أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

تشريح العقل الديني: هل الإيمان مجرد خيال جماعي؟

مقدمة في تشريح العقل الديني وفك شفرة “الاعتقاد”

في عالم تتشابك فيه المعتقدات وتتصارع فيه الأفكار حول طبيعة الدين وجوهره، يبرز كتاب “الدين كخيال: نظرية في الاعتقاد، المتخيل، والهوية الجماعية” (Religion as Make-Believe: A Theory of Belief, Imagination, and Group Identity) للكاتب والفيلسوف نيل فان ليوين (Neil Van Leeuwen)، الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد في عام 2023، ليمثل نقلة نوعية في طريقة فهمنا للآليات النفسية والمعرفية التي تقف خلف الإيمان الديني.

يبدأ نيل فان ليوين كتابه بتحدي افتراض شائع وعميق الجذور في وعينا الجمعي: الافتراض بأن المعتقدات الدينية لا تختلف في جوهرها عن المعتقدات الواقعية أو الحقائق اليومية. نحن نميل عادة إلى الاعتقاد بأن إيمان شخص ما بوجود إله، أو كيانات خارقة للطبيعة تستجيب للصلوات، هو عملية عقلية مشابهة تماماً لاعتقاده بأن شهر مايو يسبق شهر يونيو، أو بأن الماء يغلي عند درجة حرارة مئة مئوية. يضرب فان ليوين هذا الافتراض في مقتل، مقدماً أطروحته المركزية التي تقوم على فكرة أن هذين النوعين من الاعتقاد يختلفان اختلافاً جذرياً وبشكل مذهل. أدمغتنا، كما يجادل الكاتب استناداً إلى أدلة تجريبية ونفسية، لا تعالج المعتقدات الدينية بنفس الطريقة التي تعالج بها المعتقدات المتعلقة بالواقع الدنيوي الملموس. بدلاً من ذلك، تعمل المعتقدات الدينية بآلية تشبه إلى حد بعيد “التخيلات” التي توجه ألعاب “التظاهر” أو “الخيال” (make-believe).

لتبسيط هذه الفكرة المعقدة، يطلق فان ليوين على الاعتقاد الديني مصطلح “القناعة الدينية” أو “التصديق الديني” (Religious Credence)، لتمييزه عن “الاعتقاد الواقعي” (Factual Belief). ويجادل بأن هذه القناعة الدينية تُفهم بشكل أفضل على أنها شكل من أشكال الخيال الذي يستخدمه الناس لتعريف هوية مجموعتهم والتعبير عن القيم التي يعتبرونها مقدسة. إنها ليست محاولة لوصف الواقع المادي كما هو، بل هي أداة نفسية واجتماعية لربط الأفراد ببعضهم البعض ضمن إطار من الرموز والمعاني المشتركة.

من أبرز وأمتع الأساليب التي استخدمها الكاتب لإيصال فكرته هو “أمثولة الملعب” (The Parable of the Playground)، وهي قصة رمزية مطولة ومفصلة يفتتح بها كتابه لتكون بمثابة الأساس الذي سيبني عليه كل نظرياته اللاحقة. يتخيل فان ليوين مجموعة من الأطفال يجتمعون كل يوم في فترة الاستراحة ظهراً في بقعة مظللة تحت هيكل لعب خشبي كبير في فناء المدرسة، ليلعبوا بدمى بلاستيكية تمثل شخصيات خيالية. هذه المجموعة مغلقة وحصرية؛ يشعر الأطفال بأنهم محظوظون لكونهم جزءاً منها، ولا يسمحون للغرباء بالانضمام إلا إذا جاءوا بالدمية المناسبة، بل ويطردون الآخرين بعيداً.

هذه الدمى ليست مجرد ألعاب عادية؛ لقد أعطاها الأطفال أسماء وصفات وقوى خارقة. هناك “زالا” (Zalla)، الأقوى بين الجميع، القادر على استدعاء البرق من السماء وصعق أعدائه. وهناك زوجته “هيرجين” (Hirgin)، التي تمتلك قدرة خارقة على قراءة أفكار الناس وسماعها. وهناك أيضاً الأخوان “إيتر” (Aeter) و”أول” (Aul)، اللذان يطيران ويحملان سيوفاً؛ سيف إيتر بارد كالجليد، بينما سيف أول مشتعل بالنار، فضلاً عن شخصية “الشبح” (Ghost) السريع الذي ينقل الرسائل. مع مرور الوقت، يبني الأطفال قلاعاً من الرمل لهذه الشخصيات، وتصبح قلعة “زالا” الأكبر والأكثر أهمية، وتتطور خطوط القصة لتشمل طقوساً، وحروباً مع الأشرار، وعقوبات للمخطئين.

هذه الأمثولة  ليست مجرد قصة أطفال، بل هي تشريح دقيق لما يسميه الكاتب “الهيكل المعرفي ثنائي الخرائط” (Two-map cognitive structure). عندما يلعب هؤلاء الأطفال، فإن عقولهم لا تعاني من الخلط أو الوهم؛ إنهم يتنقلون ببراعة بين خريطتين عقليتين منفصلتين تماماً. الخريطة الأولى تمثل الواقع الدنيوي المادي: إنهم يعرفون أن الدمى مصنوعة من البلاستيك ولا تستطيع التحدث أو التحرك من تلقاء نفسها، ويعرفون أن القلاع مصنوعة من الرمل المبلل، ويعرفون متى تنتهي فترة الاستراحة ليعودوا إلى فصولهم. أما الخريطة الثانية، فهي التي تفرض عالم الخيال فوق الخريطة الأولى: في هذه الخريطة، الدمى هي كائنات خارقة، والرمل هو ذهب ورخام، والأصوات التي يصدرونها هي أصوات هذه الكائنات العظيمة.

يؤكد فان ليوين أن هذين المستويين يعملان معاً بشكل متزامن. الطفل الذي يمثل دور “زالا” يجب أن يعرف بحكم الخريطة الأولى أن الدمية صامتة وجمادية لكي يقوم هو بتحريكها وإصدار الصوت نيابة عنها، ولكنه في نفس الوقت يجب أن يتخيل بحكم الخريطة الثانية أن “زالا” كيان قوي يتحدث ويتحرك. هذا الازدواج المعرفي هو أساس لعبة “التظاهر”. وهنا يبرز مفهوم غاية في الأهمية يطرحه الكاتب وهو “عدم الخلط” (Nonconfusion). يرفض الكاتب ما يسميه “أسطورة الخلط”، وهي الفكرة القائلة بأن الأطفال يصدقون حقاً أن ألعابهم حقيقية أو أنهم يخلطون بين الخيال والواقع. التجارب العلمية وعلم نفس التطور يثبتان أن الأطفال، حتى في سن مبكرة، يميزون بوضوح بين ما هو حقيقي وما هو خيالي، ويقومون بما يسميه الكاتب “التتبع المستمر للواقع” (Continual reality tracking). فهم يتابعون معالم الواقع الدنيوي بدقة (مثل مكان الرمل أو موعد انتهاء اللعب) لكي يتمكنوا من بناء خيالهم فوقه بشكل صحيح.

ما علاقة كل هذا بالدين؟ يطرح فان ليوين بجرأة أن المجتمعات الدينية تعمل بآلية مشابهة جداً لهذه الأمثولة. المؤمنون يستخدمون نفس النسق المعرفي ثنائي الخرائط؛ فهم يمتلكون خريطة للواقع الدنيوي (Factual-belief map) تتعامل مع الأشياء والأحداث العادية في الحياة اليومية، ويمتلكون خريطة أخرى للقناعة الدينية (Religious-credence map) تضفي على هذه الأشياء والأحداث العادية دلالات مقدسة وخارقة للطبيعة. الكأس العادية في الكنيسة تظل بحكم الخريطة الأولى مجرد كأس من المعدن تحتوي على سائل، لكنها بحكم الخريطة الثانية تصبح وعاءً مقدساً يحمل دماً إلهياً.

يتطور الأمر في أمثولة الملعب عندما يكبر هؤلاء الأطفال، ويمر أحدهم، وهو “جون”، بأزمة نفسية عائلية قاسية. وفي لحظة انهيار في العلية، يرى دمية “زالا” في شعاع من النور ويشعر بصوت يخبره “أنت لست وحدك”. من هنا، تتحول لعبة الطفولة إلى عقيدة، وتتحول الدمى إلى قوى مقدسة، ويعود الشباب إلى الملعب في منتصف الليل ليمارسوا طقوساً، وتتأسس حركة دينية كاملة تُدعى “الملعب” (The Playground) لها مبادئها المقدسة وأتباعها، بل وتفرخ تياراً أصولياً متشدداً. هذا التحول السلس في القصة يجسد أطروحة الكاتب: القناعة الدينية تختلف عن الاعتقاد الواقعي تماماً كما يختلف التخيل الخيالي عن الاعتقاد الواقعي، مع فارق أن القناعة الدينية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالهوية الجماعية والقيم المقدسة.

إن الاعتراف بأن عقولنا تعالج المعتقدات الواقعية والدينية بطرق مختلفة اختلافاً أساسياً، يفتح الباب واسعاً أمام فهم أعمق وأكثر دقة لسايكولوجيا الإيمان الفردي والجماعي. لم يعد الدين مجرد مجموعة من الفرضيات التي تحتمل الصواب أو الخطأ المادي، بل هو مساحة نفسية شاسعة ومعقدة تتقاطع فيها الاحتياجات الاجتماعية بالقدرات المعرفية الخيالية للإنسان.

تشريح التوجهات المعرفية والفجوة بين الواقعي والمقدس

بناءً على “أمثولة الملعب” التي أسسنا بها فهمنا للهيكل المعرفي مزدوج الخرائط في الدفعة الأولى، يغوص نيل فان ليوين في هذه المرحلة في أعماق الفلسفة الإدراكية وعلم النفس المعرفي ليطرح سؤالاً جوهرياً وحاسماً: ما الذي يجعل “الاعتقاد الواقعي” (Factual Belief) مختلفاً من الناحية الوظيفية والفسيولوجية عن “القناعة الدينية” أو “التصديق الديني” (Religious Credence)؟ للإجابة على هذا التساؤل المعقد، يفكك الكاتب بدقة متناهية خصائص ما يسميه “التوجهات المعرفية” (Cognitive Attitudes)، ليثبت بالأدلة التجريبية والنظرية أننا أمام ظاهرتين عقليتين مختلفتين تماماً، تعملان وفق أنظمة تشغيل مستقلة وتلعبان أدواراً متباينة جذرياً في مسرح الوعي البشري.

الاعتقاد الواقعي، كما يصفه فان ليوين، هو نظامنا الأساسي الفطري للنجاة وتصفح العالم المادي والتعامل مع معطياته المباشرة. يتسم هذا النوع من الاعتقاد بأنه “لا إرادي” (Involuntary) وشامل التأثير في كل مناحي الحياة. أنت كإنسان لا تختار بوعيك أن تعتقد أن السماء زرقاء، أو أن الجاذبية تسحب الأشياء نحو الأسفل، أو أن النار تحرق الجلد؛ بمجرد أن تتعرض للتجربة المباشرة أو المعلومة الحسية الواضحة، يقوم دماغك بتحديث خريطته الواقعية بشكل قسري وتلقائي. الأهم من ذلك، أن الاعتقاد الواقعي يوجه سلوكك الحركي والعملي واليومي في كل السياقات وبلا توقف. إذا كنت تعتقد حقاً وبشكل واقعي أن هناك دباً مفترساً طليقاً في الغرفة التي تجلس فيها، فإن هذا الاعتقاد سيوجه سلوكك فوراً نحو الهرب أو الاختباء، ولن يحتاج هذا الاعتقاد إلى طقوس معينة، أو مساحة مخصصة، أو حالة مزاجية محددة لكي يتفعل في ذهنك ويسيطر على أفعالك.

على النقيض من ذلك تماماً، يطرح الكتاب فكرة أن “القناعة الدينية” تعمل كتوجه معرفي ثانوي يُبنى فوق هذا الأساس المادي المسبق، تماماً كما تُبنى قواعد ألعاب التظاهر والخيال الإنساني المتقدم. هذه القناعات تتسم بكونها شديدة “الاعتماد على السياق” (Context-dependent). المؤمن المخلص قد يعتنق قناعة راسخة ويقينية بأن قوة مقدسة إلهية ترعاه وتحميه من كل مكروه وشر، لكنه مع ذلك، وبدافع الاعتقاد الواقعي القوي الذي يعمل في الخلفية المعرفية لدماغه، سينظر حتماً يميناً ويساراً قبل عبور شارع مزدحم لتجنب أن تدهسه السيارات مسرعة. القناعة الدينية تنشط بشكل مكثف وفعال في سياقات محددة، مثل التواجد داخل المعابد، أو أثناء ممارسة الطقوس الدينية، أو عند مواجهة أزمات وجودية كبرى، لكنها في العادة لا تحكم التحركات الفيزيائية الأساسية للإنسان بنفس الصرامة والشمولية اللحظية التي يفرضها الاعتقاد الواقعي.

من النقاط التي يطرحها فان ليوين في هذا السياق هو مفهوم “القابلية للتأثر بالأدلة” (Evidential Vulnerability). الاعتقادات الواقعية هشة جداً وسريعة الزوال أمام الأدلة المضادة المباشرة. إذا كنت تعتقد جازماً أن مفاتيح سيارتك موجودة على الطاولة، ثم تقدمت ونظرت ولم تجدها، فإن اعتقادك القديم يتبخر في جزء من الثانية ليحل محله اعتقاد جديد بأن المفاتيح مفقودة أو في مكان آخر، ولن يسبب لك هذا التحديث السريع أي أزمة هوية أو انهيار نفسي. أما القناعات الدينية فهي تمتاز بما يسميه “المناعة ضد الأدلة” (Evidential Immunity). عندما تتعارض الأدلة المادية البحتة مع قناعة دينية متجذرة، فإن العقل البشري لا يقوم بتحديث الخريطة وإلغاء القناعة بسلاسة، بل يبذل جهداً تفسيرياً ودفاعياً هائلاً لحمايتها، ويعمد إلى إعادة تأويل الواقع وتطويعه بما يتناسب معها للحفاظ على استقرارها. هذا الصمود ليس دليلاً على خلل منطقي أو غباء متأصل، كما قد يجادل نقاد الدين التقليديون من مدرسة الإلحاد الجديد، بل هو، حسب نظرية الكاتب، دليل قاطع على أن العقل أساساً لا يصنف هذه القناعات في نفس درج الاعتقادات الواقعية، فغرضها التطوري والنفسي ليس تمثيل الواقع المادي بدقة، بل شيء آخر تماماً يتعلق بالمعنى والروابط الاجتماعية.

وهنا نصل إلى البعد الأكثر تعقيداً وجمالاً في الطرح الإدراكي للكتاب: “الجانب المعياري” (The Normative Component). في عالم الاعتقادات الواقعية البارد، ليس هناك أي واجب أخلاقي يفرض عليك أن تعتقد أن الماء يغلي عند مئة درجة مئوية؛ إنها مجرد حقيقة فيزيائية تقبلها. لكن في عالم القناعات الدينية الخصب، “الاعتقاد” في حد ذاته هو فضيلة كبرى وواجب ملزم. أنت “يجب” أن تؤمن، والشك يُعتبر في كثير من الأحيان خطيئة، أو ضعفاً في الشخصية، أو خذلاناً للمجتمع المحيط بك. هذا الضغط المعياري يشبه إلى حد بعيد جداً قواعد الانتساب الصارمة لمجموعة الأطفال في أمثولة الملعب؛ لكي تبقى جزءاً أصيلاً من “نحن” ولا يتم طردك من المساحة المظللة، يجب أن تلتزم بالتظاهر المشترك وتتبنى الخريطة الثانية بجدية واضحة. هذا يعني بكل وضوح أن القناعة الدينية تتطلب جهداً ذهنياً مستمراً، وصيانة نفسية دائمة، ومشاركة جماعية فعالة لكي تستمر حية ونابضة، على عكس الاعتقاد الواقعي الذي يفرض نفسه بقوة الجاذبية ولا يتطلب أي مجهود لصيانته.

عبر هذا التشريح الإدراكي المذهل، يقدم نيل فان ليوين رؤية ثورية تحرر النقاش المعاصر حول الدين من ثنائية “العقلانية الباردة مقابل الخرافة الساذجة”. العقل البشري ليس معطوباً أو مخدوعاً عندما يتبنى بصدق معتقدات دينية تتحدى المنطق المادي البسيط، بل هو في الواقع يمارس أرفع وأعقد قدراته الإدراكية في خلق عوالم متخيلة وتصديقها طوعياً لغايات أعمق بكثير من مجرد وصف الوجود المادي وتأطيره.

الخيال المقدس كغراء اجتماعي وهندسة الهوية الجماعية

 ننتقل الآن إلى المحطة الأكثر حساسية في أطروحة نيل فان ليوين. السؤال الذي يفرض نفسه هنا بإلحاح هو: إذا كانت القناعات الدينية لا تقدم وصفاً دقيقاً للواقع المادي، وإذا كانت تتطلب جهداً ذهنياً وصيانة مستمرة للبقاء حية، فلماذا طور العقل البشري هذه القدرة المعقدة من الأساس؟ ولماذا استمرت الأديان كقوة محركة للتاريخ البشري ولم تندثر أمام التقدم العلمي؟ الإجابة التي يطرحها الكتاب تكمن في الدور الوظيفي العميق لهذا الخيال المقدس؛ إنه ليس خللاً معرفياً، بل هو أعظم أداة تطورية ابتكرها الإنسان لهندسة “الهوية الجماعية” وتشكيل مجتمعات متماسكة قادرة على التعاون والتضحية.

يأخذنا فان ليوين في هذا الجزء من نظريته إلى عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا التطورية، ليثبت أن “الاعتقادات الواقعية” بطبيعتها الباردة والمحايدة، عاجزة تماماً عن خلق روابط عاطفية أو ولاءات قبلية بين البشر. اشتراكك مع ملايين البشر في الاعتقاد بأن الأرض كروية، أو أن الشمس تشرق من الشرق، لا يجعلك تشعر بأخوة تجاههم، ولا يدفعك للتضحية بحياتك من أجلهم؛ فهذه حقائق مفروضة على الجميع بقوة الواقع المادي. في المقابل، فإن الاشتراك في خريطة “التخيل” أو “القناعة الدينية” يتطلب قراراً، وانتماءً، واستعداداً لتبني مجموعة من الرموز التي لا يمكن إثباتها مادياً. عندما يتفق مجموعة من الأفراد على أن نهراً معيناً ليس مجرد مجرى مائي بل هو كيان مقدس يغسل الخطايا، فإن هذا الاتفاق المشترك يخلق جداراً غير مرئي يفصل “نحن” (المؤمنين المستنيرين) عن “هم” (الغرباء أو الكفار). القناعة الدينية هنا تعمل بمثابة “كلمة سر” مشفرة ومعقدة، تضمن أن كل فرد في المجموعة ينتمي حقاً إليها ويشاطرها قيمها العميقة.

ولفهم مدى قوة هذا الغراء الاجتماعي، يعود بنا الكاتب بشكل غير مباشر إلى ديناميكيات “أمثولة الملعب”. الأطفال في ساحة اللعب لم يكونوا يطردون الغرباء لأنهم يجهلون حقائق فيزيائية، بل لأنهم يرفضون قواعد اللعبة المشتركة ولا يحترمون قدسية شخصية “زالا”. وبالمثل، في المجتمعات البشرية، يُعاقب المهرطق أو المرتد بقسوة بالغة، ليس لأنه ارتكب خطأً علمياً في فهم الكون، بل لأنه بكسره للقناعة الدينية يهدد النسيج الاجتماعي والأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه هوية الجماعة. رفض الخريطة الثانية (خريطة المقدسات) يُترجم فوراً كرفض للمجموعة ذاتها، وخيانة للعهد غير المكتوب الذي يربط أفرادها. هذا يفسر لماذا تكون الصراعات الدينية أو الأيديولوجية أشد دموية وعنفاً من أي نزاع آخر؛ لأنها لا تدور حول الموارد المادية فحسب، بل حول الوجود المعنوي والهوية التأسيسية.

يتطرق فان ليوين في هذا السياق إلى مفهوم بالغ الأهمية يُعرف في علم النفس التطوري بـ “الإشارات المكلفة” (Costly Signaling). لكي تثبت المجموعة تماسكها، ولكي تتأكد من ولاء أفرادها واستعدادهم للتعاون في أوقات الأزمات، فإنها تتطلب منهم تقديم تضحيات تبدو من منظور الاعتقاد الواقعي البحت غير منطقية أو مرهقة. هذه التضحيات قد تتخذ شكل طقوس شاقة، أو صيام طويل، أو تبرع بالأموال، أو حتى تغييرات جسدية. إن تبني “القناعة الدينية” التي تبرر هذه الأفعال وتضفي عليها معنى مقدساً، هو الطريقة التي يثبت بها الفرد للمجموعة أنه جدير بالثقة ولن يتهرب من مسؤولياته عندما يواجهون عدواً مشتركاً أو كارثة طبيعية. العقل البشري يدرك، بشكل غريزي، أن الشخص الذي يشاركك نفس الخيال المقدس ويتحمل تكاليفه، هو شخص يمكنك الاعتماد عليه في ساحة المعركة الحقيقية.

وهكذا، يقلب الكتاب الطاولة على النظرة التقليدية التي تعتبر الإيمان الديني مجرد محاولة بدائية وفاشلة لتفسير ظواهر الطبيعة قبل ظهور العلم الحديث. الدين، وفقاً لنظرية “الاعتقاد كخيال”، لم يكن يوماً منافساً للعلم في ميدان قراءة الواقع المادي، بل كان، ولا يزال، يلعب في ميدان مختلف تماماً: ميدان بناء شبكات معقدة من المعنى، وتشكيل كيانات اجتماعية ضخمة تتجاوز الروابط البيولوجية المباشرة. القدرة على تصديق الخرافة والعيش داخل خريطة التخيل المقدس هي بالضبط ما جعل الإنسان العاقل قادراً على بناء حضارات وإمبراطوريات، بينما ظلت الكائنات الأخرى حبيسة واقعها المادي المباشر. إنها مفارقة مذهلة؛ أن يكون ابتعادنا الطوعي والجماعي عن الواقع الحرفي هو الأداة الأقوى التي ضمنا بها سيطرتنا على هذا الواقع نفسه.

لغز “النفاق الديني” وازدواجية المعايير تحت مجهر الخرائط المعرفية

 نصل الآن إلى واحدة من أكثر المعضلات تعقيداً وإثارة للجدل في دراسة السلوك البشري: الفجوة الهائلة بين ما يعلنه المؤمنون بصدق، وبين ما يمارسونه فعلياً في حياتهم اليومية. لطالما وقف الفلاسفة ونقاد الدين حائرين، وأحياناً ساخرين، أمام ظاهرة “النفاق الديني”. كيف يمكن لشخص يعلن إيمانه المطلق واليقيني بوجود إله يراقب كل أفعاله، وعقاب أبدي ينتظر المخطئين، أن يقدم بكل سهولة على ارتكاب الخطيئة أو الكذب أو انتهاك التعاليم المقدسة؟ لو أن هذا الشخص يمتلك “اعتقاداً واقعياً” بأن النار تحرقه، فإنه لن يضع يده فيها أبداً. فلماذا يضع يده في “نار الجحيم” المحتملة إذا كان إيمانه بها يوازي إيمانه بالنار المادية؟

هنا تتجلى العبقرية التفسيرية لنموذج “الخرائط المعرفية المزدوجة”. يرفض فان ليوين التفسير السطحي الذي يتهم هؤلاء المؤمنين بالكذب العمدي أو الخداع الواعي. بدلاً من ذلك، يوضح أن هذا التناقض الصارخ هو نتيجة طبيعية وحتمية لطبيعة “القناعة الدينية” نفسها. كما أسلفنا، القناعة الدينية لا تعمل بنظام التشغيل الخاص بالاعتقاد الواقعي؛ فهي لا تفرض سيطرة آلية، قسرية، وفورية على السلوك الجسدي في كل لحظة وفي كل سياق. عندما يواجه الإنسان إغراءً مادياً مباشراً، فإن الخريطة الأولى (خريطة الاعتقاد الواقعي التي تحكمها الغرائز والمصالح المادية الفورية) هي التي تقود الدفة في تلك اللحظة الحرجة، وتتراجع الخريطة الثانية (خريطة التخيل المقدس) إلى الخلفية، ليس لأن المؤمن تخلى عنها، بل لأن سياق تفعيلها قد اختلف.

إن ما يبدو للمراقب الخارجي نفاقاً، هو في الواقع حالة من “العزل الإدراكي” أو التقسيم العقلي الذي يتقنه العقل البشري ببراعة مذهلة. المؤمن الصادق قد يجهش بالبكاء متأثراً بموعظة داخل دار العبادة، حيث تكون خريطة “التصديق الديني” في أوج نشاطها، وحيث يعيش بكيانه كله داخل عالم الرموز المقدسة. في تلك اللحظة، هو لا يمثل ولا يكذب؛ إنه يختبر صدقاً نفسياً عميقاً. ولكن، بمجرد خروجه إلى الشارع أو انخراطه في منافسة تجارية شرسة، تتولى خريطة “الاعتقاد الواقعي” زمام الأمور لضمان تفوقه المادي، وتصبح المعايير المقدسة أقل قدرة على توجيه سلوكه اللحظي. هذا الانفصال الوظيفي هو الذي يتيح للبشر التعايش مع تناقضاتهم دون أن يصابوا بانهيار عصبي أو أزمة هوية حادة.

يضيف الكاتب بُعداً آخر لهذه المعضلة يتعلق بطبيعة “التصريح بالاعتقاد”. في عالم القناعات الدينية، التصريح بالكلمات، مثل أداء الصلوات العلنية أو إعلان الإيمان، ليس مجرد وصف للحالة العقلية الداخلية، بل هو فعل أدائي واجتماعي في حد ذاته. أنت تصرح بإيمانك لتعلن ولاءك للمجموعة وتؤكد التزامك بقيمها العليا، حتى لو تخلفت أفعالك اليومية عن بلوغ هذه المثالية. العقل البشري مصمم ليعتبر هذا الإعلان التزاماً كافياً للحفاظ على العضوية في النسيج الاجتماعي، متسامحاً مع الزلات المادية باعتبارها ضعفاً بشرياً طبيعياً يقع ضمن نطاق الخريطة الأولى.

بهذا التحليل، ينزع الكتاب عن “الازدواجية الدينية” طابعها الأخلاقي، ويعيد تأطيرها كظاهرة معرفية طبيعية تعكس مرونة الدماغ البشري وقدرته على استيعاب عوالم متناقضة. نحن لسنا آلات منطقية صارمة، بل كائنات معقدة تتنقل بين واقع مادي قاسٍ يجب النجاة فيه، وخيال مقدس يمنحنا المعنى والانتماء. وهذا المزيج المربك بين الخريطتين هو ما يصنع التجربة الإنسانية بكل بهائها وتناقضاتها الدائمة.

إعادة هندسة الحوار بين العلم والدين في القرن الحادي والعشرين

لم يعد الأمر مجرد سجال تقليدي حول صحة أو بطلان الادعاءات التاريخية والفيزيائية للنصوص المقدسة، بل تحول النقاش بفضل نظرية “الدين كخيال” إلى تشريح للطبيعة الإدراكية للإنسان، وكيفية استخدام العقل لأدواته الفريدة من أجل خلق نسيج اجتماعي مرن وقادر على الصمود عبر العصور.

لقد أخطأت حركات الإلحاد الجديد، التي سادت في العقدين الماضيين، عندما تعاملت مع الدين باعتباره مجرد “علم بدائي فاشل” يحاول تفسير ميكانيكا الكون ولكنه يخفق أمام التجربة. هذا الخطأ الاستراتيجي في النقد نبع من افتراضهم الخاطئ بأن المؤمنين يستخدمون “الاعتقاد الواقعي” عندما يتحدثون عن مقدساتهم. لكن فان ليوين يثبت أن محاولة تفنيد “القناعة الدينية” باستخدام معادلات الفيزياء أو الأدلة الأحفورية تشبه تماماً محاولة تفنيد قصيدة شعرية باستخدام قوانين الديناميكا الحرارية؛ كلاهما يعمل في خريطة معرفية مستقلة وله وظيفة تختلف تماماً عن الأخرى. العلم يخبرنا كيف يعمل الكون المادي في الخريطة الأولى، بينما الخيال المقدس يخبرنا كيف نرتبط ببعضنا البعض، وكيف نصنع المعنى، وكيف نبني الهويات الجماعية في الخريطة الثانية.

نقد من وجه نظر إسلامية 

يقدم كتاب “الدين كخيال: نظرية في الاعتقاد، المتخيل، والهوية الجماعية” لفيلسوف العلوم المعرفية نيل فان ليوين محاولة تفسيرية جريئة لفهم الإيمان الديني بعيداً عن أطروحات الماديين التقليدية، محاولاً جسر الفجوة بين العقلانية المادية والظاهرة الروحية. ومع ذلك، فإن إخضاع هذه النظرية لميزان التصور الإسلامي يكشف عن تباين جذري وهوة واسعة لا يمكن ردمها، لأن أطروحة الكتاب تسقط جوهر الإيمان في الإسلام وتختزله من حقيقة وجودية مطلقة إلى مجرد “لعبة تخيل جماعية” أو “بنية اجتماعية نفعية”.

إن المنظور الإسلامي ينطلق من قاعدة صلبة ويقينية تفيد بأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هو “اعتقاد حقيقي بالحقائق المطلقة”، وليس مجرد “قناعة دينية وظيفية” منفصلة عن الواقع. القرآن الكريم يعرّف الإيمان بأنه تصديق جازم يطابق الواقع المطلق للوجود، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ من دُونِهِ الْبَاطِلُ). النظرة التي تقسم خريطة العقل البشري إلى “اعتقاد واقعي دنيوي” و”خريطة تخيل مقدسة” تتعارض مع التصور التوحيدي الشامل؛ فالمؤمن في الإسلام يعتقد بوجود الله ومالكيته المطلقة للكون بنفس اليقين القاطع الذي يعتقد به وجود المحسوسات بل وأشد، لأن الغيبيات في الإسلام (كالآخرة والملائكة) هي الحقائق الباقية، بينما الدنيا بكل مادياتها هي المتاع الزائل والخيال العابر، وليست هي “الواقع الحقيقي” الوحيد كما يزعم المؤلف.

علاوة على ذلك، فإن وصف فان ليوين للمعتقدات الدينية بأنها تشبه ألعاب “التظاهر” (Make-believe) أو التخيل المشترك يفرغ العبادات والتشريعات الإسلامية من محتواها الإلهي الحقيقي، ويحولها إلى مجرد أداة سوسيولوجية لهندسة “الهوية الجماعية” وتأكيد الانتماء القبلي أو الاجتماعي. في الإسلام، الصلاة والصيام والزكاة والحج ليست مجرد طقوس رمزية لتثبيت التضامن بين الأفراد أو إشارات مكلفة لإثبات الولاء للمجموعة، بل هي عبودية حقيقية خاضعة لأوامر خالق الحكيم العليم، ولها عواقب كونية وواقعية دنيوية وأخروية مترتبة عليها حقيقة لا مجازاً. افتراض أن المؤمن يعلم باطنياً بعدم حقيقة هذه العقائد مادياً لكنه يتبناها تخيلياً يحط من قدر العقل الإنساني المؤمن، ويجعله في حالة من الازدواجية المتعمدة أو الخداع النفسي المنظم.

أما فيما يتعلق بتفسير الكتاب لظاهرة “النفاق وازدواجية المعايير” باعتبارها نتيجة حتمية لانفصال الخريطة الدينية عن الواقع المادي، فإن الرؤية الإسلامية تعالج هذا الخلل بمنظور أخلاقي إيماني صارم. النفاق في الإسلام ليس مجرد “عزل إدراكي” أو انتقال طبيعي بين خرائط العقل، بل هو مرض قلبي وانحراف سلوكي وإرادي يلامس فيه الإنسان سوء الاختيار ومخالفة ما أقر به لسانه وقلبه. الإسلام لا يقبل هذا الانفصال الوظيفي المريح بين ما يعتقده الإنسان وما يمارسه، بل يربط الإيمان الحق بالعمل الصاخِب والمباشر والأمانة المطلقة في كل مفاصل الحياة، ويجعل الأخلاق والالتزام العملي دليلاً قاطعاً على صدق اليقين القلبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى