أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ما وراء الصراع: قراءة في تقرير “مستقبل التنمية في السودان 2026”

يقف السودان اليوم على مفترق طرق تاريخي وحاسم، محاصراً بين إمكانات هائلة غير مستغلة، ودوامة صراع وحشية تعصف بمؤسساته وتستنزف مقدراته. في هذا السياق المعقد، يبرز التقرير الصادر بعنوان “ما وراء الصراع: رسم مسار للنمو المستدام والتنمية في السودان” كوثيقة بالغة الأهمية لتشخيص هذا الواقع. التقرير، الذي أُعد بطلب من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبدعم من برنامج العقود الآجلة والابتكار الأفريقي (AFI-ISS)، يقدم تشريحاً دقيقاً لواقع البلاد ومستقبلها المحتمل مدعوماً بالبيانات واستشراف السيناريوهات.

مفارقة الجغرافيا والموارد: غنى الطبيعة وفقر الإنسان

يعيش السودان، الذي نال استقلاله عام 1956، مفارقة تنموية صارخة ومؤلمة. فهو ثالث أكبر دولة في إفريقيا بمساحة تقارب 1.86 مليون كيلومتر مربع ، ويتمتع بموقع استراتيجي يربط بين شمال وشرق ووسط إفريقيا، ومنافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر تجعله بوابة لوجستية مهمة. علاوة على ذلك، يمتلك السودان ثروات معدنية ضخمة تشمل الذهب واليورانيوم والكروم والجبس والحديد ، بالإضافة إلى مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة وثروة حيوانية هائلة تجعله فاعلاً إقليمياً محتملاً في سلاسل الغذاء.

ورغم هذا الثراء الفاحش في الموارد، فإن المحصلة التنموية بعد نحو سبعة عقود من الاستقلال تبدو مخيبة للآمال، إذ لم تُترجم هذه الموارد إلى نمو واسع النطاق أو خلق لفرص العمل أو تحسين للرفاهية. فقد أعاقت النزاعات المتكررة، وضعف المؤسسات، وتخبط السياسات مسار بناء دولة فاعلة. ووفقاً لتقرير التنمية البشرية 2023-2024، يقبع السودان في المرتبة 170 من أصل 193 دولة، مما يعكس قيوداً متعددة الأبعاد تشمل التفاوت الاقتصادي، وانهيار التعليم، وتدهور النظام الصحي.

زلزال أبريل 2023: أرقام الكارثة وتكلفتها الباهظة

في أبريل 2023، انزلق السودان إلى حرب أهلية طاحنة بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF). لم تكن هذه الحرب مجرد أزمة أمنية عابرة، بل كارثة إنسانية وتنموية شلت مؤسسات الدولة وجعلتها على شفا الانهيار التام.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في وصف التراجيديا، أسفر هذا الصراع عن مقتل أكثر من 150 ألف شخص، وتشريد ما يقرب من 15 مليون إنسان. وبحلول منتصف عام 2025، أُجبر نحو 12 مليون شخص على إخلاء منازلهم، منهم 7.7 مليون نازح داخلياً، و4.1 مليون لجأوا إلى دول الجوار للبحث عن ملاذ آمن. هذه الأرقام المخيفة تجعل السودان يشهد أسرع أزمة نزوح نمواً في العالم بأسره.

على الصعيد المعيشي، تتهدد المجاعة قطاعات واسعة، إذ يواجه 24 مليون شخص انعداماً في الأمن الغذائي. وفي التفاصيل الأكثر قسوة، يواجه نحو 19 مليون شخص (ما يقرب من 40% من السكان) انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. كما يفتقر 19 مليون إنسان إلى المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي الأساسية.

اقتصادياً، النزيف حاد ومؤلم ويهدد بنسف البنية الاقتصادية بأكملها. في عام 2023 وحده، خسر السودان ما يقدر بنحو 6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي. هذا التراجع الاقتصادي الحاد دفع بحوالي 7 ملايين شخص إضافي إلى براثن الفقر المدقع في غضون عام واحد فقط. وبالمقارنة مع سيناريو افتراضي لغياب الصراع، فإن المواطن السوداني قد خسر نحو 500 دولار من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (وفقاً لتعادل القوة الشرائية) في عام 2023 كنتيجة مباشرة لهذه الحرب.

المسار الحالي (الأساس): ركود ممتد ومستقبل غائم

يرسم التقرير سيناريو يُعرف بـ “المسار الحالي” (Current Path)، وهو خط أساس تحليلي يفترض استمرار السياسات الحالية والاتجاهات التنموية الراهنة دون تدخلات هيكلية جذرية، مع افتراض الوصول إلى اتفاق سلام وانتهاء الصراع بحلول عام 2026. في ظل هذا المسار، تبدو الصورة المستقبلية قاتمة وتُنذر بركود طويل الأمد.

من المتوقع أن ينمو الاقتصاد السوداني بمتوسط هزيل يبلغ 1.2% فقط بين عامي 2024 و2043، وهو معدل أقل بكثير من المتوسط البالغ 6.2% المتوقع للدول الإفريقية منخفضة الدخل. وفي ظل هذا النمو المتباطئ، سيبقى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من مستويات أوائل التسعينيات حتى عمق أربعينيات القرن الحالي.

أما على صعيد الفقر، فمن المتوقع أن تتفاقم مستويات الفقر المدقع لتطال ما يقرب من 60% من السكان بحلول عام 2030، وهو ما يترجم إلى حوالي 36 مليون إنسان يعيشون في فقر مدقع. وحتى مع نظرة أبعد نحو عام 2043، سيستمر الفقر المدقع في التأثير على نحو 38.8% من السكان (حوالي 31.7 مليون شخص). هذا المسار المتعثر يعني ببساطة أن السودان لن يكون قادراً على تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، أو أجندة إفريقيا 2063.

السيناريو الأسوأ: تكلفة تقاعس البنادق حتى 2030

يذهب معدو التقرير إلى ما هو أبعد من مجرد رصد المسار المعتاد، ليحذروا من “تكلفة التقاعس” واستمرار لغة السلاح. في حال استمر الصراع المسلح الممتد حتى عام 2030 (سيناريو الصراع الممتد)، فإن العواقب ستكون كارثية وتتجاوز قدرة الدولة والمجتمع على الاستيعاب.

تحت وطأة هذا السيناريو الكابوسي، سينخفض الناتج المحلي الإجمالي للسودان إلى 23.1 مليار دولار فقط في عام 2043، مسجلاً خسارة هائلة تقدر بـ 34.5 مليار دولار مقارنة بسيناريو افتراضي لم تندلع فيه الحرب أبداً. هذا الانكماش الاقتصادي العنيف سيؤدي إلى تآكل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 1725 دولاراً أمريكياً بحلول عام 2043.

التكلفة البشرية لهذا السيناريو تمثل الكارثة الحقيقية؛ إذ يُتوقع أن يعيش حوالي 52.4 مليون سوداني (ما يعادل 63.3% من إجمالي السكان) تحت خط الفقر المدقع (2.15 دولار يومياً) بحلول عام 2043. هذا يعني أن 34 مليون شخص إضافي سيدفعون ضريبة استمرار الحرب بوقوعهم في فخ الحرمان المطلق، مقارنة بما كان سيكون عليه الحال لو استمر السلام.

ديموغرافيا الأزمات: قنبلة موقوتة أم محرك للنمو؟

لا يمكن دراسة المأساة الاقتصادية السودانية بمعزل عن الواقع الديموغرافي المتسارع والمتحول. يُعد السودان اليوم ثامن أكبر دولة من حيث عدد السكان في القارة الإفريقية، بتعداد يقدر بـ 52 مليون نسمة، وهو رقم يمثل أكثر من ضعف عدد السكان في عام 1990.

يتسم المجتمع السوداني بكونه فتياً للغاية؛ ففي عام 2023، كان 57.2% من السكان دون سن الخامسة عشرة. ورغم أن معدل الخصوبة انخفض من 6.1 طفل لكل امرأة في عام 1990 إلى 4.3 في عام 2023، إلا أنه يظل ضمن أعلى المعدلات ويشكل ضغطاً مضاعفاً على الخدمات الحكومية الأساسية كالتعليم والصحة.

يمتلك السودان خامس أكبر “تضخم شبابي” في شرق إفريقيا، حيث بلغ معدل هذا التضخم (نسبة الشباب بين 15 و29 عاماً إلى إجمالي البالغين) نحو 48.3% في عام 2023. هذا الواقع الديموغرافي يشكل سيفاً ذا حدين بامتياز؛ فإما أن يُستثمر كـ “عائد ديموغرافي” من خلال التعليم والتدريب وتوفير فرص العمل ليقود عملية التغيير السياسي والنهوض الاقتصادي، وإما أن يتحول إلى وقود للعنف والتوتر الاجتماعي والجريمة إذا استمر التهميش وتفشت البطالة، التي قُدرت بين الشباب بنحو 12% في عام 2023.

يؤكد التقرير بشكل جازم أن نسبة الإعالة المرتفعة تضغط بشدة على قدرة الحكومة على توليد إيرادات للتنمية، وتقلل من المدخرات العائلية والمحلية، مما يحد من رأس المال المتاح للاستثمار ويُعيق النمو الاقتصادي بشكل هيكلي. وفي المسار الحالي الراهن، سيظل السودان عاجزاً عن تحقيق الحد الأدنى لنسبة الإعالة المطلوبة (1.7 شخص في سن العمل لكل مُعال) للاستفادة من “العائد الديموغرافي” حتى بحلول عام 2043، بل إن تشكل هذا العائد قد يتأخر إلى عام 2068 إذا لم تتغير المعطيات.

تشريح الانهيار الهيكلي: البنية التحتية، الخدمات، ومعضلة القطاع الزراعي

إذا كان الشلل السياسي والصراع العسكري يمثلان الواجهة الأكثر وضوحاً للأزمة السودانية، فإن التفتت التدريجي للبنية التحتية والقطاعات الخدمية والإنتاجية يمثل النزيف الصامت الذي يهدد بالقضاء على أي أمل في التعافي القريب. لا يقف تقرير “مستقبل التنمية في السودان” عند حدود توصيف المعارك العسكرية أو إحصاء أعداد الضحايا والنازحين، بل يتوغل بأسلوب تحليلي صارم ليفكك مفاصل الاقتصاد الحقيقي، مبرزاً كيف تحولت القطاعات التي كانت تُعد يوماً رافعة الأمل إلى عبء ثقيل يهدد بجر البلاد نحو عقود من التخلف والركود الهيكلي.

البنية التحتية والمياه: شريان الحياة المبتور

تمثل البنية التحتية في أي دولة العمود الفقري الذي يستند إليه النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. وفي حالة السودان، يظهر التقرير كيف أدى غياب الاستثمار المزمن، يليه الدمار المباشر الممنهج الناجم عن الحرب، إلى إدخال البلاد في أزمة خدمات خانقة. إن الطرق، والجسور، وشبكات الكهرباء، ومنشآت المياه لم تعد مجرد مرافق تحتاج إلى صيانة، بل تحولت إلى ساحات دمار وأدوات للضغط العسكري والاقتصادي.

تتجلى أعمق تمظهرات هذه الأزمة في قطاع المياه والصرف الصحي. في بلد يشق أرضه نهر النيل بروافده العظيمة، ويمتلك مخزوناً هائلاً من المياه الجوفية، يعيش أكثر من 19 مليون شخص دون إمكانية الوصول إلى مياه شرب آمنة ونظيفة. هذا الواقع لا يعكس شحاً في المورد الطبيعي بقدر ما يعكس فشلاً ذريعاً في الإدارة والاستثمار الهيكلي. تسببت الحرب في تدمير محطات الضخ الرئيسية، وقطع خطوط الإمداد، وتعطيل سلاسل توريد المواد الكيميائية الضرورية لتنقية المياه. ووفقاً لتحليلات التقرير، فإن هذا الحرمان لا يقتصر على كونه أزمة إنسانية مباشرة، بل هو معوق رئيسي للإنتاجية؛ إذ تقضي المجتمعات الريفية، والنساء والأطفال تحديداً، ساعات طوال يومياً في جلب المياه بدلاً من الانخراط في التعليم أو الأنشطة الاقتصادية المدرة للدخل.

أما على صعيد الطاقة والكهرباء، فإن المشهد لا يقل قتامة. يعاني السودان من عجز هيكلي حاد في توليد الطاقة الكهربائية، حيث تفتقر مساحات شاسعة من البلاد، لاسيما في الأقاليم الطرفية والريفية، إلى أي ربط بالشبكة القومية. أدى النزاع الأخير إلى خروج محطات توليد رئيسية عن الخدمة، وتدمير خطوط النقل والتوزيع، مما جعل العاصمة والمدن الرئيسية تعيش في ظلام شبه دامس لفترات ممتدة. هذا الانقطاع الشامل لم يقتصر على تعطيل الحياة اليومية للمواطنين، بل ضرب القطاع الصناعي الصغير والتحويلي في مقتل، ورفع من تكاليف الإنتاج بشكل جنوني نتيجة الاعتماد على المولدات الخاصة التي تعمل بالوقود الشحيح والمكلف، مما أفقد السلع المحلية قدرتها التنافسية الضئيلة أصلاً.

قطاع التعليم والصحة: ضياع رأس المال البشري

إن الخسارة الأشد فداحة التي يتكبدها السودان جراء الحرب الحالية لا تتمثل في المباني المدمرة أو الأموال المفقودة، بل في التدمير الممنهج لرأس المال البشري، وهو الثروة الحقيقية الوحيدة القادرة على بناء مستقبل البلاد. يرسم التقرير صورة مفزعة لواقع قطاعي التعليم والصحة، مؤكداً أن الآثار المترتبة على انهيارهما ستمتد لتشمل أجيالاً كاملة قادمة.

في قطاع التعليم، أدت الحرب إلى إصابة المنظومة التعليمية بشلل شبه كامل. أُغلقت آلاف المدارس والجامعات، وتحول المئات منها إلى مراكز لإيواء النازحين أو إلى ثكنات ونقاط عسكرية. تشير البيانات إلى أن ملايين الأطفال السودانيين باتوا اليوم خارج مقاعد الدراسة، مما يهدد بنشوء “جيل ضائع” يفتقر إلى المهارات الأساسية والقراءة والكتابة. هذا الانقطاع الطويل عن التعليم لا يعني فقط تراجع المؤشرات المعرفية، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام تنامي ظواهر عمالة الأطفال، وتجنيد القصر في الجماعات المسلحة، والزواج المبكر للفتيات. على المدى الاقتصادي البعيد، يحذر التقرير من أن هذا التدهور المعرفي سيؤدي إلى انخفاض حاد في إنتاجية العمل المستقبلية، مما يقلل من قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات القائمة على المعرفة والمهارة، ويحكم على البلاد بالبقاء في قاع سلاسل القيمة المضافة.

لا يختلف الوضع كثيراً في القطاع الصحي، الذي وصل إلى حافة الانهيار الشامل. تعرضت المستشفيات والمراكز الطبية لاستهداف مباشر ونهب واسع النطاق، لاسيما في ولاية الخرطوم وإقليم دارفور وولايات كردفان. تفيد التقارير الموثقة بأن أكثر من 70% من المرافق الصحية في مناطق النزاع باتت خارج الخدمة تماماً. يتزامن هذا الانهيار المؤسسي مع هجرة جماعية ونزوح واسع للأطباء، والكوادر التمريضية، والمتخصصين الذين فروا بحثاً عن الأمان، مما خلق فراغاً طبياً هائلاً.

ونتيجة لذلك، تفشت الأوبئة والأمراض المعدية مثل الكوليرا، وحمى الضنك، والملاريا، في ظل انعدام اللقاحات والأدوية المنقذة للحياة وشح مياه الشرب النظيفة. يوضح التقرير أن معدلات وفيات الأمهات والأطفال، التي كانت مرتفعة بالفعل قبل الحرب، سجلت قفزات مخيفة. إن انهيار المنظومة الصحية لا يمثل كارثة أخلاقية وإنسانية فحسب، بل يشكل استنزافاً اقتصادياً مدمراً؛ فالعمالة المريضة والملتحفة بالوهن هي عمالة غير منتجة، وتكلفة الرعاية الصحية اللاحقة وسوء التغذية الحاد لدى الأطفال ستكبل ميزانية الدولة لسنوات وعقود قادمة، مما يعوق التراكم الرأسمالي الضروري للتنمية.

مفارقة القطاع الزراعي: سلة غذاء خاوية

لطالما ساد في الأدبيات الاقتصادية العربية والإقليمية وصف السودان بأنه “سلة غذاء العالم العربي” أو “العملاق الزراعي النائم”، نظراً لامتلاكه ملايين الفدادين من الأراضي الخصبة، وتنوع مناخاته، ووفرة مصادره المائية. بيد أن التقرير يحطم هذه الصورة النمطية ليعيد قراءة الواقع الزراعي السيرالي بجرأة وموضوعية، كاشفاً عن مواطن خلل بنيوية عميقة سبقت الحرب، ثم جاءت الحرب لتعمقها وتجعلها مصدراً لتهديد الوجود البشري ذاته عبر بوابات المجاعة.

يعتمد الاقتصاد السوداني تاريخياً وبشكل مفرط على الزراعة والثرة الحيوانية، حيث يسهم هذا القطاع بنسبة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي ويوظف غالبية القوة العاملة، لاسيما في المناطق الريفية. ومع ذلك، يوضح التقرير أن هذا القطاع ظل يعاني عقوداً من التهميش السياسي، وضعف الاستثمار الحكومي، والاعتماد على وسائل إنتاج وتكنولوجيا تقليدية تفتقر إلى الكفاءة. لقد ركزت الحكومات المتعاقبة على استخراج النفط والذهب كوسيلة سهلة لتوليد الإيرادات السريعة، معملةً إهمال التحديث الزراعي، وتطوير سلاسل القيمة، وبناء مخازن مبردة وطرق لربط مناطق الإنتاج بأسواق التصدير.

عندما اندلعت حرب أبريل 2023، تلقت الزراعة السودانية ضربة قاصمة. تركزت العمليات العسكرية في مناطق إنتاجية حيوية، لاسيما في ولاية الجزيرة التي تضم أكبر مشروع زراعي مروي في البلاد وتحت نظام ري انسيابي واحد في العالم، بالإضافة إلى ولايات سنار والقضارف وكردفان ودارفور، وهي ولايات تمثل عماد الإنتاج المطري التقليدي والحديث للحبوب مثل الذرة والفتريت والسمسم.

أدت العمليات العسكرية إلى تشريد المزارعين والعمال الزراعيين، الذين تحولوا إلى نازحين يبحثون عن الأمان، تاركين أراضيهم دون زراعة أو حصاد. وفي الوقت نفسه، انهار النظام المصرفي والتمويلي، مما حرم المزارعين من الحصول على القروض الزراعية اللازمة لشراء المدخلات الأساسية مثل البذور المحسنة، والأسمدة، والمبيدات، والوقود اللازم لتشغيل الآليات الحاصدة ومضخات المياه. يضاف إلى ذلك، عمليات النهب الواسعة التي طالت مستودعات ومخازن الشركات الزراعية الكبرى ومراكز البحوث، مما تسبب في فقدان الأصول الوراثية للبذور والتقانات المتطورة.

ولم تتوقف الكارثة عند حدود الإنتاج، بل امتدت لتشمل شبكات التوزيع والتسويق. أصبحت الطرق البرية الرابطة بين الولايات وميناء بورتسودان الرئيسي غير آمنة، وتنتشر فيها نقاط التفتيش والجبايات غير القانونية من قبل الأطراف المتصارعة، مما رفع من تكلفة نقل المحاصيل إلى مستويات فلكية وجعل تصديرها أو نقلها إلى مناطق الاستهلاك داخل البلاد أمراً شبه مستحيل. ونتيجة لهذه العوامل مجتمعة، انهار إنتاج الحبوب في السودان بنسب تتراوح بين 40% إلى 50% مقارنة بالسنوات السابقة للحرب، وهو ما يفسر وقوع ملايين السودانيين في فخ الجوع الحاد والتهديد الفعلي بالمجاعة في مناطق واسعة. إن القطاع الذي كان يُرجى منه إنقاذ الاقتصاد بات هو نفسه في غرفة الإنعاش، يحتاج إلى خطة إنقاذ دولية عاجلة لاستعادة الحد الأدنى من مقومات عمله.

التجارة الخارجية والمالية العامة: العزلة الشاملة وجفاف الموارد

ينتقل التقرير بعد ذلك ليحلل كيف انعكست هذه الانهيارات القطاعية على المؤشرات الاقتصادية الكلية للدولة، وتحديداً على صعيد التجارة الخارجية والمالية العامة، مبرزاً حالة العزلة والنزيف المالي غير المسبوق التي تعيشها البلاد.

لقد تسببت الحرب في انكماش مرعب في الصادرات السودانية. يُعد الذهب تاريخياً الصادر الأول والأساسي الذي يعتمد عليه البنك المركزي لتوفير العملات الأجنبية واستيراد السلع الاستراتيجية كالقمح والأدوية والمشتقات البترولية. ومع سيطرة قوى غير رسمية وعسكرية على مناطق تعدين الذهب وتفشي عمليات التهريب الواسعة عبر الحدود دون مرورها بالقنوات الرسمية، خسرت خزينة الدولة المورد الأساسي للنقد الأجنبي. تراجع الصادرات لم يقتصر على الذهب، بل شمل الصادرات الزراعية والحيوانية مثل الصمغ العربي (الذي يمتلك السودان أكبر احتياطي عالمي منه)، والماشية، والسمسم، بسبب توقف موانئ التصدير البرية وشلل حركة التجارة داخلياً.

في المقابل، وفي ظل الانهيار الحاد في الإنتاج المحلي، ارتفعت حاجة البلاد لاستيراد الغذاء والمواد الإغاثية والمحروقات، مما خلق عجزاً تجارياً هائلاً وضغطاً مستمراً على قيمة الجنيه السوداني، الذي شهد انهياراً تاريخياً وتراجعاً غير مسبوق في قيمته أمام العملات الأجنبية في السوق الموازية، متسبباً في موجات تضخم جامحة فاقت قدرة المواطن الشرائية بآلاف المرات.

أما على صعيد المالية العامة، فقد فقدت الدولة السودانية قدرتها الهيكلية على جباية الإيرادات وتوليد الضرائب. تسبب الدمار الذي لحق بالمنطقة الصناعية في الخرطوم بحري وأم درمان، وشلل الشركات الكبرى والمؤسسات التجارية، في جفاف شبه كامل للإيرادات الضريبية والجمركية التي كانت تمول الموازنة العامة. وفي مواجهة هذا الجفاف الحاد في الموارد، ومع تصاعد النفقات العسكرية الموجهة لتمويل المجهود الحربي وشراء الأسلحة والعتاد، لجأت السلطات المالية إلى خيار “التمويل بالعجز” أو طباعة العملة دون غطاء إنتاجي. هذا الخيار، وكما يحلل التقرير بدقة، يمثل وقوداً إضافياً لنيران التضخم، ويسهم في تآكل ما تبقى من مدخرات عائلية، ويقود الاقتصاد نحو حالة “الركود التضخمي” حيث ينكمش الإنتاج وتتصاعد الأسعار في آن واحد، وهي الحالة الاقتصادية الأعقد والأكثر استعصاءً على الحلول التقليدية.

حوكمة التدمير: غياب الدولة وتمدد الاقتصاد الموازي

يختتم التقرير هذا الجزء من تشخيصه البنيوي بالتركيز على معضلة “الحوكمة والمؤسسات”. إن انهيار الدولة السودانية لم يحدث فجأة في أبريل 2023، بل كان نتاج عقود من الفساد المؤسسي، والمحسوبية، وإقصاء الكفاءات، وتسييس الخدمة المدنية. جاءت الحرب الحالية لتضع رصاصة الرحمة على ما تبقى من هياكل إدارية رسمية.

ومع تشتت مراكز القرار وغياب سلطة القانون الموحدة، برز ما يمكن تسميته بـ “حوكمة التدمير” واقتصاد أثرياء الحرب. تمدد القطاع غير الرسمي والاقتصاد الموازي ليتجاوز الـ 80% من النشاط الاقتصادي الفعلي في البلاد. أصبحت شبكات التهريب، والتجارة غير المشروعة في السلاح والوقود والسلع الغذائية المسروقة، هي المحرك الأساسي للأسواق في مناطق واسعة. يوضح التقرير بكثير من القلق أن هذه الهياكل غير الرسمية وأمراء الحرب لديهم مصلحة اقتصادية مباشرة في استمرار الصراع وتأجيجه، لأن السلام وسيادة القانون يعنون ببساطة نهاية نفوذهم ومصادر ثرائهم غير المشروع، مما يجعل عملية بناء السلام والوصول إلى تسوية سياسية أمراً معقداً يتجاوز مجرد التوقيع على الأوراق بين الجنرالات إلى ضرورة تفكيك هذه الشبكات الاقتصادية المعقدة المصلحية وتجفيف منابع تمويلها.

إعادة هندسة المستقبل: التصنيع، الاندماج الإقليمي، وتحولات الحوكمة في مسار “نهضة السودان”

إذا كان الانهيار الهيكلي الذي طال البنية التحتية والقطاع الزراعي يمثل الوجه الأكثر قتامة للأزمة السودانية الحالية، فإن الانتقال بالاقتصاد من حالة الاستنزاف التدميري إلى آفاق التعافي البنيوي يتطلب تفكيكاً دقيقاً لقطاعات الإنتاج المتقدمة والتجارة وحركية الأموال. لا يكتفي تقرير “مستقبل التنمية في السودان” برصد معالم التدمير الذي طال العصب الصناعي والمؤسسي للبلاد، بل يضع دليلاً كمياً وتنبؤياً صارماً -عبر منصة النمذجة الدولية المستقبيلية (IFs)- يبرز من خلاله كيف يمكن للسودان، في حال التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، أن يعيد صياغة موقعه الاقتصادي عبر سيناريو متكامل يحمل اسم “نهضة السودان” (Sudan Rising).

قطاع التصنيع: من رماد الدمار إلى سلاسل القيمة المضافة

يُعد قطاع التصنيع المحرك الأساسي لأي تحول إنتاجي مستدام، كونه يمتلك قدرة فائقة على توليد فرص العمل المنظمة وبناء روابط أمامية وخلفية متينة مع قطاعي الزراعة والخدمات. بيد أن الصناعة السودانية، التي تتمركز جغرافياً بنسبة 66% في ولاية الخرطوم والجزيرة وولايات دارفور وكردفان لتوفر البنية التحتية والأسواق، تلقت ضربة قاصمة خلال النزاع الأخير. ويوثق التقرير أن الحرب تسببت في تدمير وهلاك ما يقارب 90% من المنشآت والمؤسسات الصناعية في العاصمة ومحيطها، مما أصاب فئات الإنتاج الأربع الرئيسية بالشلل: الصناعات التحويلية الغذائية (مثل تكرير السكر ومعاصر الزيوت)، الصناعات الخفيفة (كالمنظفات والبلاستيك والنسيج)، الصناعات الثقيلة المرتبطة بالإسمنت وتكرير النفط، فضلاً عن المرافق الاستراتيجية مثل مجمع جياد الصناعي والصناعات الدوائية التي كانت تمثل منصة واعدة لشرق إفريقيا.

وفي مقابل هذا الدمار الذي قلص مساهمة التصنيع إلى مجرد 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023 (ما يعادل 1.6 مليار دولار فقط)، يطرح التقرير ملامح إستراتيجية مرنة للإنقاذ بدأت تتشكل عبر نقل بعض المصانع إلى الولايات الآمنة والغنية بالموارد، وتقديم حوافز استثمارية كمنح الأراضي وتبسيط الإجراءات. ومع ذلك، تظل المعوقات الهيكلية المتمثلة في التضخم الجامح، وشح النقد الأجنبي، والانقطاع المزمن للكهرباء، وضعف مهارات العمالة وتدني الأجور، عقبات تستلزم معالجة جذرية. وفي سيناريو “نهضة السودان”، تظهر الخطط القائمة على شراكات التصنيع الزراعي وسيلة أساسية لربط الريف الإنتاجي بالمدن، والاعتماد على برامج التدريب المهني المكثف (TVET) لرفع إنتاجية العامل، مع تقليص اللوائح البيروقراطية الحكومية التي تعوق نمو القطاع الخاص وتدفع بالسودان إلى ذيل القائمة الإفريقية في مؤشرات التصنيع.

التجارة الخارجية والاندماج الإقليمي: الخروج من نفق العجز التاريخي

يعاني السودان تاريخياً من عجز تجاري مزمن وتراجع حاد في التنوع التصديري، لاسيما بعد صدمة انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان 75% من الموارد النفطية التي كانت تمثل 90% من عائدات التصدير. وفي المسار الحالي (Current Path)، يظهر التقرير أن التجارة الخارجية السودانية تعيش انكماشاً خطيراً؛ إذ تتركز الصادرات في عدد محدود من السلع الخام كالذهب، والصمغ العربي، والماشية، والسمسم، والقطن، الموجهة بشكل أساسي إلى دول كالإمارات، والصين، وإيطاليا، ومصر، وتركيا. وتكشف التقديرات أنه بحلول عام 2030، لن تتجاوز الصادرات الإجمالية حاجة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 717 مليون دولار)، لتصل إلى 9.6% فقط (3.7 مليار دولار) بحلول عام 2043، وهو ما يقل عن ثلث متوسط الدول الإفريقية منخفضة الدخل. وفي المقابل، تراجعت الواردات الرسمية (التي تشمل القمح، والمحروقات، والسيارات) نتيجة لأنهيار القوة الشرائية وشح العملة، لتستقر عند مستويات ضئيلة لا تعبر عن الاحتياج الفعلي للبلاد.

المخرج الوجودي من هذا المأزق التجاري، كما يصوغه التقرير، يكمن في “خطة الجاهزية” للاندماج تحت مظلة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA). ويتطلب هذا الانتقال إعادة تأهيل الممرات التجارية الحيوية والنقاط اللوجستية الحدودية المدمرة، وخفض الحواجز غير الجمركية، وتبسيط المعاملات عبر التسهيلات الرقمية. إن التحول من تصدير المواد الخام إلى تصدير السلع المصنعة والمصنعة زراعياً سيتيح للسودان الاستفادة من الأسواق الإفريقية التفضيلية، واستغلال موقعه الجغرافي الفريد المطل على البحر الأحمر كبوابة لوجستية للدول الحبيسة في وسط وشرق إفريقيا، مما يحول ميزانه التجاري من هيكل مستنزِف إلى رافعة للنمو.

التدفقات المالية والمصرفية: إعادة بناء الشراكات الدولية والتحويلات

لقد أحدثت الحرب الحالية دماراً شاملاً في البنية التحتية المصرفية والمالية، لاسيما في ولايتي الخرطوم ودارفور، مما قطع أوصال المعاملات الرسمية وحرم الأفراد والشركات من الوصول إلى حساباتهم ومدخراتهم. هذا الانهيار المؤسسي دفع بتحويلات المغتربين السودانيين -التي كانت تمثل شريان حياة حقيقي لدعم الاستهلاك الأسرى والمشروعات الصغيرة بقيمة بلغت 892 مليون دولار عام 2022 (نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي)- إلى القنوات غير الرسمية مثل شبكات “الـحِوالة” والتطبيقات الرقمية الموازية. وعلى صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)، يوضح التقرير كيف أدت بيئة الأعمال الطاردة والفساد البيروقراطي والمخاطر الجيوسياسية في القرن الإفريقي إلى إحجام المستثمرين؛ إذ احتل السودان المرتبة 171 من أصل 190 دولة في تقرير سهولة ممارسة الأعمال لعام 2020.

في مسار “نهضة السودان”، يصبح إصلاح المنظومة المالية حتمية لا تقبل التأجيل عبر تحفيز التدفقات الرسمية وتأمينها ضد المخاطر القانونية ومصادرة الملكيات. ويتوقع النموذج الاقتصادي المدمج أنه في حال تطبيق إصلاحات هيكلية عبر هيئة تشجيع الاستثمار السودانية، وتطوير استثمارات المحافظ المالية، وضبط التدفقات المالية غير المشروعة، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يتجاوز التوقعات المتدنية للمسار الحالي البالغة 5.6% بحلول عام 2043. إن توجيه هذه الأموال الدولية والتحويلات المغتربة نحو القطاعات الإنتاجية، مدعومةً بشبكات أمان اجتماعي دولية مثل تلك التي أقرها البنك الدولي مؤخراً لتعزيز الحماية الاجتماعية، يمثل الركيزة الأساسية لتمويل إعادة الإعمار وضمان استقرار العملة الوطنية.

سيناريو “نهضة السودان”: قراءة تنبؤية في التنمية الشاملة

يقدم التقرير مقارنة رقمية بالغة الدلالة بين الاستسلام للمسار الحالي (Current Path) القائم على التفتت والركود، وبين تبني سيناريو “نهضة السودان” (Sudan Rising) القائم على حزمة إصلاحات منسقة ومتزامنة تشمل الحوكمة، والزراعة، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، والتجارة، والتدفقات المالية.

  • الناتج المحلي الإجمالي وحجم الاقتصاد: في حال استمرار النموذج الحالي، فإن الاقتصاد السوداني سيواجه نمواً هزيلاً لا يتعدى 1.2% في المتوسط حتى عام 2043. أما في سيناريو “نهضة السودان”، فإن قاطرة النمو ستقفز إلى معدل 5% سنوياً، ليصل حجم الناتج المحلي الإجمالي إلى 58.2 مليار دولار بحلول عام 2043، بزيادة تقارب 20 مليار دولار عن المسار التقليدي.

  • نصيب الفرد من الدخل: سيتعافى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (وفقاً لتعادل القوة الشرائية PPP) ليصل إلى 3,176 دولاراً بحلول عام 2043، متجاوزاً متوسط الدول الإفريقية منخفضة الدخل، ومخرجاً البلاد من هوة التراجع التاريخي الذي أعاد الدخل الفردي في عام 2023 إلى مستويات عام 1992.

  • مكافحة الفقر المدقع: يمثل هذا المحور الإنجاز الأكبر للسيناريو المدمج؛ إذ يتوقع التقرير نجاح هذه الإصلاحات في انتشال 17.3 مليون سوداني من مقصلة الفقر المدقع بحلول عام 2043، لتهبط نسبة الفقر إلى 18% فقط من السكان، وهو نصف المعدل المتوقع للدول الإفريقية النظيرة البالغ 28.3%، وبانخفاض حاد عن نسبة 38.9% المتوقعة في المسار الحالي.

  • العمر المتوقع للمواطن: بفضل تحسن مستويات المعيشة والرعاية الصحية والتغذية، سيرتفع مأمول العمر عند الولادة بمقدار 4.2 سنة إضافية مقارنة بالمسار الحالي، مما يعكس تحسناً حقيقياً في جودة رأس المال البشري.

معضلة الحوكمة: إعادة بناء مؤسسات الدولة والعدالة الاجتماعية

تجمع أدبيات التقرير على أن جذور الأزمة السودانية تكمن في نموذج حوكمة تاريخي قام على المركزية المفرطة، وإقصاء الأطراف، وغياب الثقافة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، حيث شهدت البلاد 6 انقلابات عسكرية وأكثر من 35 محاولة معلنة خلال سبعة عقود من الاستقلال. هذا الفشل المؤسسي أدى إلى تدهور حاد في مؤشرات الحوكمة؛ إذ يوضح “مؤشر إبراهيم للحوكمة الإفريقية” أن تقييم السودان في مجالي السلامة والأمن انهار بنسبة 55% ليتراجع من 56 نقطة عام 2018 إلى 25.4 نقطة عام 2023، ليصبح الأسوأ أداءً على مستوى القارة.

لذلك، يضع سيناريو الحوكمة شروطاً صارمة للتعافي تقوم على ثلاثة أركان: الاستقرار والأمن، بناء القدرة المؤسسية، والشمول السياسي والاجتماعي. وبتطبيق هذه الحزمة، يرتفع المؤشر المركب للحوكمة في السودان ليصل إلى 0.50 بحلول عام 2043 (بزيادة 34% عن المسار الحالي)، كما يقفز مؤشر الأمن الحكومي بنسبة 20% ليصل إلى 0.73. وتتكامل هذه الإصلاحات المؤسسية مع أدوات اقتصادية تهدف إلى تقليص الفوارق الطبقية والمجتمعية، من خلال فرض ضرائب تصاعدية على العمالة الماهرة وتوجيه تحويلات اجتماعية ومساعدات مباشرة للعمالة غير الماهرة والأسر الأشد فقراً. إن الحوكمة الرشيدة وإعادة سيادة القانون هما الصمام الوحيد لتجفيف منابع “اقتصاد الحرب” وتفكيك شبكات المصالح الموازية، وتحويل السودان من دولة هشاشة مهددة بالزوال إلى نموذج للنهوض الإقليمي المستدام.

معضلة الطاقة والتغير المناخي: الخيارات السيادية لبناء “سودان الغد”

لا تكتمل القراءة الاستشرافية لتقرير “مستقبل التنمية في السودان” دون الخوض في المحور الأكثر ارتباطاً بالاستدامة البيئية والأمن الجيوسياسي على المدى الطويل، وهو ملف الطاقة والتغير المناخي، ومن ثم صياغة التوصيات والخيارات السيادية النهائية لإخراج البلاد من نفق الهشاشة والنزاع. إن معالجة هذه الملفات تمثل حجر الزاوية الذي يربط بين حزمة الإصلاحات الهيكلية المتكاملة التي جرى استعراضها في الأجزاء السابقة، وبين بناء أرضية صلبة تضمن ألا يرتد السودان مجدداً إلى مربعات الصراع والركود البنيوي بعد وضع الحرب أوزارها.

ملف الطاقة والتغير المناخي: تحدي البيئة ومعادلة الانتقال الأخضر

يُبرز التقرير أن التغير المناخي والبيئي في السودان ليس مجرد رفاهية أكاديمية، بل هو مهدد وجودي مباشر يمس صلب الأمن الغذائي والسلم الاجتماعي. يعاني السودان تاريخياً من حساسية مفرطة تجاه التقلبات المناخية، حيث يتداخل الجفاف الزاحف والتصحر مع الفيضانات الموسمية العنيفة لنهر النيل وروافده، مما يؤدي إلى تآكل التربة وتراجع المساحات الصالحة للزراعة والرعي، لاسيما في أقاليم دارفور وكردفان وشرق السودان. هذا التدهور البيئي يمثل أحد المحركات العميقة وغير المرئية للنزاعات الأهلية؛ إذ يدفع الرعاة والمزارعين إلى التنافس العنيف على الموارد الشحيحة من مياه ومراعٍ، مما يغذي بؤر التوتر الاجتماعي التي تستغلها القوى السياسية والعسكرية لتأجيج الصراعات المسلحة.

على صعيد الطاقة، يعيش السودان عجزاً مرركباً؛ إذ يعتمد أكثر من 80% من السكان، لاسيما في المناطق الريفية والفقيرة، على الكتلة الحيوية التقليدية (مثل الحطب والفحم النباتي) لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الطهي والتدفئة، مما يتسبب في تدمير الغطاء الغابوي وتسريع معدلات التصحر. وفي المقابل، يوضح التقرير أن مزيج الطاقة الرسمي في البلاد يعاني من ضعف التنويع؛ إذ يقتصر التوليد الكهربائي على الهيدروليكي المرتبط بالسدود النيلية، والتوليد الحراري القائم على المشتقات النفطية المكلفة والملوثة.

وفي سيناريو “نهضة السودان”، يطرح النموذج التحليلي حتمية الانتقال نحو الطاقة المتجددة كخيار استراتيجي وسيادي؛ فالبلاد تمتلك معدلات إشعاع شمسي هي الأعلى عالمياً، فضلاً عن إمكانات واعدة لتوليد طاقة الرياح على طول ساحل البحر الأحمر. إن الاستثمار في الشبكات الصغيرة اللامركزية القائمة على الطاقة الشمسية في الأرياف سيسهم في تحفيز الصناعات الريفية الصغيرة، وتطوير نظم الري الزراعي، ورفع جودة الخدمات الصحية والتعليمية، مع تقليص الاعتماد على الواردات النفطية المستنزفة للنقد الأجنبي، وتحقيق التزامات السودان الدولية تجاه خفض الانبعاثات الكربونية وبناء القدرة على الصمود المناخي.

المصفوفة المتكاملة لسيناريو النهضة: قراءة في ثمار الإصلاح المنسق

إن القيمة المضافة الحقيقية لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تكمن في قدرته على محاكاة “الأثر التراكمي والتزامني” لحزم الإصلاحات؛ فالتقرير يؤكد عبر نماذجه الكمية أن معالجة ملف واحد بمعزل عن الملفات الأخرى لن يقود السودان إلى التعافي المستدام. إن الاستثمار في التعليم دون خلق بيئة استثمارية جاذبة للصناعة سيؤدي إلى تفاقم بطالة الخريجين وهجرتهم، كما أن تطوير الزراعة دون بناء بنية تحتية وطرق للنقل سيبقي المحاصيل رهينة لمناطق إنتاجها دون القدرة على الوصول إلى الأسواق أو التصدير.

لذلك، فإن سيناريو “نهضة السودان” (Sudan Rising) يقوم على تفعيل كافة محركات التنمية في آن واحد وبشكل متكامل ومنسق. وعند تطبيق هذه المصفوفة، تظهر النتائج التنبؤية للنموذج قفزات نوعية في كافة المؤشرات التنموية بحلول عام 2043 مقارنة بالمسار الحالي المتعثر؛ إذ ترتفع معدلات التراكم الرأسمالي، وتتحسن إنتاجية العمل بفعل الرعاية الصحية الشاملة وتطوير المهارات، وينخفض معدل الإعالة الديموغرافية لتقترب البلاد من جني ثمار “العائد الديموغرافي” الواعد. إن هذه المنظومة المترابطة تحول الاقتصاد السوداني من نموذج ريعي هش يعتمد على استخراج الخامات وتهريبها، إلى اقتصاد إنتاجي متنوع وقائم على المعرفة والقيمة المضافة، مما يمنحه الحصانة الكافية لمواجهة الصدمات الاقتصادية الخارجية والتقلبات الجيوسياسية الإقليمية.

التوصيات والخيارات السيادية: خريطة طريق لبناء سودان المستقبل

بناءً على هذا التشخيص البنيوي الشامل والسيناريوهات التنبؤية المدمجة، يختتم التقرير بوضع حزمة من التوصيات الإستراتيجية والخيارات السيادية الصارمة التي يجب على صناع القرار والقوى الوطنية والشركاء الدوليين تبنيها فور التوصل إلى تسوية سياسية ووقف إطلاق النار، وتتلخص في أربعة محاور جوهرية تدفقية:

أولاً، إعطاء الأولوية القصوى لإعادة بناء وتأهيل رأس المال البشري وشبكات الأمان الاجتماعي؛ ويتطلب ذلك إطلاق برنامج وطني عاجل لإعادة ملايين الأطفال والشباب إلى مقاعد الدراسة والتدريب المهني لتعويض سنوات الحرمان، وإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية المدمرة مع التركيز على الرعاية الصحية الأولية ومكافحة الأوبئة. ويتكامل هذا مع تحويل المساعدات الإنسانية الدولية الإغاثية المؤقتة إلى برامج دعم اجتماعي نقدي مباشر ومشروط للأسر الأشد فقراً والنازحين، مما يسهم في استعادة القوة الشرائية وتحفيز الأسواق المحلية وتوجيه الاستهلاك نحو السلع الأساسية المنتجة محلياً.

ثانياً، ثورة تصحيحية في قطاعي الزراعة والتصنيع لتعزيز الأمن الغذائي ورفع الصادرات؛ ويتحقق ذلك عبر فك احتكار الدولة والشركات الأمنية لمدخلات الإنتاج، وتسهيل وصول صغار المزارعين للتمويل المصرفي والتقانات الزراعية الحديثة والبذور المحسنة، مع حشد الاستثمارات العامة والخاصة لإعادة إعمار مشروع الجزيرة والمشاريع المروية والمطارية الكبرى. ويجب ربط هذا الإنتاج مباشرة بسلاسل قيمة تحويلية عبر دعم مصانع الزيوت، وتكرير السكر، ومسالخ اللحوم الحديثة الصالحة للتصدير، مما ينهي عهد تصدير الماشية والمحاصيل كخامات رخيصة، ويفتح الباب أمام اختراق الأسواق الإفريقية والعربية والاستفادة من مزايا منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

ثالثاً، إصلاح المنظومة المالية والحوكمة المؤسسية لتجفيف منابع اقتصاد الحرب؛ ويشمل ذلك استعادة البنك المركزي السوداني لولايته الكاملة على السياسة النقدية، وضبط طباعة العملة للسيطرة على التضخم، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي لتبسيط المعاملات الرقمية وجذب تحويلات المغتربين السودانيين عبر القنوات الرسمية وتأمينها. وتتطلب الحوكمة الرشيدة تفكيك شبكات المصالح الموازية واقتصاد الظل، وتفعيل آليات المحاسبة والشفافية، والتحول نحو نموذج إداري لا مركزي حقيقي يضمن التوزيع العادل للموارد والثروات بين المركز والأقاليم الطرفية، لإنهاء المظالم التاريخية التي كانت وقوداً مستمراً للحروب الأهلية.

رابعاً، بناء بنية تحتية مستدامة وصديقة للمناخ كشريان للاندماج الإقليمي؛ ويتضمن هذا الخيار السيادي تركيز الجهود على إعادة تأهيل شبكات الطرق البرية والسكك الحديدية التي تربط مناطق الإنتاج في غرب وجنوب البلاد بميناء بورتسودان الرئيسي وبالدول الحبيسة المجاورة، وتأمين هذه الممرات ضد الجبايات غير القانونية. كما يجب تنويع مصادر الطاقة عبر التوسع السريع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتطوير منشآت حصاد المياه والسدود الصغيرة لإدارة الموارد المائية بشكل فعال، مما يسهم في حماية المجتمعات الريفية من صدمات التغير المناخي ويضمن استدامة الطفرة الإنتاجية المنشودة.

خاتمة: الاختيار التاريخي بين النهوض والزوال

في المحصلة النهائية، يضع تقرير “ما وراء الصراع: رسم مسار للنمو المستدام والتنمية في السودان 2026” النخبة السياسية السودانية والمجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة التاريخية العارية؛ فالبلاد لم تعد تملك ترف الوقت أو المناورات السياسية الهشة. إن الاستمرار في “المسار الحالي” أو الانزلاق نحو سيناريو “الصراع الممتد” لا يعنيان فقط استمرار المعارك، بل يعنيان حرفياً ذوبان الدولة السودانية، وتحولها إلى ركام من المؤسسات المفككة، وملايين من السكان القابعين تحت مقصلة الفقر المدقع والمجاعة الدائمة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر كارثية على أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر والمنطقة بأسرها.

وعلى النقيض من ذلك، يبرهن سيناريو “نهضة السودان” بالأرقام والنماذج العلمية الصارمة أن معالم الخروج من الكارثة وتدشين عصر النهضة ليست مستحيلة؛ فالبلاد لا تزال تحتفظ بمقوماتها الجغرافية والمعدنية والزراعية والشبابية الهائلة، وكل ما تحتاجه هو الإرادة السياسية الشجاعة لصياغة عقد اجتماعي جديد وسياسات سيادية منسقة ومستدامة. إن التقرير في جوهره ليس مجرد رصد تنبؤي للأزمات، بل هو وثيقة أمل ودليل عملي يثبت أن السودان، وبمجرد الصمت النهائي لأصوات البنادق وسيادة لغة القانون، قادراً على النفاد من رماد الحرب ليعيد بناء نفسه كقوة اقتصادية صاعدة ومنارة للتنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية في القارة الإفريقية.

(Beyond the Conflict: Charting a Path to Sustainable Growth and Development in Sudan)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى