أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

أطياف الفاشية في المرتفعات الحبشية: نبش الذاكرة المنسية لإمبراطورية موسوليني الدموية

عودة الوعي المفقود.. مواجهة الصمت الاستعماري الإيطالي

في المشهد الثقافي الأوروبي المعاصر، يظل التاريخ الاستعماري جرحاً مفتوحاً يرفض الالتئام، لا لقلة الوثائق المكتوبة، بل لشدة التواطؤ على الصمت ومحاولة صياغة ذاكرة جمعية تتسم بالانتقائية والتطهر المفتعل. وضمن هذا السياق المتأزم، يأتي كتاب المؤرخ الإيطالي فيليبو كولومبارا، الموسوم بـ “رواية الإمبراطورية: تاريخ شفهي للغزو الإيطالي لإثيوبيا (1935-1941)” (Raccontare l’impero. Una storia orale della conquista d’Etiopia)، ليمثل صفعة معرفية ومنهجية قوية على وجه السرديات التقليدية التي طالما حاولت تسويق الاستعمار الإيطالي في القرن الأفريقي بوصفه “استعماراً ناعماً” أو أقل وحشية من نظيريه البريطاني والفرنسي. إن كولومبارا لا يكتفي بإعادة قراءة الأرشيف الرسمي للدولة الفاشية، بل ينزل إلى الميدان ممتشقاً سلاح “التاريخ الشفهي”، ليجعل من شهادات الجنود الفاشيين، والمستوطنين، والمجندين الإجباريين، والضحايا، مادة حية قادرة على تفجير الأساطير الأيديولوجية التي بنيت عليها إمبراطورية بينيتو موسوليني الزائفة.

ينطلق الكتاب من أطروحة أساسية مفادها أن الاستعمار الإيطالي لإثيوبيا لم يكن مجرد مغامرة عسكرية عابرة أو محاولة لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية القديمة، بل كان مختبراً حقيقياً لصياغة الهوية الفاشية القائمة على العنف، والعنصرية الممنهجة، وإقصاء الآخر. وما يميز عمل كولومبارا هو رفضه القاطع للاستسلام للمصادر المكتوبة التي صاغتها الآلة الدعائية لنظام موسوليني؛ تلك الآلة التي برعت في تزييف الحقائق، وتصوير الغزو الوحشي على أنه “رسالة تمدين” لشعوب القارة السمراء، أو محاولة لمنح الأرض للفقراء الإيطاليين الذين ضاقت بهم سبل العيش في شبه الجزيرة الإيطالية. بدلاً من ذلك، يختار المؤلف سلوك الدرب الأصعب: الإنصات إلى أصوات البشر العاديين الذين شاركوا في تلك المأساة، سواء كانوا في خنادق القتال، أو في طوابير البناء، أو حتى في بيوت المستوطنين التي أقيمت على أنقاض القرى الإثيوبية المحروقة.

لقد نجح كولومبارا في جمع مئات الساعات من المقابلات الشفهية المسجلة مع قدامى المحاربين الإيطاليين الذين أُرسلوا إلى القرن الأفريقي ما بين عامي 1935 و1941. هذه المقابلات، التي أُجريت على مدار سنوات طويلة من البحث المضني، تكشف عن حجم الفجوة الهائلة بين ما كانت تبثه الإذاعات وتنشره الصحف الفاشية في روما وميلانو، وبين الواقع المرير والدموي الذي عاشه الجنود على أرض المرتفعات الحبشية. إن القيمة المعرفية الكبرى للتاريخ الشفهي في هذا الكتاب تكمن في قدرته على اختراق “اللاوعي السياسي” للمستعمر؛ حيث تتدفق الاعترافات العفوية، والزلات اللغوية، والقصص المنسية لتكشف عن الوجه القبيح للفاشية التي حاولت السينما والأدب الإيطالي لفترة طويلة بعد الحرب العالمية الثانية إخفاءه وراء الستار.

منذ الفصول الأولى للكتاب، يضعنا كولومبارا أمام سياق تاريخي معقد؛ ففي منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، كان النظام الفاشي يمر بأزمة شرعية داخلية خفية، وكان موسوليني بحاجة إلى “نصر مؤزر” يعيد به صياغة العقد الاجتماعي مع الجماهير الإيطالية، ويشغلهم عن الأزمات الاقتصادية الطاحنة. لم تكن إثيوبيا مجرد هدف جغرافي، بل كانت “العقدة النفسية” للتاريخ العسكري الإيطالي، الذي تعثر بغزارة في معركة “عدوة” عام 1896، حين ألحق الجيش الإثيوبي هزيمة نكراء بالقوات الإيطالية الغازية، وهي الهزيمة التي ظلت توصف في الوجدان الإيطالي بأنها “العار الذي يجب محوه”. من هنا، كانت التعبئة العامة لغزو إثيوبيا في أكتوبر 1935 تعبئة وجودية، استخدمت فيها الفاشية كل أدوات التكنولوجيا الحديثة والبروباغندا النفسية لإقناع الفلاحين والعمال الإيطاليين بأن أفريقيا هي أرض الميعاد التي ستفيض لبناً وعسلاً.

يحلل كولومبارا  كيف تم التلاعب بوعي هؤلاء الجنود الشباب، الذين سِيقوا إلى البواخر المتجهة نحو ميناء مصوع في إريتريا، وهم يغنون الأناشيد الفاشية الحماسية مثل “Faccetta Nera” (الوجه الأسود الصغير)، وهي الأغنية الشهيرة التي تروي قصة فتاة إثيوبية سيحررها الفاشيون ويأخذونها إلى روما لتعيش في ظل الحضارة. يوضح الكتاب، من خلال شهادات هؤلاء الجنود بعد عقود من الزمن، كيف تحولت هذه النبرة الرومانسية الغنائية إلى كابوس مرعب بمجرد وطأت أقدامهم أرض المعركة. يروي المحاربون القدامى كيف صدمتهم قسوة الطبيعة، والحرارة الحارقة، والجبال الشاهقة التي لم يألفوها في قراهم الوادعة في شمال أو جنوب إيطاليا، وكيف بدأت تنهار لديهم بسرعة أوهام “الحرب النظيفة” التي بشر بها موسوليني.

علاوة على ذلك، يفكك الكتاب أسطورة “الإيطالي الطيب” (Italiani brava gente)، وهي السردية السائدة في إيطاليا بعد سقوط الفاشية، والتي حاولت الترويج لفكرة أن المستعمر الإيطالي كان بطبعه إنسانياً، ودوداً، ومختلفاً عن المستعمر البريطاني الصلف أو الفرنسي العنيف. عبر الشهادات الشفهية الصادمة التي يوردها كولومبارا، يتضح أن الجيش الفاشي مارس في إثيوبيا حرب إبادة حقيقية، استخدم فيها الأسلحة الكيميائية والغازات السامة مثل غاز الخردل (الإبريت) بأوامر مباشرة من موسوليني والجنرال بادوليو، وهو الأمر الذي ظل الأرشيف الرسمي الإيطالي ينكره لعقود حتى أواخر التسعينيات. الجنود في شهاداتهم الشفهية يتذكرون بدقة مرعبة تلك الغيوم القاتلة التي كانت تسقط من الطائرات، محولة القرى الآمنة والوديان الخصبة إلى مقابر جماعية للبشر والماشية، مما يكشف عن البنية العنصرية العميقة التي وجهت الآلة العسكرية الاستعمارية.

إن الكتاب لا يكتفي برصد العمليات العسكرية، بل يغوص عميقاً في “الأنثروبولوجيا الاستعمارية” للحياة اليومية. يسلط كولومبارا الضوء على مفهوم “الرواية الإمبراطورية” كبنية لغوية وفكرية فرضت على المجتمع الإيطالي بأكمله؛ فمن خلال المقابلات، يتبين كيف تداخلت مفاهيم الدين، والوطنية، والعنصرية في عقول هؤلاء الرجال العاديين. يروي بعض الجنود كيف كان القساوسة الكاثوليك يباركون الأسلحة والجنود المتجهين إلى أفريقيا، معتبرين أن الغزو هو “مهمة مقدسة” لإدخال المسيحيين الأرثوذكس الإثيوبيين تحت لواء الكنيسة الرومانية، وتخليصهم من “البربرية والهرطقة”. هذا التشابك المعقد بين الديني والسياسي أتاح للمقاتل العادي إمكانية ارتكاب أفظع الجرائم دون الشعور بأي تأنيب ضمير، بل بشعور عارم بالواجب الأخضري والوطني.

“الأبارتايد الفاشي” وهندسة الفصل العنصري في المرتفعات

ينتقل بنا فيليبو كولومبارا في القسم التالي من  من صخب المعارك والدوي المرعب للغازات السامة، ليدخل بنا إلى كواليس صناعة “المجتمع الكولونيالي الجديد”، مستعرضاً الطريقة التي حاولت بها الفاشية صياغة نمط حياة يعكس التفوق العرقي الأبيض في قلب القارة الأفريقية. إن الغزو العسكري، في عرف الفاشية، لم يكن سوى الخطوة الأولى في مشروع أطول وأخطر يهدف إلى إعادة هندسة التركيبة الديموغرافية والاجتماعية لإثيوبيا. ومن خلال الشهادات الشفهية الصادمة التي يوردها الكاتب، يتضح للقارئ كيف تحولت المدن الإثيوبية، وعلى رأسها العاصمة أديس أبابا، إلى مختبرات حية لتطبيق واحد من أبكر أنظمة الفصل العنصري (الأبارتايد) في التاريخ الحديث، وهو نظام جرى التخطيط له بصرامة قانونية وإدارية بهدف منع أي شكل من أشكال التمازج أو التقارب بين المستعمِر والمستعمَر.

يركز كولومبارا بصورة مكثفة على تفكيك ظاهرة “الماداماتيزمو” (Madamismo)، وهي تلك العلاقات التعاقدية أو الزوجية غير الرسمية التي كانت تنشأ بين الجنود والمستوطنين الإيطاليين والنساء الإثيوبيات (المادامات). في بداية الحملة العسكرية، تغاضت السلطات الفاشية بل وشجعت ضمنياً هذه العلاقات كوسيلة لتثبيت الجنود الشباب وتوفير نوع من الاستقرار النفسي والجسدي لهم في بيئة جغرافية غريبة وموحشة. إلا أن النظرة الفاشية سرعان ما تبدلت بشكل جذري عندما بدأ الحلم الإمبراطوري يستقر؛ إذ رأى موسوليني ومنظرو العرق في روما أن ولادة جيل من الأطفال ذوي الأصول المشتركة (المستيزو) يمثل خطراً وجودياً يهدد نقاء الدم الإيطالي ويهدم أسطورة التفوق العرقي التي بنيت عليها البروباغندا الاستعمارية.

ومن خلال المقابلات الشفهية، يستمع كولومبارا إلى اعترافات جنود ومستوطنين قدامى يتحدثون بنبرة تمتزج فيها مشاعر الحنين بالذنب والارتباك حول تلك الحقبة. يروي هؤلاء كيف صدرت القوانين الصارمة عام 1937 لتجريم “الماداماتيزمو” وفرض عقوبات بالسجن تصل إلى سنوات عدة على أي إيطالي يثبت إقامته علاقة دائمة مع امرأة إفريقية. وتكشف الشهادات كيف تحول الرفقاء الفاشيون بالأمس إلى رقباء يتجسسون على زملائهم، وكيف أُجبر آلاف الرجال على التخلي عن شريكاتهم الإثيوبيات وعن أطفالهم، وتركهم لمصير مجهول في مجتمع مزقته الحرب، وذلك انصياعاً لأوامر الحزب الفاشي الذي اعتبر أن الحفاظ على الهيبة الاستعمارية يتطلب فصلاً تاماً بين الفراش الإيطالي والجسد الأفريقي.

إن هذا الفصل لم يقتصر على العلاقات الشخصية الحميمة، بل تمدد ليعيد تشكيل الفضاء العمراني للمدن الإثيوبية. يحلل كولومبارا، مستنداً إلى ذكريات المستوطنين وعمال البناء الإيطاليين، كيف جرى تقسيم أديس أبابا ومدن أخرى مثل أسمرة وهارار إلى مناطق معزولة تماماً؛ حيث خُصصت الأحياء الحديثة ذات الشوارع الفسيحة والمباني ذات الطراز المعماري الإيطالي الحديث (الآرت ديكو) للإيطاليين والأوروبيين فقط، بينما حُشر السكان الأصليون في أحياء هامشية فقيرة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وامتُنع عليهم دخول مناطق البيض إلا بموجب تصاريح عمل خاصة وتحت رقابة أمنية مشددة. وتكشف الروايات الشفهية كيف كان الجنود والمستوطنون ينظرون إلى هذا التقسيم المكاني بوصفه أمراً طبيعياً يعكس تراتبية الحضارة ضد الهمجية، وهو ما يوضح عمق تغلغل الأيديولوجيا الفاشية في تفاصيل الحياة اليومية للرجل الإيطالي العادي.

وفي هذا السياق، يبرز كتاب كولومبارا وجهاً آخر غالباً ما يتم تجاهله في التأريخ التقليدي، وهو دور العمال والفلاحين الإيطاليين الذين أُرسلوا إلى إثيوبيا ليس كجنود مقاتلين، بل كقوة عاملة لشق الطرق وبناء الجسور والمستعمرات الزراعية. كان موسوليني يطمح إلى تحويل إثيوبيا إلى “إيطاليا جديدة” قادرة على استيعاب الفائض السكاني من الفقراء والبروليتاريا الإيطالية التي عانت الحرمان في أرياف وادي البو أو في الجنوب الإيطالي المهمل. لكن شهادات هؤلاء العمال، كما ينقلها المؤلف بتدفق سردي مؤثر، تكشف عن خيبة أمل مريرة؛ فقد وجد هؤلاء الكادحون أنفسهم يعيشون في معسكرات عمل قاسية، تحت رحمة نظام عسكري صارم لا يرحم، وفي مواجهة طبيعة جبلية وعرة ومقاومة محلية لا تتوقف عن استهداف خطوط إمدادهم.

لقد تكشفت للعمال الإيطاليين حقيقة أن الإمبراطورية التي وُعدوا بأنها ستجعل منهم سادة، لم تكن سوى آلية ضخمة لاستغلالهم واستغلال السخرة الإفريقية على حد سواء لصالح النخب الفاشية والشركات الاحتكارية الكبرى في روما. ويتحدث بعض قدامى العمال في المقابلات عن مشاعر التضامن الخفية والصامتة التي كانت تنشأ أحياناً بينهم وبين العمال الإثيوبيين الذين كانوا يشاركونهم مشقة حفر الأنفاق وسقوط الصخور في المرتفعات، وهي لحظات إنسانية عابرة كانت تخترق جدار الفصل العنصري الصلب الذي حاولت الفاشية إقامته. غير أن هذه اللحظات ظلت استثناءً، إذ إن الأغلبية الساحقة من المستوطنين سرعان ما انخرطت في لعب دور “السيد الأبيض”، مدفوعة برغبة التعويض عن شعورها بالدونية الاقتصادية في بلدها الأم من خلال ممارسة السلطة والاستعلاء على السُّكان الأصليين.

يمتد تحليل كولومبارا ليشمل المنظومة التعليمية والدعائية التي رافقت هذا البناء الاستعماري؛ حيث يوضح كيف جرى صياغة برامج تعليمية ممسوخة تهدف إلى غسل أدمغة الأطفال الإثيوبيين وتدريبهم على الخضوع والقبول بالدونية كقدر محتوم، مع التركيز على تعليمهم مبادئ اللغة الإيطالية فقط بما يكفي لفهم الأوامر العسكرية والإدارية. ويتجلى من خلال التدفق السردي للكتاب أن الفاشية كانت واعية تماماً بأن استدامة الإمبراطورية تعتمد بالأساس على قتل روح المقاومة الثقافية والمعنوية لدى الشعب الإثيوبي، وإحلال ذاكرة جديدة ومصطنعة تجعل من المحتل منقذاً ومحركاً للتاريخ.

إن القيمة الكبرى التي يضيفها فيليبو كولومبارا في هذا الجزء من كتاب “رواية الإمبراطورية” هي قدرته الفائقة على جعل هذه التفاصيل السوسيولوجية الجافة تنبض بالحياة من خلال ألسنة من عاشوها. إننا لا نقرأ عن نصوص القوانين العنصرية كما وردت في الجريدة الرسمية للحكومة الفاشية فحسب، بل نرى كيف كانت تلك القوانين تترجم في الشارع، في الحافلات المعزولة، في نظرات الاحتقار والخوف، وفي الصراعات الصامتة التي دارت في غرف النوم والمزارع. إن هذا التدفق الأسلوبي يجعل من الكتاب دراسة رائدة في “تاريخ العقليات”، تتيح لنا فهم كيف يمكن للبشر العاديين، والذين قد يكونون طيبين في سياقاتهم المحلية، أن يتحولوا إلى تروس طيعة في آلة اضطهاد عنصري جهنمية عندما يتم شحنهم بأيديولوجيا الخوف والتفوق الاستعماري.

بركان المرتفعات.. حرب العصابات والمجازر الانتقامية في أدغال الحبشة

ينتقل بنا فيليبو كولومبارا في هذا الجزء المحوري من كتابه ليفكك واحدة من أكبر الأكاذيب التي روجت لها الماكينة الإعلامية لوزارة الثقافة الشعبية الفاشية في روما؛ وهي فرية “التهدئة الشاملة” واستسلام الشعب الإثيوبي للمحتل الجديد. فبينما كانت الصحف الإيطالية تنشر صوراً مفبركة لزعماء القبائل وهم يقدمون فروض الولاء والطاعة للجنرالات الفاشيين، كان الواقع على الأرض يغلي ببركان من الغضب والرفض، تجسد في صعود حركة مقاومة وطنية شرسة عُرف مقاتلوها باسم “الفيغنا” (Arbegnoch) أو الوطنيين. وعبر الشهادات الشفهية التي يستنطقها المؤلف بكثير من الحذر والعمق، يتضح كيف تحولت الجبال الشاهقة والوديان السحيقة لإثيوبيا إلى مصيدة موت حقيقية للجيش الغازي، وكيف تحول حلم النصر السريع المريح إلى حرب استنزاف نفسية وجسدية طاحنة بددت غطرسة الإمبراطورية.

يكشف كولومبارا، من خلال ذكريات الجنود والمجندين الإيطاليين، كيف كانت المرتفعات الحبشية تتحول مع حلول الظلام إلى عالم مخيف ومجهول يسيطر عليه المقاومون الإثيوبيون؛ حيث غابت خطوط القتال التقليدية وبات العدو في كل مكان ولا مكان في آن واحد. يروي قدامى المحاربين بنبرات مشحونة بالرعب، الذي لم تمحه العقود، كيف كانت قوافل الإمداد الإيطالية تتعرض لكمائن خاطفة ومميتة في الممرات الجبلية الضيقة، حيث يظهر المقاتلون الإثيوبيون فجأة من بين الصخور والأشجار الكثيفة، مسلحين ببنادق قديمة وسيوف “السمشير” التقليدية، ليوقعوا مقتلة عظيمة في صفوف الجنود ثم يختفون في لمح البصر دون ترك أي أثر. هذه الحرب النفسية دفعت الجنود الإيطاليين إلى حافة الجنون، وبدأت تتآكل لديهم أوهام التفوق التكنولوجي العسكري أمام شجاعة واستماتة مقاتلين يدافعون عن أرضهم وحريتهم.

ولم يكن رد الفعل الفاشي على هذه المقاومة الشرسة إلا مزيداً من الوحشية والبربرية السافرة التي تجاوزت كل الأعراف والقوانين الدولية، وهو ما يوثقه كولومبارا بشهادات لشهود عيان شاركوا بأنفسهم في تلك الفظائع أو كانوا أدوات في تنفيذها. ويحتل الحدث المفصلي المتمثل في محاولة اغتيال الحاكم العام لإفريقيا الشرقية الإيطالية، اليرموشال “رودولفو غراتسياني”، في فبراير 1937 بأديس أبابا على يد شابين إريتريين، مساحة واسعة من التحليل الشفهي والسردي في الكتاب. إذ يكشف المؤلف كيف تحولت تلك المحاولة الفاشلة إلى ذريعة لإطلاق العنان لواحد من أبشع المجازر الجماعية في التاريخ الاستعماري الحديث، والتي عُرفت بمجزرة “Yekatit 12″؛ حيث أُعطيت الأوامر للجنود والقمصان السوداء والمستوطنين الإيطاليين المدنيين بالخروج إلى شوارع العاصمة وتصفية أي إثيوبي يصادفونه.

في المقابلات الشفهية، يصف بعض المستوطنين والجنود القدامى بخجل وارتباك تلك الأيام الثلاثة السوداء من عام 1937؛ حيث تحول المدنيون الإيطاليون، الذين قدموا قبل أشهر كبنائين وفلاحين، إلى جزارين مدفوعين برغبة الانتقام العرقي، فاستخدموا الفؤوس والهراوات والوقود لحرق بيوت الإثيوبيين على رؤوس ساكنيها، وإبادة عائلات بأكملها في شوارع أديس أبابا. ويمتد السرد الشفهي المروع ليكشف كيف زحفت هذه الآلة الانتقامية نحو المراكز الدينية والثقافية لإثيوبيا، حيث قاد غراتسياني حملة لتصفية النخبة الفكرية والدينية للبلاد، وتوج ذلك بمجزرة دير “ديبرا ليبانوس” الشهير، حيث أُعدم مئات الرهبان وطلاب اللاهوت رمياً بالرصاص في عُرض الصحراء، ظناً من النظام الفاشي أن كسر العمود الفقري للكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية سيقضي على الروح المعنوية للمقاومة.

بيد أن النتيجة جاءت عكسية تماماً كما يوضح كولومبارا؛ إذ أدت هذه المجازر إلى راديكالية حركة المقاومة وانضمام آلاف الفلاحين والنساء إلى صفوف المقاتلين في الجبال، وتحول الثأر من مجرد رغبة في طرد المحتل إلى معركة وجودية لا خيار فيها سوى النصر أو الموت. ويتدفق سرد الكتاب مستعرضاً كيف أسهمت النساء الإثيوبيات في هذه الملحمة، ليس فقط من خلال توفير الإمدادات والمعلومات للمقاتلين، بل بحمل السلاح والقتال في الخطوط الأمامية، وهي تفاصيل تبرز كيف تحول المجتمع الإثيوبي بأكمله إلى جبهة مقاومة موحدة ضد الفاشية.

من الناحية المنهجية، يبرع كولومبارا في رصد “التحول السيكولوجي” الذي طرأ على الجندي الإيطالي العادي خلال سنوات هذه المحرقة. فمن خلال المقارنة بين رسائل الجنود الشابة المليئة بالحماس الفاشي في بداية الحرب عام 1935، وبين شهاداتهم الشفهية المتأخرة، يلاحظ القارئ تغلغل مشاعر الإحباط، والسوداوية، واليقين بالهزيمة الحتمية. لقد أدرك هؤلاء الجنود، الذين عانوا من الأمراض المدارية الفتاكة مثل الملاريا والدوسنتاريا، ونقص التموين، والخوف الدائم من الموت المباغت، أن البروباغندا في روما قد باعتهم وهماً كبيراً، وأن المرتفعات الإثيوبية ليست “أرض الميعاد” بل مقبرة شاسعة تبتلع شبابهم وتاريخهم الأخلاقي.

تصدع العرش العاجي.. اندلاع الحرب العالمية وتهاوي الوهم الإمبراطوري

يأخذنا فيليبو كولومبارا في هذا القسم الحاسم من كتابه إلى نقطة التحول الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ في القرن الأفريقي، حيث لم يعد الصراع في إثيوبيا مجرد مواجهة معزولة بين قوة استعمارية وحركة تحرر وطني، بل تشابكت خيوطه مع اشتعال النيران في كافة أرجاء القارة الأوروبية مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، ودخول إيطاليا الفاشية الحرب رسمياً إلى جانب ألمانيا النازية في يونيو 1940. وعبر تتبع الشهادات الشفهية للجنود والمستوطنين والموظفين الإداريين الإيطاليين الذين عاشوا تلك اللحظات العصيبة، يرسم المؤلف لوحة إنسانية وسياسية بالغة التعقيد، تتدفق بتفاصيل مشحونة بالقلق والترقب، كاشفة عن السرعة المذهلة التي تهاوى بها “العرش العاجي” الذي شيده موسوليني على دماء وعظام الضحايا في المرتفعات الحبشية.

يوضح كولومبارا  كيف وجد المحتلون الإيطاليون أنفسهم فجأة في وضع جيوسياسي شبه مستحيل؛ فبمجرد إعلان موسوليني الحرب على بريطانيا وفرنسا، تحولت إفريقيا الشرقية الإيطالية إلى جزيرة معزولة تماماً ومحاصرة من كل الجهات بقوات الإمبراطورية البريطانية والمستعمرات التابعة لها. ويتذكر قدامى المحاربين الإيطاليين في مقابلاتهم مع المؤلف كيف انقطعت خطوط الإمداد البحري والجوي مع روما بشكل شبه كامل عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وكيف بدأت مخازن الذخيرة والمحروقات والمواد الغذائية الطبية تنفد بسرعة مرعبة، مما جعل القوات الإيطالية، رغم تعدادها الضخم ظاهرياً، أشبه بجيش من الأشباح ينتظر مصيره المحتوم في بيئة تزداد عدائية يوماً بعد يوم.

وفي هذا المناخ المتأزم، تفجرت النتائج الكارثية لسياسات القمع والبطش التي مارسها الجنرال غراتسياني وخلفاؤه؛ إذ لم تكن حركة المقاومة الإثيوبية (الفيغنا) قد نسيت أو غفرت الفظائع والمجازر السابقة، بل كانت تتحين الفرصة السانحة لتوجيه الضربة القاضية. ويكشف كولومبارا بكثير من النفاذ البصير كيف نسق المقاومون الإثيوبيون تحركاتهم مع القوات البريطانية وقوات الكومنولث التي بدأت بالزحف نحو إثيوبيا من جبهات عدة عبر السودان وكينيا. الشهادات الشفهية للإيطاليين تصف تلك المرحلة بأنها كانت حقبة “الرعب المضاعف”؛ حيث لم يعد الجندي الإيطالي العادي يواجه فقط هجمات الجيش البريطاني المنظم بآلياته الحديثة، بل بات محاصراً بانتفاضة شعبية عارمة اجتاحت القرى والمدن الإثيوبية، حيث حمل كل فلاح وشاب سلاحه لينتقم لسنوات الإذلال والغازات السامة.

اللافت في تحليل كولومبارا الشفهي هو رصده لظاهرة “التفكك المعنوي والأخلاقي” داخل صفوف الجيش الفاشي؛ حيث يتحدث الجنود في شهاداتهم عن انهيار كامل للإيمان بالأيديولوجيا الفاشية وبوعود القادة. فالرجل العادي الذي سيق من ريف إيطاليا للدفاع عن إمبراطورية قيل له إنها أزلية، وجد نفسه مهجوراً في أدغال الحبشة، يقاتل في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وتحت قيادة جنرالات انشغلوا بالصراعات الداخلية وجمع المكاسب الشخصية بدلاً من وضع استراتيجيات دفاعية حقيقية. ويروي بعض المقاتلين الإيطاليين كيف بدأت تظهر حالات فرع جماعي وعصيان للأوامر العسكرية، وكيف تحول القميص الأسود الفاشي من رمز للفخر والقوة إلى عبء ثقيل يحاول الجنود التخلص منه ودفنه في التراب تجنباً للوقوع في أيدي المقاومين الإثيوبيين الغاضبين.

يمتد الحديث ليتناول وضع المستوطنين المدنيين الإيطاليين، والذين كان يربو عددهم على عشرات الآلاف، والذين وجدوا أنفسهم فجأة بين فكي كماشة؛ فالعائلات التي استقرت في بيوت ومزارع أديس أبابا وأسمرة وهارار، وظنت أن الوجود الإيطالي سيدوم للأبد، عاشت أسابيع من الهلع الشديد مع اقتراب القوات المشتركة من العاصمة. وتنقل المقابلات الشفهية مع هؤلاء المستوطنين، ولا سيما النساء والأطفال الذين كبروا في تلك الفترة، تفاصيل إنسانية مؤثرة حول ليالي الحصار، والانتظار الطويل لسماع أخبار الجبهة عبر الراديو المشوش، والشعور العارم بالخذلان من نظام موسوليني الذي دفع بهم إلى هذه المغامرة الخطيرة ثم تركهم لمصيرهم تواجهون غضب شعب بأكمله.

ومع تداعي الدفاعات الإيطالية وسقوط الحصون الواحدة تلو الأخرى، مثل حصن “كيرين” الشهير في إريتريا بعد معركة ضارية أبدى فيها الطرفان استبسالاً كبيراً، بدا واضحاً أن الحلم الإمبراطوري الفاشي يلفظ أنفاسه الأخيرة في القرن الإفريقي. يحلل كولومبارا ببراعة أسلوبية وتدفق روائي ممتع كيف توجت هذه النهاية الدراماتيكية في مايو 1941، عندما دخل الإمبراطور الإثيوبي “هايلي سيلاسي” منتصراً إلى عاصمته أديس أبابا بعد خمس سنوات تماماً من نفيه القسري، ليرفع العلم الإثيوبي مجدداً فوق قصر الرئاسة، معلناً بطلان زواج الفاشية العابر من المرتفعات الحبشية.

عُقدة الذنب والنسيان الممنهج.. إرث الإمبراطورية المتخفي في إيطاليا المعاصرة

يركز كولومبارا على تبيان كيف أن إيطاليا ما بعد الحرب، في محاولتها لبناء هوية ديمقراطية جديدة والاندماج في المنظومة الغربية وحلف شمال الأطلسي، اختارت سلوك طريق “التطهر السهل”؛ حيث جرى تحميل الفاشية وموسوليني وحدهما كبش فداء لكل الفظائع، بينما جرى إعفاء المجتمع والجيش والمواطن العادي من أي تبعات أخلاقية أو جنائية.

فعندما استجوب كولومبارا هؤلاء الرجال بعد مرور نصف قرن أو أكثر على المغامرة الأفريقية، لاحظ وجود جدار سميك من الإنكار، والالتفاف اللغوي، والتهرب من تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. يتحدث بعض القدامى عن الحرب بوصفها “واجبًا وطنيًا” أو “مغامرة شبابية مشوقة”، بينما تظهر زلات لسانهم وتعبيرات وجوههم ونبرات أصواتهم المتهدجة حجم التمزق الداخلي وعقدة الذنب المكتومة؛ إذ يقر بعضهم في لحظات تجلٍ نادرة ومرعبة برؤية غيوم غاز الخردل وهي تحرق أجساد الفلاحين الإثيوبيين، أو يتذكرون بوضوح ملامح الرهبان الذين أُعدموا في دير “ديبرا ليبانوس”، وهي صور ظلت تطاردهم في كوابيسهم الليلية طوال حياتهم، لكنهم عجزوا عن البوح بها لأبنائهم أو مجتمعهم خوفاً من النبذ والوصم.

هذا التواطؤ الاجتماعي على الصمت، كما يوضح كولومبارا، حظي برعاية سياسية كاملة من الحكومات الإيطالية المتعاقبة بعد الحرب، والتي تمنعت لسنوات طويلة عن فتح الأرشيف العسكري وعرقلت أي محاولة جادة لإعادة تقييم الحقبة الكولونيالية في المناهج الدراسية أو وسائل الإعلام الرسمية. وظل الإنكار الرسمي لاستخدام الأسلحة الكيميائية في إثيوبيا قائماً حتى تسعينيات القرن الماضي، عندما أُجبرت وزارة الدفاع الإيطالية أخيراً على الاعتراف بالحقائق تحت ضغط المؤرخين والوثائق الدامغة. ويرى كولومبارا أن هذا التأخر الطويل في مواجهة الحقيقة قد أورث المجتمع الإيطالي نوعاً من “الأميبا التاريخية” أو الفقدان الانتقائي للذاكرة، مما جعل الأجيال الجديدة تنشأ وهي جاهلة تماماً بحقيقة أن بلادهم كانت تمتلك إمبراطورية استعمارية قامت على دماء الآخرين، وهو جهل يساهم بشكل مباشر في صعود تيارات اليمين المتطرف والخطابات العنصرية المعاصرة ضد المهاجرين الأفارقة في إيطاليا اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى