إذا انتصرت روسيا:سيناريو محتمل

هوليوود الدبلوماسية ونهاياتها الزائفة
في السينما العالمية، وتحديداً في تلك البنية الكلاسيكية التي طالما صدرتها هوليوود للعالم، ثمة نسق أخلاقي مريح لا يتغير؛ البطلة تقع تحت حصار خانق، الشرير يطبق على عنقها، سلاحها ملقى بعيداً لا تطاله يدها، وطائرة مشحونة بالمتفجرات تتجه بسرعة جنونية نحو البيت الأبيض. يحبس الجمهور أنفاسه، وتصل الدراما إلى ذروتها التراجيدية حيث يبدو الإحباط سيد الموقف والانسداد كاملاً. لكن، وفجأة، يأتي المنعطف المنقذ (The Twist)؛ تفلت البطلة ببراعة من قبضة محتجزها، تلتقط السلاح، تعيد توجيه الطائرة نحو السماء، وينقشع الكابوس عن نهاية سعيدة يصفق لها الجميع.
هذه السردية ليست مجرد ترف ترفيهي، بل هي، كما يرى المفكر والاستراتيجي الألماني كارلو ماسالا في كتابه الصادم والملح «إذا انتصرت روسيا: سيناريو متخيل»، مركب نفسي وتشوه إدراكي عميق استوطن العقل الغربي الحديث. لقد اعتاد الإنسان الغربي، وصانع القرار في عواصم «العالم الحر»، على التفكير بأن كل شيء سيتجه في نهاية المطاف نحو الأفضل، وأن التاريخ مشروط بالوصول إلى “النهاية السعيدة” الحتمية التي تنتصر فيها الديمقراطية والليبرالية. هكذا كانت القناعة السائدة عقب الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وهكذا تجذرت الأوهام بعد سقوط جدار برلين في عام 1989. نعم، قد تمر الديمقراطيات بلحظات ضعف، وقد تتعرض أوكرانيا لانتكاسات، وقد يتقدم الشعبويون في صناديق الاقتراع، وقد يعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن ؛ ومع ذلك، يهمس العقل الليبرالي لنفسه: «في النهاية، لن تكون الأمور بهذا السوء، روسيا لن تجرؤ على مهاجمتنا، ديمقراطياتنا ستحافظ على مرونتها، والبلد المعتدى عليه سينتصر، والغرب سيبقى القطب الأوحد والمهيمن».
ولكن، ماذا لو سار التاريخ في الاتجاه المعاكس؟ ماذا لو لم تكن هناك نهاية سعيدة؟ ماذا لو انتصرت روسيا بالفعل؟
من هذه النقطة الحرجة والمخيفة، ينطلق كارلو ماسالا، أستاذ السياسة الدولية في جامعة البوندسفير بميونيخ والمدير الحالي لمركز دراسات الاستخبارات والأمن، ليصيغ وثيقة جيوسياسية بالغة الخطورة. يرفض ماسالا في كتابه هذا الركون إلى “الكسل الفكري” والآفاق السياسية قصيرة المدى التي تحكم القادة الغربيين اليوم. إنه لا يقدم نبوءة حتمية، بل يصمم «سيناريو استراتيجياً» مبنياً على استطالة الاتجاهات الراهنة وتفاعلاتها. والسيناريوهات في العرف الأكاديمي والعسكري ليست رجماً بالغيب، بل هي أدوات لتوسيع نطاق الاحتمالات في عقولنا، وتدريب لصناع القرار على مواجهة السيناريو الأسوأ حتى يمكن تلافيه ومنع حدوثه. في هذا العمل الممتد والشيق، يمزج ماسالا بين التفكيك التحليلي الصارم وبين الحوارات المتخيلة داخل غرف القرار المغلقة في واشنطن وبرلين وموسكو وبكين وبروكسل، ليمنح القارئ شعوراً بمرارة المعايشة المباشرة للكارثة الجيوسياسية القادمة.
الفلسفة الكامنة وراء السيناريو: تفكيك “الانتصار” الروسي
يبدأ ماسالا بمحاكمة المفهوم السائد عن “النصر” و”الهزيمة” في الحرب الأوكرانية الراهنة. ويرى أن الكثير من النخب السياسية والمجتمعات الغربية وقعت في فخ التبسيط؛ فهم يرون أن انتصار روسيا يتطلب بالضرورة اجتياحاً كاملاً لكييف وإسقاطاً شاملاً للدولة الأوكرانية. لكن المؤلف يطرح تعريفاً مغايراً وأكثر واقعية؛ فالنصر الروسي، في جوهره، قد تحقق بالفعل جزئياً، ويتحقق بنيوياً إذا تمكنت موسكو من الحفاظ على الأراضي التي احتلتها وضمتها بشكل غير قانوني، وحالت دون قدرة أوكرانيا على استعادة سيادتها الكاملة.
يرصد الكتاب حالة التعب والملل التي بدأت تتسلل إلى المجتمعات الغربية؛ حيث ترتفع أصوات شعبوية ونفعية تقول: «وماذا يهمنا من أمر أوكرانيا؟ ليكن ما يكون، المهم أن تنتهي هذه الحرب وتتوقف آلة الاستنزاف الاقتصادي، لتعود الأمور إلى طبيعتها، ولنعطِ روسيا ما تريده من أراضٍ لنشتري السلام». هنا، يوجه ماسالا صدمته المعرفية الأولى: إن المسألة لا تتعلق بأوكرانيا وحدها، بل إن تقديم التنازلات لروسيا بدافع الإرهاق لن يجلب السلام أبداً، بل سيكون بمثابة إعطاء الضوء الأخضر لتدمير بنية الأمن الأوروبي بالكامل والإطاحة بالنظام الدولي الليبرالي برمته. إنها البداية وليست النهاية، والغرب في هذه الحالة يشبه النعامة التي تدفن رأسها في الرمال أمام عاصفة كاسحة.
نقطة الانهيار: ثلاثة أعوام قبل الكارثة واستسلام جنيف
لكي يفهم القارئ كيف انفرط عقد النظام الدولي، يعود بنا ماسالا في خطه الزمني المتخيل إلى الوراء ثلاثة أعوام قبل اللحظة الساخنة للسيناريو (تحديداً في قصر الأمم بجنيف). الأجواء داخل القاعة عاصفة وباردة كصقيع سيبيريا؛ الوفدان الأوكراني والروسي يلتقيان وجهاً لوجه، يضم كل وفد خمسة ممثلين، وعلامات الهرم والإنهاك مرتسمة على وجوههم رغم أن بعضهم لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وهي جراح سنوات الحرب الطويلة التي انطلقت عام 2022.
لم يكن هذا الاجتماع تفاوضاً بين ندين، بل كان مسرحاً لعملية “إملاء شروط” تمت هندستها برعاية مشتركة وضغط غير مباشر من الولايات المتحدة والصين. الوفد الأوكراني جاء إلى جنيف وهو يدرك جيداً ما هو مطلوب منه، وما ينتظره الحلفاء والأعداء على حد سواء؛ لقد جاؤوا لتوقيع وثيقة استسلامهم. لم تُسمَّ الوثيقة علناً “صك استسلام”، بل جرى تسويقها دولياً تحت مسمى «اتفاق سلام جنيف»، لكنها في الجوهر والواقع كانت انكساراً كاملاً للدولة الأوكرانية وتراجعاً مخزياً للغرب الجماعي.
يكشف ماسالا في هذا الفصل الستار عن الديناميكيات السياسية التي قادت إلى هذه اللحظة؛ حيث لم يعد لدى أوكرانيا ما يكفي من العنصر البشري (المانبوير) أو العتاد العسكري (الماتيريل)، والأهم من ذلك، أنها فقدت الدعم الحيوي والمستدام من حلفائها الغربيين. وفي حوار افتراضي لاهب يكشف عقلية التاجر التي سادت البيت الأبيض تحت إدارة ترامب العائدة، يستدعي المؤلف تفاصيل اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشركائه الغربيين ليلة التوقيع. كان زيلينسكي يصرخ محذراً من العواقب الكارثية للتخلي عن بلاده، ليأتيه الرد الصادم والمستخف من واشنطن: «إن حجم الأموال المخصصة للمساعدات العسكرية لأوكرانيا لو استُغل لشراء جزيرة غرينلاند لكانت النسبة بين الأرض والدولار أفضل بكثير! أنا لا أبرم صفقات خاسرة». وعندما حاول رئيس الوزراء البريطاني التدخل لإنقاذ الموقف قائلاً: «سيدي الرئيس، إن أمن أوروبا…»، قاطعه الرئيس الأمريكي ببرود: «على أوروبا أن تدفع ثمن أمنها الخاص».
لقد ساد الاقتناع في واشنطن وعواصم أوروبية رئيسية بأن روسيا خسرت ما يكفي من الرجال والعتاد في حرب الاستنزاف، وبالتالي فإنها لن تشكل خطراً مستقبلياً، وأن الوقت قد حان لإنهاء هذا الصداع الدولي. وكما نقلت الصحافة البريطانية عن الرئيس الفرنسي في تلك الليلة: «على زيلينسكي أن يدرك أن اللعبة قد انتهت». لم يأتِ هذا التخلي من فراغ، بل كان انعكاساً لعجز بنيوي وفشل فاضح للاتحاد الأوروبي في زيادة إنتاج المعدات العسكرية والذخائر إلى المستوى الذي يضمن تدفقاً مستداماً يعوض غياب الدعم الأمريكي الحاسم.
بنود المأساة: جغرافيا ممزقة وسيادة منزوعة
تمخضت مأساة “سلام جنيف” عن شروط قاسية ومذلة استأصلت جزءاً حيوياً من الجسد الأوكراني؛ إذ لم يقتصر الأمر على إجبار أوكرانيا على التنازل عن أكثر من 20% من أراضيها السيادية لصالح الاتحاد الروسي، بل فُرض عليها تعديل دستورها ليتضمن “بند الحياد الدائم”، مما يحرمها بصفة نهائية وقاطعة من أي أمل مستقبلي في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وكنوع من التعويض الأخلاقي الزائف والمسكنات الدبلوماسية، جرى الاتفاق على برنامج إعادة إعمار يموله البنك الدولي، والمفارقة الصارخة أنه لم يوجه فقط للأجزاء الخاضعة لسيطرة الحكومة الأوكرانية، بل شمل أيضاً الأراضي التي احتلتها وضمتها روسيا! ولمراقبة هذا الوقف الهش لإطلاق النار، قررت الأمم المتحدة تشكيل قوة حفظ سلام دولية تضم قوات من الصين ودول أوروبية ودول أخرى. بيد أن هذه القوات، كما يوضح ماسالا بكثير من النقد، كانت مجرد “شاهد زور” جرى تقييد تفويضها وصلاحياتها؛ إذ اقتصرت مهمتها على كتابة التقارير ورفعها إلى مجلس الأمن الدولي عند حدوث أي خروقات، دون أن تمتلك أي تفويض عسكري حقيقي أو قدرة على الردع العسكري الفوري لمنع هجوم روسي جديد.
وهكذا، وضعت الحرب أوزارها، وانتهى أكبر صراع مسلح شهدته القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية بهزيمة مدوية لأوكرانيا وانكسار رمزي للغرب. وبينما كان الساسة الغربيون يتسابقون لإعلان النجاح في “حقن الدماء” وتجنب المواجهة النووية الشاملة، كانت الشقوق في جدار الأمن الأوروبي تتسع بعمق، وكانت النوايا الروسية الحقيقية في الكرملين تستعد للانتقال إلى المرحلة التالية من المخطط، وهي مرحلة لم تكن أوكرانيا فيها سوى حجر الدومينو الأول.
في غرف الكرملين المغلقة.. بطل الحرب القومية العظمى الثانية
بينما كانت جنيف تشهد توقيع صك الانكسار الأوكراني، كانت الأجواء في موسكو تعيش حالة من السريالية السياسية والنشوة القومية التي لم تشهدها البلاد منذ مايو 1945. ينقلنا كارلو ماسالا في هندسته المشهدية إلى داخل القاعة الكبرى في قصر الكرملين، حيث يقف الرئيس الروسي محاطاً بنخبته العسكرية والأمنية (السيوفيك)، وأمامه حشد من المراسلين وجنرالات الجيش الذين أثقلت صدورهم الأوسمة. المظهر العام ليس مظهر رئيس يخوض حرباً استنزافية مرهقة، بل مظهر “القيصر المعاصر” الذي أعاد تجميع الأراضي الروسية وتحدى الإمبراطورية الغربية بأكملها وانتصر عليها.
يحلل ماسالا الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي في تلك الليلة التاريخية، معتبراً إياه الوثيقة التأسيسية لعصر “ما بعد الغرب”. لم يتحدث الرئيس عن أوكرانيا كدولة جارة تم تحييدها، بل تحدث عنها كـ “أرض روسية تاريخية” عادت إلى حضن الوطن الأم بعد عقود من الاختطاف الغربي. في هذا الخطاب، أعيدت صياغة السردية بالكامل؛ فلم تعد العملية العسكرية الخاصة مجرد إجراء دفاعي ضد تمدد الناتو، بل أُعلنت رسمياً بصفتها “الحرب القومية العظمى الثانية”.
الرسالة التي أراد الكرملين إيصالها للداخل الروسي وللعالم كانت واضحة وصارمة: روسيا لم تكن تحارب أوكرانيا، بل كانت تحارب حلف شمال الأطلسي بأسره، وبما أن أوكرانيا قد استسلمت وقُطعت أطرافها، فإن روسيا قد هزمت الناتو عملياً في ساحة المعركة. هذه القناعة رسخت في الوجدان العام الروسي فكرة حتمية التفوق الاستراتيجي لموسكو، وأثبتت للنظام أن التضحيات الاقتصادية والبشرية الهائلة التي قُدمت على مدار سنوات الصراع لم تذهب سدى، بل كانت الثمن الضروري لاستعادة مكانة الدولة العظمى التي لا يمكن تجاوزها في صياغة مقدرات العالم.
الخديعة الاقتصادية وسقوط نظرية “العقوبات القاتلة”
يفكك ماسالا في هذا الجزء واحدة من أكبر الأوهام التي عاش عليها الغرب منذ عام 2022؛ وهي نظرية “العقوبات الاقتصادية الشاملة الكفيلة بتركيع روسيا”. في السيناريو المتخيل، يكشف المؤلف كيف تحولت هذه العقوبات من أداة حصار إلى محفز بنيوي لإعادة هيكلة الاقتصاد الروسي. بدلاً من الانهيار، نجحت موسكو في بناء ما يسميه ماسالا “اقتصاد الحصن” (Fortress Economy) عبر مسارين متوازيين:
-
المسار الأول (توطين الصناعات العسكرية): تحولت المصانع الروسية إلى العمل على مدار الساعة، وجرى دمج قطاعات تكنولوجية مدنية بالكامل في خدمة المجهود الحربي. هذا التحول خلق حالة من “الإنعاش الكينزي العسكري”، حيث انخفضت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، وضُخت أموال طائلة في الولايات والأقاليم الروسية الفقيرة التي يخرج منها الجنود، مما خلق طبقة مجتمعية جديدة مستفيدة مادياً من استمرار نمط الدولة المحاربة.
-
المسار الثاني (الهجرة نحو الشرق): نجحت روسيا في إعادة توجيه كامل صادراتها من الطاقة والمواد الخام نحو الأسواق الآسيوية، وتحديداً الصين والهند. هذا التحول الاستراتيجي جعل من العقوبات الغربية أداة عزل للغرب عن الموارد الروسية، وليس عزل لروسيا عن العالم.
وعندما رُفعت العقوبات جزئياً بعد “اتفاق جنيف” كجزء من بنود التهدئة، لم تعد روسيا إلى شروط اللعبة الغربية السابقة. لقد دخلت الشركات الغربية في سباق محموم للعودة إلى السوق الروسية خوفاً من خسارة نفوذها نهائياً لصالح الشركات الصينية. هذه العودة المخزية لرأس المال الغربي مثلت، في نظر الكرملين، دليلاً إضافياً على أن الغرب لا يمتلك أي نفس استراتيجي طويل المدى، وأن مصالحه التجارية والنفعية الضيقة ستقوده دائماً إلى الانحناء أمام القوة الصلبة في نهاية المطاف.
سيكولوجية الانكسار الغربي وتأثير “دومينو الردع”
ينتقل بنا كتاب «إذا انتصرت روسيا» إلى الجانب الآخر من الحدود، ليحلل الأثر النفسي والسياسي المدمر الذي أحدثه النصر الروسي على العقل الجمعي الغربي. يرى ماسالا أن الهزيمة في أوكرانيا لم تكن مجرد خسارة جغرافية، بل كانت “أزمة وجودية” تسببت في انهيار مفهوم الردع الاستراتيجي الذي بني عليه الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة.
في واشنطن وبرلين وباريس، سادت حالة من فقدان التوجيه الاستراتيجي. لقد أدركت الدول الأعضاء في الناتو، وخاصة تلك الواقعة على الجناح الشرقي (مثل بولندا ودول البلطيق)، أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد مضمونة بنسبة مئة في المئة. الخطاب الذي كان يكرره القادة الغربيون بأن “الناتو سيدافع عن كل إنش من أراضيه” بات موضع شك حقيقي. فالإنسان البولطي أو البولندي بات يتساءل: «إذا كانت واشنطن قد تخلت عن أوكرانيا بعد أن كلفتها الحرب بضعة مليارات من الدولارات، فهل ستخاطر بحرب نووية شاملة مع روسيا من أجل الدفاع عن تالين أو فيلنيوس؟»
هذا الشك أدى إلى تآكل الثقة المتبادلة داخل الحلف، وبدأت تظهر بوادر تصدع خطير. ويرسم ماسالا سيناريو مخيفاً لتسابق الدول نحو تأمين نفسها بشكل فردي؛ فمن ناحية، اندفعت دول الجناح الشرقي نحو التسلح الجنوني وبناء تحالفات إقليمية مصغرة بعيداً عن الهياكل البيروقراطية للناتو والاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى، بدأت دول أوروبية أخرى، تحكمها تيارات شعبوية صاعدة، في التفكير بفتح قنوات اتصال سرية ومباشرة مع موسكو للتوصل إلى “تفاهمات ثنائية” تضمن عدم استهدافها، مما يعني عملياً بدء عملية “فنلندة” (Finlandization) شاملة للقارة الأوروبية، حيث تملك موسكو حق الفيتو غير المعلن على السياسات الخارجية للدول الأوروبية.
رابعاً: الفخ التكنولوجي والعسكري.. ماذا تعلمت روسيا من الحرب؟
من أخطر الأبعاد التي يطرحها كارلو ماسالا في هذا السياق هو التطور النوعي للآلة العسكرية الروسية نتيجة لسنوات الحرب. يرفض المؤلف النظرة الاستعلائية الغربية التي تصف الجيش الروسي بالبدائية والاعتماد على الكثافة البشرية العمياء فقط. في السيناريو المتخيل، تخرج روسيا من الحرب وهي تمتلك الجيش الأكثر تمرساً وخبرة في الحروب الحديثة عالية الكثافة على وجه الأرض.
لقد اختبر الجيش الروسي في أوكرانيا كل ما تمتلكه الترسانة الغربية من أسلحة ذكية، وأنظمة دفاع جوي، ومعدات حرب إلكترونية، وطور حلولاً تكتيكية وتكنولوجية لمواجهتها وتحييدها. المصانع الروسية أصبحت تنتج كميات هائلة من الطائرات المسيرة الانتحارية، وأنظمة التشويش الإلكتروني، والقذائف الموجهة بدقة، بتكلفة لا تقارن بالصناعات العسكرية الغربية المعقدة والمكلفة.
علاوة على ذلك، يوضح ماسالا أن عقيدة القتال الروسية خضعت لعملية تحديث جذرية؛ حيث جرى دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة المعارك، وأصبحت عمليات الرصد والتعامل مع الأهداف تتم في ثوانٍ معدودة. هذا التفوق العملياتي والخبرة القتالية التراكمية جعلا من القوات المسلحة الروسية خطراً داهماً لا يمكن مقارنته بما كانت عليه الحال في عام 2022. وفي المقابل، بقيت الجيوش الأوروبية غارقة في نقص الذخائر، والبطء البيروقراطي، والاعتماد على نظريات قتالية قديمة لم تختبر في حروب استنزاف طويلة المدى، مما عمق من فجوة القوة الإستراتيجية لصالح موسكو.
خامساً: تصفية الحسابات الداخلية الأوكرانية.. وطن ممزق يلتهم نفسه
يختتم ماسالا هذه الجزئية من السيناريو بالنظر إلى المشهد الداخلي الأوكراني بعد “اتفاق جنيف”. الصورة هناك ليست صورة دولة تعيش في سلام، بل صورة مجتمع يغلي بالمرارة والشعور بالطعن في الظهر. لقد أدى الاستسلام القسري وفقدان خمس الأراضي السيادية إلى انفجار الصراعات السياسية والمجتمعية التي كانت مكبوحة بفعل المجهود الحربي.
دخلت أوكرانيا في دوامة من عدم الاستقرار السياسي؛ حيث تبادلت النخب العسكرية والسياسية الاتهامات بالخيانة والتفريط. المقاتلون الذين عادوا من الجبهات وهم يحملون جراحاً جسدية ونفسية عميقة شعروا بأن تضحيات زملائهم قد بيعت في صفقات دولية مشبوهة. تصاعدت قوة التيارات القومية المتطرفة التي رفضت الاتفاق، وبدأت في تشكيل ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة، مما هدد بوقوع حرب أهلية داخلية.
هذه الحالة من التفكك الداخلي والضعف الاقتصادي الشديد جعلت من أوكرانيا “دولة فاشلة” عملياً، عاجزة عن حماية ما تبقى من سيادتها، ومهيأة تماماً للاختراق الاستخباراتي والسياسي الروسي المستمر. ولم يعد الحياد المفروض عليها حماية لها، بل تحول إلى سجن جيوسياسي كبير يحرمها من أي أفق للتنمية أو الاستقرار، ليتأكد تنبؤ ماسالا القاتم: النصر الروسي لم ينهِ المأساة، بل جعلها دائمة ومتمددة.
المحور الصيني الروسي وعصر التبعية الاستراتيجية المتبادلة
لم تكن الفرحة العارمة التي سادت الكرملين بعد اتفاق جنيف منفصلة عن حسابات باردة ودقيقة تجري في المدينة المحرمة ببكين، فالانتصار الروسي المتخيل في سردية كارلو ماسالا لم يكن مجرد إنجاز عسكري لموسكو، بل كان بمثابة حجر الزاوية الذي انتظره التنين الصيني لإعلان تدشين النظام العالمي الجديد ثنائي القطبية بشكل رسمي. يحلل ماسالا بكثير من العمق والتشريح السياسي التحول الدراماتيكي في العلاقات بين القوتين العظميين؛ إذ يرى أن الحرب الأوكرانية أزالت أي شكوك صينية حول مدى قدرة ورغبة روسيا في الذهاب إلى النهاية في مواجهتها مع الغرب، وحولتها من شريك حذر إلى حليف استراتيجي لا غنى عنه في المعركة الكبرى من أجل الهيمنة العالمية.
يفرد الكتاب فصلاً تراجيدياً يتناول فيه ما يطلق عليه “معاهدة بكين السرية”، وهي الاتفاقية الشاملة التي وقعت عقب انتهاء الحرب مباشرة، والتي لم تعد مجرد تفاهمات تجارية بل تحولت إلى صياغة عسكرية واقتصادية موحدة لإدارة الفراغ الجيوسياسي الذي خلفه التراجع الغربي. في هذه المعاهدة المتخيلة، تخلت روسيا عن مخاوفها التاريخية التقليدية من التمدد الصيني في سيبيريا وآسيا الوسطى، وقبلت بدور “الشريك الأصغر الأكثر قوة” في الحلف الأوراسي، مقابل التزام صيني مطلق بتمويل الآلة العسكرية الروسية وتوفير التكنولوجيا الفائقة التي حرمها الغرب منها عبر العقوبات.
إن هذا المحور الجديد، كما يصفه ماسالا، يمثل كابوساً جيوسياسياً مرعباً لصناع القرار في واشنطن وبروكسل، لأنه يربط للمرة الأولى في التاريخ الحديث بين أضخم كتلة ديموغرافية واقتصادية وتكنولوجية في العالم وهي الصين، وبين أضخم خزان للموارد الطبيعية والطاقة والقوة النووية والخبرة القتالية وهي روسيا. هذا الاندماج أدى إلى خلق فضاء أوراسي مغلق ومحصن بالكامل ضد أي ضغوط أو عقوبات غربية مستقبيلة، وحوّل خطوط التجارة البرية والبحرية عبر الممر الشمالي وطريق الحرير الجديد إلى شرايين حيوية تتدفق من خلالها الثروة والنفوذ بعيداً عن أعين الأساطيل الأمريكية، مما جعل الغرب يبدو وكأنه جزيرة معزولة تحيط بها قارة أوراسية موحدة وتحت قيادة استبدادية صلبة.
زلزال تايوان والأثر المتتابع في شرق آسيا
ينتقل بنا كارلو ماسالا عبر صفحات كتابه ليرصد الأثر المباشر والفوري للنصر الروسي على الجبهة الأكثر خطورة في المحيط الهادئ، وهي جبهة تايوان. هنا، لا يقدم المؤلف مجرد رصد عسكري، بل يدخل بنا إلى عقل القيادة الصينية التي بدأت ترى في استسلام جنيف نموذجاً قابلاً للتكرار بحذافيره في تايبيه. لقد تلقت بكين الدرس الأوكراني بوضوح؛ فالغرب الجماعي يبدأ بمواقف خطابية حازمة وعقوبات اقتصادية صارمة، ولكنه يتراجع وينكفئ بمجرد أن تطول أمد الحرب وتتزايد التكاليف الاقتصادية والبشرية وتلوح في الأفق مخاطر الصدام النووي المباشر.
في هذا السيناريو المعمق، يرسم ماسالا خطة بكين لتشديد الحصار البحري والجوي التدريجي على تايوان، مستغلة حالة الإرهاق الاستراتيجي والانقسام الداخلي التي تعيشها الولايات المتحدة عقب الهزيمة الدبلوماسية في أوروبا. ولم يعد الأمر يحتاج إلى اجتياح عسكري دموي وضخم، بل تحول إلى عملية خنق اقتصادي وتكنولوجي منظمة، ترافقت مع حملات حرب نفسية واستخباراتية مكثفة تخبر الشعب التايواني بأن واشنطن التي تخلت عن زيلينسكي في جنح الليل لن تتردد في التخلي عن تايبيه عندما يجد الجد وتصبح الصواريخ الصينية قادرة على ضرب القواعد الأمريكية في غوام وأوكيناوا.
هذا التحول أحدث حالة من الهلع الاستراتيجي في طوكيو وسول؛ فاليايان وكوريا الجنوبية، اللتان طالما اعتمدتا على المظلة الأمنية الأمريكية لحمايتهما، وجدتا أنفسهما فجأة في مواجهة واقع جديد ومخيف. يصف ماسالا كيف بدأت هذه الدول في مراجعة عقائدها الأمنية بشكل جذري، حيث اندفعت اليابان نحو التخلي الكامل عن دستورها السلمي التاريخي وبناء ترسانة عسكرية هجومية ضخمة، في حين بدأت النقاشات السرية والعلنية تتصاعد في كوريا الجنوبية حول ضرورة امتلاك برنامج نووي مستقل ومحلي كأداة ردع وحيدة ونهائية بعد أن ثبت بالدليل القاطع أن الوعود الأمريكية بالدفاع عن الحلفاء قد تبخرت فوق تلال إقليم الدونباس الأوكراني.
إعادة صياغة الشرق الأوسط وفراغ القوة الأمريكي
لا يتوقف التأثير التدميري للنصر الروسي عند حدود القارة الأوروبية أو الآسيوية، بل يمتد ليشمل منطقة الشرق الأوسط التي تمثل حجر الزاوية في خطوط الطاقة العالمية. يحلل ماسالا كيف أدى الانكسار الغربي في أوكرانيا إلى تسريع وتيرة انسحاب النفوذ الأمريكي من المنطقة، تاركاً خلفه فراغاً استراتيجياً هائلاً سارعت موسكو وبكين لملئه بالتنسيق مع القوى الإقليمية الرئيسية. الدول الخليجية، التي راقبت بدقة تفاصيل التخلي الأمريكي عن كييف وعقلية الصفقات التجريبية التي سادت واشنطن، أدركت أن الاعتماد الحصري على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة بات مغامرة غير مأمونة العواقب.
يرسم الكتاب صورة لمعادلة أمنية وسياسية جديدة في المنطقة، حيث أصبحت موسكو هي الشريك الأمني والوسيط الدبلوماسي المفضل الذي يمتلك علاقات متوازنة وصارمة مع الجميع، في حين تحولت بكين إلى المشتري الأول للطاقة والممول الأكبر لمشروعات البنية التحتية العملاقة. هذا التحول أدى إلى تراجع حاسم في قدرة واشنطن على فرض إرادتها السياسية أو استخدام سلاح العقوبات، وأصبحت دول المنطقة تدير مصالحها بناءً على بوصلة تتجه نحو الشرق، مما أفقد الغرب ميزة السيطرة التاريخية على منافذ التجارة البحرية الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي.
علاوة على ذلك، يوضح ماسالا أن النصر الروسي أعطى دفعة قوية للأنظمة والقوى التي تتبنى أجندات مراجعة للنظام الدولي؛ فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي كانت شريكاً أساسياً لموسكو عبر تزويدها بالطائرات المسيرة والذخائر خلال سنوات الحرب، وجدت نفسها في موقع استراتيجي متفوق. لقد حصدت طهران ثمار تحالفها مع الكرملين من خلال الحصول على أنظمة دفاع جوي روسية متطورة للغاية من طراز إس-400، وطائرات مقاتلة من الجيل الحديث، مما جعل من أي تفكير غربي أو إسرائيلي لشن ضربة عسكرية على منشآتها النووية أمراً شبه مستحيل، ودفع بالمنطقة نحو واقع جديد تفرض فيه القوى المدعومة من المحور الأوراسي شروطها بالكامل.
تراجع الجنوب العالمي وموت السردية الأخلاقية الليبرالية
في الفصل الأخير من هذه الجزئية، يسلط كارلو ماسالا الضوء على التحول الفكري والأيديولوجي الذي أصاب ما يسمى بـ “الجنوب العالمي”. يرى المؤلف أن الهزيمة الغربية في أوكرانيا مثلت رصاصة الرحمة التي أطلقت على السردية الأخلاقية الليبرالية التي طالما استخدمها الغرب لفرض معاييره حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون الدولي. بالنسبة لدول أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، فإن المحصلة النهائية للحرب أثبتت أن القوة الصلبة والقدرة على التحمل هي المجدد الحقيقي لخرائط السياسة الدولية، وأن القوانين الدولية والمواثيق الأممية ليست سوى أدوات توظفها الدول الكبرى لحماية مصالحها ثم تتخلى عنها عندما تعجز عن الدفاع عنها عسكرياً.
يتتبع ماسالا بكثير من المرارة كيف تسابقت عشرات الدول للانضمام إلى مجموعة “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، بحثاً عن مظلة سياسية واقتصادية بديلة للنظام المالي المتمثل في الدولار والبنك الدولي. لقد تحول النصر الروسي إلى نموذج ملهم لكل زعيم أو نظام يرى في الهيمنة الغربية قيداً على طموحاته؛ وباتت الرسالة السائدة في أروقة الحكم عبر العالم الثالث هي: «إذا كانت روسيا المحاصرة قد تمكنت من كسر إرادة ثلاثين دولة من دول الناتو مجتمعة، فلماذا ننصاع نحن لإملاءات واشنطن وبروكسل؟». هذا التآكل الأخلاقي والسياسي حصر الغرب في زاوية ضيقة، وجعله يفقد القدرة على بناء تحالفات دولية واسعة، مما يمهد الطريق لعصر تتعدد فيه مراكز القوة وتغيب فيه أي مرجعية قانونية أو أخلاقية موحدة لضبط الصراعات البشرية.
صدمة الهزيمة وانفجار التناقضات المجتمعية الغربية
لم تكن آثار الهزيمة الدبلوماسية والعسكرية في جنيف محصورة في الدوائر الاستراتيجية المغلقة لعواصم الغرب، بل سرعان ما تسربت كالسُم البطيء إلى عمق المجتمعات الغربية نفسها، مسببة حالة من التحلل السياسي والاجتماعي غير المسبوق. يركز كارلو ماسالا في هذا الجزء الحرج من سيناريوه على تشريح السيكولوجية الجماعية للشعوب الأوروبية والأمريكية عقب تيقنها من الانتصار الروسي. لقد عاشت هذه المجتمعات لعقود طويلة تحت مظلة وهمية من الأمان والرفاه، مقتنعة بأن نموذجها القيمي والاقتصادي هو قمة التطور البشري، وأن الحروب والصراعات الوجودية هي أحداث تقع دائماً خلف البحار أو على هوامش الجغرافيا، ولا يمكن أن تطال مركز الحضارة الغربية.
لكن لحظة الاستسلام في جنيف، وما رافقها من اعتراف ضمني بالعجز أمام القوة الروسية الصلبة، تسببت في انهيار هذه الثقة النفسية بالكامل، وأدت إلى انفجار ما يسميه ماسالا “التناقضات البنيوية المؤجلة”. بدأت الشعوب الغربية تطرح أسئلة حارقة حول جدوى التضحيات الاقتصادية الهائلة التي تحملتها على مدار سنوات الحرب؛ فالتضخم المرتفع، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع مستويات المعيشة، وتوجيه مليارات الدولارات واليورو لدعم جبهة قتال بعيدة انتهت في الأخير بالفشل، كل ذلك تحول إلى وقود لغضب شعبي عارم ضد النخب الحاكمة. سادت حالة من عدم اليقين والإحباط، وبات المواطن الغربي يرى في قادته التقليديين مجموعة من العاجزين والمخادعين الذين أداروا حرباً خاسرة، واستنزفوا مقدرات شعوبهم من أجل أهداف مثالية تبخرت عند أول مواجهة حقيقية مع واقع القوة المادية للكرملين.
صعود اليمين الشعبوي والتحالف غير المقدس مع موسكو
هذه التربة الاجتماعية الخصبة بالمرارة والخوف أتاحت الفرصة التاريخية التي طالما انتظرتها التيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة لقضم مراكز السلطة بالكامل. يتتبع ماسالا بكثير من النقد الاستراتيجي كيف تحولت الهزيمة الجيوسياسية في أوكرانيا إلى رافعة سياسية جرفت في طريقها الحكومات الوسطية والليبرالية. السردية الشعبوية التي كانت توصف في السابق بالهامشية أو الخيانة أصبحت فجأة السردية المهيمنة والمقبولة شعبياً؛ حيث ردد القادة الجدد في برلين وباريس وروما واشنطن خطاباً موحداً يقول: «لقد حذرناكم من خوض هذه الحرب العبثية، وحذرناكم من الانصياع لأوهام العولمة والليبرالية، والآن حان الوقت للاهتمام بشؤوننا الداخلية أولاً، والتوقف عن لعب دور شرطي العالم أو حامي الديمقراطيات الزائفة».
المثير للصدمة في هذا السيناريو، كما يوضح مؤلف الكتاب، هو نشوء ما يمكن تسميته “بالتحالف الأيديولوجي غير المقدس” بين هذه القوى الشعبوية الصاعدة وبين الكرملين. لم تعد روسيا في نظر هذه التيارات خطراً داهماً يجب ردعه، بل تحولت إلى نموذج يحتذى به للدولة القومية القوية التي تحافظ على قيمها التقليدية وتتحدى الهيمنة الثقافية والسياسية لليبرالية الغربية. وبمجرد وصول هذه الأحزاب إلى سدة الحكم في عدة عواصم أوروبية رئيسية، بدأت في تفكيك سياسات العداء مع موسكو، وأعلنت عن رغبتها في بناء “هندسة أمنية أوروبية جديدة” تتضمن الاعتراف بالمصالح الحيوية لروسيا ودمجها كشريك أساسي، مما يعني في الجوهر استسلاماً كاملاً للمشروع البوتيني الرامي إلى تقسيم القارة الأوروبية إلى مناطق نفوذ واستئصال النفوذ الأمريكي منها بصفة نهائية.
تفكك حلف الناتو وتحوله إلى نمر ورقي
في ظل هذه التحولات السياسية العاصفة، يشرع ماسالا في وصف الموت السريري لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذي ظل لقرابة ثمانية عقود العمود الفقري للأمن الغربي. لم ينتهِ الحلف عبر إعلان رسمي بالحل أو الانسحاب، بل انفرط عقده من الداخل بفعل غياب الثقة وتعارض المصالح الحيوية بين أعضائه. المادة الخامسة من ميثاق الدفاع المشترك، والتي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يعتبر هجوماً على الجميع، تحولت في غياب الردع الفعلي والانسحاب الاستراتيجي الأمريكي إلى حبر على ورق لا يثق فيه أحد.
يرسم الكتاب مشهداً قاتماً للانقسام العمودي داخل الحلف؛ حيث تشكلت داخله معسكرات متناحرة لا يجمعها أي رابط استراتيجي. من جهة، تقف دول الجناح الشرقي، كبولندا ورومانيا ودول البلطيق، والتي تعيش حالة من الرعب الوجودي وتطالب بنشر مئات الآلاف من القوات الدائمة على حدودها وتفعيل عقيدة المواجهة الشاملة. ومن جهة أخرى، تقف دول غرب وجنوب أوروبا، التي تحكمها القيادات الشعبوية والنفعية الجديدة، والتي ترفض تماماً أي تصعيد مع موسكو، وترى في المطالب الشرقية مجرد جنون وعقد تاريخية قد تجر القارة إلى دمار شامل من أجل دول صغيرة لا قيمة استراتيجية كبيرة لها. هذا الشلل البيروغراطي والسياسي جعل من الناتو نمراً من ورق، عاجزاً عن اتخاذ أي قرار موحد أو صياغة عقيدة عسكرية قادرة على مواجهة التحركات الروسية المستقبلية، مما شجع الكرملين على مواصلة قضم الأطراف واختبار حدود هذا التفكك الغربي دون أدنى خوف من رد فعل جماعي.
أزمة الهوية الليبرالية وسقوط فكرة “الغرب الجماعي”
يختتم كارلو ماسالا هذه الدفعة التحليلية بالوقوف عند الأزمة الفلسفية والأيديولوجية الأعمق التي خلفتها هذه التحولات، وهي موت فكرة “الغرب الجماعي” كنظام قيمي وسياسي موحد. لعقود طويلة، كان مفهوم الغرب يتجاوز الجغرافيا ليشير إلى مجتمع من الدول التي تشترك في الإيمان بالديمقراطية وحقوق الإنسان، واقتصاد السوق الحر، وسيادة القانون. هذا الرابط القيمي كان السلاح الأقوى للغرب في مواجهة الخصوم والاتحاد في أوقات الأزمات.
بيد أن الانتصار الروسي وما تلاه من صعود للتيارات الاستبدادية والشعبوية في الداخل أثبت أن هذا الرابط كان هشاً ومبنياً على ظروف تاريخية مؤقتة وليس على أسس راسخة. لقد تخلت الدول الغربية عن بعضها البعض عند أول اختبار حقيقي للقوة والتحمل، وسادت عقلية “أنقذ نفسك أولاً” الأنانية. يرى ماسالا أن الغرب انقسم إلى شظايا جغرافية وسياسية متناثرة تعادي بعضها البعض؛ فواشنطن انكفأت على نفسها تحت شعار العزلة القومية، وأوروبا تمزقت بين شرق خائف وغرب مستسلم، بينما تلاشت المؤسسات فوق الوطنية كالأنظمة القانونية الأوروبية والمفوضية في بروكسل لتصبح مجرد واجهات بلا سلطة فعلية. هذا التآكل الفكري والوجودي يعني أن الحضارة الغربية، كما عرفها العالم منذ عصر التنوير، قد دخلت مرحلة الأفول التاريخي، ليس بسبب قوة خصومها الخارجية فحسب، بل بفعل فقدانها للإيمان بقيمها الخاصة وتراجعها عن الدفاع عنها في لحظة الحقيقة.
عودة “الستار الحديدي” الجديد وإعادة عسكرة القارة العجوز
في الفصل الختامي لسيناريوه المتخيل، يأخذنا كارلو ماسالا إلى المعالم الجغرافية والسياسية النهائية التي استقرت عليها القارة الأوروبية عقب الانتصار الروسي وتفكك منظومات الردع التقليدية. لم يعد الحديث هنا عن اتفاقيات سلام أو فترات تهدئة مؤقتة، بل عن ولادة واقع جيوسياسي مرعب ومستدام يسميه المؤلف “هندسة الخوف”. لقد أُعيد رسم خارطة أوروبا خطوة بخطوة لينبعث من جديد “ستار حديدي” ولكن بملامح أكثر قسوة وتطوراً تكنولوجياً وعسكرياً من ذلك الذي عرفه العالم إبان الحرب الباردة. هذا الخط الفاصل الجديد لا يمر هذه المرة في وسط ألمانيا المقسمة، بل يمتد مباشرة على طول الحدود الشرقية لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي المتآكلين، عازلاً دول البلطيق وبولندا ورومانيا في مواجهة مباشرة وجهاً لوجه مع آلة عسكرية روسية منتعشة ومتمركزة بقوة في قلب أوكرانيا المحتلة والمقوضة ببنود الاستسلام.
يصف ماسالا بكثير من التشاؤم الواقعي كيف تحولت المجتمعات الأوروبية، رغم استسلام نخبها الشعبوية الحاكمة، إلى مجتمعات مدججة بالسلاح تعيش في حالة طوارئ دائمة وغير معلنة. الاضطرار إلى العيش بجوار دولة عظمى منتصرة وتوسعية أجبر حتى أكثر الحكومات تراخياً على إعادة العسكرة الشاملة للاقتصاد والمجتمع. تضاعفت الميزانيات الدفاعية لتلتهم حصص الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة، وعادت الخدمة العسكرية الإلزامية لتصبح جزءاً أساسياً من حياة الشباب الأوروبي، وتحولت المصانع المدنية مجدداً إلى إنتاج الذخائر والعتاد في محاولة يائسة لتعويض غياب الحماية الأمريكية المصيرية. هذا التحول البنيوي نحو “مجتمعات الثكنات” أنهى تماماً عصر الرفاهية الليبرالية والراحة الاقتصادية التي ميزت العقود الثلاثة الماضية، وبات المواطن الأوروبي يستيقظ يومياً على تقارير استخباراتية تتوقع الخطوة العدوانية القادمة لموسكو، مما خلق مناخاً نفسياً عاماً مشحوناً بالذعر والقلق والترقب الوجودي المستمر.
حروب الظل الرمادية والابتزاز النووي كأداة حكم يومية
من أعمق الأفكار التي يطرحها ماسالا في نهاية كتابه هو أن النصر الروسي لم يجلب الاستقرار لروسيا نفسها، بل منحها الوسائل والجرأة لشن ما يسميه “حروب الظل الدائمة” ضد ما تبقى من الكيان الأوروبي. لم يعد الكرملين بحاجة إلى تحريك جحافل الدبابات عبر الحدود لإملاء إرادته؛ إذ أصبحت لديه أدوات طيعة وفعالة تم اختبارها ونجاحها في المعركة الكبرى. تفشت العمليات السيبرانية الهجومية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية من شبكات طاقة ومطارات وأنظمة مالية في العواصم الغربية بشكل شبه يومي، وتصاعدت حملات التضليل الممنهجة التي تغذي الانقسامات العرقية والاجتماعية والسياسية داخل الدول الأوروبية، مستغلة مناخ الحرية المتبقي لتدمير الديمقراطية من الداخل.
أضف إلى ذلك، تحول “الابتزاز النووي” من تهديد استراتيجي بعيد المدى يُستخدم في أوقات الأزمات القصوى، إلى أداة دبلوماسية روتينية ويومية يمارسها الكرملين لفرض شروطه السياسية والاقتصادية على جيرانه. يوضح ماسالا كيف باتت الطائرات الروسية الحاملة للرؤوس النووية تنتهك الأجواء الأوروبية بانتظام، وكيف أصبحت المناورات العسكرية الصاروخية على حدود بولندا ودول البلطيق وسيلة معتادة لتذكير القادة الغربيين بأن أي قرار لا يرضي طموحات موسكو قد يعني تحويل مدنهم إلى رماد في غضون دقائق. هذا النمط من الهيمنة الرمادية والترهيب المستمر جعل الدول الأوروبية تعيش في حالة “سيادة منقوصة” عملياً، حيث لا تجرؤ أي حكومة على اتخاذ سياسة خارجية أو أمنية مستقلة دون أن تضع في حساباتها أولاً رد فعل القيصر القابع في موسكو، مما يمثل تجسيداً كاملاً لسيناريو “الفنلندة” الشامل الذي حذر منه المؤلف في بداية أطروحته.
صرخة اليقظة: كيف يمكن للغرب تلافي الكابوس قبل فوات الأوان؟
رغم كل هذه السوداوية التي تملأ صفحات السيناريو، يصر كارلو ماسالا في ختام كتابه على تذكير القارئ بأن هذا الواقع المظلم ليس قضاءً وقشراً حتمياً، بل هو “سيناريو تحذيري” صُمم خصيصاً لهز الضمير الغربي وإيقاظ صناع القرار من سباتهم الفكري والسياسي. إن الهدف الأساسي من عرض تفاصيل الكارثة ليس بث اليأس والانسداد، بل تقديم مرآة قاسية للنخب الليبرالية لترى فيها مآلات تهاونها وتراخيها وقصر نظرها الاستراتيجي في التعامل مع الحرب الأوكرانية الراهنة.




