عندما تغذي الحرب نفسها: كيف حوّل صلح وستفاليا حريق أوروبا الديني إلى معجزة دبلوماسية؟

مع إطلالة القارئ على أدبيات التاريخ الأوروبي الحديث، تبرز “حرب الثلاثين عاماً” (1618–1648) كأحد أكثر الفصول دموية وقتامة، ليس فقط لأنها أعادت رسم الخريطة الجيوسياسية للقارة العجوز، بل لأنها حُفرت في الوجدان الجمعي بوصفها المأساة الشاملة التي امتزج فيها الفناء البشري بالبربرية المطلقة. وفي محاولة لتفكيك هذه الملحمة المعقدة ببراعة تفكيكية واختزال ذكي لا يضحي بالعمق، يأتي كتاب المؤرخ الألماني البارز يورغ شميت (Georg Schmidt)، أستاذ تاريخ العصر الحديث المبكر في جامعة يينا العريقة، والمعنون بـ “حرب الثلاثين عاماً” (Der Dreißigjährige Krieg)، والصادر ضمن سلسلة “المعرفة” الشهيرة عن دار نشر “سي إتش بيك” (C.H.Beck) في ميونخ.
يقدم شميت في هذا المؤلف الرصين، الذي تُرجم وحُدث في طبعات متتالية، مراجعة تاريخية وبنيوية بالغة الأهمية. إنه لا يكتفي بسرد المعارك وتحركات الجيوش، بل يغوص في الأحشاء الاقتصادية، والمناخية، والدستورية، والمذهبية للإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية (Altes Reich)؛ متجاوزاً الأحكام الجاهزة التي رأت في الحرب مجرد “كارثة وطنية حتمية” أو صراعاً دينياً محضاً.
المناخ، الاقتصاد، وفخ الحتمية التاريخية
تفكيك السردية التقليدية ونقد الحتمية التاريخية
يفتتح البروفيسور يورغ شميت كتابه باقتباس لافت للشاعير دانيال فون تشيبكو يعود لعام 1632: “حيث تكون الحرية والحق، هناك يكون الوطن…”، وهو اقتباس يشي بالتمزق الهوياتي والسياسي الذي عاشه إنسان ذلك العصر. ومنذ السطور الأولى للـ (Einleitung)، يضع شميت مشرطه ليجتث فكرة لطالما هيمنت على المقاربات القومية الرومانسية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين؛ فكرة أن الحرب كانت “حرباً ألمانية” خالصة منذ بدايتها، أو أن نهايتها كانت بمثابة “مأساة وطنية” مطلقة كرست تفتيت ألمانيا وحولتها إلى ألعوبة في أيدي القوى الأجنبية.
يرى شميت أن البداية لم تكن حرباً قومية، بل كانت أزمة دستورية وسياسية داخلية في بوهيميا (التمرد البوهيمي عام 1618)، ولم تكن النهاية في صلح وستفاليا عام 1648 دماراً للمؤسسات الألمانية، بل كانت إعادة ضبط وتحديث عبقري للنظام الإمبراطوري التوافقي. إن الميزة الأساسية لطريقة شميت في معالجة الحدث تكمن في رفضه لـ”المنطق التراجعي” الذي يرى التاريخ كخط مستقيم يسير حتماً نحو الكارثة.
يطرح المؤلف تساؤلاً جوهرياً يشكل عصب الفصل الثاني من الكتاب: “نقطة التلاشي: الحرب؟ ألمانيا في العصر المذهبي” (Fluchtpunkt Krieg? Deutschland im konfessionellen Zeitalter). هنا يتساءل: هل كانت العقود التي تلت “صلح أوغسبورغ الديني” عام 1555 مجرد فترة تمهيدية، أو “عد تنازلي” حتمي نحو الانفجار الكبير في 1618؟ الإجابة عند شميت هي: لا قاطعة.
يُذكرنا المؤلف بحقيقة تاريخية غالباً ما تُغفلها السرديات الكارثية: في النصف الثاني من القرن السادس عشر، وبينما كانت دول غرب أوروبا (مثل فرنسا في حروبها الدينية، وهولندا في حرب الثمانين عاماً ضد الإسبان) تحترق في أتون صراعات مذهبية وحروب أهلية طاحنة، نجحت الإمبراطورية الألمانية في “تحييد” الصراع المذهبي سياسياً. لقد تمكن الدستور الإمبراطوري، القائم على التوازن والمفاوضات والحلول الوسط بين الإمبراطور والولايات (Stände)، من الحفاظ على السلام الداخلي طيلة ستة عقود. هذا المنجز الدستوري التوافقي يثبت أن الحرب لم تكن قدراً محتوماً نابعاً من طبيعة التكوين الألماني، بل كانت نتيجة لتعقد أزمات مستجدة تضافرت لتشل حركة هذا النظام التوافقي.
“العصر الجليدي الصغير” كلاعب جيوسياسي وأزمة الموارد
في واحدة من ألمع التحليلات البنيوية في الكتاب، يربط شميت بين السياسي والبيئي، حيث يستعرض أثر “العصر الجليدي الصغير” (Kleine Eiszeit) الذي ضرب أوروبا في تلك الفترة. لم تكن الأزمة في العصر الحديث المبكر مجرد صراع على السلطة بين الكاثوليك والبروتستانت، بل كانت أزمة وجودية مرتبطة بالطبيعة والموارد الشحيحة.
يشرح شميت كيف أدى انخفاض درجات الحرارة غير المعتاد، والاضطرابات المناخية، والأمطار الغزيرة في غير مواسمها، إلى تراجع حاد في المحاصيل الزراعية. ترافق هذا التدهور البيئي مع معضلة ديموغرافية هائلة؛ إذ إن النمو السكاني في ألمانيا استمر في التصاعد حتى عام 1620، حيث يُقدر المؤلف عدد سكان الإمبراطورية عشية الحرب بما بين 15 إلى 18 مليون نسمة.
هذا التناقض الصارخ بين سكان يتزايدون وأرض زراعية تتراجع إنتاجيتها بسبب المناخ القاسي خلق ما يمكن تسميته بـ”أزمة المعيشة والبلدات”. لم تكن الزراعة في ذلك الوقت قادرة على زيادة غلتها إلا من خلال التوسع الأفقي في مناطق هامشية (مثل سفوح الجبال والملقحات والمستنقعات)، وهي تحديداً المناطق التي أصبحت غير صالحة للزراعة بمجرد تبدل المناخ.
يرسم شميت صورة قلمية صحفية بالغة الحيوية والقتامة للوضع الاقتصادي: أسعار الحبوب اشتعلت بشكل جنوني، مما أجبر الحرفيين في المدن على إنفاق القسم الأعظم من دخلهم الشحيح لمجرد الحصول على القوت اليومي. ولم يكن الفلاحون الصغار والمتوسطون بأفضل حال؛ فهم لم يستفيدوا من ارتفاع أسعار الحبوب لأنهم بالكاد كانوا ينتجون ما يكفي لسد رمقهم، وأي موسم حصاد سيء كان يعني حرفياً طردهم إلى حافة الموت جوعاً. تحولت النخب الحاكمة والفئات الشعبية على حد سواء إلى حالة من التحفز والعدائية؛ فالجوع والفقر المتزايد لم يُنتجا ثورات اجتماعية فحسب، بل غَذّيا مناخاً عاماً من الشكوك، والبحث عن “كباش فداء”، وهو ما تجلى في الانتشار المرعب لـ”محاكمات الساحرات” والاضطهاد العقائدي كآلية لتصريف القلق الاجتماعي.
“الكونفشيالية” وتشكيل الأمة الألمانية
المحور الثالث الذي يعالجه شميت بكفاءة عالية في هذه البنية التحتية للأزمة هو مفهوم “الكونفشيالية” أو “التجذير المذهبي” (Konfessionalisierung). لا ينظر المؤلف إلى الانقسام بين الكاثوليكية واللوثرية والكالفينية (التي ظهرت كقوة ثالثة متمردة) كصراع لاهوتي مجرد، بل كعملية سياسية واجتماعية شاملة استخدمتها الدول والإمارات الناشئة لفرض الانضباط الاجتماعي، وبناء الهوية، وتوطيد سلطة الدولة المركزية داخل كل إقليم.
المفارقة التاريخية التي يطرحها شميت، والتي تمثل جوهر أطروحته حول “المسألة الألمانية”، هي أن هذا الانقسام المذهبي الحاد لم يدمّر مفهوم “الأمة الألمانية” (deutsche Nation)، بل أعاد تشكيله بطريقة مركبة. لقد تداخل الانتماء المذهبي مع الشعور بالهوية الوطنية بطريقة جعلت كل طرف يدّعي أنه المدافع الحقيقي عن “الحرية الألمانية” (deutsche Libertät) في مواجهة الطموحات الهيمنة لسلالة هابسبورغ الكاثوليكية، أو في مواجهة التدخلات الأجنبية.
بيد أن هذا التجذير المذهبي أدى في الوقت نفسه إلى خلق “أزمة ضبط وتحكم” (Steuerungsprobleme) داخل مؤسسات الإمبراطورية. فالقرارات الصادرة عن المجلس الإمبراطوري (Reichstag) أو المحكمة العليا للإمبراطورية أصبحت تُقرأ من خلال نظارات مذهبية طائفية ضيقة. وعندما تداخلت خطوط الصدع الديني مع خطوط الصدع السياسي والدستوري، بدأت آليات الإمبراطورية التوافقية في التصلب والانسداد. فالتحالفات لم تعد تُبنى على أساس المصلحة السياسية البراغماتية للإمبراطورية ككل، بل على أساس المحاور المذهبية، وهو ما تجلى في تأسيس “الاتحاد البروتستانتي” عام 1608 و”الرابطة الكاثوليكية” عام 1609.
يؤكد شميت أن هذا التمترس خلف الخنادق العقائدية والسياسية جعل الإمبراطورية أشبه بغابة جافة ينتظر الجميع فيها شرارة واحدة لتهب النيران في كل أرجائها. ولم تكن هذه الشرارة سوى الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها براغ في مايو 1618، والتي نقلت الأزمة من طور التوتر الهيكلي الكامن إلى طور الانفجار الحربي الشامل
معركة العرش في بوهيميا وتفجير البنية الدستورية
ننتقل من تشريح “البنية التحتية للأزمة” إلى رصد الديناميات المتفجرة التي حوّلت التوتر الكامن إلى صدام مسلح عصف بأركان الوسط الأوروبي. يبدأ شميت هذا الطور تحت عنوان لافت ومحمل بالتساؤل: “الاندماج عبر الحرب؟ من الصراع الطبقي البوهيمي إلى التأثر الألماني الشامل”. هنا، يرفض المؤلف السردية المبسطة التي ترى في حادثة “قذف المندوبين الإمبراطوريين من نوافذ قصر براغ” في مايو 1618 مجرد تعبير عن غضب ديني عابر، بل يحللها بوصفها ذروة صدام دستوري وسياسي عميق حول طبيعة السلطة في مملكة بوهيميا.
كانت بوهيميا تمثل ثقلاً استراتيجياً واقتصادياً هائلاً داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت النخب المحلية (الطبقات أو الولايات الاستشارية – Stände) تتمسك بحقوقها التقليدية في اختيار الملك وضمان الحريات الدينية التي كفلها لهم “خطاب الجلالة” الصادر عام 1609. وعندما سعى الأرشيدوق فرديناند الثاني (الذي أصبح إمبراطوراً لاحقاً) إلى فرض سياسة مركزية كاثوليكية صارمة، شعرت النخب البروتستانتية البوهيمية بأن وجودها السياسي والوجودي بات مهدداً.
يوضح شميت أن الخطأ الاستراتيجي القاتل الذي ارتكبه المتمردون البوهيميون لم يكن مجرد خلع فرديناند الكاثوليكي، بل انتخابهم لـ “فريدريش الخامس”، ناخب بالاتينات وزعيم الاتحاد البروتستانتي، ملكاً عليهم. هذا الانتخاب نقل الأزمة من تمرد إقليمي داخل أراضي هابسبورغ الوراثية إلى صراع دستوري يمس توازن القوى الإمبراطوري بأكمله. تحول فريدريش إلى “ملك الشتاء” الذي لم يستمر عرشه سوى أشهر قليلة، حيث سحقت القوات الإمبراطورية المتحالفة مع “الرابطة الكاثوليكية” بقيادة يوهان تسر كلاس فون تيلي الجيوش البوهيمية في “معركة الجبل الأبيض” الشهيرة عام 1620.
يرى شميت أن تبعات هذه المعركة كانت بمثابة زلزال سياسي؛ إذ لم يكتفِ فرديناند الثاني باستعادة عرشه، بل شرع في عملية إعادة هندسة جذرية لبوهيميا من خلال مصادرة أراضي النخب البروتستانتية وتوزيعها على أرسطقراطية كاثوليكية موالية، وإلغاء الحقوق الدستورية التقليدية. هذه “الكاثوليكية القسرية” وضرب البنية الطبقية القديمة شكّلا، بحسب تحليل شميت، أولى بوادر تحول الصراع من دفاع عن القانون إلى فرض لإرادة ملكية مطلقة.
تدويل الصراع وتدحرج كرة الثلج من بوهيميا إلى مكلنبورغ
لم يتوقف الحريق عند حدود براغ، بل تدحرجت كرة الثلج لتشمل جغرافيا أوسع نتيجة للقرارات الانتقامية التي اتخذها الإمبراطور فرديناند الثاني. يعالج شميت في القسم الثاني من هذا الفصل مسار الحرب الذي انتقل “من بوهيميا إلى مكلنبورغ”. تمثلت الشرارة الجديدة في قرار الإمبراطور بوضع فريدريش الخامس تحت الحظر الإمبراطوري ومصادرة أراضيه في بالاتينات (البلاتين)، ونقل صفة الناخب (Elector) إلى حليفه الكاثوليكي ماكسيميليان، دوق بافاريا.
هذا الإجراء اعتبرته الولايات البروتستانتية في شمال ألمانيا ووسطها خرقاً صارخاً للقانون الإمبراطوري الأساسي، وتهديداً مباشراً للتوازن المذهبي في المجلس الإمبراطوري. هنا دخلت الحرب طور التدويل الفعلي؛ إذ لم يعد الصراع محصوراً في البيت الألماني الداخلي، بل جذب القوى الإقليمية المحيطة التي رأت في تمدد النفوذ الهابسبورغي نحو الشمال تهديداً لمصالحها الجيوسياسية.
كان الملك الكريستيان الرابع، ملك الدنمارك والدوق الإمبراطوري لـ هولشتاين، أول المتدخلين الأجانب بغطاء حماية الدائرة الساكسونية السفلى والدفاع عن الحريات البروتستانتية. لكن شميت يفكك الدوافع الدنماركية مبيناً أنها كانت مدفوعة أيضاً برغبة في السيطرة على مصبات الأنهار الألمانية وتأمين نفوذ اقتصادي في بحر الشمال والبلطيق.
في هذه اللحظة الحرجة، ظهرت على المسرح التاريخي شخصية كاريزمية ومثيرة للجدل غيّرت طبيعة الحروب في العصر الحديث: ألبرشت فون فالنشتاين. حلل شميت عبقرية فالنشتاين وعقيدته العسكرية القائمة على مبدأ “الحرب تغذي الحرب” (Krieg ernährt den Krieg). لم يعد الإمبراطور بحاجة إلى الاعتماد الكلي على جيوش الرابطة الكاثوليكية البافارية، بل أصبح لديه جيش إمبراطوري ضخم ممول بنظام “المساهمات الحربية” القسرية التي تُفرض على الولايات والمناطق التي يمر بها الجيش، سواء كانت صديقة أم عدوة.
تمكنت الآلة العسكرية المشتركة لـ تيلي وفالنشتاين من سحق الجيوش الدنماركية والبروتستانتية، وتمددت القوات الإمبراطورية لأول مرة حتى الشواطئ الشمالية، واحتل فالنشتاين دوقية مكلنبورغ ومُنح لقب أميرها الإمبراطوري. هذا الوصول لجيوش الكاثوليك إلى معاقل البروتستانتية الحصينة في الشمال أحدث ما يسميه شميت بـ “التأثر الألماني الشامل”؛ حيث أدركت كل إمارة، مهما كانت نائية، أن الحرب قد تطرق أبوابها في أي لحظة، وأن النظام القديم قد انهار لحساب منطق القوة العسكرية العارية.
مرسوم الإعادة (1629) والغطرسة الهابسبورغية كمنعطف انتحاري
وصلت السلطة الإمبراطورية لسلالة هابسبورغ إلى ذروة مجدها وقوتها العسكرية بحلول عام 1629 بعد توقيع “صلح لوبيك” مع الدنمارك. وفي هذه اللحظة التي بدت فيها الإمبراطورية قريبة من الخضوع الكامل للإرادة المركزية، ارتكب فرديناند الثاني ما يصفه يورغ شميت بالخطأ الاستراتيجي الذي قضى على أي فرصة لتسوية سلمية مبكرة: إصدار “مرسوم الإعادة” (Das Restitutionsedikt) في مارس 1629.
كان هذا المرسوم محاولة قانونية وعقائدية راديكالية لإعادة عقارب الساعة في الإمبراطورية إلى عام 1552. نص المرسوم على إلزام البروتستانت بإعادة جميع الممتلكات والأراضي والكنائس والأديرة الكاثوليكية التي جرى علمنتها أو الاستيلاء عليها بعد صلح أوغسبورغ الديني، كما أكد مجدداً على استبعاد الكالفينيين من أي اعتراف قانوني.
يحلل شميت هذا المرسوم بوصفه نموذجاً صارخاً لـ “الغطرسة العقائدية” التي عمت الأبصار عن الواقع السياسي والعملي. لم يكن المرسوم مجرد ضربة للبروتستانت، بل كان بمثابة تهديد مباشر للملكية الخاصة والاستقرار القانوني والاقتصادي الذي استقر طيلة عقود في شمال ووسط ألمانيا. جرد المرسوم أمراء بروتستانت بارزين، كانوا يتبنون سياسة محايدة أو حتى موالية للإمبراطور (مثل ناخب ساكسونيا)، من أراضيهم وحقوقهم المكتسبة.
المفارقة التي يبرزها المؤلف هي أن “مرسوم الإعادة” أثار حفيظة وخوف الأمراء الكاثوليك أنفسهم، وفي مقدمتهم ماكسيميليان البافاري. لقد أدرك هؤلاء الأمراء أن الصلاحيات المطلقة التي يمارسها الإمبراطور عبر هذا المرسوم، مسنوداً بجيش فالنشتاين المخيف، لا تهدد الحريات البروتستانتية فحسب، بل تقوض “الحرية الألمانية” التقليدية (deutsche Libertät) التي تضمن استقلالية الأمراء كافّة في مواجهة الحكم المطلق للإمبراطور.
أدى هذا المرسوم إلى عزل فرديناند الثاني سياسياً في أوج انتصاره العسكري. وبدلاً من أن يكون عام 1629 عاماً لإرساء سلام دائم يكرس الهيمنة الكاثوليكية، تحول بفضل المرسوم إلى نقطة تحول انتحارية؛ إذ خلق حالة من التعبئة العامة واليأس الوجودي لدى المعسكر البروتستانتي، وجعل الأجواء مهيأة تماماً ومستعدة لاستقبال مخلص جديد كان يراقب الوضع بعناية من وراء البحار: الملك السويدي غوستاف أدولف.
غوستاف أدولف والتدخل السويدي: أسطورة “المخلص” وحقيقة المصالح الجيوسياسية
يتناول المؤلف الحقبة التي تحولت فيها الحرب من صراع دستوري داخلي في الإمبراطورية إلى مواجهة أوروبية شاملة تعيد صياغة موازين القوى الدولية. تحت العنوان العريض “حول ألمانيا وأوروبا؟ هابسبورغ، السويد وفرنسا (1630–1643)”، يفكك شميت اللحظة الدراماتيكية التي رسا فيها الأسطول السويدي بقيادة الملك غوستاف أدولف على شواطئ بوميرانيا في صيف عام 1630. يرفض شميت بحسم السردية البروتستانتية التبسيطية التي صوّرت الملك السويدي في صورة “أسد الشمال” أو “المخلص المسيحي” النقي الذي جاء مدفوعاً بغيرة دينية خالصة لإنقاذ إخوانه في المذهب من بطش “مرسوم الإعادة” الهابسبورغي.
يقدم المؤلف تحليلاً براغماتياً للتدخل السويدي، مبيناً أن الدوافع الحقيقية كانت مزيجاً معقداً من الهواجس الأمنية والمطامع التوسعية. تمثلت هذه المطامع في رغبة ستوكهولم في تحويل بحر البلطيق إلى “بحيرة سويدية داخلية” (Dominium maris baltici)، خوفاً من أن يؤدي تمدد الجيوش الإمبراطورية بقيادة فالنشتاين نحو الشمال إلى بناء قوة بحرية كاثوليكية تهدد أمن السويد واقتصادها القائم على التجارة البحرية. يوضح شميت أن غوستاف أدولف كان يدرك أن أفضل وسيلة للدفاع عن السويد هي خوض الحرب فوق الأراضي الألمانية، وبتمويل من الموارد الألمانية نفسها.
ومع ذلك، واجه الملك السويدي في البداية جداراً من التشكك والبرود من جانب الأمراء البروتستانت الألمان، وعلى رأسهم ناخبا ساكسونيا وبراندنبورغ، الذين كانوا يخشون التدخل الأجنبي بقدر خشيتهم من طغيان الإمبراطور. لكن نقطة التحول الكارثية التي غيّرت المشهد تماماً، كما يروي شميت، كانت مأساة سقوط و”تدمير ماغديبورغ” عام 1631 على يد القوات الكاثوليكية بقيادة تيلي. تحولت المذبحة والحرائق التي التهمت هذه المدينة البروتستانتية العريقة إلى صدمة نفسية هائلة وأداة دعائية قوية أجبرت الأمراء المترددين على الارتماء في الأحضان السويدية، لتشهد الحرب قفزة نوعية في مستوى العنف والتدويل.
ألمانيا تحت الهيمنة السويدية وتمدد آلة الحرب القسرية
يتابع شميت تحليله للمشهد مستعرضاً الطور الذي غدت فيه “ألمانيا تحت الهيمنة السويدية” بعد الانتصار المدوي الذي حققه غوستاف أدولف في معركة بريتنفلد عام 1631. هذا الانتصار لم يسحق الجيش الكاثوليكي فحسب، بل فتح الباب على مصراعيه أمام الجيوش السويدية لاجتياح وسط وجنوب ألمانيا، وصولاً إلى ميونخ عاصمة بافاريا. يبرز المؤلف في هذا السياق كيف تحول السويديون، الذين استُقبلوا في البداية كـ”محررين”، إلى قوة احتلال جاثمة تفرض أعباءً مالية وعسكرية لا تطاق على الولايات الألمانية.
يشرح الكتاب كيف أسس المستشار السويدي أكسل أكسنستيرنا “اتحاد هايلبرون” عام 1633 بعد مقتل الملك غوستاف أدولف في معركة لوتزن. كان هذا الاتحاد أداة سياسية وعسكرية متطورة لضمان استمرار الأمراء البروتستانت في تمويل الحرب السويدية وتوفير القوات. هنا، يضعنا شميت أمام المفارقة المأساوية للحرب: لقد أصبحت الحرب كياناً ذاتي التغذية، حيث غدت الجيوش تتحرك لا لتحقيق أهداف سياسية واضحة، بل لتأمين بقائها المادي من خلال نهب الأقاليم التي تحلها.
لم تكن الجبهة الكاثوليكية بأفضل حال؛ إذ إن الشكوك المتبادلة بين الإمبراطور فرديناند الثاني وقائده الأعلى فالنشتاين وصلت إلى ذروتها، وانتهت بالاغتيال الدراماتيكي لفالنشتاين عام 1634 بتدبير من البلاط الإمبراطوري. يحلل شميت هذا الاغتيال بوصفه تصفية سياسية عكست عمق الأزمة داخل معسكر هابسبورغ. ومع هزيمة السويديين الساحقة في معركة نوردلينجن عام 1634 على يد القوات الإمبراطورية والإسبانية المشتركة، انكسرت حدة الهيمنة السويدية المطلقة، وأدركت الأطراف كافة أن الحسم العسكري الكامل بات وهماً لا يمكن تحقيقه.
صلح براغ (1635) وفخ الخطاب القومي المجهض
أمام حالة الإنهاك العام وتبدد أوهام النصر الحاسم، جاءت محاولة التسوية الداخلية الكبرى المتمثلة في “صلح براغ والخطاب القومي” عام 1635. يولي يورغ شميت أهمية استثنائية لهذا الصلح في بنيته التحليلية، معتبراً إياه محاولة عبقرية، وإن كانت متأخرة ومجهضة، لإعادة بناء الجبهة الداخلية الألمانية وتخليص الإمبراطورية من براثن التدخلات الأجنبية.
في هذا الصلح، أبدى الإمبراطور فرديناند الثاني براغماتية غير معهودة؛ حيث وافق على تعليق العمل بـ”مرسوم الإعادة” المثير للجدل لمدة أربعين عاماً، والتنازل عن فكرة فرض الكاثوليكية بالقوة في المناطق البروتستانتية، مقابل دمج الجيوش المذهبية للأمراء الألمان في جيش إمبراطوري موحد (Reichsarmee) تحت قيادة الإمبراطور لمواجهة السويديين. يحلل شميت بكثير من العمق والذكاء كيف انبعث في تلك اللحظة خطاب قومي ألماني مكثف يركز على مفاهيم “الوطن” و”الحرية الألمانية” والدفاع عن أرض الآباء ضد الغزاة الأجانب. تحول ناخب ساكسونيا اللوثري إلى حليف للإمبراطور الكاثوليكي تحت راية هذه البروباغندا الوطنية.
بيد أن هذا الصلح حمل في أحشائه بذور فشله، وبحسب شميت، يعود ذلك إلى سببين جوهريين: الأول هو الطابع الإقصائي للصلح، إذ إنه استمر في تهميش واستبعاد الكالفينيين وبعض الأمراء الراديكاليين، مما ترك ثغرات واسعة في البنية الدستورية للإمبراطورية. أما السبب الثاني، والأكثر خطورة، فهو أن الصلح تجاهل تماماً القوى الدولية كالسويد وفرنسا، والتي لم تكن لتنسحب من الساحة الألمانية وتتخلى عن مكاسبها دون الحصول على تعويضات جغرافية ومالية ضخمة ومضمونة. ونتيجة لذلك، لم ينجح صلح براغ في جلب السلام، بل تحول إلى وقود جديد أطال أمد الحرب ومزق شرعيتها المذهبية السابقة.
فرنسا وتجدد الحريق: نزع القناع الديني والوصول إلى نقطة الإنهاك المطلق
قاد فشل صلح براغ في إخراج القوى الأجنبية إلى الطور الأكثر قتامة في هذه الملحمة، والذي يعبر عنه شميت بعنونة فرعية بليغة: “الحرب تبدأ من جديد”. تمثل هذا الطور في التدخل العسكري المباشر والمكشوف لفرنسا عام 1635 تحت قيادة الكاردينال ريشيليو. يرى المؤلف أن دخول فرنسا الكاثوليكية الحرب إلى جانب السويد البروتستانتية ضد الإمبراطور الكاثوليكي شكل الضربة القاضية لأي ادعاء بأن هذه الحرب هي “حرب دين” أو صراع مذهبي عقائدي.
نزعت الحرب قناعها اللاهوتي بالكامل لتسفر عن وجهها الحقيقي كصراع جيوسياسي محض وصراع إستراتيجي على الهيمنة في أوروبا بين سلالتي بوربون الفرنسية وهابسبورغ النمساوية والإسبانية. يصف شميت السنوات الممتدة بين 1635 و1643 بأنها حقبة “الحرب العمياء” والمدمرة؛ حيث غدت ألمانيا ساحة معركة مستباحة ومستمرة لتصفية الحسابات بين القوى العظمى. لم يعد هناك أي أفق سياسي أو مبرر أيديولوجي واضح للقتال بالنسبة للجنود أو الفلاحين، بل تحول الأمر إلى حلقة مفرغة من العنف والنهب وتدمير البنى التحتية والاقتصادية للبلاد.
يؤكد شميت أن المعاناة الإنسانية وصلت في هذه الفترة إلى مستويات غير مسبوقة من البربرية؛ فالأوبئة والمجاعات الناتجة عن تدمير المحاصيل وحرق القرى حصدت أرواح الملايين، وتحولت أجزاء واسعة من الإمبراطورية إلى أراضٍ قاحلة خاوية على عروشها. ومع ذلك، يبرز التحليل التركيبي للمؤلف أن هذا الدمار الشامل والإنهاك المطلق لكافة الأطراف المتحاربة كان، ويا للمفارقة، هو السلم الوحيد المتبقي الذي أجبر الجميع في نهاية المطاف على التفكير الجدي في الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بعد أن أدرك الجميع أن الاستمرار في الحرب يعني الفناء المشترك.
عسكرة الدبلوماسية وغبش الجبهات في الطور الأخير من الحرب
يفتتح شميت هذا الطور بتسليط الضوء على مفارقة زمنية وسياسية بالغة التعقيد؛ فالفترة الممتدة بين عامي 1643 و1648 شهدت توازياً فريداً ومؤلماً بين استمرار آلة الحرب في الدوران العنيف وبدء قنوات الدبلوماسية في التشكل عبر ما عُرف بالكونغرس الوستفالي. يحلل المؤلف هذا المشهد تحت عنوان فرعي بليغ هو “الجبهات الغامضة والمتداخلة”، مبيناً أن العمليات العسكرية في هذه السنوات الخمس الأخيرة لم تعد تهدف إلى سحق العدو تدميرياً أو تحقيق نصر حاسم في ساحات الوغى، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي مباشر وعنيف لتحسين الشروط التفاوضية على طاولة المباحثات.
يرسم شميت صورة شديدة التعقيد لـ”غبش الجبهات”؛ حيث غدت التحالفات تتبدل بسرعة مذهلة، ولم يعد الصراع محكوماً بقطبية ثنائية واضحة. فالجيوش السويدية والفرنسية، رغم تحالفهما الإستراتيجي، كانت تتحرك بدوافع ومصالح متباينة، بينما كان الإمبراطور الجديد، فرديناند الثالث، يحاول جاهداً الحفاظ على تماسك المعسكر الإمبراطوري وسط انهيارات متتالية. يسوق المؤلف مثالاً صارخاً على هذا الضغط العسكري الموجه سياسياً في الاجتياحات الفرنسية المتكررة لبايرن (بافاريا)، والتي لم تكن تستهدف احتلال الإقليم بقدر ما كانت تستهدف إجبار الناخب ماكسيميليان على توقيع هدنة منفردة وعزل الإمبراطور سياسياً. هذه الحرب “التفاوضية بالأثقال” تعني أن أرواح البشر والدماء التي أُريقت في أواخر الحرب كانت ثامنة لخطوط الحبر التي تُكتب في قاعات المؤتمرات، مما أضفى على هذا الطور طابعاً مأساوياً مضاعفاً، حيث استمر الدمار لمجرد كسب بضعة أميال زراعية أو أفضليات بروتوكولية في قاعات التفاوض.
معجزة مونستر وأوسنابروك وتفكيك العقد الدبلوماسية
في معالجته للمحور الثاني من هذا الفصل، والذي يفرده لـ”المفاوضات السلمية”، يغوص يورغ شميت في الأحشاء التنظيمية والهيكلية لكونغرس وستفاليا، الذي وُزع على مدينتين متجاورتين في إقليم وستفاليا: مونستر المخصصة للمفاوضات بين الإمبراطورية وفرنسا والقوى الكاثوليكية، وأوسنابروك المخصصة للمفاوضات مع السويد والقوى البروتستانتية. يرى شميت في هذا الفصل الدبلوماسي غير المسبوق في التاريخ الأوروبي ولادة فعلية للعلاقات الدولية الحديثة القائمة على التعددية والمؤتمرات متعددة الأطراف، مفككاً ببراعة كيف نجحت هذه الهندسة الدبلوماسية في تفكيك العقد المستعصية التي تراكمت طيلة ربع قرن.
المنعطف الدستوري الأبرز الذي يبرزه شميت بكثير من الاحتفاء التحليلي هو نجاح الولايات والإمارات الإمبراطورية (Stände) في فرض حقها في المشاركة المستقلة في المفاوضات، وانتزاع ما يُعرف بـ”حق الحرب والسلم” (Ius Belli ac Pacis). كان الإمبراطور فرديناند الثالث يطمح إلى تمثيل الإمبراطورية بأكملها بشكل أحادي مستبعداً الأمراء، ومحاولاً اختزال الصراع في مواجهة بين عرش هابسبورغ والقوى الأجنبية. لكن إصرار الأمراء الألمان، بدعم ذكي من فرنسا والسويد لتفتيت الجبهة الإمبراطورية، حوّل المؤتمر إلى ساحة برلمانية دولية شاركت فيها مئات الوفود. يرى شميت أن هذه المشاركة الواسعة، رغم أنها أبطأت مسار المفاوضات وأدخلتها في دهاليز بروتوكولية معقدة حول الأسبقية والجلوس، كانت هي الضمانة الوحيدة لإنتاج سلام دائم؛ لأنها حوّلت الصلح من فرض إرادة فوقية إمبراطورية أو إملاء أجنبي إلى تسوية قانونية شاركت في صياغتها كافة مكونات الجسد السياسي الألماني.
صلح وستفاليا (1648) وإعادة هندسة الدولة الإمبراطورية
يصل يورغ شميت إلى ذروة أطروحته التاريخية في القسم الثالث المخصص لتشريح بنود ومعاني “صلح وستفاليا” الموقع في أكتوبر 1648. هنا، يوجه المؤلف ضربة قاصمة وفلسفية للمدرسة التاريخية التقليدية التي رأت في هذا الصلح صك وفاة للإمبراطورية الألمانية وبداية لتفتيتها وتحويلها إلى مجرد “متحف سياسي” من الولايات المجهرية العاجزة. يجادل شميت بقوة وثقة بنيوية بأن صلح وستفاليا لم يكن “كارثة وطنية”، بل كان عملية إعادة ضبط وتحديث عبقرية للنظام الدستوري الإمبراطوري، أتاحت له العيش والاستمرار بفعالية طيلة قرن ونصف قرن قادمين.
تجلت العبقرية القانونية للصلح، حسب تفكيك شميت، في كيفية حله للمسألة العقائدية المذهبية التي فجرت الحرب. فقد توافقت الأطراف على تجميد الصراعات اللاهوتية عبر ابتكار آلية “السنة المعيارية” (Normaljahr)، وتحديدها بيوم الأول من يناير عام 1624. وبموجب هذا المبدأ، تقرر أن يظل الوضع الديني والممتلكات الكنسية في كل إقليم على ما كانت عليه في ذلك التاريخ، بغض النظر عن أي انتصارات عسكرية لاحقة. هذا الحل البراغماتي نزع القداسة والدين عن النزاعات العقارية والسياسية، وأنهى عملياً عصر الحروب المذهبية. والأهم من ذلك، أن الصلح اعترف بالكالفينية كعقيدة ثالثة متمتعة بكامل الحقوق القانونية إلى جانب اللوثرية والكاثوليكية، وأرسى نظام “المناصفة” أو التكافؤ المذهبي (Parität) في المؤسسات والمحاكم الإمبراطورية العليا، بحيث لا يمكن لطائفة أن تغلب أخرى بالتصويت العددي، بل يجب الوصول إلى تسويات عبر الحوار والتوافق.
“الحرية الألمانية” كنموذج فيدرالي مبكر للاستقرار
المحور الأخير والمحوري في قراءة شميت لنتائج عام 1648 هو إعادة تعريفه لمفهوم “الحرية الألمانية” (deutsche Libertät) في ضوء المقررات الوستفالية. يرفض المؤلف المساواة الشائعة بين هذه “الحرية” وحالة الفوضى أو الضعف المركزي، بل يحللها بوصفها صياغة مبكرة ومتقدمة للنظام الفيدرالي القائم على توزيع السيادة والتوازن الدقيق بين رأس الإمبراطورية (الإمبراطور) وأطرافها (الأمراء والمدن الحرة). لقد ضمن الصلح للأمراء الألمان سيادتهم الإقليمية الكاملة داخل حدودهم، ومنحهم الحق في عقد تحالفات مع قوى أجنبية، بشرط ألا تكون هذه التحالفات موجهة ضد الإمبراطور أو بنيان الإمبراطورية الدستوري.
يوضح شميت أن هذا النظام، رغم تعقيده وبطء حركته، نجح في تأمين بيئة قانونية حمت الكيانات الصغيرة والضعيفة من أطماع القوى المجاورة الكبرى؛ فالقانون الإمبراطوري أصبح هو الحاكم والملاذ، وتحولت الإمبراطورية من دولة ملكية مركزية تطمح هابسبورغ لبنائها بالحديد والنار، إلى “جمهورية أمراء” تحت رعاية دستورية ملكية. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن التسويات الترابية وتوفير “التعويضات” للقوى الأجنبية (مثل منح السويد أراضي في بوميرانيا ومصبات الأنهار الشمالية، ومنح فرنسا أجزاء من الألزاس) لم يخرجا هذه المناطق من النسيج القانوني للإمبراطورية، بل تحول ملك السويد وملك فرنسا، بصفتهم ملاكاً لهذه الأراضي، إلى أعضاء في المجلس الإمبراطوري، مما جعلهم ضامنين للنظام الدستوري الألماني بدلاً من أن يكونوا غزاة خارجيين هادمين له. وبذلك، تحول صلح وستفاليا في نظر شميت من وثيقة استسلام إلى ميثاق سلام أوروبي وألماني متكامل أرسى دعائم الاستقرار عبر مأسسة الحوار العابر للمذاهب والقوميات.
مجتمع الحرب – عسكرة الحياة اليومية وديناميات العنف والنزوح البشري
يطرح شميت في هذا السياق مقاربة سوسيولوجية متقدمة لظاهرة “عسكرة المجتمع”، مبيناً أن الحرب التي استمرت لثلاثة عقود لم تعد مجرد حدث عارض يمر به الناس، بل تحولت إلى “نمط حياة” وبنية اجتماعية قائمة بذاتها. لقد تلاشت الحدود التقليدية بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية، وظهر ما يمكن تسميته بـ”مجتمع الحرب المتنقل” الذي تمثله الجيوش المرتزقة.
يفكك المؤلف طبيعة هذه الجيوش، موضحاً أن الفيلق العسكري في ذلك العصر لم يكن يتكون من مقاتلين فحسب، بل كان يرافقه قطاع جرار من المدنيين يُعرف بـ”القافلة” (Tross)، ويضم زوجات الجنود، وأطفالهم، والتجار، والحرفيين، ومقدمي الخدمات الطبية والترفيهية، لدرجة أن عدد المدنيين المرافقين للجيش كان يتجاوز أحياناً عدد الجنود الحاملين للسلاح. تحولت هذه الجيوش إلى مدن متحركة تستهلك الأخضر واليابس، وتتحرك في الجغرافيا الألمانية مدفوعة بطلب الموارد والتمويل. ويرسم شميت صورة قلمية بالغة القتامة لـ”ديناميات العنف” التي استهدفت السكان المحليين؛ فالمدني لم يعد مجرد ضحية جانبية للمعارك، بل تحول إلى الهدف الأساسي لإستراتيجيات التمويل القسري، حيث كان الفلاحون والحرفيون يتعرضون لنهب ممنهج وعمليات تعذيب لابتزاز مدخراتهم تحت مسمى “المساهمات الحربية”. هذا التداخل العنيف أنتج حالة من الصدمة النفسية الجماعية والنزوح البشري الواسع، حيث فرت جماعات كاملة من القرى المكشوفة لتبحث عن أمان نسبي وراء أسوار المدن الكبرى المحصنة، مما أدى إلى تبدل ديموغرافي واجتماعي عميق في بنية المجتمع الألماني المبكر.
وهم الفناء المطلق – مراجعة الديموغرافيا والاقتصاد بين الواقع والأسطورة
يخصص شميت حيزاً هاماً لمراجعة ونقد ما يُعرف في السردية التاريخية الألمانية بـ”أسطورة الدمار الشامل (Verwüstungsmythos). يرى المؤلف أن الأدبيات القومية والرومانسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالغت بشكل تراجيدي في تصوير حجم الخسائر البشرية والمادية، مستندة إلى تقارير محلية معاصرة كُتبت بدافع المبالغة للحصول على إعفاءات ضريبية أو تعويضات من السلطات المركزية. لا ينفي شميت بحال من الأحوال فظاعة المأساة، لكنه يطالب بـ”موضعة” دقيقة للأرقام ونبذ التعميم الكارثي الذي ادعى أن ألمانيا فقدت نصف أو ثلثي سكانها في هذه الحرب.
يقدم الكتاب تقييماً جغرافياً ومجالياً دقيقاً يوضح التباين الصارخ في حجم المعاناة بين الأقاليم؛ فبينما عانت مناطق مثل بالاتينات، ووورتمبرغ، وأجزاء من بوميرانيا ومكلنبورغ من تراجع ديموغرافي كارثي تراوح بين أربعين إلى ستين بالمئة بسبب تكرر حملات الاجتياح والأوبئة المصاحبة لحركة الجيوش (مثل الطاعون والتيفوئيد اللذين حصدا أرواحاً أكثر مما حصدته المعارك الفعلية)، فإن مناطق أخرى في شمال غرب ألمانيا وجنوبها الشرقي (مثل النمسا وبافاريا العليا) ظلت شبه معزولة عن النزاع وشهدت استقراراً أو حتى نمواً سكانياً طفيفاً. ويوضح شميت أن التراجع السكاني الإجمالي للإمبراطورية يُقدر بنحو عشرين إلى خمسة وعشرين بالمئة، وهو رقم مهول ومأساوي، لكنه لا يعبر عن فناء حضاري كامل. وعلى الصعيد الاقتصادي، يثبت المؤلف أن الحرب لم تدمر الاقتصاد الألماني بالكامل، بل عجلت بتحولات بنيوية كانت قد بدأت بالفعل قبل عام 1618، حيث تراجعت بعض المراكز التجارية التقليدية لصالح صعود قوى اقتصادية جديدة استغلت حاجة الجيوش لتمويل العتاد والمؤن، مما يكشف عن مرونة وقدرة مذهلة على التكيف أظهرتها البنى الاجتماعية والاقتصادية الألمانية في مواجهة الكارثة.
مأسسة “دولة الإمبراطورية” وإعادة صياغة الهوية الوطنية في أتون المعركة
ينتقل يورغ شميت في الفصل السابع والأخير، المعنون بـ “حرب ألمانية وسلْم ألماني؟”، إلى تشريح الآثار السياسية والهوياتية بعيدة المدى للحرب والصلح على مفهوم الأمة والدولة في الفضاء الألماني. يطرح المؤلف هنا مفهومه المركزي والمبتكر حول “دولة الإمبراطورية” (Reichs-Staat)، مجادلاً بأن تجربة الحرب المريرة لم تؤدِ إلى تفتيت الهوية السياسية المشتركة للألمان، بل على العكس تماماً، ساهمت في بلورتها ومأسستها. لقد أدرك الأمراء والولايات، من خلال معايشة التدخلات العسكرية الأجنبية للسويد وفرنسا وإسبانيا، أن بقاءهم واستقلاليتهم لا يمكن أن يتحققا إلا في إطار مظلة قانونية ودستورية جامعة يوفرها كيان الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
يحلل شميت ديناميكية “الأمة في الحرب”، مبيناً أن الخطاب الوطني الألماني لم يندثر بل تمايز واكتسب أبعاداً فيدرالية وقانونية واضحة؛ فلم تعد القومية تعني السعي وراء بناء دولة مركزية متجانسة على النمط الفرنسي، بل أصبحت تعني الدفاع المشترك عن “الحرية الألمانية” والتعددية المذهبية والسياسية التي كفلها الدستور الإمبراطوري المستحدث في وستفاليا. لقد تحول صلح عام 1648 إلى قانون أساسي للإمبراطورية، وجرى دمجه في البنية القانونية للولايات، مما خلق نوعاً من “الوطنية الدستورية المبكرة” التي تتجاوز الانتماءات المذهبية الطائفية الضيقة. أصبح الكاثوليكي واللوثري والكالفيني يشتركون في هوية سياسية واحدة تقوم على احترام القانون الإمبراطوري والمؤسسات المشتركة (مثل المجلس الإمبراطوري والمحاكم العليا)، وتحولت الإمبراطورية من ساحة صراع مسلح إلى فضاء قانوني لحل النزاعات عبر التفاوض، وهو ما أمن لألمانيا فترة طويلة من الاستقرار الدستوري النسبي امتدت حتى الغزو النابليوني في مطلع القرن التاسع عشر.
إرث الذاكرة وحضور السلم – كيف شكلت الحرب الوجدان الجمعي الألماني
يختتم البروفيسور يورغ شميت مؤلفه الرصين بالوقوف عند “جيولوجيا الذاكرة” وكيفية استقبال وتمثل إرث حرب الثلاثين عاماً وصلح وستفاليا في العصور اللاحقة. يوضح المؤلف أن هذه الحرب ظلت تمثل التروما التاريخية الأكبر والوجع المقيم في الذاكرة الجمعية الألمانية، ولم يزاحمها في هذه المكانة الكارثية سوى أهوال الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين. لقد تحولت المأساة إلى مادة خصبة للأدب والفن، بدءاً من الروايات المعاصرة للحدث مثل “سيمبليسيسيموس” للمؤلف غريميلسهاوزن، وصولاً إلى ثلاثية “فالنشتاين” للمسرحي الكبير فريدريش شيلر، وهي أعمال ساهمت في تخليد صورة الحرب كعصر للبربرية والضياع الإنساني المطلق.
ويلفت شميت الانتباه إلى التحول الأيديولوجي الحاد في قراءة صلح وستفاليا عبر القرون؛ فبينما احتفل به معاصروه في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر كـ”معجزة دبلوماسية” ومنجز قانوني أرسى دعائم السلم الديني والسياسي، تعرض الصلح لشيطنة قاسية من قِبل المؤرخين القوميين البروسيين في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، حيث وصموه بأنه وثيقة عار كبحت جماح الوحدة الألمانية وشرعت التدخل الأجنبي. غير أن شميت، برؤيته التفكيكية الحديثة، يعيد الاعتبار لهذا الصلح، معتبراً إياه سلفاً حقيقياً للأفكار الفيدرالية الحديثة وآليات بناء السلام التعددي في أوروبا المعاصرة. إن كتاب شميت، في محصلته النهائية، ليس مجرد سرد لتاريخ حربي مضى، بل هو مرافعة تاريخية وفلسفية بليغة لصالح خيار التسوية والحلول الوسط ومأسسة الحوار في مواجهة نزعات الهيمنة والتعصب العقائدي؛ مبيناً أن السلام الوستفالي، رغم كل عيوبه، أثبت أن العقل القانوني قادراً على الانبعاث من وسط ركام الدمار المادي ليعيد بناء بيئة صالحة للحياة الإنسانية المشتركة.
.




