أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

زلزال نيفاشا وارتدادات الجغرافيا: تفكيك لخطايا النخب وعقدة الموارد في انشطار السودان

زلزال الخريطة والمأزق التاريخي

تمهيد: جغرافيا ممزقة وولادة قيصرية خلف الأسلاك الشائكةحين أُعلنت نتائج الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان في مطلع عام 2011، لم يكن الحدث مجرد تعديل خطي على الخرائط السياسية لشرق إفريقيا، بل كان بمنزلة زلزال جيوستراتيجي أعاد صياغة مفهوم “الدولة الوطنية” في الفضاء العربي الإفريقي بأسره. إن ولادة دولة “جمهورية جنوب السودان” لم تكن مجرد فصل إداري بين إقليمين عاشا عقوداً من الاحتراب الأهلي، بل كانت “قطعاً جراحياً” في جسد كيان وُصف تاريخياً بأنه الجسر الثقافي والحضاري الأوحد بين العروبة والزنجية، وبين الإسلام والثقافات الإفريقية التقليدية والمسيحية. في هذا السياق المتفجر والمشحون بالقلق، يأتي كتاب “انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (بيروت، الطبعة الأولى) ، ليمثل وثيقة فكرية وصحفية رفيعة المستوى، شارك في صياغتها نخبة من ألمع المفكرين والباحثين العرب والسودانيين، أمثال: النور حمد، عبد الله الفكي البشير، عبد الله علي إبراهيم، عبد الوهاب الأفندي، أماني الطويل، حمدي عبد الرحمن، والشفيع خضر سعيد، وآخرين. يقع الكتاب في نحو 480 صفحة من القطع الكبير ، ممتداً عبر فصول تتداخل فيها المقاربات السياسية، والاقتصادية، والتاريخية، والأنثروبولوجية، ليقدم للمكتبة العربية والعالمية تشريحاً ، لا يكتفي بالتباكي على “فردوس السودان المفقود”، بل يغوص بمبضع الجراح في عمق الأزمات الهيكلية التي جعلت من هذا الانفصال نتيجة حتمية لمسار طويل من الإخفاقات السياسية والنخبوية. فرادة الكيان: القطر المنسوج وحده الذي جهله أهله

يفتتح الكتاب بتقرير حقيقة أنثروبولوجية كبرى: السودان ليس مجرد دولة عادية، بل هو حالة ثقافية وحضارية فريدة من نوعها. إنه كيان عربي-إفريقي منسوج وحده، لا يشبه في تركيبته التعددية الأغلبية العظمى من الكيانات العربية الأخرى في آسيا أو إفريقيا. بيد أن المأساة التاريخية الكبرى التي يبرزها المؤلفون في مقدمة الكتاب وفصوله الأولى تتمثل في أن هذا التنوع الثري، وبدلاً من أن يكون مصدر قوة ومنعة وازدهار، تحول بفعل قصر نظر النخب الحاكمة إلى عبء تاريخي، وقنبلة موقوتة فجرت الكيان من الداخل. لقد جهل أهل السودان ونخبه السياسية طوال عقود كيفية إدارة هذا الثراء، فتعاملوا مع الدولة بوصفها غنيمة أيديولوجية أو عرقية، متناسين أن الدول التعددية لا تعيش إلا على ركائز المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل. يمتد الكتاب عبر أقسام رئيسية تبدأ بمقدمات الانفصال التاريخية والاجتماعية، مروراً بالتأثيرات الخارجية والإقليمية (الدور الأمريكي والإسرائيلي تحديداً)، وصولاً إلى النتائج والتحديات الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية المترتبة على الانشطار. وهو بذلك لا ينظر إلى الانفصال كحدث معزول وقع في لحظة زمنية معينة، بل كصدمة نسقية كبرى أحدثت ارتدادات لا تزال تتوالى حتى يومنا هذا في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، فضلاً عن تأثيراتها المباشرة في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي. مأزق الهوية وإخفاق النخب الحاكمةفي الفصل الأول من الكتاب، يقدم المفكر السوداني النور حمد نظرة كلية ثاقبة في مفترق التحول الماثل، مشرحاً “مأزق الهوية العرقية والدينية” الذي عصف بالبلاد. يرى حمد أن النخب الشمالية التي تسلمت مقاليد الحكم بعد استقلال السودان عام 1956، سقطت في فخ “المركزية الأحادية”. لقد حاولت هذه النخب فرض هوية قسرية مستندة إلى شعارات دينية وعرقية ضيقة على شعب يتسم بالتعددية الهائلة، وهو ما ولد شعوراً عميقاً بالتهميش والإقصاء لدى الأطراف، وعلى رأسها جنوب السودان. ويوضح حمد كيف أن “مأزق الشعار الديني” استخدم كأداة للتعبئة السياسية والحرب الأهلية بدلاً من أن يكون جامعاً روحياً. هذا التوظيف السياسي للدين، وتحديداً خلال عهد “جبهة الإنقاذ” بقيادة عمر البشير وحسن الترابي، أسهم في تحويل النزاع من صراع سياسي حول الموارد والمواطنة إلى “حرب دينية مقدسة” صبغت المشهد بالدماء، وجعلت التعايش المشترك تحت سقف دولة واحدة أمراً مستحيلاً في نظر النخب الجنوبية. النخب والعسكر في الشمال، بحسب قراءة حمد، عاشوا في وهم “الدور الديني المركزي”، وحاولوا صياغة جغرافيا السودان على مقاس أيديولوجي ضيق، متجاهلين التحذيرات من أن هذا الضغط المستمر سيؤدي حتماً إلى تفتيت الدولة. ويسوق الباحث دليلاً على ذلك بأن دارفور، التي تشترك مع الشمال في الدين، لم تسلم من التفتيت والنزاع المسلح بسبب العقلية الإقصائية ذاتها، مما يجعلها مرشحة لتكون “هدف التفتيت الثاني” إذا لم تتغير البنية المفاهيمية لإدارة الدولة السودانية. الإخفاق الهيكلي في إدارة التنوع الثقافي واللغويينتقل الكتاب في فصله الثاني، الذي صاغه الباحث عبد الله الفكي البشير، إلى دراسة عميقة لـ”الإخفاق في إدارة التنوع”. يضع البشير مدخلاً مفاهيمياً دقيقاً للتنوع الثقافي، مستعرضاً التراكم التاريخي والواقع الماثل للسودان. ويؤكد أن السودان يمتلك من المكونات اللغوية والإثنية ما يجعله قارة مصغرة، إلا أن تعاطي الدولة السودانية مع هذا التنوع منذ الاستقلال كان تعاطياً تجميلياً وتسكينياً. ويصف البشير اتفاقيات السلام المتعددة التي وقعتها الحكومات المتعاقبة مع المتمردين الجنوبيين بأنها لم تكن سوى “ترميم لبناء متهالك”. لم تكن هناك إرادة حقيقية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي، بل كانت عبارة عن صفقات سياسية مؤقتة لاقتسام السلطة والثروة وتسكين البنادق، دون المساس بجوهر المشكلة الهيكلية. وفي قراءته للتعاطي مع التنوع اللغوي والديني، يرى البشير أن الدولة مارست نوعاً من “العنف الرمزي” ضد اللغات والثقافات المحلية غير العربية، مما ولد غبناً اجتماعياً وتاريخياً تراكم على مر السنين. ويخلص البشير إلى مقولة مجازية قاسية يصف بها النخبة السياسية السودانية: “فساد السمك يبدأ من رأسه”. فالإخفاق لم يكن إخفاقاً شعبياً، إذ إن التعايش المجتمعي كان ممكناً، بل كان إخفاقاً نخبوياً بامتياز، تجسد في الدعوة المستمرة إلى “دستور إسلامي أحادي” يتجاهل ملايين المواطنين من غير المسلمين، ويجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم. هذا الخلل البنيوي هو الذي مهد الطريق جغرافياً ونفسياً وسياسياً لجعل خيار الانفصال هو الخيار الجاذب والوحيد المتاح أمام الجنوبيين في لحظة الاستفتاء التاريخية.

إعادة قراءة التاريخ: ما أغفلته السردية الشمالية عن جنوب السودان

لطالما روجت المناهج التعليمية والسرديات الإعلامية الرسمية في العالم العربي والخرطوم لرواية نمطية واحدة حول القضية الجنوبية، تختزلها في “تمرد أجنبي” أو “مؤامرة استعمارية” تهدف إلى تفتيت وحدة السودان. بيد أن كتاب “انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص”، وتحديداً في الفصل الذي صاغه المؤرخ والباحث السوداني البارز عبد الله علي إبراهيم، يقدم مراجعة فكرية وتاريخية بالغة الأهمية تسعى لرد الاعتبار للحقائق التاريخية وتفكيك المركزية الشمالية في قراءة الأحداث.

يأخذنا عبد الله علي إبراهيم في رحلة عبر تلافيف التاريخ المغيب، مستعرضاً نشأة الحركة الوطنية في جنوب السودان وتطورها. ويرى أن النخبة الشمالية تعاملت مع الوعي السياسي الجنوبي بنوع من التعالي والاستخفاف، وصوّرت القادة الجنوبيين تاريخياً وكأنهم مجرد أدوات بلا مشروع سياسي وطني. إن إبراهيم يقلب هذه السردية رأساً على عقب، مبيناً أن المطالب الجنوبية بالاعتراف بالخصوصية الثقافية والفيدرالية بدأت منذ ما قبل الاستقلال، وتحديداً في مؤتمر جوبا عام 1947. غير أن النخبة السياسية الشمالية التي ورثت الحكم من المستعمر البريطاني، مارست “عملية اختطاف” للدولة وللقرار الوطني، وتجاهلت بوعي أو بدون وعي الوعود التي قطعتها للجنوبيين بمنحهم نظاماً فيدرالياً يحمي خصوصيتهم ويرسخ وجودهم كشركاء أصيلين في الوطن.

ويوضح إبراهيم كيف تحولت الخيبة السياسية الجنوبية إلى عمل مسلح بعد تمرد حامية توريت عام 1955، والذي كان بمنزلة جرس إنذار مبكر رفض الشمال الإنصات إليه بجديّة. هذه القراءة النقدية تعيد الاعتبار للتاريخ الاجتماعي والسياسي للجنوب، وتؤكد أن مسار الانفصال لم يكن وليد صدفة أو استجابة طارئة لإملاءات غربية، بل كان تراكماً مرعباً لوعود منكوثة، وسنوات مديدة من النفي الثقافي والسياسي، مارست فيه أجهزة الدولة في الخرطوم دور “المستعمر الداخلي” الذي حل محل المستعمر الخارجي، مستخدماً الأساليب والأدوات ذاتها في القمع والتهميش وإدارة الأزمات.

الموقف العربي من قضية الجنوب: بين غياب الوعي السياسي وفخ السلبية

انتقالاً من الدائرة المحلية السودانية إلى الدائرة الإقليمية، يفرد الكتاب مساحة تحليلية واسعة لتشريح “الموقف العربي” من الأزمة السودانية منذ اندلاعها وحتى ذروتها المتمثلة في الاستفتاء والانفصال. يشير المؤلفون بوضوح وبنبرة نقدية حادة إلى أن المنظومة العربية الرسمية، ممثلة في جامعة الدول العربية والأنظمة الحاكمة، عاشت عقوداً من “العمى الاستراتيجي” والغيبوبة السياسية تجاه ما كان يحدث في جنوب السودان.

كان التعامل العربي مع السودان مبنياً على اختزال مخلّ: السودان دولة عربية، مسلمة، وعضو في الجامعة العربية، وبالتالي فإن أي تحرك في الجنوب هو مجرد “خروج على الطاعة” أو “مؤامرة تستهدف الأمن القومي العربي”. هذا الاختزال منع العواصم العربية من بناء قنوات اتصال حقيقية ومباشرة مع النخب والقيادات الجنوبية، وترك الساحة الجنوبية شاغرة تماماً أمام القوى الإقليمية والدولية الأخرى التي سارعت لملء الفراغ، وبناء تحالفات استراتيجية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق.

لم تدرك الأنظمة العربية أن الحفاظ على وحدة السودان لم يكن يتطلب دعم الأجهزة العسكرية في الخرطوم بالمال والسلاح لشن حروب لا أفق سياسياً لها، بل كان يتطلب ممارسة ضغوط حقيقية على النخبة الحاكمة في الشمال لحثها على قبول مبدأ التعددية، وإقرار المواطنة المتساوية، وتوجيه استثمارات عربية ضخمة للتنمية في الجنوب المحروم والمهمش. لقد غاب الاستثمار العربي التنموي عن الجنوب طوال عقود، وحينما حضرت الطائرات والوفود العربية، كانت تحضر غالباً في إطار الوساطات السياسية المتأخرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، أو في إطار الدعم العسكري لـ”جهاد” أيديولوجي مزعوم خاضته حكومة الإنقاذ، وهو ما عمّق مرارة الجنوبيين تجاه كل ما هو “عربي”، وصوّر الفضاء العربي في مخيالهم الجمعي كشريك في الجريمة والمعاناة.

المنظومة الإقليمية والتدخلات الخارجية: الساحة المستباحة

في هذا السياق المتصل بالغيبوبة العربية، يناقش الكتاب كيف تحول جنوب السودان إلى “ساحة مستباحة” للقوى الدولية والإقليمية المحيطة. فبينما كانت المنظومة العربية تكتفي بإصدار بيانات الشجب والتأكيد على وحدة وسلامة الأراضي السودانية، كانت هناك قوى أخرى تعمل بديناميكية وصبر استراتيجي على الأرض.

يبرز الكتاب دور الدول الإفريقية المجاورة (مثل أوغندا، كينيا، وإثيوبيا) التي لم تكن مجرد وسيط في النزاع عبر منظومة “الإيقاد”، بل كانت أطرافاً رئيسية تمتلك مصالح حيوية في إضعاف المركز في الخرطوم، وتأمين حدودها الجنوبية، وحماية مصادر المياه والأمن الجيوسياسي لشرق إفريقيا. هذه الدول قدمت الدعم اللوجستي والسياسي والملاذات الآمنة لقادة الحركة الشعبية، وساهمت بشكل فعال في تدويل القضية وضمان فرض شروط الجنوبيين في مفاوضات السلام التي أفضت في نهاية المطاف إلى اتفاقية نيفاشا عام 2005.

إن قراءة الكتاب للأدوار الإقليمية والدولية تكشف مفارقة صارخة: لقد نجحت الحركة الشعبية لتحرير السودان، بفضل ذكاء قيادتها واستغلالها لغباء النخبة الشمالية الأيديولوجي، في تحويل قضيتها من مشكلة داخلية متواضعة إلى قضية رأي عام عالمي تبنتها كبريات العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن. وفي المقابل، تراجعت الدبلوماسية العربية إلى مقاعد المتفرجين، لتفاجأ في عام 2011 بأن دولة جديدة قد ولدت في خاصرتها الجنوبية، دولة تحمل عداءً تاريخياً دفيناً للمنظومة العربية، ومستعدة للارتماء في أحضان أي قوى توفر لها الحماية والاعتراف، بما في ذلك إسرائيل والقوى الغربية، وهو ما يمثل ذروة الفشل الاستراتيجي العربي في إدارة ملف السودان.

مأزق “حق تقرير المصير” وكيف تحول إلى آلية للانفصال

يعرج الباحثون في هذا القسم من الكتاب على البنية القانونية والسياسية لـ”اتفاقية السلام الشامل” (نيفاشا 2005). ويوضحون كيف أن إدراج بند “حق تقرير المصير” للجنوب بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات لم يكن سوى إعلان تأجيل للانفصال، وليس آلية لجعل “الوحدة جاذبة” كما زعم الساسة في الخرطوم حينذاك.

لقد عاش السودان خلال الفترة الانتقالية (2005-2011) حالة من “الوحدة القسرية والمخادعة”؛ حيث استمرت الشكوك والاتهامات المتبادلة بين شريكي الحكم (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، وتلكأت الخرطوم في تنفيذ بنود أساسية من الاتفاقية تتعلق باقتسام السلطة والثروة وترسيم الحدود، في حين كانت الحركة الشعبية ترتب بيتها الداخلي وبنيتها العسكرية استعداداً للحظة الحسم. الكتاب يثبت بالتحليل والوثائق أن النخبة الحاكمة في الشمال ضحت بوحدة البلاد في مقابل الحفاظ على سلطتها الأيديولوجية والسياسية في الشمال، مفضلةً حكم “سودان بترت أطرافه” على حكم سودان موحد وديمقراطي وتعددي يشارك فيه الجنوبيون والأطراف الأخرى على قدم المساواة.

معضلة الجيواقتصاد وأوهام النفط والموارد

الجيواقتصاد السياسي للانفصال: جغرافيا النفط ومأزق الأنابيب

إذا كانت الهوية والسياسة والتاريخ قد شكلت المحركات العاطفية والأيديولوجية لعملية الانفصال، فإن الاقتصاد والنفط شكلا البنية المادية الصلبة التي اصطدمت بها طموحات الدولتين عقب الانشطار الجغرافي. يفرد كتاب “انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص” فصولاً بالغة الأهمية لتشريح التشابك المعقد والمعيب للاقتصاد السوداني، مبيناً كيف تحول النفط من “نعمة مأمولة” لتمويل التنمية والاستقرار إلى “لعنة جيوسياسية” أسهمت في تعجيل الانفصال من جهة، وتدمير البنية الاقتصادية للدولتين من جهة أخرى.

يشير الباحثون في مقارباتهم الاقتصادية إلى المفارقة الجغرافية القاتلة التي خلّفها خط حدود الأول من يوليو 1956؛ فبعد الانفصال، باتت دولة جمهورية جنوب السودان الوليدة تسيطر على نحو 75% إلى 80% من الاحتياطيات والإنتاج النفطي للسودان الموحد، مما حرم خزينة الخرطوم فجأة من المورد الأساسي للنقد الأجنبي والممول لشمال البلاد. بيد أن هذه الثروة الهائلة في الجنوب افتقرت إلى مقومات السيادة الاقتصادية الحقيقية؛ فالجنوب دولة مغلقة جغرافياً (Landlocked State) لا تملك أي إطلالة على البحار والمنافذ العالمية، كما أنها لا تمتلك البنية التحتية الأساسية، أو مصافي التكرير، أو أنابيب التصدير المنشأة تاريخياً.

هنا برز المأزق الجيواقتصادي المتبادل الذي يناقشه الكتاب بعمق: الجنوب يملك النفط في باطن أرضه، لكنه لا يستطيع بيعه أو تسييله ماليّاً إلا عبر عبوره آلاف الكيلومترات في خطوط الأنابيب الممتدة عبر أراضي دولة الشمال (السودان)، وصولاً إلى منصات التصدير وميناء بشاير على البحر الأحمر بشرق السودان. هذا الاعتماد الهيكلي المتبادل والقسري تحول سريعاً إلى أداة للابتزاز السياسي والمواجهات العسكرية، بدلاً من أن يكون دافعاً للشراكة وبناء الجسور؛ إذ سقطت النخب في الدولتين في فخ “المعادلة الصفرية” (Zero-Sum Game)، حيث يتوهم كل طرف أن مكسب الطرف الآخر هو خسارة مطلقة له.

إخفاق “النموذج الريعي” وتبخر أحلام التنمية

يحلل الكتاب بصرامة كيف أخفقت حكومة الخرطوم (خلال الطفرة النفطية التي سبقت الانفصال بين عامي 1999 و2011) في توظيف العوائد البترولية الهائلة لبناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام. لقد سقط السودان في فخ “المرض الهولندي”، حيث تسببت التدفقات المالية السهلة للنفط في إهمال القطاعات الإنتاجية التقليدية والتاريخية التي تمثل عماد الأمن الغذائي والمعيشي للسودانيين، وعلى رأسها قطاع الزراعة بشقيه النباتي والحيواني، ومشروع الجزيرة العملاق، والصناعات التحويلية الصغيرة.

وحين وقع الانفصال، تهاوت هذه البنية الريعية الهشة في الشمال، ووجدت الخرطوم نفسها أمام عجز مالي مرعب، تسبب في انهيار العملة الوطنية (الجنيه السوداني)، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وتصاعد حدة الاحتجاجات الاجتماعية التي كانت الإرهاص الأول لسقوط النظام الشمولي لاحقاً. ولم يكن الوضع في جوبا (عاصمة الجنوب) بأفضل حال؛ إذ إن النخبة الحاكمة الجديدة، المكونة في أغلبها من قادة عسكريين سابقين في الحركة الشعبية، لم تكن تمتلك أي رؤية تنموية أو خبرة في إدارة مؤسسات الدولة والاقتصاد الكلّي.

لقد تحول جنوب السودان فجأة إلى نموذج صارخ للدولة الريعية الفاشلة؛ حيث اعتمدت ميزانيتها بنسبة تتجاوز 98% على عوائد النفط، دون أي اهتمام بالزراعة أو البنية التحتية أو الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم. وبدلاً من توجيه الأموال لبناء مجتمع جنوبي حديث، تبخرت هذه المليارات في دهاليز الفساد المالي والإداري المستشري، وضُخت النسبة الأكبر منها في ميزانيات التسليح، وتحصين النخبة العسكرية الحاكمة ضد خصومها الداخليين، مما حول حلم الدولة الوليدة إلى كابوس للمواطن الجنوبي البسيط الذي لم يجنِ من الانفصال سوى تبدل النخب القامعة.

الحرب النفطية لعام 2012 والتدمير الذاتي المتبادل

يسلط الكتاب الضوء على واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تلت الانفصال مباشرة، وهي أزمة رسوم عبور النفط التي تفجرت في عام 2012. فبسبب الخلاف الحاد حول القيمة المالية التي يجب أن تدفعها جوبا للخرطوم كرسوم لاستخدام الأنابيب والميناء، أقدمت حكومة جنوب السودان في خطوة انتحارية غير مدروسة استراتيجياً على إيقاف إنتاج النفط بالكامل، ظناً منها أنها قادرة على خنق الاقتصاد الشمالي ودفعه نحو الانهيار الشامل.

كانت النتيجة، كما يشرحها باحثو الكتاب، تدميراً ذاتياً متبادلاً لاقتصادي البلدين؛ فقد فقدت جوبا مصدر دخلها الوحيد تقريباً، وتآكلت احتياطياتها من العملات الأجنبية في غضون أشهر قليلة، بينما تفاقمت الأزمة الهيكلية في الشمال. هذه الخطوة لم تعكس سوى غياب الرشد السياسي والاقتصادي لدى نخب الدولتين، وأثبتت أن خطوط الانفصال السياسي عاجزة عن فك الارتباط الجيواقتصادي العضوي الذي فرضته الطبيعة والتاريخ الاستعماري على الجغرافيا السودانية.

الفرص الضائعة: من “سلة غذاء العالم” إلى طوابير الإغاثة

المأساة الكبرى التي يستعرضها مؤلفو الكتاب  هي تحول السودان (بشقيه الشمالي والجنوبي) من بلد كان يصنف في الأدبيات الاقتصادية العربية والدولية كواحدة من المقاربات القليلة المؤهلة لتحقيق “الأمن الغذائي العربي” و”سلة غذاء العالم”، بفضل ملايين الفدادين من الأراضي الصالحة للزراعة، والموارد المائية الهائلة من النيل وروافده والأمطار الموسمية، إلى كيانين يعتمدان بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية وطوابير الإغاثة الدولية لتأمين الغذاء لشعبيهما.

إن الانفصال تسبب في تفتيت الكتل الاقتصادية المتكاملة؛ فالجنوب الذي يزخر بالغابات الاستوائية والأراضي الخصبة الشاسعة والمياه الوفيرة بات عاجزاً عن استغلالها بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت داخل البيت الجنوبي ذاته لاحقاً، وبسبب غياب شبكات الطرق والربط الداخلي. وفي المقابل، فقد الشمال جزءاً حيوياً من تنوعه البيئي والحيواني، وظل يعاني من معضلات ري مركب وتكلفة إنتاجية عالية، مما أخرج القطاع الزراعي من دائرة المنافسة الدولية، وجعل من فكرة التكامل الاقتصادي العربي-السوداني مجرد حبر على ورق وشعارات سياسية مستهلكة.

الأنثروبولوجيا السياسية وعقدة المؤسسات

المجتمع المدني والقبيلة: صراع البنى التقليدية والحديثة

ينتقل كتاب “انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص” في مقارباته السوسيولوجية إلى تفكيك واحدة من أعقد المشكلات الإشكالية في الفضاء السوداني: وهي العلاقة التصادمية بين “بنية القبيلة” التقليدية ومفهوم “المجتمع المدني” الحديث. يشير الباحثون إلى أن الفشل في الحفاظ على وحدة السودان، ثم الفشل في بناء استقرار داخلي في الجنوب بعد الانفصال، يعود في جوهره إلى أن “الولاء القبلي والإثني” ظل أقوى بكثير من “الولاء للمؤسسة الوطنية الحديثة”.

في الشمال، استخدمت النظم الشمولية المتعاقبة، وتحديداً نظام الإنقاذ، الإدارة الأهلية والزعامات القبلية كأدوات للضبط السياسي والتحشيد العسكري في مواجهة التمرد، مما أدى إلى تسييس القبيلة وإضعاف منظمات المجتمع المدني الحديثة كالنقابات، والاتحادات، والأحزاب السياسية القائمة على البرامج لا على العشيرة. أما في الجنوب، فإن المأساة بدت أكثر عمقاً؛ إذ إن “الحركة الشعبية لتحرير السودان” لم تكن سوى تحالف قلق بين مجموعات إثنية متعددة يجمعها الخوف من “المركز الشمالي”، وحين زال هذا المركز بالانفصال، تسيّدت القبلية المشهد السياسي بالكامل.

يحلل الكتاب كيف تحولت مؤسسات الدولة الوليدة في جوبا (الجيش، والشرطة، والوزارات) إلى “إقطاعيات قبلية” خاضعة للمحاصصة بين الدينكا والنوير والاستوائيين. وبدلاً من أن يكون المجتمع المدني الجنوبي الناشئ رافعة للديمقراطية ومراقباً للسلطة، تم ابتلاعه أو تدجينه من قبل العسكر، وتحول الصراع السياسي المدني حول الحريات والتنمية إلى مواجهة أنثروبولوجية دموية مسلحة، أثبتت أن جغرافيا الاستقلال عاجزة عن خلق “أمة” (Nation) من مجرد “شعب” مزقته الولاءات الأولية قبل الحديثة.

النخب الفكرية والأكاديمية: خيانة المثقف وعقدة الصمت

يفرد الكتاب مساحة نقدية مريرة لـ”دور المثقفين والأكاديميين السودانيين” في هذه الأزمة التاريخية الكبرى. يرى المؤلفون أن النخبة الفكرية في السودان (بشقيه) سقطت في فخين قاتلين: إما “الالتحاق الأيديولوجي” بالسلطة القامعة، وإما “الانسحاب والصمت اللامبالي” في غرف الأكاديميا العاجية.

لقد أسهم جزء غير قليل من المثقفين الشماليين في صياغة وترويج السرديات الإقصائية، وتوفير الغطاء الفكري لسياسات “الأسلمة والاستعراب القسري” التي انتهجها المركز، مما صبغ النزاع بصبغة حضارية ودينية لا تقبل المساومة. وفي المقابل، وقع العديد من المثقفين الجنوبيين في فخ “الشوفينية المضادة”، حيث روجوا لثقافة الكراهية المطلقة لكل ما هو عربي ومسلم، واختزلوا تعقيدات الأزمة التاريخية في “شيطان شمالي” واحد، وهو ما أعمى الوعي الجمعي الجنوبي عن رؤية العيوب البنيوية والقبلية داخل مجتمعهم، وحرم الدولة الجديدة من صوت العقل النقدي الذي كان يمكن أن يجنبها منزلق الحرب الأهلية الكارثية لعام 2013.

الكتاب يصف هذا الواقع بـ”خيانة المثقفين” الذين تخلوا عن دورهم التاريخي كجسور للتواصل والتنوير، وتحولوا إلى أدوات حركية في يد أمراء الحرب وساسة الأيديولوجيا الصفرية.

المسألة الثقافية وبنية الإعلام: صناعة “الآخر” المتخيل

من الزوايا العميقة التي يضيئها الكتاب، دراسة “البنية الإعلامية والثقافية” التي واكبت العقود الأخيرة للسودان الموحد وكيف ساهمت في تمهيد الأرضية النفسية للانفصال. يرى الباحثون أن الإعلام الرسمي في الخرطوم لم يكن إعلاماً يعبر عن “السودان المتنوع”، بل كان يعكس ثقافة النخبة الحاكمة ولغتها واهتماماتها.

أثناء سنوات الحرب الأهلية، تحول الإعلام الشمالي إلى منصة لـ”التعبئة الجهادية”، وصوّر المقاتلين الجنوبيين كـ”خوارج” أو “عملاء للغرب”، مما أحدث شرخاً نفسياً ووجدانياً غائراً في ضمير المواطن الجنوبي، الذي شعر أنه غريب وغير مرحب بثقافته وخصوصيته في وسائل إعلام وطنه. وفي المقابل، بنى الإعلام التابع للحركة الشعبية سردية ثقافية مضادة تقوم على المظلومية المطلقة ونفي المشترك الإنساني مع الشمال.

هذه الحرب الإعلامية والثقافية الضارية، بحسب الكتاب، نجحت في صناعة “آخر متخيل” مشوه في أذهان شعبي البلدين؛ فغدت الوحدة في مخيال الجنوبي مرادفاً للاسترقاق والإقصاء، وغدا الجنوب في مخيال الشمالي مرادفاً للتمرد الدائم والتوجس الأمني. ومن ثم، حين جاءت لحظة الاستفتاء في عام 2011، كان الانفصال النفسي والوجداني قد اكتمل وتجذر في القلوب والوجدان قبل أن ترسمه الأقلام على دفاتر السياسة والخرائط.

التشريح المقارن للحركات المسلحة: من التحرير إلى أمراء الحرب

يقدم الكتاب مساهمة علمية رفيعة في مجال “علم الاجتماع العسكري” عبر إجرائه تشريحاً مقارناً للحركات المسلحة التي ظهرت في السودان، وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان، وحركات دارفور اللاحقة (كحركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة).

يوضح الباحثون أن هذه الحركات، رغم عدالتها في رفع شعارات رفع التهميش وتحقيق التنمية للأطراف، عانت من تشوهات بنيوية قاتلة في تنظيمها الداخلي:

  • غياب الديمقراطية الداخلية: أديرت هذه الحركات بمركزية عسكرية مطلقة وقبضة حديدية من القادة المؤسسين (مثل جون قرنق)، مما منع تطور قيادات مدنية وسياسية وسيطة قادرة على إدارة الدولة بروح ديمقراطية بعد السلام.

  • التشظي والانقسام على أسس إثنية: كانت هذه الحركات تنقسم وتتوالد من بعضها البعض عند كل محطة تفاوضية أو خلاف مالي، حيث يعود كل قائد إلى حضنه القبلي لتأسيس فصيل مسلح جديد يبتز به المركز والمنظومة الدولية.

  • عقلية الغنيمة واقتسام السلطة: تفتقر هذه الحركات في أغلبيتها إلى برامج اقتصادية أو اجتماعية واضحة لإدارة المجتمعات، وتختزل نضالها التاريخي في “حصتها من الكعكة السلطوية” والمناصب الدستورية في العاصمة، وهو ما جعل اتفاقيات السلام تتحول إلى صفقات شخصية للنخب المسلحة دون حدوث أي تغيير ملموس في حياة المواطنين المهمشين في القرى والبوادي.

جيوبوليتيك المياه ومآلات الحريات والأقليات

الجيوبوليتيك المائي: نهر النيل ومعادلة الأمن المائي المترابط

لا يمكن فهم أبعاد انفصال جنوب السودان ودلالاته الاستراتيجية والجيوسياسية دون الغوص عميقاً في “المسألة المائية”؛ إذ يمثل نهر النيل وروافده شريان الحياة العضوي الذي يربط جغرافيا الهضبة الاستوائية بالصحراء النوبية وصولاً إلى المصب في البحر الأبيض المتوسط. يفرد كتاب “انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص” فصلاً محورياً يناقش فيه الخبراء والباحثون التحول الجسيم في معادلة الأمن المائي لشرق وإفريقيا وحوض النيل عقب ولادة الدولة الجنوبية.

يشير الباحثون إلى أن جنوب السودان يمثل منطقة “عنق الزجاجة” الهيدرولوجية في حوض النيل الأبيض؛ حيث تضم أراضيه منطقة السُّدُود (The Sudd) الشاسعة، وهي واحدة من أكبر المستنقعات المائية في العالم. في هذه المنطقة، تفقد مياه النيل الأبيض كميات هائلة ومروعة من إيرادها المائي السنوي بفعل التبخر الشديد والنتح النباتي، وهي المعضلة التاريخية التي حاولت الحكومات السودانية والمصرية حلها عبر مشروع قناة جونقلي الشهير في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والذي توقف العمل فيه قسرياً عقب اندلاع الحرب الأهلية واستهداف آليات الحفر من قبل الحركة الشعبية عام 1983.

يوضح الكتاب أن انفصال الجنوب نقل هذه الجغرافيا المائية من دائرة “السيادة الوطنية الواحدة” إلى دائرة “السيادة الدولية المتعددة”؛ وبذلك انضمت جمهورية جنوب السودان رسمياً كدولة منبع ومجرى جديدة إلى دول حوض النيل، ممتلكةً ورقة ضغط استراتيجية هائلة. يحلل الباحثون التنافس الإقليمي المحموم الذي اندلع فوراً بين العواصم المهتمة؛ حيث سارعت إثيوبيا وحلفاؤها من دول المنبع (الموقعة على اتفاقية عنتيبي) لاستمالة جوبا إلى معسكرها الرامي لإعادة صياغة الحصص المائية وتفكيك الاتفاقيات التاريخية لعامي 1929 و1959، بينما سعت مصر ودولة الشمال (السودان) لبناء تحالفات مائية وسياسية مع جوبا لإحياء المشروعات المائية المشتركة لتقليل الفاقد وزيادة الإيراد المائي الكلي.

المأساة الاستراتيجية التي يبرزها الكتاب هي أن دولة الجنوب، وبسبب هشاشتها المؤسسية واندلاع حروبها الداخلية، عجزت عن الاستفادة من هذه المزية الجيوبوليتيكية الكبرى؛ فتحولت مسألة المياه من أداة لبناء مشروعات تنموية عملاقة تمول استقلال الدولة إلى ساحة للاستقطاب والمحاور الإقليمية والدولية، مما زاد من تعقيد ملف الأمن المائي في المنطقة وجعل من حوض النيل مسرحاً لصراعات صامتة ومكشوفة تهدد السلم الإقليمي بأسره.

مآلات الأقليات والحريات الدينية في دولة الشمال

انتقالاً من الجغرافيا الطبيعية إلى الجغرافيا البشرية والسياسية، يناقش الكتاب بتعمق شديد “مصير الأقليات والحريات الدينية” في الدولتين بعد عام 2011. يركز الباحثون أولاً على واقع المسيحيين والجنوبيين الذين اختاروا البقاء في دولة الشمال عقب الانفصال.

يشير التحليل البنيوي إلى أن النخبة الحاكمة في الخرطوم (نظام المؤتمر الوطني) تعاملت مع الانفصال بوصفه “فرصة أيديولوجية والتزاماً راديكالياً” للتخلص من الأعباء الثقافية والتعددية للدولة القديمة؛ فخرجت التصريحات الرسمية الشهيرة التي تؤكد أن السودان بعد الانفصال قد أصبح دولة ذات “أغلبية مسلمة، لغتها العربية، وثقافتها إسلامية”، مما يعني عملياً إغلاق الباب أمام أي نقاش حول علمانية الدولة أو مدنيتها، والتأسيس لـ”دستور إسلامي أحادي”.

هذا التوجه الأيديولوجي انعكس كارثياً على من تبقى من المسيحيين والأقليات العرقية في الشمال؛ حيث تزايدت التضييقات القانونية والإدارية على الكنائس والمؤسسات التعليمية والثقافية التابعة لها، وصُوِّر التنوع الديني والثقافي في أدبيات النظام الحاكم كمهدد للأمن القومي والانسجام العقدي للدولة. يوضح الكتاب أن الشمال، بدلاً من أن يستغل الانفصال كصدمة إيجابية لمراجعة خطاياه وتطمين الأقليات المتبقية في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، مضى قُدماً في تعميق الرؤية الأحادية، وهو ما فجّر الحروب الداخلية في تلك الأقاليم مجدداً وأكد أن عقلية المركز لم تتغير ولم تستوعب الدرس القاسي لبتر الجنوب.

مآلات الأقليات والحريات في دولة الجنوب: من قمع الخرطوم إلى استبداد جوبا

على الجانب الآخر من الحدود، يفجر الكتاب الأوهام الرومانسية حول وضعية الحريات وحقوق الأقليات في دولة جنوب السودان الوليدة. لقد كانت السردية السائدة أثناء الحرب الأهلية تصوّر الجنوب كإقليم يقاتل من أجل الانعتاق من القمع الديني والثقافي والعرقي للخرطوم، وبناء دولة ديمقراطية تحترم التعدد. بيد أن الواقع العملي بعد الاستقلال جاء صادماً ومغايراً تماماً.

يحلل الباحثون والأنثروبولوجيون في الكتاب كيف مارست النخبة العسكرية الحاكمة من قبيلة الدينكا (الأغلبية) نوعاً من “الهيمنة الثقافية والسياسية الفجة” على بقية المجموعات الإثنية والأقليات في الجنوب، لا سيما في مناطق الاستوائية وأعالي النيل. تحول الاضطهاد من “شمالي ضد جنوبي” إلى “جنوبي ضد جنوبي”؛ فتعرضت القبائل الصغيرة والإثنيات غير النيلية للتهميش السياسي، ونُزعت أراضيها لصالح المتنفذين عسكرياً، وقُمعت تطلعاتها الثقافية واللغوية بأساليب لا تختلف كثيراً عن تلك التي كانت تمارسها الخرطوم في السابق.

أما على صعيد الأقليات الدينية، وتحديداً المسلمين الجنوبيين، فيكشف الكتاب عن مجابهتهم لتحديات بنيوية معقدة؛ فرغم أن الحركة الشعبية حاولت تاريخياً إبراز بعض القيادات المسلمة في صفوفها لإظهار التسامح، إلا أن المسلمين الجنوبيين وجدوا أنفسهم بعد الانفصال تحت طائلة “التوجس والتشكيك الوجداني” والسياسي، وصُوِّر دينهم في المخيال الجمعي لبعض المتطرفين كإرث للمستعمر الشمالي القديم. أدى هذا المناخ، بالإضافة إلى غياب الحريات الصحفية والسياسية العامة واستبداد الأجهزة الأمنية في جوبا، إلى تحويل الجنوب من وطن موعود للحرية إلى مسرح كبير للمظالم الجديدة، واقتتال داخلي مرير أثبت أن العقلية الاستبدادية لا دين لها ولا عرق، بل هي نتاج طبيعي لغياب دولة المؤسسات والقانون.

 المعضلة الأمنية والارتدادات العابرة للحدود

الهشاشة الأمنية المتبادلة: جغرافيا ملغومة بحدود غير مرسمةيتفق باحثو ومؤلفو الكتاب على أن التوقيع على وثيقة الانفصال في يوليو 2011 لم يكن نهاية للمواجهات العسكرية بين الخرطوم وجوبا، بل كان إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من “الهشاشة الأمنية المتبادلة” والحروب بالوكالة. إن معضلة الحدود الممتدة بين الدولتين على مسافة تتجاوز 2000 كيلومتر ظلت ملغومة بنزاعات جيوسياسية وإثنية حادة، حيث يتبادل الطرفان السيطرة والادعاءات على عدة مناطق استراتيجية وحيوية، وفي مقدمتها منطقة “أبيي” الغنية بالنفط والمراعي، فضلاً عن مناطق تجارية وزراعية أخرى مثل “كافيا كنجي” و”جودة” و”المقينص”. ويحلل الكتاب بعمق قضية أبيي بوصفها “برميلاً من البارود” قابل للانفجار في أي لحظة؛ فالمنطقة تجسد صراعاً أنثروبولوجياً وجيوسياسياً مركباً بين قبائل “الدينكا نقوك” الجنوبية المستقرة تاريخياً والموالية لجوبا، وقبائل “المسيرية” الشمالية الرعوية التي تعتمد على هذه الأراضي في رعي ماشيتها ومسارات هجرتها الموسمية نحو المياه. عجز النخب السياسية في الدولتين عن إيجاد صيغة تعايش مرنة أو تطبيق بروتوكول أبيي الوارد في اتفاقية نيفاشا، تحول إلى أداة للتعبئة العرقية، مما جعل من هذه المنطقة بؤرة توتر مستمر تستنزف القدرات العسكرية للبلدين، وتتطلب وجود قوات حفظ سلام دولية (أونيسفا) للحيلولة دون اندلاع حرب شاملة.صدمة “الحدود العابرة”: أزمة جنوب كردفان والنيل الأزرقلم تتوقف الارتدادات الأمنية للانفصال عند خطوط التماس المباشرة، بل امتدت عميقاً في البنية الأمنية والسياسية لدولة الشمال (السودان). يركز الكتاب على مأساة “الحدود العابرة” والوضعية الاستثنائية لإقليمي جنوب كردفان (وتحديداً جبال النوبة) والنيل الأزرق. هؤلاء المقاتلون (الجيش الشعبي لتحرير السودان – قطاع الشمال) حاربوا طوال عقود جنباً إلى جنب مع الجنوبيين ضد حكومة الخرطوم، وحين وقع الانفصال، وجدوا أنفسهم فجأة خارج جغرافيا الدولة الجنوبية الجديدة، ومتروكين لمواجهة مصيرهم تحت سلطة الخرطوم دون ضمانات حقيقية لحقوقهم السياسية والثقافية.هذا الخلل البنيوي في ترتيبات السلام أدى، كما يشرح الباحثون، إلى انفجار الأوضاع العسكرية مجدداً في الإقليمين بالتزامن مع إعلان الانفصال. تحولت مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق إلى مسارح لحروب استنزاف طاحنة بين الجيش السوداني والحركة الشعبية – قطاع الشمال، وتبادلت الخرطوم وجوبا الاتهامات؛ حيث اتهمت الخرطوم جوبا بالاستمرار في دعم ومساندة حلفائها القدامى لزعزعة استقرار الشمال، بينما اتهمت جوبا الخرطوم بدعم حركات التمرد الجنوبية المناوئة لنظام سلفاكير ميارديت في الجنوب. هذه الحلقة المفرغة من الحروب بالوكالة أكدت أن الفصل الجغرافي فشل تماماً في فك الارتباط الأمني العضوي والمعقد بين مكونات السودان القديم.انتحار الحلم الجنوبي: اندلاع الحرب الأهلية (جنوبية – جنوبية)لعل الفصل الأكثر مأساوية وسوداوية في قراءة الكتاب لواقع ما بعد الانفصال هو ذلك الذي يتناول البنية الداخلية لدولة جمهورية جنوب السودان الوليدة. يفكك الباحثون الأوهام التي روجت لها النخب الجنوبية والغربية بأن الاستقلال عن الشمال سيكون بداية لعهد من الديمقراطية والازدهار والوئام المجتمعي. فبمجرد زوال “العدو المشترك الخارجي” (التمثيل في نخب الشمال)، برزت الصدوع والتشققات الإثنية والقبلية العميقة داخل البيت الجنوبي ذاته، وتحول الاستقلال إلى “انتحار استراتيجي للحلم الوطني الجنوبي”.في ديسمبر 2013، أي بعد أقل من عامين ونصف على الانفصال، انفجر الصراع المسلح المروع بين رفيقي السلاح: رئيس الدولة سلفاكير ميارديت (الذي ينتمي لقبيلة الدينكا، الأغلبية الإثنية) ونائبه المقال رياك مشار (الذي ينتمي لقبيلة النوير، ثاني أكبر المجموعات الإثنية). يحلل الكتاب هذا الصراع بوصفه صراعاً عارياً على السلطة والموارد والمغانم النفطية، تغلف بشعارات قبلية حادة.لم تكن الحركة الشعبية لتحرير السودان، طوال فترة حربها مع الشمال، مؤسسة سياسية ديمقراطية، بل كانت تنظيماً عسكرياً شمولياً يقاد بعقلية “أمراء الحرب”. وحين تسلمت السلطة، عجزت عن التحول إلى حزب سياسي مدني يؤمن بالتداول السلمي للسلطة، وبناء مؤسسات دولة وطنية تجمع كل المكونات القبلية دون تمييز أو إقصاء. النتيجة كانت كارثية بكل المقاييس الإنسانية والسياسية:تصفية إثنية متبادلة: شهدت العاصمة جوبا ومدن رئيسية مثل ملكال وبور مجازر وحشية على الهوية القبلية بين الدينكا والنوير، تجاوزت في فظاعتها بعض فصول الحرب مع الشمال.انهيار نسقي كامل للنسيج الاجتماعي: دُمرت البنية التحتية المتواضعة أصلاً، وتوقف إنتاج النفط في العديد من الحقول، وتحولت الدولة الوليدة إلى “دولة فاشلة” بامتياز في سنواتها الأولى.أزمة لجوء ونزوح تاريخية: تشرد ملايين الجنوبيين، والمفارقة التاريخية الصارخة والمؤلمة التي يبرزها الكتاب هي أن مئات الآلاف من المواطنين الجنوبيين فروا من جحيم الحرب الأهلية في دولتهم المستقلة حديثاً، ليلجأوا مجدداً إلى دولة الشمال (السودان) كبؤساء يبحثون عن الأمان، وهو ما يعكس قمة الفاجعة والمأساة الإنسانية والسياسية الجيوسياسية لانفصال لم يُدرس بعناية.أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي: التداعيات الجيوسياسية الإقليميةيختتم الباحثون هذا القسم الأمني بدراسة التأثيرات الجيوسياسية لانفصال الجنوب على المنظومة الإقليمية الأوسع، وتحديداً منطقة القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر. إن ولادة دولة جديدة في هذه المنطقة الحساسة أدت إلى اختلال موازين القوى الاستراتيجية؛ حيث سارعت قوى دولية وإقليمية لتثبيت أقدامها في جوبا واستغلال حالة الضعف والتشظي التي أصابت السودان.بات جنوب السودان ساحة للصراعات الإقليمية المحتدمة، لا سيما بين إثيوبيا ومصر حول ملف مياه النيل وسد النهضة، وبين القوى الخليجية المتنافسة على النفوذ في شرق إفريقيا والموانئ المطلة على البحر الأحمر. هذا التدويل المتزايد للملف السوداني جعل من الدولتين (الشمال والجنوب) رهينتين للإملاءات الخارجية والمحاور الإقليمية، وحرمهما من القدرة على اتخاذ قرارات وطنية مستقلة تخدم مصلحة شعبيهما، مما حول منطقة جنوب السودان من حزام أمني محتمل إلى “منطقة شروخ جيوسياسية” تهدد الاستقرار الإقليمي بأسره.

سيناريوهات المستقبل والدروس المستفادة

قراءة في الآفاق المستقبلية: صياغة سيناريوهات ما بعد الصدمة

  • السيناريو الأول: سيناريو التآكل المستمر والدول الفاشلة المستدامة

    يرى الباحثون أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً إذا ما استمرت النخب الحاكمة في الخرطوم وجوبا في اعتماد العقليات الإقصائية ذاتها، وإدارة الاقتصاد برؤى ريعية ضيقة وبنيات أمنية هشة وعسكرية قامعة. في هذا المشهد، يتحول الشمال والجنوب إلى بؤر نزاع دائم ومستمر، تتآكل فيه سيادة الدولتين تدريجياً لصالح أمراء الحرب، والحركات المسلحة، والتدخلات الدولية السافرة، مما يفرغ الاستقلال والانفصال من أي مضمون تنموي أو سياسي حقيقي للمواطن البسيط.

  • السيناريو الثاني: سيناريو الحزام المتفجر والانشطارات المتتالية

    يحذر الكتاب من خطورة “تأثير الدومينو” (Domino Effect)؛ فنجاح خيار الانفصال في الجنوب، دون معالجة المظالم التاريخية والهيكلية للأطراف الأخرى، يمثل حافزاً ومحفزاً جغرافياً ونفسياً لأقاليم سودانية أخرى تعاني من التهميش ذاته. إن مناطق مثل دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وحتى شرق السودان، مرشحة للمطالبة بتقرير المصير والانفصال التام عن المركز، إذا لم يتم تفكيك بنية الدولة الشمولية الأحادية، وبناء دولة مواطنة ديمقراطية حقيقية تتسع للجميع.

  • السيناريو الثالث: سيناريو “الاعتماد المتبادل” والتكامل الكونفدرالي الجديد

    وهو السيناريو التفاؤلي والاستراتيجي المأمول الذي يطرحه الكتاب كـ”فرصة تاريخية” ضائعة يجب قنصها وإعادة بنائها. يرتكز هذا السيناريو على حقيقة جيواقتصادية صلبة: وهي أن الفصل السياسي عاجز عن فك الارتباط العضوي التاريخي والجغرافي والمائي بين الدولتين. فالشمال بحاجة لجنوب مستقر لتأمين حدوده واقتصاده وعوائد موانئه، والجنوب بحاجة لشمال آمن لتصدير ثرواته ونفطه عبر أنابيه، والاندماج في محيطه العربي الإفريقي. هذا الاعتماد المتبادل يفرض على النخب السياسية القادمة في جوبا والخرطوم القبول بـ”خيار الشراكة الذكية” وتأسيس اتحاد كونفدرالي أو سوق مشتركة تضمن حرية الحركة، والتجارة، والإقامة لمواطني الدولتين، ليكون الانفصال هنا بداية لتأسيس علاقة صحية ومتوازنة قائمة على المصالح المشتركة والندية، بدلاً من الوحدة القسرية المنهارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى