“إريتريا: حينما تتحول ‘الوطنية’ إلى قيد أبدي والوطن إلى سجن مفتوح”

سجن الجغرافيا وعقدة التاريخ – من حلم التحرر إلى كابوس الشمولية
تمهيد بانورامي – اللغز الإريتري واستعصاء الفهم
يقف القارئ المعاصر للمشهد الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي أمام مفارقة تاريخية شديدة الغرابة والتعقيد؛ مفارقة تتمثل في دولة إريتريا، هذا الكيان الساحلي الاستراتيجي الممتد على طول شواطئ البحر الأحمر الجنوبية، والذي خاض واحدة من أطول وأشرس حركات التحرر الوطني في القرن العشرين ضد الإمبراطورية الإثيوبية ومن ثم ضد النظام العسكري الماركسي (الدرغ)، محققاً استقلالاً أسطورياً في عام 1993 مدفوعاً بزخم شعبي هائل وتطلعات ديمقراطية عريضة، لينتهي به المطاف سريعاً كإحدى أكثر الدول انغلاقاً وقمعاً وعزلة في العالم بأسره، حتى بات يُطلق عليها في الأدبيات الصحفية والحقوقية الدولية اسم “كوريا الشمالية الأفريقية”. يأتي كتاب الصحفي والباحث البريطاني البارز “مارتن بلاوت” (Martin Plaut)، الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد العريقة تحت عنوان “Understanding Eritrea: Inside Africa’s Most Repressive State” (فهم إريتريا: داخل الدولة الأكثر قمعاً في أفريقيا)، ليمزق هذه الأستار الكثيفة من الغموض، ويقدم تشريحاً بنيوياً، تاريخياً وسياسياً، لهذه التجربة الفريدة والمأساوية، محاولاً الإجابة عن السؤال الجوهري الحارق: كيف تحول حلم الحرية والانعتاق من الاستعمار والتبعية إلى كابوس شمولي مطلق يقبض فيه رجل واحد ونخبة عسكرية منغلقة على أنفاس شعب بأكمله؟ إن بلاوت لا يكتفي برصد المظاهر الخارجية للقمع، بل يغوص في الأحشاء العميقة للكيان الإريتري ليخرج بصيغة تفسيرية محكمة.
الخلفية المعرفية للمؤلف وأدواته المنهجية
لا يمكن فصل القيمة العلمية والتوثيقية الكبرى لهذا الكتاب عن الخلفية المهنية والشخصية الطويلة لمؤلفه مارتن بلاوت. فقد قضى بلاوت عقوداً طويلة من عمره المهني كعالم ومحلل متخصص في الشؤون الأفريقية في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وتحديداً في القسم الأفريقي، مما أتاح له فرصة نادرة لمواكبة الثورة الإريترية منذ أيامها الأولى في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل ومقابلة القيادات التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF وعلى رأسهم الرئيس الحالي إسياس أفورقي) في مخابئهم الجبلية ببلدة “نقفة” الحصينة خلال سنوات الكفاح المسلح. هذا المزيج النادر بين المشاهدة الحية، والخبرة الصحفية الميدانية، والوصول المباشر إلى مصادر منشقة ووثائق سرية، يمنح الكتاب صدقية نقدية هائلة؛ فهو ليس مجرد مراقب خارجي يطلق أحكاماً معيارية باردة، بل هو خبير عاش فصول المأساة وتتبع مساراتها خطوة بخطوة. يعتمد بلاوت في كتابه على منهجية استقصائية متعددة الأبعاد: فهو يمزج بين السرد التاريخي الكرونولوجي لفهم تبلور الهوية الإريترية، وبين التحليل السياسي لبنية السلطة الحاكمة، مستنداً إلى أرشيف ضخم من تقارير الأمم المتحدة، ومجموعات الرصد الدولية، وشهادات حية لضحايا الخدمة العسكرية القسرية، ومقابلات حصرية مع ديبلوماسيين ومسؤولين إريتريين سابقين نجحوا في الفرار من جحيم النظام. النتيجة هي نص متدفق، يتنقل بسلاسة بين جغرافيا الجبال الوعرة في إقليم الساحل، وكواليس السياسة الدولية في نيويورك وأديس أبابا، ومراكز الاحتجاز السري في الصحاري الإريترية الحارقة.
جينات المقاومة – عسكرة المجتمع وولادة الجبهة الشعبية
يبدأ بلاوت تفكيكه للظاهرة الإريترية بالعودة إلى الجذور التاريخية لحركة التحرر، حيث يرى أن بذور النظام الشمولي الحالي لم تكن نتاج الصدفة، بل زُرعت في التربة التنظيمية والعسكرية للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا خلال سبعينيات القرن العشرين. يوضح الكاتب بالتفصيل كيف واجه المجتمع الإريتري، بتنوعه الإثني (الديني واللغوي بين التجرينية المسيحية في المرتفعات والقبائل المسلمة في المنخفضات)، تحدياً وجودياً مشتركاً متمثلاً في القمع الإثيوبي الشديد، وخاصة بعد إلغاء الإمبراطور هايله سلاسي للنظام الفيدرالي وضم إريتريا قسراً في عام 1962. هذا التحدي صهر الهوية الوطنية الإريترية داخل أتون حرب عصابات ضروس استمرت ثلاثين عاماً. وفي هذا السياق، برزت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا كآلة عسكرية وتنظيمية بالغة الكفاءة والسرية والانضباط الحديدي. يشرح بلاوت أن الجبهة، لكي تصمد في وجه الجيش الإثيوبي الأكبر عدداً والأفضل تسليحاً (والمدعوم من السوفييت لاحقاً)، طورت ثقافة تنظيمية داخلية تقوم على الطاعة المطلقة، والسرية الفائقة، والشك المتبادل في الغرباء، والاعتماد المطلق على الذات نتيجة لخذلان المجتمع الدولي لهم. هذه “الثقافة التنظيمية الجبلية” التي كانت عامل نجاح حاسم لتحقيق الاستقلال العسكري، هي ذاتها التي تحولت، بحسب تحليل بلاوت الصارم، إلى لعنة ديدكتيكية بعد السيطرة على الدولة في عام 1991؛ حيث عجزت القيادة الثورية عن التحول من عقلية “إدارة حرب العصابات السرية” إلى عقلية “إدارة الدولة المدنية التعددية”، فاستمرت في معاملة المواطنين كجنود خاضعين للأوامر، واعتبار أي نقاش داخلي أو تباين في الآراء بمثابة خيانة عظمى تستوجب السحق الفوري.
معضلة الاستقلال وبناء دولة الحزب الواحد
في الفصل المخصص لسنوات الاستقلال الأولى (1991-1998)، يرسم مارتن بلاوت لوحة دراماتيكية لضياع فرصة تاريخية كبرى لبناء دولة ديمقراطية مستقرة في القرن الأفريقي. فبعد الاستفتاء الشعبي التاريخي في عام 1993 الذي صوت فيه الإريتريون بنسبة تقارب 100% لصالح الاستقلال، كانت الآمال معقودة على تحول الجبهة إلى حزب سياسي مدني يلتزم بالتعددية وبناء المؤسسات الدستورية. وبالفعل، تم صياغة دستور متقدم جداً لعام 1997 يضمن الحقوق والحريات الأساسية والفصل بين السلطات والتعددية الحزبية. غير أن بلاوت يكشف بكثير من الدقة والتوثيق كيف قام إسياس أفورقي، الرئيس المؤقت ورئيس الجبهة، بالالتفاف المنهجي على هذا الاستحقاق الدستوري؛ حيث عُطل الدستور ولم يتم تطبيقه أبداً بحجج واهية، وجُمدت الانتخابات الوطنية إلى أجل غير مسمى. يحلل الكاتب هذه الفترة موضحاً كيف بدأت النواة الصلبة للنظام، المتمثلة في أفورقي ومجموعة صغيرة من الجنرالات المقربين منه، في احتكار كافة مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية، وحل كافة التنظيمات المدنية المستقلة، وتحويل “الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا” إلى “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة” (PFDJ)، وهو الحزب الوحيد والشرعي الذي يملك السيطرة المطلقة على الحياة العامة، مانعاً تشكيل أي حزب آخر أو إصدار أي صحافة مستقلة، ومحولاً الفضاء العام الإريتري إلى مسرح لصوت واحد لا شريك له.
حرب عام 1998 الكارثية مع إثيوبيا – نقطة التحول والارتداد الكامل
يمثل النزاع الحدودي الدموي بين إريتريا وإثيوبيا حول بلدة “بادمي” الصغيرة بين عامي 1998 و2000، في نظر المؤلف مارتن بلاوت، الحادثة المفصلية التي أغلقت تماماً أي نافذة متبقية للتحول الديمقراطي في البلاد، وشكلت الذريعة الذهبية والمثالية التي كان يحتاجها إسياس أفورقي لإطباق قبضته الحديدية وتدشين حقبة القمع الشامل. هذه الحرب الطاحنة، التي اندلعت بين حليفين سابقين (أفورقي وملس زيناوي رئيس وزراء إثيوبيا) وأودت بحياة أكثر من مئة ألف شخص من الجانبين واستنزفت موارد اقتصادية هائلة، أعادت إريتريا فجأة إلى عقلية “حصار القلعة” ومواجهة التهديد الوجودي. يحلل بلاوت بذكاء صحفي حاد كيف استغل أفورقي الهزيمة العسكرية النسبية والجمود الديبلوماسي اللاحق (رغم قرار مفوضية الحدود الدولية بتبعية بادمي لإريتريا ورفض إثيوبيا لتنفيذه آنذاك) ليعلن حالة الطوارئ الدائمة غير المكتوبة. لقد أصبحت فرضية “لا سلم ولا حرب” مع الجار الإثيوبي العملاق هي الأيديولوجيا الرسمية للدولة، والتي بموجبها تم تبرير التجميد الكامل للحريات العامة، وإلغاء الاقتصاد الخاص لصالح كارتيلات الجيش، وتدشين نظام “الخدمة الوطنية الإلزامية غير محددة المدة” التي حلت محل الحياة المدنية الطبيعية وحولت البلاد برمتها إلى معسكر اعتقال شاسع ومفتوح تحت شعار حماية الأمن القومي.
تشريح الآلة الشمولية – تفكيك بنية الدولة الأمنية وجحيم السخرة الوطنية
بنية السلطة الفردية – إسياس أفورقي وظل الرجل الأوحد
ينتقل مارتن بلاوت في هذا الجزء من كتابه من التمهيد التاريخي إلى عملية التشريح الهيكلي للنظام الحاكم في أسمرة، مركّزاً مبضعه التحليلي على شخصية الرئيس إسياس أفورقي، الذي لا يمكن فهم الآلة القمعية الإريترية دون سبر أغوار عقليته وطريقة إدارته للسلطة. يوضح بلاوت أن أفورقي نجح في تحويل الدولة الإريترية إلى تجسيد حي لشخصيته التي تتسم بالشك المرضي، والانعزالية، والنزوع المطلق نحو السيطرة الكاملة. في إريتريا، كما يكشف الكتاب، لا توجد مؤسسات بالمعنى السياسي أو الإداري المتعارف عليه؛ فلا وجود لمجلس وزراء يجتمع بانتظام صانعاً للسياسات، ولا وجود لبرلمان يشرّع القوانين، بل إن الحزب الحاكم نفسه، الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، ليس سوى واجهة كرتونية لتمرير الأوامر الرئاسية. يصف بلاوت بدقة كيف يدير أفورقي البلاد عبر شبكة موازية وغير رسمية من القادة العسكريين والمسؤولين الأمنيين التابعين له مباشرة، والذين يتم تغييرهم، وتدويرهم، أو إخفاؤهم قسرياً بشكل دوري لضمان عدم مأسسة أي قوة قد تشكل تهديداً لكرسي الرئاسة. هذه البنية الهلامية والمقصودة جعلت من رئيس الدولة المرجعية الأولى والأخيرة في كل صغيرة وكبيرة، بدءاً من توقيع معاهدات السلم والحرب الدولية، وصولاً إلى الموافقة على ميزانيات تشغيل المشاريع الصغيرة أو منح رخص الاستيراد والتصدير، مما أدى إلى شلل تام في مؤسسات الدولة وتكريس نظام “حكم الفرد المطلق” الذي لم تشهد أفريقيا له مثيلاً في عصورها الحديثة.
مذبحة سبتمبر 2001 – اغتيال السياسة وإغلاق المجال العام
يمضي بلاوت في سرد استقصائي مشوق ومؤلم ليوثق الحدث الذي قضى نهائياً على بصيص الأمل الأخير في الإصلاح الداخلي، وهو ما يُعرف في التاريخ الإريتري المعاصر بمأساة “مجموعة الخمسة عشر” (G-15) في سبتمبر من عام 2001. ففي أعقاب الصدمة الناجمة عن الحرب الكارثية مع إثيوبيا، تجرأت مجموعة من كبار قادة الثورة والوزراء والمحاربين القدامى، الذين قادوا مع أفورقي مسيرة الاستقلال، على توقيع رسالة مفتوحة تطالب بتطبيق الدستور المعطل، وإجراء الانتخابات المؤجلة، ومحاسبة الرئيس على قراراته الفردية أثناء الحرب. يستعرض الكاتب بتفاصيل دقيقة، استقاها من ديبلوماسيين شهدوا تلك الحقبة ومن مقربين من القصر، كيف استغل أفورقي انشغال العالم بأحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة ليشن حملة تطهيرية وحشية في الثامن عشر من سبتمبر 2001. تم اعتقال كافة الموقعين على الرسالة من الرموز التاريخية للدولة، وصُنّفوا كخونة وعملاء، واقتيدوا إلى سجون سرية في عمق الصحراء دون محاكمة، ولم يروْا النور منذ ذلك اليوم، بل تشير التقارير التي أوردها الكاتب إلى أن معظمهم قد قضى نحبه داخل زنازين انفرادية تحت ظروف لا إنسانية. في ذات الأسبوع، اتخذ النظام قراراً بإغلاق كافة الصحف والمجلات المستقلة التي بدأت تنمو وتزدهر في أسمرة، وتم اعتقال عشرات الصحفيين والكتاب الشباب، لتدخل إريتريا منذ ذلك التاريخ في صمت برزخي مطلق، وتصبح الدولة الوحيدة في أفريقيا التي لا تمتلك وسيلة إعلام واحدة مستقلة أو خاصة، حيث غدت الصحافة المطبوعة والمرئية والمسموعة حكراً على وزارة الإعلام التي تسبح بحمد الزعيم ليل نهار.
معسكر “ساوا” وجحيم الخدمة الوطنية غير المحدودة
يمثل نظام الخدمة الوطنية الإلزامية، التي تُعرف محلياً وفي الأدبيات الدولية بجحيم معسكر “ساوا”، الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها نظام أسمرة لتطويع المجتمع وكسر إرادته، وهو المحور الذي أفرد له مارتن بلاوت مساحة تحليلية واسعة ومفصلة في كتابه. يوضح بلاوت أن هذه الخدمة، التي انطلقت في منتصف التسعينيات كبرنامج وطني نبيل لإعادة الإعمار وتعزيز اللحمة الوطنية لمدة ثمانية عشر شهراً، تحولت بعد حرب عام 1998 إلى نظام استعباد دائم وسخرة لا سقف زمني لها. يُجبر كل شاب وفتاة في إريتريا، عند وصولهم إلى السنتين الأخيرتين من المرحلة الثانوية، على الانتقال إلى معسكر “ساوا” الصحراوي المعزول في غرب البلاد لإتمام تعليمهم ومساقهم العسكري هناك. يكشف الكتاب، عبر شهادات حية ومروعة لشباب نجحوا في الفرار، كيف يتم إخضاع هؤلاء المجندين لعمليات غسيل أدمغة ممنهجة، وتدريبات شاقة، وتجويع مستمر، فضلاً عن الانتهاكات الجسدية والجنسية المروعة التي تتعرض لها الفتيات المجندات على أيدي الضباط والجنرالات دون أي رادع قانوني. بعد انتهاء التدريب الأساسي، لا يعود هؤلاء الشباب إلى حياتهم المدنية، بل يتم توزيعهم كعمال سخرة بأجور رمزية لا تكاد تشتري ربطة خبز، ليعملوا في مزارع الجنرالات، أو في شق الطرق، أو في مناجم التعدين التابعة للشركات الأجنبية، ويمتد هذا الوضع لسنوات وعقود طويلة قد تصل بالمرء إلى سن الأربعين أو الخمسين دون أن يملك الحق في اختيار مهنته، أو الزواج، أو العيش مع أسرته، مما جعل من الخدمة الوطنية أداة لتدمير النواة الأسرية الإريترية وتحويل المجتمع بأكمله إلى جيش من الأرقاء يعملون لصالح النخبة العسكرية الحاكمة.
أرخبيل السجون السرية وسياسة الاختفاء القسري
في فصل تقشعر له الأبدان، يأخذنا بلاوت في جولة استقصائية داخل هندسة الاعتقال الإريترية، حيث يصف البلاد بأنها عبارة عن “أرخبيل من السجون السرية” المنتشرة في أرجاء الوطن، والعديد منها عبارة عن حاويات شحن حديدية (Containers) تُوضع في الصحاري القاحلة مثل معسكر “عيرة عيرو” السيء السمعة. يحلل الكاتب كيف تستخدم السلطة هذه الحاويات الحديدية كأداة تعذيب سيكولوجية وفيزيائية؛ حيث تفتقر هذه الحاويات لأي تهوية، وتصل درجات الحرارة داخلها في الصيف إلى أكثر من خمسين درجة مئوية، بينما تتحول إلى ثلاجات شديدة البرودة في الشتاء. يوثق الكتاب كيف يتم حشر عشرات المعتقلين السياسيين، وأسرى الرأي، والمجندين الهاربين، والذين حاولوا السفر دون تصريح، داخل هذه المساحات الضيقة لشهور وسنوات دون إبلاغ عائلاتهم بمكان وجودهم أو حتى ما إذا كانوا أحياءً أم أمواتاً. يبيّن بلاوت أن سياسة الاختفاء القسري في إريتريا ليست ممارسة عشوائية، بل هي استراتيجية حكم مدروسة تهدف إلى بث الرعب الشامل في قلوب المواطنين؛ فغياب أي منظومة قضائية مستقلة، أو سجلات معلنة للمساجين، أو حق في توكيل محامين، يجعل كل مواطن يشعر بأنه معلق فوق هاوية، وأن أي كلمة نقد عابرة قد تؤدي به إلى الاختفاء الأبدي في أحشاء هذه الحاويات دون ترك أي أثر وراءه.
تدمير الاقتصاد الوطني ومأسسة السوق السوداء والتهريب
لا يقتصر القمع الإريتري في تحليل مارتن بلاوت على الجوانب السياسية والحقوقية فحسب، بل يمتد ليشمل تدمير البنية الاقتصادية للبلاد وتحويلها إلى اقتصاد ريعي عسكري مغلق. يشرح بلاوت كيف قام النظام بحظر كافة الأنشطة التجارية الخاصة تقريباً، وفرض قيوداً صارمة على سحب الأموال من المصارف، وحدد سقفاً منخفضاً جداً للمبالغ التي يمكن للمواطن حيازتها. هذا التجفيف المتعمد للاقتصاد المدني سمح للحزب الحاكم وعبر ذراعه الاقتصادية السرية المعروفة باسم مؤسسة “البحر الأحمر للبلدان المجاورة” (Red Sea Trading Corporation)، باحتكار كل عمليات الاستيراد والتصدير والتجارة الداخلية. ويكشف الكتاب زيف الادعاءات الرسمية حول “الاعتماد على الذات”، مبيناً أن النظام يعيش فعلياً على عوائد عمليات التهريب العابرة للحدود التي يديرها كبار الجنرالات، بما في ذلك تهريب السلع الأساسية، والوقود، والأسلحة، وحتى البشر عبر الحدود مع السودان وإثيوبيا. لقد تحول القادة العسكريون، بفضل هذا النظام، إلى أمراء حرب وتجار سوق سوداء يجنون ثروات طائلة من مأساة شعبهم، في حين يعيش المواطن العادي في حالة من الفقر المدقع والاعتماد المهين على الكوبونات التموينية الشحيحة التي تمنحها الدولة فقط لمن تثبت طاعته وولاؤه المطلق للأجهزة الأمنية.
نزيف الأوطان وتجارة الحدود – تفكيك آليات التهجير واللعبة الجيوسياسية الإقليمية
الهجرة الجماعية كصمام أمان للنظام واستراتيجية التفريغ الممنهج
يتناول مارتن بلاوت في هذا القسم من دراسته الاستقصائية واحدة من أكثر الظواهر إيلاماً وبروزاً في المشهد الإريتري المعاصر، وهي ظاهرة النزوح الجماعي والهروب المستمر للشباب والنساء والأطفال عبر الحدود الصارمة للبلاد. يجادل بلاوت بأطروحة فكرية وسياسية شديدة الذكاء؛ حيث يرى أن الهجرة الجماعية، التي قد تبدو لأول وهلة دليلاً على فشل النظام أو عامل ضغط قد يؤدي إلى سقوطه، هي في الواقع استراتيجية بقاء معتمدة وممنهجة من قبل نظام إسياس أفورقي. يوضح الكاتب كيف يتعامل النظام مع فئة الشباب الحيوي والمثقف، الذي يمكن أن يشكل النواة الصلبة لأي ثورة أو حراك شعبي داخلي ضد الديكتاتورية، باعتباره عنصراً خطراً يجب التخلص منه؛ ومن هنا، فإن غض الطرف الممنهج، بل وتسهيل عمليات الفرار عبر قنوات تهريب معقدة يديرها جنرالات عسكريون متنفذون، يمثل عملية تفريغ دورية ومستمرة لشحنات الغضب الداخلي، مما يبقي الداخل الإريتري في حالة من الضعف والاستكانة والشيخوخة الديموغرافية، حيث لا يتبقى في المدن والقرى سوى العجائز والأطفال والمجندين المنهكين سيكولوجياً وجسدياً داخل معسكرات الخدمة إلزامية المؤبدة.
ويمضي بلاوت في تشريح مسارات هذه الهجرة القاتلة، متتبعاً جغرافيا الألم الإريتري عبر الصحراء الكبرى وصولاً إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط أو معسكرات اللجوء الشاسعة في شرق السودان وإقليم التغراي الإثيوبي قبل النزاعات الأخيرة. يوثق الكتاب بكثير من المرارة والوثائق كيف تحول المهاجر الإريتري الفار من جحيم “ساوا” إلى سلعة تجارية تدر ملايين الدولارات على شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتي يرتبط العديد من خيوطها بقيادات أمنية وعسكرية رفيعة المستوى داخل أسمرة نفسها. هذه الشبكات تقوم باختطاف الفارين في صحراء سيناء أو ليبيا، وإخضاعهم لعمليات تعذيب وحشية تُبث مباشرة عبر الهاتف لعائلاتهم في الشتات لابتزازهم ودفع فدية مالية باهظة تتجاوز عشرات الآلاف من الدولارات، وهي أموال تجد طريقها في النهاية عبر قنوات غسيل معقدة إلى حسابات سرية تخدم النخبة الحاكمة، مما يجعل من جسد المواطن الإريتري المقهور مصدراً متجدداً للعملة الصعبة للنظام سواء بقي داخل معسكرات السخرة أو حاول الفرار منها إلى المجهول.
شتات الرهائن – ضريبة الاثنين بالمئة وشبكات التجسس العابرة للقارات
لا تقتصر سيطرة نظام أسمرة الشمولي على المواطنين المقيمين داخل الحدود الجغرافية لإريتريا فحسب، بل يمتد الأخطبوط الأمني والمالي للنظام، كما يوضح مارتن بلاوت بكثير من التوثيق الجنائي والقانوني، ليلحق بهم في عواصم اللجوء والمنافي حول العالم من خلال ما يُعرف بـ”ضريبة الشتات” أو “ضريبة الاثنين بالمئة”. يشرح بلاوت أن النظام فرض قانوناً يلزم كل إريتري يعيش في الخارج، بغض النظر عن وضعه القانوني كلاجئ أو مواطن يحمل جنسية أخرى، بدفع اثنين بالمئة من دخله السنوي الإجمالي لصالح السفارات والقنصليات الإريترية تحت مسمى المساهمة في إعادة الإعمار والدفاع الوطني. ويحلل الكاتب كيف تحولت هذه الضريبة إلى أداة ابتزاز مالي وسياسي مرعبة؛ فالإريتري الذي يرفض الدفع يُحرم تلقائياً من الحصول على أي وثيقة رسمية، مثل تجديد جواز السفر، أو توثيق شهادات الميلاد والزواج، أو توكيل الأقارب، بل ويتم تصنيف عائلته المتبقية داخل البلاد كعناصر معادية، مما يترتب عليه حرمانهم من الكوبونات التموينية أو حتى تعرضهم للاعتقال، الأمر الذي يجبر مئات الآلاف من المغتربين على الانصياع والدفع، ليمولوا بجيوبهم الآلة القمعية التي فروا منها.
ويكشف الكتاب أيضاً عن البنية السرية المعقدة لشبكات التجسس والمراقبة التي تزرعها الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة داخل مجتمعات الشتات الإريتري في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا. يصف بلاوت كيف تقوم السفارات الإريترية بتنظيم الجاليات عبر لجان محلية ضيقة يطلق عليها “المكاتب الرمزية”، ومهمتها الأساسية هي مراقبة المعارضين، ورصد تحركات الناشطين الحقوقيين، وتهديدهم بشكل مباشر، بل وإرسال تقارير دورية إلى أسمرة تتضمن أسماء الأشخاص الذين يشاركون في تظاهرات ضد النظام. هذه الهندسة الأمنية العابرة للحدود خلقت حالة من الشك التام والخوف المتبادل حتى بين أبناء الجالية الواحدة في بلاد الغرب؛ حيث يخشى المهاجر من الحديث بحرية أمام ابن جلدته خوفاً من أن يكون مخبراً للنظام، مما أدى إلى شل حركة المعارضة الخارجية لسنوات طويلة وتحييد قدرتها على التأثير الفعلي في الداخل، محولاً الشتات الإريتري الشاسع إلى خزان مالي ضخم ومكره على الولاء الصامت للزعامة الفردية.
العقيدة الجيوسياسية لأفورقي – اللعب على التناقضات والبحث عن رعاة جدد
في هذا المحور الإقليمي الهام، ينتقل مارتن بلاوت إلى تحليل السياسة الخارجية لإريتريا، واصفاً إياها بأنها سياسة تقوم على العدوانية، والتقلب الراديكالي، واللعب المستمر على تناقضات القوى الإقليمية والدولية لضمان بقاء النظام في السلطة وتجنب العزلة القاتلة. يرى بلاوت أن إسياس أفورقي يمتلك رؤية جيوسياسية تعتبر الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بمثابة تهديد لنظامه؛ ولذلك فهو يسعى دائماً ليكون عنصراً فاعلاً في صياغة الأزمات أو حليفاً مأجوراً للقوى الكبرى والصاعدة التي تبحث عن موطئ قدم على سواحل البحر الأحمر. يسرد الكتاب كيف تحولت إريتريا، منذ استقلالها، من دولة واعدة كانت تحظى بدعم الولايات المتحدة كجزء من “الجيل الجديد من القادة الأفارقة” في التسعينيات، إلى دولة مارقة تخضع لعقوبات دولية صارمة من مجلس الأمن بسبب دعمها العسكري واللوجستي لحركة الشباب المجاهدين المتطرفة في الصومال بهدف نكاية وإضعاف خصمها اللدود إثيوبيا، وهو الدعم الذي يوثقه بلاوت بتقارير رصد أممية دقيقة تظهر كيف وظف النظام ميزانيته الشحيحة لتسليح جماعات العنف الأيديولوجي في الفضاء الإقليمي المحيط.
ويستعرض بلاوت التحولات الدراماتيكية والبراغماتية الفجة في تحالفات النظام الإريتري؛ فبعد سنوات من بناء علاقات وثيقة مع إيران وحزب الله وتوفير تسهيلات لوجستية لهم في جزر أرخبيل دهلك، انقلب النظام تماماً عقب اندلاع الحرب في اليمن وعاصفة الحزم، حيث سارع أفورقي لعرض خدماته العسكرية والميدانية وموانئه الاستراتيجية، وتحديداً ميناء “عصب”، لصالح التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لاستخدامه كقاعدة انطلاق عسكرية للعمليات الجوية والبحرية ضد الحوثيين. يحلل الكاتب هذا التحول مبيناً أن أفورقي لم يكن مدفوعاً بأي قناعات أيديولوجية أو سياسية، بل كان يبحث عن تدفقات مالية ضخمة وعقود وقود مجانية تكسر طوق الحصار الاقتصادي الخانق المضروب عليه، وتمنحه غطاءً سياسياً إقليمياً يغض الطرف عن انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، وهو ما نجح فيه بالفعل لسنوات قبل أن تتبدل التوازنات الإقليمية مجدداً، مما يثبت أن عقيدة النظام الخارجية هي انتهازية محضة لا تحكمها مواثيق أو مبادئ ثابتة سوى تعزيز سلطة الرجل الأوحد في أسمرة.
هندسة الخوف الاجتماعي – استهداف الضمير الروحي ومعضلة البديل الغائب
تسييس الدين وسحق الحريات الروحية – هندسة الولاء العقائدي
يخترق مارتن بلاوت في هذا الجزء من مؤلفه الاستقصائي الشامل حظراً آخر من حظور النظام الإريتري، وهو ملف إدارة الشأن الديني واستهداف المعتقدات الروحية كجزء لا يتجزأ من استراتيجية الشمولية الكاملة لإحكام القبضة على ضمائر المواطنين وعقولهم. يجادل بلاوت بأن النظام، المنبثق من خلفية يسارية ماركسية علمانية متطرفة تشكلت في جبال الساحل أثناء حرب التحرير، ينظر إلى أي ولاء يتجاوز ولاء الدولة والحزب بمثابة تهديد وجودي وتنافس غير مقبول على عقول الجماهير. ومن هذا المنطلق، يوثق الكاتب كيف قام النظام في عام 2002 بإصدار مرسوم رسمي جائر يحظر تماماً ممارسة كافة الأديان والطوائف الدينية في البلاد، باستثناء أربع طوائف تاريخية كبرى ومعترف بها رسمياً وخاضعة للرقابة الأمنية الصارمة، وهي: الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية الإريترية، والمسلمون السنة، والكنيسة الرومانية الكاثوليكية، والكنيسة الإنجيلية اللوثرية. غير أن هذا الاعتراف الصوري، كما يكشف بلاوت عبر وثائق دقيقة ومقابلات مع رجال دين فارين، لم يحمِ هذه الطوائف الأربع من بطش السلطة، بل تحولت مؤسساتها إلى أدوات حكومية يُعين رؤساؤها ومفتوها بقرارات أمنية مباشرة من مكتب الرئيس، وما مأساة عزل واعتقال بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الراحل “أنتونيوس” في عام 2006 ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته إلا دليل صارخ على سحق أي استقلالية روحية في البلاد.
ويتوسع بلاوت في رصد المعاناة الرهيبة التي تعيشها الجماعات الدينية غير المعترف بها، وتحديداً جماعة “شهود يهوه” والعديد من الكنائس الإنجيلية والبنتاكوستية المستقلة، فضلاً عن التيارات الإسلامية الإصلاحية في المنخفضات. يحلل الكاتب كيف تحول أفراد هذه الجماعات إلى أهداف دائمين لحملات المداهمة الأمنية أثناء ممارستهم لطقوسهم التعبدية داخل البيوت والمخابئ السرية. يسرد الكتاب بكثير من التأثر شهادات لنساء وشيوخ ورجال لوحقوا واعتقلوا وحُشروا في حاويات شحن حديدية لمجرد حيازتهم لنسخ من الكتاب المقدس أو القرآن غير مصرح بها من الرقابة الحكومية، أو لرفضهم المشاركة في الخدمة العسكرية وحمل السلاح بناءً على قناعاتهم الروحية السلمية. يرى بلاوت أن هذا التنكيل الممنهج بالأقليات الدينية يهدف بالأساس إلى القضاء على أي مساحات للتضامن الاجتماعي أو التجمع المدني المستقل خارج أطر الحزب الحاكم، مما جعل من الفضاء الروحي الإريتري فضاءً ملوثاً بالخوف والمخبرين، حيث يُجبر رجال الدين في خطب الجمعة ومواعظ الأحد على تمجيد سياسات الزعيم والدعوة للانخراط في التجنيد الإجباري، وتحويل الإيمان إلى واجب عسكري مؤدلج يخدم بقاء الشمولية.
معضلة المعارضة في المنافي – التشرذم الإثني وغياب الرؤية الموحدة
ينتقل مارتن بلاوت من تشريح الداخل المقيد إلى قراءة المشهد السياسي للمعارضة الإريترية في الشتات، مقدماً تحليلاً نقدياً يتسم بالموضوعية والجرأة، وهو تحليل يفسر جزئياً سبب استمرار نظام إسياس أفورقي في السلطة لثلاثة عقود رغم ضعفه الاقتصادي وهشاشته الهيكلية. يوضح بلاوت أن المعارضة الخارجية، الموزعة بين عواصم أوروبا وأمريكا وأديس أبابا والسودان، تعاني من لعنة التشرذم المزمن والانقسامات البنيوية العميقة التي تتغذى على تباينات إثنية وقبلية ومناطقية ودينية ورثتها من تاريخ الحركة الوطنية نفسه. فالقوى المعارضة تنقسم عمودياً بين تنظيمات تمثل مجتمعات المرتفعات ذات الأغلبية المسيحية المتحدثة بالتجرينية، وبين تنظيمات منخفضات البلاد ذات الأغلبية المسلمة، ناهيك عن الصراعات التاريخية المريرة بين الورثة السياسيين لـ”جبهة التحرير الإريترية” التاريخية (جت) و”الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا” (جش). هذا التنافس المحموم وغياب الثقة المتبادلة بين فصائل المعارضة جعلها تعجز تماماً، بحسب رؤية بلاوت، عن تشكيل جبهة وطنية موحدة قادرة على تقديم بديل سياسي مقنع ومطمئن للشعب في الداخل أو للمجتمع الدولي في الخارج.
ويكشف بلاوت أيضاً كيف نجح الذكاء الأمني لنظام أسمرة في اختراق هذه التنظيمات المعارضة وإذكاء نيران الخلافات بينها عبر زرع عملاء مزدوجين، واستغلال الانقسامات لتشويه صورة المعارضة في نظر المواطن العادي، وتصويرها كأدوات مرتهنة للقوى الخارجية، لا سيما إثيوبيا خلال عقود العداء. ويحلل الكاتب الفجوة الجيلية العميقة داخل صفوف المعارضة؛ حيث تقود التنظيمات التقليدية نخب هرمة تجاوزت سن السبعين، تعيش في الماضي وتقتات على شعارات عتيقة، في حين يتدفق إلى الشتات مئات الآلاف من الشباب الفارين حديثاً من معسكرات “ساوا”، والذين يمتلكون غضباً عارماً ورغبة حقيقية في التغيير، لكنهم يفتقرون إلى الخبرة السياسية والتنظيمية، وينفرون من الأحزاب التقليدية. ورغم ظهور حركات شبابية جديدة عابرة للقارات في السنوات الأخيرة تحاول مواجهة أذرع النظام في الخارج، إلا أنها، كما يخلص بلاوت، لا تزال تفتقر إلى الاستراتيجية المتماسكة والقيادة الكاريزمية والاتصال الفعال مع القوى الصامتة والمقموعة في الداخل الإريتري، مما يجعل جهودها تدور في حلقة مفرغة من الاحتجاجات الرمزية دون القدرة على إحداث اختراق حقيقي في جدار النظام الحديدي.
عسكرة الهوية وتدمير التعليم – صياغة “الإنسان الإريتري الجديد”
يمتد التحليل المعمق لبلاوت ليشمل سياسة النظام التعليمية، معتبراً إياها أداة استراتيجية خطيرة صممتها السلطة لتجريف الوعي النقدي لدى الأجيال الناشئة وإعادة صياغة الهوية الوطنية وفق قوالب الطاعة العسكرية المطلقة. يشرح الكاتب كيف قام النظام بإلغاء التعليم الجامعي التقليدي والمستقل في البلاد، وقام بإغلاق جامعة أسمرة التاريخية العريقة، والتي كانت منارة علمية متميزة في شرق أفريقيا، وتوزيع كلياتها إلى معاهد تقنية صغيرة مشتتة في مناطق نائية وخاضعة للإشراف العسكري المباشر. يهدف هذا الإجراء الممنهج، كما يكشف الكتاب، إلى منع تجمع الطلاب والشباب في مكان واحد يمكن أن يشهد ولادة حراكات طلابية أو وعي سياسي معارض. يصف بلاوت كيف يعيش الطالب الإريتري عامه الدراسي الأخير في الثانوية داخل معسكر عسكري، حيث يمتزج الكتاب بالقنبلة، ويتحول الأستاذ إلى ضابط يملك سلطة العقاب البدني والسجن، مما يفرغ العملية التعليمية من قيمتها المعرفية والإنسانية، ويحول المدارس إلى خطوط إنتاج لتصدير جنود مطيعين وعمال سخرة لا يملكون القدرة على التفكير النقدي أو التساؤل عن مصيرهم، وهو ما يمثل تدميراً كاملاً وممنهجاً للمستقبل المعرفي والاقتصادي للأمة الإريترية برمتها.
التحالفات الدموية وأفق التغيير – من حرب تيجراي إلى سيناريوهات ما بعد الطاغية
التحالف الدموي الجديد – انخراط إريتريا في حرب إقليم تيجراي الكارثية
يمثل الفهم العميق للتحولات الجيوسياسية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي، وتحديداً منذ عام 2018، حجر الزاوية الذي يختتم به مارتن بلاوت قراءته التفكيكية للنظام الإريتري. يسرد الكاتب بكثير من الدقة والتوثيق الاستقصائي التحول السريالي الذي شهده الإقليم إثر صعود آبي أحمد إلى سدة الحكم في إثيوبيا وتوقيع معاهدة السلام المفاجئة بين أسمرة وأديس أبابا، وهي المعاهدة التي نال عليها رئيس الوزراء الإثيوبي جائزة نوبل للسلام. غير أن بلاوت، بنظرته الثاقبة وخبرته الطويلة، يكشف للقرّاء الوجوه الخفية المرعبة لهذا السلام الصوري؛ إذ يوضح أن الاتفاق لم يكن يهدف إلى إرساء قيم التعايش والتنمية بين الشعبين، بل كان بمثابة “تحالف عسكري دموي وتكتيكي” أبرمه رئيسان يجمعهما عداء مشترك ومصيري ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، الخصم اللدود والتاريخي لإسياس أفورقي. يحلل الكاتب كيف تحولت إريتريا، بموجب هذا الحلف، من حالة العزلة الدولية إلى فاعل عسكري مباشر وهجومي عابر للحدود، مستغلة اندلاع الحرب الأهلية الإثيوبية في أواخر عام 2020 لتجتاح القوات الإريترية إقليم تيجراي من الشمال بالتزامن مع هجوم الجيش الفيدرالي الإثيوبي من الجنوب.
وينتقل بلاوت إلى رصد فصول المأساة الإنسانية المروعة التي خلفها التدخل العسكري الإريتري في تيجراي، مستنداً إلى تقارير رصد حقوقية وأممية دامغة وشهادات حية للناجين. يصف الكتاب كيف ارتكب الجيش الإريتري والمجندون المنهكون سيكولوجياً جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترقى إلى مصاف التطهير العرقي والمذابح الجماعية، مثل مذبحة مدينة “أكسوم” التاريخية، فضلاً عن عمليات النهب الممنهج للبنية التحتية والمستشفيات والمصانع، واغتصاب النساء كأداة حرب لكسر إرادة المجتمع المدني. يرى بلاوت أن أفورقي وظّف هذه الحرب لتصفية حساباته التاريخية القديمة مع التيجراي، وتحقيق حلمه القديم في أن يصبح المايسترو الفعلي والقوة المهيمنة التي تحرك خيوط السياسة والأمن في كامل منطقة القرن الأفريقي. ورغم أن الحرب انتهت باتفاق سلام في “بريتوريا”، إلا أن القوات الإريترية، كما يوضح الكاتب، ظلت متغلغلة في أجزاء من الإقليم، مما يثبت أن النظام لا يمكنه العيش في بيئة مستقرة، وأن الحروب الإقليمية هي الغذاء الحيوي والوحيد الذي يضمن له مبررات الاستمرار وإبقاء الداخل الإريتري خاضعاً لحالة الطوارئ اللامتناهية.
سيناريوهات ما بعد إسياس أفورقي – حتمية التغيير ومعضلة الفراغ السياسي
في الجزء الاستشرافي من كتابه، يفتح مارتن بلاوت الباب على مصراعيه أمام السؤال الأكثر حساسية وإلحاحاً والذي يشغل بال الديبلوماسيين والمراقبين للإقليم: ماذا سيحدث في اليوم التالي لغياب الرئيس إسياس أفورقي الذي تجاوز الثمانين من عمره؟ يحلل الكاتب هذا المشهد بكثير من الحذر والموضوعية، معتبراً أن غياب المؤسسات الدستورية والسياسية الشرعية في إريتريا يجعل من مرحلة الانتقال حقلاً من الألغام القابلة للانفجار في أي لحظة. يطرح بلاوت عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل البلاد؛ السناريو الأول يتمثل في محاولة “الخلافة العائلية الموجهة”، حيث تشير التحركات الأخيرة والتعيينات الديبلوماسية والعسكرية إلى محاولات لتأهيل “أبراهام إسياس أفورقي”، النجل الأكبر للرئيس، لوراثة الحكم بدعم من الدائرة الأمنية الضيقة المحيطة بالقصر. غير أن الكاتب يشكك كثيراً في نجاح هذا السيناريو على المدى الطويل، نظراً لافتقار الابن للكاريزما الثورية والقبول بين صفوف الجنرالات القدامى الذين خاضوا حرب التحرير ويرون أنفسهم أحق بقيادة الدولة.
أما السيناريو الثاني والشرس الذي يستعرضه بلاوت، فهو سيناريو “الانقلاب العسكري وتشرذم النخبة الحاكمة”. يوضح الكاتب أن الجيش الإريتري، رغم انضباطه الحديدي الظاهري، ينقسم داخلياً إلى مراكز قوى وولاءات متعددة يقودها جنرالات وأمراء حرب يسيطرون على قطاعات الاقتصاد الموازي والتهريب. في حال غياب رأس الهرم، يرجح بلاوت إمكانية اندلاع صراع داخلي عنيف ومسلح بين هؤلاء العسكريين للسيطرة على العاصمة أسمرة ومفاصل الدولة، مما قد يؤدي إلى انهيار كامل للامركزية الأمنية ودخول البلاد في آتون حرب أهلية مدمرة تتغذى على التباينات الإثنية والمناطقية بين المرتفعات والمنخفضات، وهو ما يشكل كابوساً جيوسياسياً مرعباً لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي برمتها، نظرًا للموقع الاستراتيجي الخطير الذي تتمتع به إريتريا وإشرافها على ممرات التجارة الدولية.
أفق التغيير الديمقراطي واستعادة الوطن السليب
يختتم مارتن بلاوت بنبرة تجمع بين الواقعية والتمسك بالأمل في انبعاث إريتريا جديدة من رماد الشمولية. يرى الكاتب أن مفتاح التغيير الحقيقي والديمقراطي المستدام لا يكمن في التدخلات الخارجية أو المؤامرات الإقليمية، بل ينبع بالأساس من قدرة الشعب الإريتري، وخاصة الأجيال الشابة الناشئة في الداخل والشتات، على كسر حاجز الخوف وتجاوز انقسامات الماضي. يدعو بلاوت المجتمع الدولي والقوى العظمى إلى التوقف عن سياسة غض الطرف والبراغماتية الفجة تجاه انتهاكات نظام أسمرة، وتشديد العقوبات المستهدفة على أرصدة الحزب الحاكم والجنرالات المتورطين في جرائم السخرة والتعذيب، ودعم حركات المجتمع المدني والناشطين الحقوقيين الإريتريين الذين يحاولون توحيد صفوفهم في المنافي.




