ظلال روما في القرن الأفريقي: نصف قرن من مخاض “الوصاية” وهشاشة السيادة في الصومال

عودة مشروطة وذاكرة مثقلة – المخاض الأول للوصاية الإيطالية في الصومال (1950 – 1955)
تفتح المؤرخة أناليسا أوربانو والأستاذ الزميل أنطونيو فالسوري في كتابهما الصادر حديثاً عن دار نشر “إيل مولينو” العريقة، والمعنون بـ “إيطاليا والصومال: تاريخ سياسي من عام 1950 إلى اليوم”، نافذة مشرعة على ثنايا علاقة دولية معقدة ومثيرة للجدل في تاريخ إيطاليا الجمهورية. هذا العمل الموسوعي الرصين لا يقف عند حدود التوثيق البارد للأحداث، بل يغوص في أعماق نصف قرن من الروابط المشتركة بين روما ومقديشو. ليرسم ببراعة ملامح تلك العلاقة المتأرجحة بين طموحات النفوذ الموروثة من العهد الكولونيالي، وبين واقع الإخفاقات المريرة والتعهدات المجهضة التي تركت الصومال في نهاية المطاف في مهب الريح كدولة ممزقة. وتبدأ هذه السلسلة المعمقة من القراءة الصحفية للكتاب عبر هذه الدفعة الأولى، ملقية الضوء على اللحظة التاريخية الفارقة التي شهدت عودة إيطاليا إلى القرن الأفريقي بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، حاملة صك الوصاية الدولية من الأمم المتحدة.
لم تكن عودة الإدارة الإيطالية إلى مقديشو في عام 1950 تحت مسمى “الإدارة الاستئمانية الإيطالية للصومال” (AFIS) نزهة سياسية أو مجرد استكمال للدور الاستعماري القديم، بل كانت مسألة وجودية لإيطاليا ما بعد الحرب، الساعية بدأب لاستعادة هيبتها الدولية المفقودة والقبول بها مجدداً في المحافل الأممية. ويكشف الكتاب كيف أن هذه الوصاية كانت تنطوي على مفارقة زمنية وتاريخية حادة؛ فمن جهة، حددت الأمم المتحدة مدة هذه الإدارة بعشر سنوات فقط تنتهي بحلول عام 1960، مما جعل الصومال في طليعة الدول الأفريقية التي تملك جدولاً زمنياً دقيقاً ومسبقاً لنيل استقلالها. ومن جهة أخرى، كان على النخبة السياسية الإيطالية في روما، بقيادة رئيس الوزراء ألسيدي دي غاسبري، إقناع الرأي العام العالمي والمحلي بأن إيطاليا الجمهورية تخلصت تماماً من إرث الفاشية وتوسعاتها الإمبريالية، وأنها مستعدة الآن لتقديم نموذج ديمقراطي وحضاري لبناء دولة حديثة.
بيد أن الواقع على الأرض في مقديشو كان يغلي تحت وطأة توترات بالغة وصراعات مكتومة خلفها عقد كامل من “الإدارة العسكرية البريطانية” (BMA) التي أدارت البلاد منذ اندحار القوات الإيطالية في عام 1941. وتوضح أوربانو في فصولها الأولى من الكتاب أن فترة الحكم البريطاني لم تكن مجرد مرحلة انتقالية راكدة، بل كانت الحاضنة الحقيقية التي ولدت في كنفها أولى التعبيرات السياسية والاجتماعية الصومالية الحديثة، وعلى رأسها “رابطة الشباب الصومالي” (SYL). هذا الحزب الناشئ، الذي تأسس بوعي وطني متقد، اتخذ منذ البداية موقفاً راديكالياً معادياً لأي شكل من أشكال العودة الإيطالية، معتبراً إياها محاولة مبطنة لإحياء الاستعمار القديم. ولم يكن القلق الإيطالي مبعثه مجرد شعارات سياسية، بل كان يستند إلى ذكريات قريبة دامية، لعل أبرزها أحداث مقديشو الشهيرة عام 1948 التي شهدت مجزرة راح ضحيتها عشرات الإيطاليين، فضلاً عن المظاهرات الحاشدة وأعمال التخريب التي اندلعت في خريف عام 1949 احتجاجاً على قرار الأمم المتحدة بمنح روما صك الوصاية.
في ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوجس، دخلت القوات الإيطالية مقديشو مستندة إلى حشد عسكري ضخم تجاوز ستة آلاف جندي، وهو الإجراء الذي أثار موجة عارمة من الانتقادات من قبل الأحزاب الصومالية وقوى اليسار الإيطالي في روما على حد سواء، حيث رأوا في هذا الإنزال العسكري الكثيف نية مبيتة لفرض حكم قمعي وإعادة احتلال البلاد بقوة السلاح. وبالفعل، يؤكد الكتاب أن السنوات الثلاث الأولى من عمر الوصاية اتسمت بنزعة إدارية قمعية واضحة تهدف إلى كبح جماح الحركة الوطنية؛ حيث فرضت السلطات قيوداً صارمة على الاجتماعات الحزبية، وضيقت الخناق على أنشطة رابطة الشباب الصومالي، وحاولت تحجيم حضورها في المجالس الاستشارية المحلية التي أنشأتها إدارة الوصاية. وكان الرد الصومالي على هذا التضييق يتخذ أشكالاً متعددة، تراوحت بين العرائض الاحتجاجية الآلاف التي أرسلت إلى مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة لفضح التجاوزات الإيطالية، والإضرابات العمالية في الموانئ، والاشتباكات الميدانية الدامية في بعض الأحيان، مثل تلك الحادثة الشهيرة في كيسمايو عام 1953 التي أسفرت عن مقتل اثنين من رجال الدرك الإيطاليين (الكارابينييري) أثناء تظاهرة غير مرخصة.
ومع انتصاف فترة الوصاية، أخذت هذه المعادلة الصفرية المحكومة بالعداء والشكوك المتبادلة بالتحول نحو مسار مغاير وجديد تماماً. ويعزو الكتاب هذا التحول إلى أسباب بنيوية مزدوجة تعلقت بالجانبين الإيطالي والصومالي؛ فمن ناحية، أدركت قيادة الحركة الوطنية الصومالية، بدافع العقلانية السياسية، أن مواجهة إدارة الوصاية بشكل مستمر قد تعطل مسيرة البلاد نحو الاستقلال السريع في الموعد المحدد، فبدأت تبدي مرونة أكبر وتبحث عن صيغ للتعاون المشترك. ومن ناحية أخرى، كانت روما تشهد تحولاً استراتيجياً جوهرياً في عقيدتها الدبلوماسية مع صعود تيار “الأطلسية الجديدة” (Neo-Atlanticism) في منتصف الخمسينيات. هذا التيار، الذي نادى بضرورة انخراط إيطاليا في قضايا العالم الثالث وتقديم الدعم التنموي، كان يرى أن مصلحة روما الحقيقية تكمن في التركيز على منطقة “المتوسط الموسع” الثرية بالفرص الاقتصادية ومصادر الطاقة، بينما أصبحت الصومال تمثل قضية يجب تصفيتها وإنجازها بأقل الخسائر الممكنة، لاسيما بعد أن نالت إيطاليا مبتغاها الأكبر وبوركت بعضويتها في الأمم المتحدة عام 1955.
هذا التلاقي المصلحي المستجد ترجمته إدارة الوصاية من خلال إطلاق عملية واسعة وممنهجة أُطلق عليها “الصوملة” (Somalizzazione)، وهي عملية تهدف إلى إعداد الكوادر المحلية وتأهيلها لتسلم مقاليد الحكم والإدارة. وتحلل الباحثة أوربانو في هذا السياق كيف تلاقت رغبة روما في كسب ود النخبة الصومالية المستقبلية مع التوجيهات البرامجية الصادرة عن المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، لاسيما منظمة اليونسكو التي ركزت على تطوير التعليم المهني وبناء مؤسسات إدارية حديثة. ففي عام 1950، بادرت الإدارة الإيطالية إلى تأسيس “مدرسة الإعداد السياسي والإداري” في مقديشو، والتي كانت مخصصة لتدريب الموظفين المحليين والشباب الصوماليين. ورغم أن السلطات كانت تتوخى الحذر في البداية وتتجنب المواجهة المباشرة مع قادة الحركة الوطنية، إلا أن هذه المدرسة، التي تحولت لاحقاً في عام 1956 إلى “المعهد الجامعي للصومال” (النواة الأولى للجامعة الوطنية الصومالية)، أصبحت أداة القوة الناعمة الأبرز لروما.
ومن خلال سياسة تقديم المنح الدراسية السخية وإرسال البعثات الطلابية إلى الجامعات الإيطالية، تمكنت روما من اختراق الجدار الصلب لرابطة الشباب الصومالي وتحويل العداء التاريخي إلى قنوات من التفاهم والتعاون الوثيق. لقد نجحت هذه الاستراتيجية التعليمية والسياسية في خلق شريحة واسعة من المثقفين ورجال الدولة الصوماليين الذين باتوا ينظرون إلى إيطاليا ليس كعدو محتل، بل كشريك وراعٍ لعملية الانتقال السيادي، وإن ظلت عملية اختيار هؤلاء المبتعثين وتشكيل معالمهم الفكرية خاضعة لرقابة صارمة ومعايير وضعتها إدارة الوصاية لضمان ولائهم وتوجهاتهم المستقبلية. وهكذا، اختتمت الصومال سنوات وصايتها الأولى وقد تبدلت جلود الفاعلين السياسيين فيها، لتدخل المرحلة التالية من التمكين المؤسسي وبناء الهيكل الهش للدولة المستقلة.
المأسسة الهشة والسباق المستعجل نحو السيادة (1956 – 1960)
إذا كانت المرحلة الأولى قد اتسمت بالمواجهة والشكوك المتبادلة، فإن الفترة الممتدة بين عامي 1956 و1960 شهدت تحولاً دراماتيكياً تمثل في الهرولة الإيطالية المتسارعة نحو صياغة هيكل مؤسسي للدولة الصومالية الوليدة. ويكشف هذا الجزء من الكتاب كيف تحولت إدارة الوصاية الإيطالية (AFIS) من موقع المناور الذي يحاول إطالة أمد النفوذ، إلى دور المستعجل الذي يسابق الزمن للتخلص من عبء مالي وسياسي بات يثقل كاهل روما، الأمر الذي ألقى بظلاله على جودة البناء المؤسسي الذي اتسم بهشاشة بنيوية قادت البلاد لاحقاً إلى منزلقات خطيرة.
شهد عام 1956 نقطة التحول المؤسسي الأبرز في تاريخ الصومال الحديث؛ حيث أُجريت أول انتخابات تشريعية عامة في البلاد لاختيار أعضاء الجمعية التشريعية. ويوضح الكتاب كيف أسفرت هذه الانتخابات عن صعود حتمي لـ “رابطة الشباب الصومالي” (SYL) كقوة سياسية مهيمنة، مما أجبر سلطات الوصاية الإيطالية على الاعتراف بالواقع الجديد والتعامل مع النخبة الوطنية كشريك رسمي في الحكم. وبموجب هذه التطورات، تشكلت أول حكومة صومالية تتمتع بالحكم الذاتي الداخلي برئاسة عبد الله عيسى محمود. ورغم أن هذه الخطوة رُحب بها دولياً ومحلياً كإنجاز تاريخي، إلا أن التحليل المعمق للباحثين يكشف أن إيطاليا عمدت إلى نقل السلطات الإدارية والسياسية بشكل متسارع وغير مدروس في كثير من الأحيان، وذلك بدافع الرغبة في إظهار نجاح مأموريتها أمام بعثة الأمم المتحدة، والتخفيف من النفقات الباهظة التي كانت تضخها الخزانة الإيطالية في مستعمرتها السابقة.
ولم تكن الأزمة في نقل السلطة مقتصرة على الجوانب الإدارية فحسب، بل برزت المعضلة الأكبر في الملف الاقتصادي والمالي، وهو الجانب الذي يفرد له الكتاب مساحة تحليلية واسعة. فخلال فترة الخمسينيات، اعتمد الاقتصاد الصومالي بشكل شبه كامل على المساعدات المالية المباشرة من روما، وعلى نظام تفضيلي محمي ومصمم خصيصاً لتصدير الموز الصومالي إلى الأسواق الإيطالية. ويكشف المؤلفان كيف أن إدارة الوصاية، ورغم توجيهات خبراء البنك الدولي والأمم المتحدة بضرورة تنويع مصادر الدخل القومي وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة، فشلت في خلق اقتصاد صومالي قادر على الصمود دون الدعم الخارجي. لقد كانت “الصوملة” الاقتصادية مجرد شعار فضفاض، بينما ظل الواقع يشير إلى أن الدولة المستقلة القادمة ستولد وهي تعاني من عجز بنيوي مزمن في ميزانيتها، وتبعية مطلقة للمنظومة المالية الدولية.
عند الانتقال إلى ملف صياغة الدستور وتأسيس الجيش الوطني الصومالي في عام 1960. هنا، يتجلى بوضوح الاستعجال الإيطالي؛ إذ جرى استنساخ النموذج الدستوري والبرلماني الإيطالي وإسقاطه على مجتمع صومالي يتميز بتركيبة عشائرية معقدة ونظام قيمي تقليدي يعتمد على الأعراف المحلية. هذا التباين الحاد بين النص الدستوري الغربي الحديث والواقع الاجتماعي والقبلي، أدى إلى خلق ديمقراطية شكلية وهشة سرعان ما تحولت إلى ساحة للمحاصصة العشائرية وتصفية الحسابات السياسية. وفي الوقت نفسه، جرى دمج “قوات الأمن الصومالية” الناشئة، التي دربها الكارابينييري الإيطالي، على عجل لتصبح نواة الجيش الوطني، دون صياغة عقيدة عسكرية وطنية واضحة تحمي المؤسسة العسكرية من الاختراقات السياسية أو التجاذبات القبلية.
وفي يوليو من عام 1960، وقبل أشهر قليلة من الموعد الأصلي الذي حددته الأمم المتحدة، أعلنت إيطاليا رسمياً إنهاء وصايتها، ليتزامن ذلك مع استقلال الشطر الشمالي الذي كان خاضعاً للاستعمار البريطاني، وولادة “الجمهورية الصومالية” الموحدة. ويختتم المؤلفان هذا الفصل الهام بالإشارة إلى أن رحيل الإدارة الإيطالية لم يكن نهاية المطاف، بل كان بداية لنمط جديد من النفوذ غير المباشر. فقد تركت روما وراءها نخبة سياسية صومالية تتحدث لغتها، وتعتمد على دعمها المالي، وتتحرك داخل إطار مؤسساتي هش وضعه المستعمر القديم على عجل. وبذلك، دخل الصومال عهد الاستقلال وهو يحمل في أحشائه بذور الأزمات البنيوية التي ستتفجر لاحقاً.
بريق الديمقراطية الزائف والارتماء في أحضان العسكر (1960 – 1969)
دخلت مقديشو حقبة واعدة من الحكم الديمقراطي التعددي نالت عليها ثناءً دولياً كبيراً في القارة الأفريقية. بيد أن الباحثين، وعبر تفكيكهما للوثائق الدبلوماسية وسجلات تلك الفترة، يكشفان كيف أن هذا البريق الديمقراطي كان يخفي وراءه تصدعات بنيوية عميقة أورثتها الإدارة الإيطالية المستعجلة، مما جعل الدولة الوليدة عاجزة عن الصمود أمام إعصار الأزمات الداخلية والإقليمية، لينتهي بها المطاف بالارتماء تحت جزمة الحكم العسكري عام 1969.
لم تكن “جمهورية الصومال” الموحدة حديثاً مجرد دمج جغرافي بين الشطرين الجنوبي (الإيطالي سابقاً) والشمالي (البريطاني سابقاً)، بل كانت مواجهة معقدة بين إرثين إداريين وقانونيين ولغويين متباينين تماماً. ويوضح الكتاب كيف حاولت روما الحفاظ على هيمنتها الثقافية والسياسية في الجنوب من خلال دعم حلفائها التقليديين في “رابطة الشباب الصومالي” (SYL)، التي احتكرت السلطة وشكلت الحكومات المتعاقبة برئاسة شخصيات مثل إبراهيم عقال وعبد الرشيد علي شرماركي. ورغم الآمال العريضة، تفشت في أروقة الدولة الناشئة مظاهر المحاصصة العشائرية، والفساد الإداري، والزبائنية السياسية، حيث تحولت الأحزاب السياسية إلى واجهات تخدم مصالح قبائلية ضيقة، وتناست النخبة الحاكمة معالجة القضايا التنموية الملحة لبلد يعاني من فقر مدقع وأمية متفشية.
تتجلى خطورة التحليل التاريخي في هذا الجزء عند رصد الموقف الإيطالي من الأزمة الاقتصادية المزمنة التي عصفت بمقديشو. فقد ظلت روما، بدافع الحفاظ على نفوذها، الشريك التجاري والمالي الأول للصومال، مستمرة في ضخ المساعدات وشراء محصول الموز بأسعار تفضيلية لحماية مصالح شركاتها. غير أن هذه المساعدات، كما تكشف أوربانو، لم تُوجّه لبناء قاعدة إنتاجية حقيقية، بل استُغلت من قبل النخب الحاكمة لتعزيز نفوذها السياسي. وفي الوقت ذاته، دخلت الصومال في صراعات حدودية دامية مع جيرانها (إثيوبيا وكينيا) تحقيقاً لحلم “الصومال الكبير”، مما دفع مقديشو للبحث عن مصادر لتسليح جيشها الفتي، وهو الأمر الذي تحقظت عليه روما والعواصم الغربية حرصاً على توازنات المنطقة، مما فتح الباب على مصراعيه لتدخل الاتحاد السوفيتي الذي وجد في القرن الأفريقي موطئ قدم استراتيجي عبر تزويد الجيش الصومالي بأحدث الأسلحة.
بلغت الدراما السياسية ذروتها في أكتوبر من عام 1969؛ ففي ظل احتقان اجتماعي واسع وانسداد الأفق السياسي، اغتيل الرئيس الصومالي عبد الرشيد علي شرماركي. ولم تمضِ سوى أيام قليلة على الاغتيال حتى قاد اللواء محمد سياد بري انقلاباً عسكرياً أبيض أطاح بالدستور والبرلمان، وأعلن تأسيس “المجلس الثوري الأعلى”. ويكشف المؤلفان أن روما تلقت نبأ الانقلاب بمزيج من التوجس والبراغماتية؛ فرغم الميول الاشتراكية المعلنة للنظام العسكري الجديد وتحالفه الوثيق مع موسكو، سارعت الدبلوماسية الإيطالية إلى التكيف مع الواقع الجديد لحماية مصالح الجالية الإيطالية الضخمة والشركات العاملة هناك، مفضلة الاستقرار القمعي على الفوضى الديمقراطية. وبذلك، طويت صفحة التجربة الديمقراطية الهشة، ليدخل الصومال نفق الديكتاتورية الشمولية.
وهج الثورة الاشتراكية وظلال الهيمنة العسكرية الإيطالية (1969 – 1978)
يسلط هذا الجزء الضوء على العقد الأول من حكم اللواء محمد سياد بري، الذي اعتمد اشتراكية علمية ذات صبغة قومية متطرفة، مدعوماً بترسانة عسكرية سوفيتية ضخمة وبيروقراطية أمنية حديدية. ويكشف الباحثان في هذا الفصل عن مفارقة دبلوماسية مذهلة؛ فبينما كانت مقديشو تسبح علناً في الفلك السوفيتي المناهض للإمبريالية، كانت روما تدير من خلف الكواليس شبكة معقدة من العلاقات البراغماتية، مستخدمة “الدبلوماسية الموازية” للحفاظ على نفوذها الاقتصادي والثقافي، وهو ما جعل الصومال ساحة خلفية لتوازنات الحرب الباردة في البحر الأحمر.
لم تكن “الثورة الصومالية” التي قادها سياد بري مجرد تغيير في القيادة السياسية، بل كانت محاولة جذرية لإعادة صياغة المجتمع والدولة؛ حيث أمم النظام البنوك والشركات الأجنبية الكبرى، بما فيها الاستثمارات الإيطالية في قطاعات الزراعة والتجارة، وأطلق حملات قومية ملهمة لتدوين اللغة الصومالية بالحروف اللاتينية والقضاء على القبلية. ويحلل الكتاب ببراعة رد الفعل الإيطالي على هذه التحولات؛ إذ تفادت روما، بقيادة الحكومات الديمقراطية المسيحية المتعاقبة، المواجهة المباشرة مع الديكتاتور العسكري، وعمدت بدلاً من ذلك إلى تبني سياسة “الاحتواء المرن”. فقد أدركت إيطاليا أن سياد بري، ورغم خطاباته الماركسية الرنانة، ظل متمسكاً بالروابط التاريخية مع روما كجسر بديل نحو الغرب، وهو ما سمح باستمرار المساعدات التنموية الإيطالية وبقاء المعهد الجامعي في مقديشو كمعقل للثقافة الإيطالية في قلب نظام اشتراكي.
تصل الإثارة التحليلية في هذا الفصل إلى ذروتها مع اندلاع “حرب أوغادين” الدامية بين الصومال وإثيوبيا (1977 – 1978). هذه الحرب لم تكن مجرد نزاع حدودي، بل كانت نقطة التحول التاريخية التي غيرت التحالفات الدولية في المنطقة بأكملها؛ حيث تخلى الاتحاد السوفيتي فجأة عن مقديشو ليدعم نظام “المنغستو” الماركسي في أديس أبابا، مما ترك جيش سياد بري مكشوفاً ومعزولاً. ويكشف المؤلفان، استناداً إلى وثائق الخارجية الإيطالية، كيف وجدت روما في هذه الأزمة فرصة ذهبية لاستعادة دورها كراعي أساسي للنظام الصومالي؛ فحينما أغلق السوفييت حنفية السلاح، تحركت الدبلوماسية الإيطالية، بتنسيق سري مع واشنطن، لتقديم دعم لوجستي وسياسي ومالي لسياد بري لإنقاذ نظامه من الانهيار التام، مستغلة رغبة الديكتاتور في الانعتاق من العزلة الدولية.
انتهت حرب أوغادين بهزيمة عسكرية مريرة للجيش الصومالي، مخلّفةً وراءها بلداً مستنزفاً مالياً، ومثقلاً بمئات الآلاف من اللاجئين، ونظاماً سياسياً بدأ يفقد شرعيته الأيديولوجية ويعود مرغماً إلى الاحتماء بالعصبية العشائرية لمواجهة المعارضة المتصاعدة. ويختتم الباحثان هذا الفصل بالإشارة إلى أن هذه الهزيمة مثلت بداية النهاية لـ “العصر الذهبي” لسياد بري، لكنها في المقابل فتحت الباب على مصراعيه لتوغل إيطالي غير مسبوق في حقبة الثمانينيات عبر المساعدات الإنسانية وصناديق التنمية، التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكبر فضائح الفساد السياسي في تاريخ إيطاليا والصومال على حد سواء.
حقبة الصناديق المشبوهة وازدهار الفساد العابر للقارات (1978 – 1986)
في أعقاب هزيمة حرب أوغادين، شق نظام محمد سياد بري مساراً جديداً تميز بالتخلي الكامل عن الشعارات الاشتراكية، والارتماء غير المشروط في أحضان التمويلات الغربية للبقاء في السلطة. ويكشف المؤلفان في هذا الجزء كيف تحولت الصومال خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى “مختبر حي” لأكبر عملية تدفق مالي تحت غطاء المساعدات الإنسانية والتنموية الإيطالية، والتي أدارتها روما عبر “صندوق الإعانات المخصصة للتنمية” (FAI)، لتتحول تلك الأموال سريعا إلى قنوات لتمويل منظومة الفساد السياسي في كلا البلدين وتثبيت أركان دكتاتورية عسكرية بدأت تتآكل شرعيتها.
لم يكن التكالب الإيطالي على ضخ الأموال في مقديشو نابعاً من دوافع إنسانية بحتة، بل كان انعكاساً لطبيعة المشهد السياسي في روما، حيث صعد الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI) بقيادة بتينو كراكسي إلى سدة الحكم. ويوضح الكتاب كيف تشكل “محور مصلحي” وثيق بين كراكسي وسياد بري؛ إذ رأت الحكومة الإيطالية في الصومال ساحة مثالية لتنفيذ مشاريع بنية تحتية عملاقة تمنح عقوداً بمليارات الليرات للشركات الإيطالية المقربة من الأحزاب الحاكمة، مقابل إعادة تدوير جزء من هذه الأموال في شكل “عمولات سياسية” غير قانونية لتمويل الحملات الانتخابية في روما. وفى المقابل، حصل الديكتاتور الصومالي على شريان حياة مالي وعسكري مكّنه من شراء ولاءات العشائر وتحديث أجهزته الأمنية القمعية لمواجهة جبهات المعارضة المسلحة التي بدأت تتشكل في الشمال والوسط.
ويستعرض المؤلفان أمثلة صارخة لمشاريع كبرى كبّدت الخزانة الإيطالية مبالغ طائلة دون أن تعود بأي نفع على الشعب الصومالي، مثل مشروع شق طريق “غاروي-بوساسو” الذي شابه فساد مالي هائل، وإنشاء مصانع تعليب الأسماك وتطوير الموانئ التي لم تشتغل يوماً واحداً بطاقتها الإنتاجية وظلت حبراً على ورق. لقد كانت هذه المشاريع، كما يصفها الكتاب، واجهات لنهب المنح الدولية، حيث كان المستفيد الأول منها هم المقاولون الإيطاليون والجنرالات المحيطون بسياد بري، بينما كان المجتمع الصومالي يغرق أكثر في مستنقع الديون والفقر، وتتسع الفجوة الطبقية والاجتماعية بين النخبة الحاكمة وسائر فئات الشعب.
وفي منتصف الثمانينيات، وتحديداً في عام 1986، تعرض محمد سياد بري لحادث سير مروع كاد يودي بحياته، ونُقل على إثره لتلقي العلاج في روما وسط إجراءات أمنية بالغة السرية. ويكشف الكتاب أن هذا الحادث لم يكن مجرد عارض صحي، بل كان الشرارة التي فجّرت صراع الخلافة داخل النواة الصلبة للنظام العسكري في مقديشو، وعرّت هشاشة البنية السياسية التي كانت تعتمد كلياً على شخص الديكتاتور. ويختتم الباحثان هذا الفصل بالإشارة إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه إيطاليا تحتفل بنجاح نموذجها التنموي المزعوم في القرن الأفريقي، كانت بذور الحرب الأهلية الشاملة قد نمت وتجذرت في التربة الصومالية بفعل القمع والفساد الممنهج.
التفكك الكبير وانفجار المرجل – خريف الديكتاتورية المسموم (1986 – 1991)
الفترة الممتدة بين عامي 1986 و1991 لم تكن مجرد سنوات أفول لنظام عسكري شيخ، بل كانت المرحلة التي انحلّت فيها عرى الدولة الصومالية كلياً وتحولت إلى شظايا متناثرة. ويكشف الباحثان في هذا الفصل المأساوي كيف وقفت روما، الشريك التاريخي والأول لمقديشو، عاجزة ومشلولة أمام كرة الثلج المتدحرجة؛ إذ أعماها حرصها على حماية استثماراتها السياسية والمالية مع جنرالات الديكتاتور المصاب محمد سياد بري عن رؤية لافتات التحذير الحمراء، لتستفيق الدبلوماسية الإيطالية على وقع فاجعة انهيار الهيكل بأكمله فوق رؤوس الجميع.
عقب نجاة سياد بري من حادث السير عام 1986، عاد إلى مقديشو بجسد واهن وقدرات ذهنية متراجعة، لتبدأ حلقة ضيقة من أقربائه وعشيرته (المعروفة بـ المودوج) بالسيطرة على مقاليد القرار الفعلي في البلاد. ويوضح الكتاب كيف تحول النظام من دولة مؤسسات عسكرية شمولية إلى عصابة عائلية تشن حرب بقاء مسعورة؛ حيث اندلعت انتفاضات مسلحة عارمة في شمال البلاد بقيادة “الحركة الوطنية الصومالية” (SNM). وردّاً على ذلك، أمر النظام بقصف وحشي لمدينة هرجيسا ومسحها شبه كاملاً بالأرض، في جريمة إنسانية كبرى أثارت تنديداً دولياً واسعاً. غير أن المفاجأة الصادمة التي يوثقها المؤلفان هي استمرار بعض الأجنحة السياسية في روما بتقديم الدعم العسكري واللوجستي المباشر لسياد بري، متغاضية عن دماء الضحايا، تحت مبرر الخوف من البديل الفوضوي والإسلامي.
فبينما كانت جبهات المعارضة (مثل المؤتمر الصومالي الموحد USC) تطوق مقديشو وتضيق الخناق على القصر الرئاسي، كانت روما تعيش على وقع انفجار فضائح “الأيادي النظيفة” (Mani Pulite) التي زلزلت النظام السياسي الإيطالي برمته. ويكشف الكتاب كيف تزامنت نهاية الديكتاتورية الصومالية مع الانهيار الأخلاقي والسياسي لطبقة “كراكسي” وأعوانه في روما الذين هندسوا قنوات الفساد عبر صناديق المساعدات. لقد انشغلت روما بإنقاذ نفسها من مقصلة القضاء الإيطالي، وتركت حليفها الصومالي العجوز يواجه مصيره وحيداً في “فيلا صوماليا”، عاجزة حتى عن قيادة مبادرة وساطة أخيرة لترتيب انتقال سلمي للسلطة يجنب البلاد ويلات التمزق.
وفي يناير من عام 1991، اقتحمت قوات المعارضة شوارع مقديشو، وفرّ محمد سياد بري على متن دبابة باتجاه الجنوب، تاركاً خلفه عاصمة مدمرة ودولة بلا رأس، لتدخل الصومال رسمياً أطول وأعنف حرب أهلية في القارة الأفريقية. ويختتم المؤلفان هذا الفصل الحزين بالإشارة إلى أن الطائرات الإيطالية التي هبطت في مطار مقديشو مستعجلة في تلك الأيام الأخيرة، لم تكن تحمل خططاً للإنقاذ، بل جاءت لإجلاء الرعايا الإيطاليين والفرار بما تبقى من وثائق وأسرار حقبة وصاية ثانية غير معلنة فشلت أخلاقياً وسياسياً. وبخروج آخر دبلوماسي إيطالي، انطفأت أضواء النفوذ التقليدي لتبدأ حقبة التدخلات العسكرية الدولية العنيفة.
مستنقع التدخل الدولي وخيبة “إعادة الأمل” المجهضة (1991 – 1995)
مع سقوط نظام سياد بري ودخول الصومال في أتون حرب أهلية طاحنة قسّمت مقديشو إلى كانتونات متناحرة بين أمراء الحرب، برزت معضلة دولية وإنسانية غير مسبوقة. ويركز هذا الجزء من الكتاب على الفترة الممتدة بين عامي 1991 و1995، وهي المرحلة التي شهدت عودة إيطاليا إلى مستعمرتها السابقة، ولكن هذه المرة ليس كقوة وصاية إدارية أو كشريك تجاري، بل كجزء من تحالف عسكري دولي قادته الولايات المتحدة تحت مظلة الأمم المتحدة في عملية “إعادة الأمل” (UNITAF) وثم (UNOSOM)، وهي التجربة التي تحولت سريعاً إلى كابوس سياسي وعسكري لروما.
لم تكن المشاركة العسكرية الإيطالية في البعثة الدولية مجرد استجابة لنداء إنساني لإنقاذ ملايين الصوماليين من المجاعة الناجمة عن الحرب، بل كانت محاولة مستميتة من روما لإعادة التموقع في ملف القرن الأفريقي والحفاظ على دور “الوسيط التاريخي الرئيسي”. ويكشف المؤلفان كيف قوبل الإنزال العسكري الإيطالي (عملية إيباد) بمزيج من الترحيب والتوجس من قبل الفصائل الصومالية المتناحرة؛ فبينما رأى البعض في الإيطاليين وجهاً مألوفاً يتقن لغة البلاد ويفهم طبيعتها العشائرية، اعتبرتهم فصائل أخرى، لاسيما تلك المنضوية تحت لواء “التحالف الوطني الصومالي” بزعامة الجنرال محمد فرح عيديد، حلفاء تاريخيين مبطنين لنظام سياد بري البائد وجاءوا لإعادة إنتاج النفوذ القديم بقوة السلاح.
عند تحليل الصدام الاستراتيجي المكتوم بين القيادتين العسكرية الإيطالية والأمريكية على الأرض. ويوضح الكتاب أن الجنرالات الإيطاليين، مستندين إلى خبرتهم الطويلة في المجتمع الصومالي، فضلوا اعتماد “دبلوماسية التهدئة” والحوار مع أمراء الحرب لحقن الدماء وتأمين قوافل الإغاثة، بينما ركزت الاستراتيجية الأمريكية على الحسم العسكري والمواجهة المباشرة مع فصيل الجنرال عيديد. هذا الشرخ العملياتي تفجر علناً في يوليو 1993 خلال “معركة نقطة تفتيش باستا” الشهيرة في مقديشو، والتي شهدت اشتباكات ضارية أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود من القوات الخاصة الإيطالية، وتسببت في أزمة دبلوماسية حادة بين روما وواشنطن وصلت إلى حد مالبث أن طالبت فيه إيطاليا بنقل قيادة قواتها إلى منطقة منفصلة.
تزامنت هذه الإخفاقات الميدانية مع صدمة أخلاقية هزت الرأي العام الإيطالي، يكشفها الكتاب بشجاعة؛ حيث تفجرت فضائح تتعلق بانتهاكات وتجاوزات لا إنسانية ارتكبها بعض الجنود الإيطاليين ضد مدنيين صوماليين، مما شوه الصورة الإنسانية التي حاولت روما رسمها لبعثتها. وفي عام 1995، ومع الانسحاب المذل للقوات الدولية والأمريكية عقب معركة “بلاكهوك داون”، حزمت القوات الإيطالية حقائبها مغادرة مقديشو ومخلفة وراءها بلداً يغرق في مستنقع أعمق من الفوضى وغياب الدولة. ويختتم الباحثان هذا الفصل بالإشارة إلى أن هذا الانسحاب مثل الإعلان الفعلي عن موت “الخصوصية الإيطالية” في الصومال، وانفصام آخر عروق الروابط العضوية، لتدخل البلاد حقبة النسيان الدولي.
سنوات النسيان الدولي وظهور الفواعل العابرة للحدود (1995 – 2006)
بعد الانسحاب الجماعي للقوات الدولية بجريرة الفشل الذريع عام 1995، دخلت البلاد عقداً كاملاً من الإهمال والنسيان الدوليين، حيث رُفعت اليد الدولية عن مقديشو وتُرِك الصومال لمصيره كـ “دولة فاشلة” نموذجيّة تُديرها بنادق أمراء الحرب المحكمين بقوانين الغاب العشائري. ويكشف المؤلفان في هذا الفصل كيف تحوّل الموقف الإيطالي من الاندفاع الميداني المحموم إلى انكفاء دبلوماسي حذر، تاركاً الفراغ السياسي لتمتصه قوى محلية وإقليمية جديدة غير تقليدية، عابرة للمفاهيم الدبلوماسية المعهودة.
لم يعد الصومال في هذه الحقبة محط اهتمام المخططين في وزارة الخارجية الإيطالية بروما؛ إذ طغت قضايا البلقان والاندماج الأوروبي على الأولويات الإيطالية، وتراجعت مقديشو لتصبح مجرد ملف أمني هامشي يُدار عبر السفارة الإيطالية في نيروبي. ويوضح الكتاب كيف تحولت العاصمة الصومالية خلال هذه السنوات إلى أرخبيل من الإقطاعيات العسكرية الممزقة، حيث جُمدت مظاهر الحياة المدنية، وغابت البنية التحتية، وانقطعت الصلات المؤسسية مع العالم الخارجي. ورغم محاولات روما الخجولة لدعم مؤتمرات المصالحة الوطنية المتعددة التي عُقدت في عواصم الجوار الأفريقي (مثل مؤتمر عرتا في جيبوتي عام 2000 ومؤتمر إمباغاتي في كينيا عام 2004)، إلا أن تلك الجهود كانت تفتقر إلى الزخم السياسي والمالي الحقيقي، وظلت الحكومات الانتقالية الناتجة عنها حبراً على ورق، عاجزة عن فرض سيطرتها خارج تخوم الفنادق التي وُلدت فيها.
وتكتسب القراءة التاريخية في هذا الجزء طابعاً استقصائياً مثيراً عند الكشف عن “الجانب المظلم” لسنوات الغياب؛ حيث يوثق الباحثان كيف استُغلت السواحل الصومالية الطويلة وغير المحروسة من قبل شبكات مافياوية دولية وشركات عابرة للقارات لدفن النفايات السامة والمشعة، ونهب الثروات البحرية الصومالية دون حسيب أو رقيب. هذا الواقع المرير، الذي كان يتم بعلم وصمت وتواطؤ أطراف سياسية واقتصادية في إيطاليا وخارجها، فجّر فضائح بيئية وإنسانية كبرى (ارتبطت في الوجدان الإيطالي باغتيال الصحفية الإيطالية إيلاريا ألبي ومصورها ميران هروفاتين في مقديشو عام 1994 أثناء تحقيقهما في هذا الملف). لقد أدى هذا الانفلات الشامل إلى توليد نقمة شعبية عارمة لدى الصوماليين، وبدأ المجتمع المحبط بالبحث عن بدائل محلية صارمة تعيد فرض النظام والأمن بعيداً عن ألاعيب أمراء الحرب والوعود الدولية الزائفة.
ومع انتصاف العقد الأول من الألفية الجديدة، وتحديداً في عام 2006، شهدت الخارطة الصومالية تحولاً زلزالياً غير متوقع تمثل في صعود “اتحاد المحاكم الإسلامية”، الذي تمكن خلال أشهر قليلة من دحر أمراء الحرب المدعومين أمريكياً، وبسط سيطرته على مقديشو ومعظم مناطق الجنوب، معيداً الأمن إلى الشوارع للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً. ويختتم المؤلفان هذا الفصل بالإشارة إلى أن الصعود المفاجئ للمحاكم الإسلامية مثل صدمة كبرى لروما والعواصم الغربية، كونه نقل الصومال من مربع الفوضى العشائرية التقليدية إلى مربع الصراع الأيديولوجي المرتبط بـ “الحرب العالمية على الإرهاب” بعد أحداث سبتمبر، مما مهد الطريق لتدخلات إقليمية عسكرية أشد عنفاً.
مستنقع الإرهاب الإقليمي والمناورات النفطية في صراع السيادة (2006 – 2012)
لم تعد مجرد نزاع داخلي بين فصائل متناحرة، بل تحولت إلى جبهة ساخنة وعنيفة ضمن ما عُرف بـ “الحرب العالمية على الإرهاب”. ويكشف المؤلفان في هذا الفصل كيف وجدت روما نفسها مجبرة على الخروج من قوقعة الانكفاء الحذر، لتواجه واقعاً جيوسياسياً جديداً تهيمن عليه بنادق “حركة الشباب المجاهدين” المتطرفة من جهة، والتدخلات العسكرية لدول الجوار الأفريقي من جهة أخرى، في وقت بدأت فيه رائحة النفط والغاز المكتشفين قبالة السواحل الصومالية تعيد صياغة المصالح الإيطالية والغربية خلف الستار.
لم يدم الاستقرار النسبي الذي فرضه “اتحاد المحاكم الإسلامية” في مقديشو عام 2006 طويلاً؛ إذ سارعت واشنطن، مدفوعة بهواجس تمدد تنظيم القاعدة في شرق أفريقيا، إلى الضغط والضوء الأخضر لغزو عسكري إثيوبي كاسح أطاح بالمحاكم الإسلامية وأعاد تنصيب “الحكومة الاتحادية الانتقالية” بقوة السلاح. ويوضح الكتاب كيف أدى هذا التدخل العسكري الخارجي إلى راديكالية المجتمع الصومالي، وولادة “حركة الشباب” كجناح عسكري متطرف انشق عن المحاكم وخاض حرب عصابات دامية حوّلت مقديشو وجنوب البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة. وفي خضم هذا الجحيم، كانت الدبلوماسية الإيطالية تتحرك بتعثر، مستمرة في تقديم الدعم المالي والسياسي للحكومة الانتقالية الضعيفة المحصورة في المربع الأمني للعاصمة، محاولةً دون جدوى إحياء دورها التقليدي كراعية للمصالح الوطنية الصومالية وسط غابة من البنادق.
عند رصد “دبلوماسية الطاقة” وعودة الشركات الإيطالية الكبرى مثل “إيني” (ENI) للتطلع نحو القرن الأفريقي؛ يوثق الباحثان كيف تزامنت هذه الاضطرابات الأمنية مع تفجر النزاع البحري والبري حول مناطق الامتياز النفطي والغازي في الصومال، ولاسيما في قطاعات إقليمي “بونتلاند” و”غالمدوغ” شبه المستقلين. لقد أدركت روما أن الفوضى الصومالية، ورغم كلفته الإنسانية والأمنية الباهظة، تخفي في باطنها فرصاً استثمارية هائلة قد تعيد إيطاليا إلى قلب المعادلة الاقتصادية في المنطقة. وبناءً على ذلك، بدأت روما في صياغة استراتيجية مزدوجة: المشاركة في تمويل وتدريب قوات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM) لضمان حد أدنى من الاستقرار، وفي الوقت نفسه فتح قنوات اتصال سرية ومباشرة مع قادة الأقاليم الفيدرالية الصومالية لتأمين موطئ قدم لشركاتها في قطاع الطاقة المستقبلي.
وفي عام 2012، وضعت الصومال حداً للمراحل الانتقالية الطويلة عبر إقرار دستور فيديرالي جديد وانتخاب أول برلمان وحكومة دائمين منذ سقوط سياد بري، في خطوة اعتُبرت دولياً بداية العودة التدريجية لمفهوم الدولة السيادية. ويختتم المؤلفان هذا الفصل بالإشارة إلى أن إيطاليا سارعت لتكون في طليعة المهنئين والمستفيدين من هذا “التحول الدائم”، معيدة افتتاح سفارتها رسمياً في مقديشو بعد عقود من الغياب. غير أن هذا التفاؤل الدبلوماسي ظل محفوفاً بالمخاطر؛ إذ ورثت الدولة الصومالية الجديدة تركة مثقلة بالإرهاب، والتشرذم الفيدرالي، والأطماع الإقليمية.
شراكة بملامح جديدة – توازن المصالح وتحديات القرن الحادي والعشرين (2012 – 2026)
بعد إقرار النظام الفيدرالي في مقديشو عام 2012، خلع البلدان عباءة الماضي الاستعماري المشحون ومرارات الحرب الأهلية، ليدخلا مرحلة جديدة محكومة بالبراغماتية المتبادلة وتوازن المصالح المشتركة. ويكشف الكاتبان في هذا الفصل الختامي كيف أعادت روما صياغة دورها في القرن الأفريقي؛ فلم تعد تبحث عن وصاية سياسية أو نفوذ أبوي مضى أوانه، بل باتت تتحرك كشريك استراتيجي يسعى لتأمين مصالحه الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة باب المندب الحيوية، وسط تزاحم دولي وإقليمي محتدم.
لم يكن التواجد الإيطالي في مقديشو خلال العقدين الأخيرين مجرد تمثيل دبلوماسي بروتوكولي، بل تركز بشكل مكثف في شريان القطاع الأمني والعسكري؛ حيث تولت روما قيادة “بعثة الاتحاد الأوروبي لبناء القدرات العسكرية في الصومال” (EUTM Somalia). ويوضح الكتاب كيف أسهمت الكوادر العسكرية الإيطالية في إعادة بناء وتدريب نواة الجيش الوطني الصومالي وأجهزة الشرطة الفيدرالية، لتمكينها من سد الفراغ الأمني الحرج الذي خلفه الانسحاب التدريجي لقوات حفظ السلام الأفريقية. وتجلى هذا التعاون الأمني كركيزة أساسية لحماية الملاحة البحرية الدولية قبالة سواحل القرن الأفريقي من قراصنة البحر وفلول التنظيمات المتطرفة، مما جعل الاستقرار الصومالي مصلحة أمنية قومية مباشرة لروما المرتبطة بحدود المتوسط الموسع.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، تحلّل الخاتمة التحول الجذري في فلسفة الدعم الإيطالي؛ إذ اختفت وإلى الأبد صناديق المساعدات الضخمة والمشبوهة التي طبعت حقبة الثمانينيات، لتُستبدل ببرامج تنموية مرنة وموجهة عبر “الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي” (AICS). وتركزت هذه الجهود الحديثة على قطاعات حيوية تمس حياة المواطن الصومالي مباشرة، مثل إعادة تأهيل القطاع الزراعي والحيواني، ودعم الجامعات المحلية وعلى رأسها “الجامعة الوطنية الصومالية” التي أعيد إحياء أقسامها الناطقة بالإيطالية. وفي الوقت ذاته، بدأت الشركات الإيطالية تبني شراكات استثمارية واعدة مع جيل جديد من رواد الأعمال الصوماليين، ولاسيما من أبناء المغتربين (الدياسبورا) الذين عادوا من إيطاليا وأوروبا حاملين معهم رساميل وخبرات متبادلة شكلت جسراً إنسانياً وثقافياً حياً بين ضفتي المتوسط والقرن الأفريقي.
يختتم المؤلفان هذا العمل الرصين برؤية استشرافية تؤكد أن كتابة “التاريخ السياسي” بين إيطاليا والصومال لم تنتهِ فصولها بعد، بل إنها تفتح صفحة جديدة تتسم بالندية والاحترام المتبادل للسيادة. فرغم التحديات الجسيمة المستمرة التي تواجه الدولة الصومالية الفيدرالية — من تهديدات أمنية كامنة وتغيرات مناخية قاسية تؤثر على أمنها الغذائي — إلا أن مقديشو اليوم لم تعد تلك الدولة المعزولة أو الفاشلة التي كانت عليها في التسعينيات، بل غدت فاعلاً يبحث عن مكانه في المنظومة الدولية. وبالمثل، أدركت روما أن إرثها التاريخي في الصومال، بكل ما شابه من إخفاقات ونجاحات، يظل ورقة رابحة تمنحها ميزة نسبية لفهم تعقيدات هذه المنطقة الحيوية من العالم، شريطة أن تظل هذه العلاقة محكومة برؤية مستقبلية تتطلع إلى الأمام، مستفيدة من دروس الماضي دون أن تظل أسيرة له.
Italia e Somalia. Una storia politica dal 1950 a oggi
Annalisa Urbano، Antonio Varsori




