانية الحديثة. إن الدخول إلى عالم هذا الكتاب يتطلب استحضاراً كاملاً لتعقيدات الاقتصاد السياسي السوداني، وديناميكيات الصراع الداخلي، وتراكمات الديون الوطنية والسياسية التي أثقلت كاهل البلاد، وهي ذات القضايا التي يتناولها الكاتب من منظور نقدي صارم يفكك بنية “النخبة” التي تصدرت المشهد منذ فجر الاستقلال. يبدأ منصور خالد هذا السفر الضخم باعتراف مرير يلامس شغاف القلب، حيث يصف الإحساس المقنط الذي انتابه وهو يشرع في كتابة هذه المقالات، مشبهاً إياه بإحساس من يعيش “محنة سيسيف”؛ ذلك البطل الأسطوري المحكوم عليه بدحرجة صخرة إلى قمة الجبل لتعود وتتدحرج إلى الأسفل في دورة من العبث واللاجدوى. هذا التشبيه العبقري لا يختزل فقط الإحباط الشخصي للكاتب، بل يجسد بدقة متناهية مسار الدولة السودانية، حيث تعقب كل محاولة للنهوض والبناء، انتكاسات مدمرة تعيد البلاد إلى المربع الأول، وكأن الفشل قد تحول إلى إدمان بنيوي متأصل في جسد النخبة الحاكمة والمعارضة على حد سواء.

لقد اختار الكاتب أن يبتعد بنفسه عن صخب المعترك اليومي والعمل العام داخل النظام، ليرتحل إلى واشنطن موطناً نفسه على الانصراف إلى التسجيل الوثائقي والبحث الموضوعي المتأني حول أزمة السودان المعاصرة. وفي هذا السياق، يؤكد منصور خالد على ضرورة تجاوز الأحكام الانطباعية القاصرة التي طالما أوردت السودانيين في مسارب التيه، داعياً إلى الاستناد على البحث العلمي الجاد، والموضوعية في التحليل، والاستشهاد الموثق في التدليل؛ لأن غياب هذه المنهجية هو ما قاد إلى التخبط العشوائي في إدارة الشأن العام. ومن خلال استقرائه الدقيق، يطرح الكاتب أطروحته المركزية بأن أزمة السودان، في جوهرها الأصيل، ليست مجرد أزمة حكم أو صراع على السلطة، بل هي “أزمة رؤية” تتحمل النخبة السودانية المسؤولية الكاملة عنها. ويقصد بالنخبة هنا تلك الأقلية الاستراتيجية من المتعلمين أو “الأفندية” التي افترضت لنفسها حق صنع القرار، وتحديد مصير البلاد بحكم سيطرتها على مفاصل الحكم والمال والتعليم، والتي ورثت مؤسسات الدولة من المستعمر دون أن تمتلك مشروعاً وطنياً متكاملاً قادراً على إدارة التنوع وتأسيس اقتصاد سياسي مستدام يلبي طموحات الجماهير.

إن التشخيص الأعمق الذي يقدمه منصور خالد لهذه النخبة يتلخص في مفهوم “تصدع الذات”، وهو ذلك التناقض الصارخ والفجوة العميقة بين الفكر والممارسة، وبين ما يقوله السياسي وما يفعله على أرض الواقع. هذا التصدع النفسي والفكري يدفع النخبة إلى التلبس بأردية أيديولوجية فضفاضة، سواء كانت قومية، أو يسارية ماركسية، أو إسلامية، لتجعل منها دروعاً تتستر خلفها هرباً من المساءلة السياسية المباشرة عن الإنجازات الحقيقية التي تمس حياة المواطن اليومية. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي نظرية أو حزب، كما يرى الكاتب، يجب أن يقاس بمؤشرات مادية ملموسة، كعدد الكيلومترات من الطرق المعبدة، وفرص العمالة الحقيقية التي تم خلقها، ومعدلات انخفاض الأمية، وحجم التوسع في الخدمات الصحية، وتطوير الأراضي الزراعية المروية لحل معضلات الأمن الغذائي، وليس عبر رفع الشعارات البراقة والهتافات الحماسية التي تفتقر إلى أي محتوى تنفيذي. وبدلاً من مواجهة تحديات التنمية ووقف الانهيار الاقتصادي والتصحر، تنشغل النخبة بالمزايدات العقائدية والمعارك اللفظية، مما يعكس حالة من الانفصام الحاد بين الطموحات المعلقة في الهواء، والعجز التام عن إدارة الواقع المعقد على الأرض.

يغوص الكتاب أبعد من ذلك، ليكشف كيف أن هذه النخبة، التي تدعي الحداثة والتنوير، لا تزال أسيرة في تفكيرها لـ “الثقافة الشفاهية” (طقا الحنك)، وتخضع لمنطق المجتمع البطريركي الرعوي الوصائي، حيث تتناقض قيمها الداخلية مع العقلانية والفردانية التي يتطلبها بناء الدولة المعاصرة. هذا الارتهان للثقافة التقليدية يجعل من خطاب النخبة مجرد “فرغرة بالشعارات” وهيجان يفتقر إلى المنهج، مما يؤدي إلى تزييف الوعي العام واستهلاك الطاقات الوطنية في صراعات عبثية لا طائل منها. ويضرب الكاتب أمثلة قاطعة بانتفاضة أكتوبر 1964، التي رغم أهميتها كنقطة فاصلة، إلا أنها جسدت أبلغ صور الفشل النخبوي في ترجمة الزخم الشعبي إلى برامج سياسية وإدارية عملية، حيث تحولت الشعارات الراديكالية إلى مجرد غطاء للتهافت على السلطة، وتجلت الانتهازية السياسية في أبشع صورها عندما تحولت لغة الخطاب التقدمي إلى تناقضات أجهضت الرؤية الاستراتيجية للتغيير، وأورثت البلاد دوامة من عدم الاستقرار مهدت الطريق لانقلابات عسكرية متتالية، أعادت تدوير الأزمات بأشكال أكثر حدة، وصولاً إلى تعقيدات المشهد العسكري والسياسي الذي أفرز تشوهات هيكلية في بنية الدولة السودانية.

ينتقل الدكتور منصور خالد في تشريحه العميق لتاريخ الخيبة السياسية السودانية نحو مرحلة مفصلية أطرت لشكل الدولة الحديثة، وهي حقبة انتفاضة أكتوبر في العام 1964 وما تلاها من تداعيات قادت إلى نظام مايو في عام 1969. إن القراءة المتأنية لمسار هذه الأحداث تكشف بجلاء عن اختلال الرؤية الاستراتيجية عند دعاة التغيير الجذري، الذين تلهوا بالنضال الظرفي والشعارات بدلاً من تحقيق الانتصار التاريخي الهادف إلى التغيير الهيكلي. فالأزمة الحقيقية لم تكن يوماً في غياب الحماس الجماهيري أو فقر الشارع للثورة، بل تمثلت في افتقاد القيادات النخبوية للرؤية المشتركة المتوحدة لقضايا السودان المحورية، حيث انتهى أمر قيادة الثورات دوماً إلى ما يسميهم الكاتب بـ “سياسيو الصدفة”؛ وهم رجال يجمع عليهم الناس لا لشيء إلا لأنهم يمثلون قاسماً مشتركاً أدنى لا يثير حفيظة أحد، وفي ذات الوقت لا يملكون القدرة الحقيقية على العطاء أو القيادة. هذا الفراغ القيادي والفكري أدى إلى اختلال لغة الخطاب السياسي التقدمي لتصبح مليئة بالتناقضات التي لا تفضي إلى يقين، وتحول الفعل الثوري الجاد إلى مجرد “فرغرة بالشعارات” وهيجان عاطفي غابت عنه الخطة المنهجية للتطوير، لتحل محله حماسات تحكمها بيداغوجية سياسية متناسقة في ظاهرها وخاوية في جوهرها، تعجز عن التمييز بين الفورة العابرة والتغيير الاجتماعي والسياسي المستدام.

وفي معرض تحليله لمأزق الحكم عبر المدارس السياسية الثلاث التي تعاقبت على المشهد السوداني، يضع الكاتب يده على الجرح الغائر المتمثل في قضيتين محوريتين لم يتم التعامل معهما بالجدية اللازمة: قضية الوحدة الوطنية، وقضية التنمية أو الخروج من إسار التخلف. لقد فشلت النخبة السودانية فشلاً ذريعاً في إيجاد صيغة متوازنة لإدارة التنوع، حيث عجزت الأنظمة المتعاقبة، بمدنييها وعسكرييها، عن حسم قضية الانصهار الوطني حتى يصبح رباط المواطنة هو العروة الوثقى التي تجمع بين أبناء الوطن الواحد. وبدلاً من ذلك، تم اختزال مفهوم الوحدة في مشاريع إيديولوجية ضيقة، سواء عبر فرض الاستعراب القسري أو أسلمة الدولة بقوة السلطة، متجاهلين بذلك التعددية العرقية والثقافية الأصيلة التي يتميز بها السودان، ومحاولين طمس الهويات المحلية لصالح هويات مفروضة لا تعكس الواقع الديموغرافي المعقد. هذا الفشل الاستراتيجي قاد بالضرورة إلى إشعال وتأجيج الحروب الأهلية المدمرة في الجنوب والأطراف، وتعميق التصدعات الاجتماعية، حيث أصبحت مؤسسات الدولة أداة قمع بيد فئة محددة تسعى لتنميط المجتمع وفق قوالبها الأحادية، مما عمّق من الإحساس التاريخي بالتهميش، وحول البلاد إلى برميل بارود دائم الانفجار في غياب تام لأي رؤية استباقية لمعالجة جذور الصراع وتوزيع الثروة والسلطة بعدالة.

ولا يتوقف نقد منصور خالد المنهجي عند حدود الفشل السياسي المرتبط بالهوية، بل يمتد ليشمل الفشل التنموي والاقتصادي المريع، حيث يعري كيف أن القوى السياسية السودانية تعاطت مع الاقتصاد كملحق ثانوي للمماحكات الأيديولوجية وليس كعصب لبناء الدولة. لقد استغرقت النخبة في جدل بيزنطي نظري حول النماذج الاقتصادية المستوردة، دون أن تكلف نفسها عناء استنباط سياسات تلائم الواقع الزراعي والرعوي الفريد للسودان. فالحديث عن التنمية في أجندة هذه النخبة لم يتجاوز سقف الشعارات المرفوعة في التظاهرات، حيث غابت الخطط العملية الواقعية لتوفير ضروريات الحياة الأساسية للمواطنين، ولإيقاف الانهيار البيئي المخيف، والتصدي لظاهرة التصحر التي التهمت مساحات شاسعة من الأراضي المنتجة، فضلاً عن الحد من التدهور الخدمي المريع في المدن التي شاخت في صباها. وبدلاً من توجيه الموارد الشحيحة نحو الإنتاج وتطوير البنية التحتية والميكنة الزراعية، تم استنزافها في تمويل آلة الحرب الأهلية، والصرف البذخي على الأجهزة البيروقراطية المتضخمة التي تفتقر للكفاءة، لتصبح النتيجة الحتمية هي انهيار الاقتصاد الريفي، وترييف المدن، وانتشار المجاعات المأساوية التي فضحت عجز العقل النخبوي عن تقديم إجابات حقيقية لمعاناة المواطن البسيط، الذي وجد نفسه يدفع فواتير باهظة لمغامرات سياسيين لا يملكون من فنون الإدارة سوى القدرة على الخطابة وصياغة البيانات الرنانة.

إن الكارثة الكبرى التي يفصلها الكتاب في هذا السياق، والتي أسهمت في تكريس التخلف، تتمثل في ظاهرة “تديين السياسة” وتسييس الدين، وهي الظاهرة التي استخدمت كأداة للقهر الفكري وإرهاب الخصوم السياسيين. لقد عمدت بعض التيارات، وخاصة قوى اليمين الجديد الموصوفة بالهوس الديني، إلى تحويل النصوص المقدسة إلى متاريس سياسية لمصادرة حرية التفكير، وتبرير الفشل الإداري والاقتصادي المريع عبر إحالة كل الإخفاقات الدنيوية الناتجة عن سوء الإدارة إلى ابتلاءات ربانية تتطلب من الشعب الصبر والامتثال. هذا الخلط المتعمد والانتهازي بين اللاهوت والناسوت قاد إلى تغييب العقل النقدي تماماً، وساهم في نشر ثقافة الخنوع، حيث أصبح الحوار السياسي العقلاني المبني على الأرقام والخطط ضرباً من ضروب المستحيل أمام سيل الفتاوى والاتهامات الجاهزة بالتكفير أو التخوين للمخالفين في الرأي. وبدلاً من تقديم برامج انتخابية وخطط اقتصادية قابلة للقياس والمحاسبة المجتمعية، رُفعت شعارات هلامية تعفي الحاكم من أي مسؤولية دنيوية وتضفي عليه هالة من القداسة، ليتحول الخطاب العام إلى حالة من الدروشة السياسية التي تلغي دور الإنسان في صنع حاضره، مما يرسخ من حقيقة أن النخبة الحاكمة لم تدمن الفشل فحسب، بل صنعت آلياته الإيديولوجية وشرعنت استمراريته بشتى السبل.

وفي الضفة الأخرى من النهر السياسي، لا يسلم “اليسار الماركسي” من مبضع التشريح النقدي القاسي لمنصور خالد، حيث يفند كيف وقعت هذه القوى التقدمية في فخ النقل الحرفي والجمود العقائدي، مستنسخة تجارب أمم أخرى ذات سياقات صناعية وتاريخية مختلفة، دون أدنى مراعاة لخصوصية التكوين الاجتماعي والاقتصادي للسودان. لقد تعاملت بعض النخب اليسارية مع الماركسية كنصوص مقدسة مغلقة لا تقبل التكييف أو الاجتهاد، مما جعلها تغرد خارج السرب وتنعزل عن هموم الجماهير الحقيقية التي ادعت طويلاً تمثيلها في أدبياتها. وبدلاً من الغوص في تحليل علاقات الإنتاج المعقدة في مجتمع رعوي وزراعي تحكمه روابط قبلية وطائفية راسخة، اكتفى منظرو اليسار بترديد مقولات جاهزة حول صراع الطبقات وحتمية التطور التاريخي، وهي مقولات بدت غريبة، بل ومستعلية، على الوعي الجمعي البسيط. هذا الانفصام عن الواقع قاد قوى اليسار إلى تبني مواقف سياسية تتسم بالحدة والمغامرة غير المحسوبة، مما وفر الذرائع الذهبية للقوى التقليدية والمحافظة للانقضاض عليها وتصفيتها، كما حدث بدموية في العديد من المنعطفات التاريخية الحاسمة التي تلت انتفاضة أكتوبر، لتخسر البلاد بذلك طاقات فكرية وتنظيمية شابة كان يمكن أن تساهم في بلورة مشروع وطني للتحديث، لو أنها تحررت من دوغما الأيديولوجيا وانفتحت على الواقع الحي بمرونة وبراغماتية سياسية تستوعب تعقيدات المجتمع.

أما القوى التقليدية والطائفية، التي شكلت وما زالت تشكل حجر الزاوية في المشهد السياسي السوداني بحكم نفوذها الروحي والجماهيري الموروث، فقد كان نصيبها من النقد هو الأعمق، إذ يعتبرها الكاتب العائق الأكبر أمام أي محاولة جادة لإعادة هيكلة المجتمع وتحديث مؤسسات الدولة. هذه القوى التي استثمرت لعقود في الولاءات العشائرية والطائفية للحفاظ على مكاسبها التاريخية، نظرت إلى الدولة ومؤسساتها كغنائم انتخابية وحصص تتقاسمها وفقاً لأوزانها التقليدية، دون أن تمتلك يوماً أي برنامج تنموي حقيقي يلبي احتياجات الريف الذي يشكل خزانها البشري الدائم ومصدر شرعيتها في صناديق الاقتراع. لقد كانت المصلحة العليا لهذه القيادات تكمن حصراً في الإبقاء على الوضع القائم كما هو، ومحاربة أي توجه وطني نحو التصنيع، أو التعليم النوعي الحديث، أو الإصلاح الزراعي الجذري؛ لأن من شأن ذلك أن يحرر المواطن من قيود التبعية العمياء، ويخلق طبقة وسطى عقلانية قادرة على المساءلة والمحاسبة ورفض الوصاية الأبوية. وهكذا، وقفت القوى التقليدية بالمرصاد لكل دعوات التغيير الجذرية التي أفرزتها ثورة أكتوبر، وتواطأت بقوة من أجل إجهاض مقرراتها التي دعت إلى تصفية الإدارة الأهلية البالية وتحديث هياكل الحكم، لتؤكد بذلك أنها لا تجيد سوى فن البقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو انزلاق السودان بأسره في قاع التخلف والركود الاقتصادي والتمزق الاجتماعي.

ولعل المحصلة النهائية والمدمرة لهذا العبث السياسي الذي أدارته هذه المدارس الثلاث بكل تناقضاتها وصراعاتها الصفرية، هي إفراغ العملية الديمقراطية من محتواها الاجتماعي والاقتصادي، وتحويلها إلى مجرد “لعبة” انتخابية شكلية لا تغير من واقع البؤس والتخلف شيئاً. فالناخب السوداني كان يُساق إلى صناديق الاقتراع بناءً على انتماءات قبلية وطائفية ومناطقية ضيقة، ليمنح تفويضاً شبيهاً بالتفويض الإلهي لقيادات لا تلتزم بأي برنامج وطني واضح، وتعتبر مجرد مساءلتها سياسياً نوعاً من التطاول على المقامات المقدسة. هذا التشوه الهيكلي العميق في بنية الديمقراطية السودانية هو الذي جعل من الانقلابات العسكرية خياراً متوقعاً، بل ومرحباً به في أحيان كثيرة لدى قطاعات واسعة من الشعب التي كفرت بالأحزاب وبوعودها الزائفة، مما فتح الباب واسعاً أمام المغامرات العسكرية، بدءاً من انقلاب الفريق إبراهيم عبود، مروراً بنظام جعفر نميري في مايو، وانتهاءً بالكوارث الممتدة التي تلت ذلك، في متتالية تاريخية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النخبة السودانية لم تكن ضحية لظروف خارجية طارئة، بل كانت هي المهندس الأول لخرابها الذاتي، والمغتال الحقيقي لأحلام التنمية والاستقرار على مذبح الأنانية السياسية وضيق الأفق الفكري.

يستكمل الدكتور منصور خالد  تحليله الاستقصائي بالغوص في تعقيدات “الدولة الوطنية” التي ورثتها النخبة، موضحاً كيف تحول الجهاز الإداري والمؤسسي للدولة من أداة لتقديم الخدمات وبناء التنمية، إلى ما يشبه “الضريبة الباهظة” التي يدفعها المواطن لمجرد البقاء، في ظل ترهل وظيفي أفرزته المحاصصات السياسية. إن مفهوم “الدولة” في العقل النخبوي السوداني، وفقاً لرؤية الكاتب، قد أُسيء فهمه بشكل جذري؛ فبدلاً من أن تكون الدولة تعبيراً عن العقد الاجتماعي الذي يضمن الحقوق والواجبات، أصبحت هي الغنيمة الكبرى والمصدر الوحيد للثروة والنفوذ. وهذا التصور النفعي الضيق هو الذي غذى نزعة الاستعلاء لدى الموظف العام، الذي لا يرى في منصبه تكليفاً بخدمة الجمهور، بل سلطةً للتسلط والابتزاز، مما خلق فجوة عميقة من الجفاء والعداء الخفي بين “المركز” بمؤسساته المتضخمة وبين “الهامش” الذي يعاني من غياب أبسط مقومات العيش الكريم. يصف الكاتب هذه الحالة ببراعة، مستخدماً أدوات التحليل السياسي والاجتماعي، ليوضح كيف تكرس التبعية للإدارة الاستعمارية القديمة، التي أسست لنظام حكم يقوم على الفصل والتمييز، دون أن تنجح النخبة الوطنية في تفكيك هذه البنى الموروثة، بل على العكس من ذلك، عمدت إلى إعادة إنتاجها وتطويرها لحماية مصالحها الفئوية، مما جعل من جهاز الدولة المعاصر في السودان هيكلاً غريباً عن طبيعة المجتمع السوداني التعددي، وعاجزاً عن استيعاب طموحاته التنموية.

وفي معرض تناوله للمسألة الثقافية، يفتح منصور خالد نافذة واسعة على “أزمة الهوية” التي مزقت النسيج الوطني، مؤكداً أن النخبة لم تكن مجرد عاجزة عن صياغة مشروع ثقافي متصالح مع الذات، بل كانت مسؤولة عن “تزييف وعي” شامل عبر ترويج سرديات أحادية الجانب تستبعد مكونات أساسية من الهوية السودانية. يوضح الكاتب كيف تماهت النخبة مع المركزية الثقافية التي تربط “السودانية” بالانتماء العربي-الإسلامي الضيق، مهمشة بذلك التنوع العرقي والثقافي في مناطق السودان المختلفة، مما خلق شعوراً بالدونية عند أطراف البلاد، واستدعى بالتالي حركات مقاومة راديكالية طالبت بالاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية المنهوبة. هذه الصراعات الهوياتية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتاجاً مباشراً لسياسات تعليمية وإعلامية وثقافية موجهة، تهدف إلى صهر التنوع في بوتقة واحدة قسرية، مما ولد مقاومة عكسية أدت إلى نشوب الحروب التي مزقت البلاد. ويرى منصور خالد أن غياب الرؤية المتكاملة للتعامل مع هذا التعدد هو الذي جعل من السودان ساحة دائمة للصراعات العرقية، حيث أصبحت الهوية أداة للاحتشاد السياسي، وبندقية في أيدي أمراء الحرب، بدلاً من أن تكون جسراً للتعايش السلمي الذي يبني دولة المواطنة التي لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين أو العرق أو اللون.

وعلى صعيد الاقتصاد، ينتقل الكاتب إلى نقد سياسات “التنمية المشوهة” التي اعتمدتها النخبة منذ الاستقلال، والتي ركزت على إقامة مشاريع كبرى ذات طابع مركزي تخدم دوائر النفوذ في الخرطوم، وتتجاهل احتياجات الأقاليم والإنتاج الريفي البسيط الذي يمثل عصب الاقتصاد السوداني. يشرح الكاتب كيف أن التخطيط الاقتصادي قد غلبت عليه النزعة “الاستعراضية”، حيث الإنفاق البذخي على المنشآت الضخمة التي لا تخدم الاقتصاد الحقيقي، بينما تُركت الزراعة المطرية والتقليدية -التي يعتمد عليها غالبية السكان- تعاني من شح الموارد، وتدهور الخدمات، وهجمات التصحر. هذا الانحياز الطبقي والمكاني في السياسات الاقتصادية هو الذي أدى إلى هجرة واسعة من الريف إلى المدن، وتضخم الأحياء العشوائية التي أصبحت بؤراً للفقر والتطرف الاجتماعي، مما خلق واقعاً اقتصادياً واجتماعياً متفجراً لا يمكن معالجته بمجرد الوعود البراقة. إن منصور خالد هنا يضع يده على أصل الداء: غياب الديمقراطية التشاركية في وضع السياسات الاقتصادية، حيث يُقرر مصير موارد الدولة من قبل مجموعة ضيقة لا تملك رؤية تنموية شاملة، بل تهدف إلى مراكمة الثروة والنفوذ، وهو ما أدى إلى تفشي الفساد المؤسسي، وضياع الموارد الوطنية، مما جعل الاقتصاد السوداني رهينة للديون الخارجية والتقلبات السياسية الدولية.

ولا يكتمل التشريح بدون التطرق إلى الدور الإقليمي والدولي الذي لعبته النخبة في إطار صراعاتها الداخلية، حيث يحلل الكاتب كيف تحول القرار الوطني إلى رهينة للتحالفات الخارجية، وكيف أن النخبة، في سعيها المحموم للوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها، لم تتورع عن استغلال النزاعات الإقليمية، واستدعاء القوى الخارجية للتدخل في الشؤون السودانية. يظهر منصور خالد بوضوح كيف أن هذا “الانكفاء الخارجي” كان وسيلة من وسائل إضعاف الجبهة الداخلية، حيث أصبحت الدولة تتصرف وفقاً لأجندات القوى الدولية أو الإقليمية، متجاهلة بذلك المصالح الاستراتيجية العليا للوطن. هذه السياسة التي تعتمد على “التدويل” للأزمات المحلية كانت، بحسب رؤية الكاتب، هي المسمار الأخير في نعش السيادة الوطنية، حيث فقدت الدولة قدرتها على اتخاذ قراراتها المستقلة، وأصبحت ساحة لتصفية الحسابات الدولية، مما عقد الحلول السياسية للأزمات الوطنية وأطال أمد الحروب والنزاعات، وجعل الحلول السياسية السلمية بعيدة المنال، في ظل غياب أي رؤية استراتيجية وطنية قادرة على حماية الوطن من التدخلات الخارجية التي تستغل الانقسام النخبوي لخدمة مصالحها الخاصة على حساب تفتيت وحدة البلاد.

 يشدد الكاتب على حقيقة أن الخروج من هذا النفق المظلم لا يتطلب مجرد تغيير في الأشخاص أو الأنظمة، بل يتطلب “ثورة معرفية” شاملة تعيد بناء العقل النخبوي، وتفصحه عن أوهام العظمة والتسلط. يرى منصور خالد أن الطريق نحو المستقبل يبدأ بامتلاك الشجاعة لمواجهة الذات بصدق، والاعتراف بأن كل الإخفاقات التي شهدها السودان هي نتاج مباشر لغياب الوعي النقدي وضحالة المشاريع الوطنية. إن “إدمان الفشل” ليس قدراً محتوماً، بل هو حالة ذهنية وسياسية يمكن التحرر منها عبر تبني قيم الحداثة، والتعددية، والديمقراطية الحقيقية التي تقوم على المساءلة، والشفافية، والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان. إن دعوة الكاتب هي دعوة لاستعادة روح “السودان الجديد” الذي يتسع للجميع، دولة تقوم على أساس المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة، وهي الرؤية التي كرس منصور خالد حياته وفكره للدفاع عنها، ليس كفكرة طوباوية، بل كمشروع سياسي عملي يمكن تحقيقه إذا ما توفرت الإرادة الصادقة والوعي اللازم بتحديات المرحلة التاريخية التي يمر بها السودان. هذا التحليل الرصين يضع القارئ أمام مسؤولياته التاريخية، مؤكداً أن التاريخ لا يرحم النخب التي لا تتعلم من دروس الماضي، وتكرر نفس أخطائها في كل منعطف، محولةً الوطن إلى مختبر دائم للتجارب الفاشلة والمآسي المتكررة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى