أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

هل استعادت روسيا إرثها الأفريقي

الدب في القارة السمراء

في صيف عام 2019، وبينما كانت أنظار العالم تتجه صوب التنافس التجاري المحموم بين واشنطن وبكين، استضافت مدينة سوتشي الروسية حدثاً أعاد صياغة أولويات الجغرافيا السياسية في القارة الأفريقية. كانت القمة الروسية الأفريقية الأولى، التي ترأسها فلاديمير بوتين بحضور قادة 43 دولة أفريقية، بمثابة إعلان رسمي عن عودة “الدب الروسي” إلى ملعبٍ غادره مرغماً عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. ومنذ ذلك الحين، لا تكاد تمر نشرة أخبار دون ذكر لمرتزقة “فاغنر” في ليبيا أو مالي، أو صفقات السلاح الروسية التي باتت تغزو أسواق القارة، أو حتى الصراع الناعم على استخراج اليورانيوم والذهب.

وسط هذا الصخب الإعلامي والسياسي، يأتي كتاب الباحث صامويل راماني الأخير: “روسيا في أفريقيا: قوة عظمى عائدة أم مدّعٍ محارب؟” (Russia in Africa: Resurgent Great Power or Bellicose Pretender)، الصادر عن دار نشر هيرست ، ليقدم التشريح الأكثر عمقاً وشمولية لهذه العودة الروسية. راماني لا يكتفي برصد التحركات الميدانية، بل يغوص في الجذور التاريخية والمؤسسية التي تحرك صانع القرار في الكرملين، محاولاً الإجابة على سؤال وجودي: هل تمتلك روسيا استراتيجية بعيدة المدى في أفريقيا، أم أنها مجرد “مقتنص فرص” يسعى لزعزعة النفوذ الغربي رداً على حصاره في أوكرانيا؟

ما وراء بوتين: تفكيك “الأسطورة” والواقع

يستهل راماني كتابه بتحدي أربع فرضيات سائدة في الدوائر الغربية. أولها، تلك التي ترى أن العودة الروسية هي وليدة اللحظة أو نتاج مباشر للأزمة الأوكرانية عام 2014. يثبت راماني، من خلال تتبع دقيق للمسارات الدبلوماسية، أن الطموح الروسي بالعودة كقوة عظمى في أفريقيا تبلور منذ منتصف التسعينيات، وتحديداً خلال حقبة “يفجيني بريماكوف” وزير الخارجية الأسبق، الذي سعى لكسر الهيمنة الأحادية الأمريكية قبل وقت طويل من صعود بوتين إلى قمة السلطة.

الفرضية الثانية التي يفندها الكتاب هي أن التحركات الروسية “صفقاتية” بحتة وتفتقر للرؤية الاستراتيجية. وهنا يطرح راماني مفهوماً لافتاً؛ وهو “القوة العظمى الافتراضية” (Virtual Great Power). فروسيا، رغم نفوذها العسكري والأمني المتصاعد، لا تمتلك القاعدة الاقتصادية التي تؤهلها لمنافسة الصين أو الولايات المتحدة. فحجم التجارة الروسية مع أفريقيا يظل متواضعاً (نحو 20 مليار دولار) مقارنة بالهند أو تركيا، فما بالك بالعملاق الصيني. ومع ذلك، تنجح موسكو في خلق “انطباع” القوة العظمى من خلال التدخلات الأمنية عالية التأثير ومنخفضة التكلفة.

الجذور التي لم تجف: من القياصرة إلى البلاشفة

لا يمكن فهم الاندفاعة الروسية الحالية دون العودة إلى التاريخ، وهو ما يبرع فيه راماني عبر تخصيص فصول لاسترجاع الإرث السوفيتي والقيصري. يذكرنا الكاتب بأن روسيا، خلافاً للقوى الأوروبية، تسوق لنفسها في أفريقيا كقوة “لم تستعمر القارة أبداً”. بل إن الروابط الدينية الأرثوذكسية مع إثيوبيا تعود للقرن التاسع عشر، حين ساند القياصرة الإمبراطور منليك الثاني ضد الطموحات الإيطالية.

أما الإرث السوفيتي، فهو “رأس المال الرمزي” الأكبر لموسكو اليوم. يشرح راماني كيف استثمر الاتحاد السوفيتي في بناء النخب الأفريقية عبر المنح الدراسية ودعم حركات التحرر الوطني في أنغولا وموزمبيق وجنوب أفريقيا. هذا الإرث يمنح الدبلوماسية الروسية اليوم “مفتاحاً ذهبياً” لدخول القصور الرئاسية الأفريقية، حيث يجد القادة الأفارقة في موسكو حليفاً لا يعطي دروساً في “حقوق الإنسان” ولا يضع شروطاً ليبرالية مقابل التعاون الأمني.

عقد التسعينيات: الانكسار المرير

يقدم راماني صورة قاتمة لما يسميه “العقد الضائع” في التسعينيات. بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، انسحبت روسيا “يلتسين” من أفريقيا بشكل دراماتيكي، فأغلقت السفارات والقنصليات وتوقفت المساعدات. كان هذا الانسحاب، في نظر الصقور في موسكو، “خيانة” جيوسياسية تركت القارة مرتعاً للنفوذ الغربي.

لكن، وكما يوضح الكتاب، فإن بذور العودة زُرعت في خضم هذا الانكسار. بدأت المؤسسات الروسية، مثل “معهد الدراسات الأفريقية” التابع لأكاديمية العلوم، تضغط لإعادة الاعتبار للقارة. ومع وصول بوتين إلى السلطة في عام 2000، تحولت هذه الضغوط إلى سياسة رسمية تهدف إلى استخدام أفريقيا كمنصة لاستعادة مكانة روسيا كقطب عالمي في نظام متعدد الأقطاب.

تعدد الأقطاب: أفريقيا كساحة لتصفية الحسابات

الأطروحة المركزية في كتاب راماني هي أن روسيا ترى في أفريقيا “المختبر” الأمثل لنظامها العالمي المنشود. موسكو لا تسعى فقط لبيع السلاح أو الحصول على عقود تعدين، بل تهدف إلى تقويض المعايير القانونية الدولية التي يفرضها الغرب، وخاصة نظام العقوبات. من خلال دعم الأنظمة التي تواجه ضغوطاً غربية (مثل السودان في عهد البشير أو زيمبابوي)، تكرس روسيا نفسها كـ “ضامن للسيادة” في مواجهة ما تسميه “النيوكولونيالية” أو الاستعمار الجديد.

يستخدم راماني مصطلح “الاستبداد الترويجي” لوصف تكتيكات الكرملين؛ حيث تدعم موسكو استقرار الأنظمة السلطوية مقابل الحصول على موطئ قدم استراتيجي. هذا النهج يلقى قبولاً واسعاً لدى نخب أفريقية سئمت من المشروطية الغربية، مما يجعل روسيا “شريكاً ضرورياً” رغم ضعف إمكانياتها المالية مقارنة بالمنافسين.

بوابات الشمال وحزام النار في الساحل.. الواقعية الروسية في أبهى صورها

إذا كانت موسكو قد نجحت في إحياء “رأس المال الرمزي” لإرثها السوفيتي في القارة السمراء، فإن تطبيق هذه الاستراتيجية على أرض الواقع تطلب المرونة والمناورة الجيوسياسية الحذرة. في الفصول الوسطى من كتابه، يأخذنا صامويل راماني في رحلة جغرافية وسياسية تبدأ من شواطئ البحر الأبيض المتوسط في الشمال، وصولاً إلى الحزام المضطرب لدول الساحل الأفريقي. هنا، لا يعود الحديث عن “نظام متعدد الأقطاب” مجرد شعار دبلوماسي، بل يتحول إلى صفقات سلاح، وقواعد عسكرية افتراضية، ومناورات دبلوماسية معقدة.

مصر وروسيا: شراكة الضرورة والرقص مع الكبار

يفرز راماني مساحة معتبرة لتحليل العلاقات الروسية المصرية، واصفاً إياها بأنها نموذج فريد لـ “شراكة الضرورة”. يرى الكاتب أن القاهرة، تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نجحت في استخدام التقارب مع موسكو كأداة للمناورة وتوطيد الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة واشنطن، خاصة بعد التوترات التي شاب العلاقات المصرية الأمريكية في أعقاب أحداث عام 2013.

روسيا من جانبها، التقطت الفرصة سريعاً. لم تكن موسكو بحاجة لإعطاء دروس في الإصلاح السياسي؛ بل قدمت بدائل فورية تمثلت في مبيعات الأسلحة الكبرى (مثل مقاتلات ميغ-29 والأنظمة الدفاعية)، فضلاً عن المشروع القومي الضخم المتمثل في بناء محطة الضبعة النووية بواسطة شركة “روساتوم” الروسية.

ومع ذلك، يضع راماني يده على نقطة جوهرية: هذه الشراكة تظل “محسوبة وبراغماتية” من الطرفين. فالقاهرة، رغم تقاربها مع الكرملين، لم تدفع علاقاتها الاستراتيجية والتاريخية مع الولايات المتحدة أو القوى الأوروبية إلى حافة الهاوية، بل وظفت الورقة الروسية بذكاء لإعادة التوازن إلى سياستها الخارجية. وبالمثل، تدرك روسيا أن مصر ليست في وارد الانضواء تحت لواء حلف “مناهض للغرب” بشكل كامل، مما يجعل العلاقة بينهما مبنية على المصالح المتبادلة دون أوهام أيديولوجية.

المعضلة الليبية: الدبلوماسية الرسمية وظلال “فاغنر”

على النقيض من النمط الدبلوماسي التقليدي في مصر، يطرح راماني الحالة الليبية كشاهد إثبات على قدرة روسيا على إدارة “استراتيجية مزدوجة المسار” (Dual-Track Strategy). في ليبيا، انقسم التحرك الروسي إلى شقين:

  1. المسار الرسمي المعترف به: حيث حافظت وزارة الخارجية الروسية على قنوات اتصال مفتوحة مع حكومة الوفاق الوطني (ثم حكومة الوحدة الوطنية) في طرابلس.

  2. المسار غير الرسمي الميداني: والذي تمثل في تقديم الدعم العسكري واللوجستي المباشر للجنرال خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي في الشرق، عبر ذراعها شبه العسكري، مجموعة “فاغنر”.

يشرح راماني كيف منحت هذه البراغماتية الفجة الكرملين ميزة نوعية؛ حيث تمكنت موسكو من حجز مقعد رئيسي في أي مفاوضات تسوية دولية حول مستقبل ليبيا (مثل مسار برلين)، مستندة إلى نفوذها العسكري على الأرض في سرت والجفرة، دون أن تضطر لتحمل الكلفة السياسية أو القانونية المباشرة لتدخلها العسكري. ليبيا لم تكن مجرد غاية في حد ذاتها، بل كانت “جسر عبور” استراتيجي ونقطة ارتكاز لوجستية أتاحت لروسيا لاحقاً الاندفاع نحو عمق القارة الأفريقية وجنوب الصحراء.

حزام النار في الساحل: البديل الأمني لفرنسا المتراجعة

ينتقل الكتاب بعد ذلك لتحليل التحول الدراماتيكي في منطقة الساحل الأفريقي، ولا سيما في مالي، بوركينا فاسو، والنيجر. يرى راماني أن روسيا لم تكن هي من “صنع” الأزمات في هذه الدول، بل إنها بعبقرية انتهازية، استثمرت في الفشل الذريع للاستراتيجية الفرنسية والغربية في مكافحة الإرهاب (مثل عملية برخان).

عندما تصاعدت المشاعر المناهضة لباريس في الشارع الأفريقي، وتتالت الانقلابات العسكرية، قدمت موسكو نفسها كـ “منقذ بديل”. كانت الحزمة الروسية المعروضة على المجالس العسكرية الحاكمة مغرية للغاية: حماية سياسية وعقدية في مجلس الأمن، ودعم عسكري مباشر عبر مدربين ومقاتلين من “فاغنر” (التي تحولت لاحقاً إلى “الفيلق الأفريقي” التابع لوزارة الدفاع الروسية)، كل ذلك دون أي اشتراطات تتعلق بالتحول الديمقراطي أو حقوق الإنسان.

ولكن، وهنا يبرز الجانب النقدي لراماني، هل نجحت هذه الوصفة الروسية؟ يجادل الكاتب بأن المقاربة الروسية في الساحل، القائمة على الحلول الأمنية البحتة دون معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمات، لم تؤدِ إلى استقرار حقيقي. بل على العكس، ساهمت في تزايد وتيرة العنف وحالات النزوح، مما يضعف الأطروحة الروسية على المدى الطويل ويوضح حدود قدرة “القوة العظمى الافتراضية” على بناء سلام مستدام.

سلاح الغذاء والطاقة: القوة الناعمة الخشنة

لا يغفل راماني الإشارة إلى الأبعاد الجيواقتصادية التي وظفتها روسيا كأدوات نفوذ، مستشهداً بتبعات الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. فقد أظهرت أزمة الحبوب كيف تمكنت موسكو من اللعب على وتري “الخوف والامتنان” في أفريقيا. من جهة، تسببت الحرب في تهديد الأمن الغذائي للقارة، ومن جهة أخرى، استغلت روسيا هذا الوضع لتقديم شحنات حبوب مجانية أو مدعومة لبعض الدول الحليفة (مثل زيمبابوي ومالي وإريتريا)، مما عزز صورتها كحامٍ للقارة في مواجهة “الحصار الغربي”.

ذات الأمر ينطبق على قطاع الطاقة؛ حيث يسلط الكتاب الضوء على سعي الشركات الروسية مثل “غازبروم” و”لوك أويل” للاستثمار في مشاريع الغاز والنفط في شمال وغرب أفريقيا، ليس فقط لتحقيق عوائد مالية، بل لمنع صياغة استراتيجية أوروبية بديلة للاستغناء الشامل عن الغاز الروسي عبر تعويضه بمصادر أفريقية.

ما وراء الساحل.. آلة البروباغندا والرهانات المستقبلية لـ “الدب”

إذا كانت بوابات الشمال الأفريقي وحزام الساحل قد مثّلت لروسيا مسارح للمناورة العسكرية والدبلوماسية السريعة، فإن التوغل الروسي في عمق القارة وجنوبها يمثل جوهر الأطروحة التي صاغها صامويل راماني حول تمدد “القوة العظمى الافتراضية”. هنا، في جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب أفريقيا، تختبر موسكو حدود قدرتها على تحويل النفوذ الأمني والرمزي إلى تموضع استراتيجي مستدام.

جمهورية أفريقيا الوسطى: “المختبر الكامل” للحكم الروسي

يفرد راماني فصلاً شديد الأهمية لتحليل الحالة في جمهورية أفريقيا الوسطى (CAR)، معتبراً إياها “المختبر الكلاسيكي” والمثال الأكثر وضوحاً لكيفية خصخصة النفوذ الروسي. في هذا البلد، لم يقتصر دور مرتزقة “فاغنر” (أو الفيلق الأفريقي حالياً) على تقديم الدعم العسكري للرئيس فوستان أركانجي تواديرا في مواجهة الجماعات المتمردة؛ بل تحولوا إلى “حرس جمهوري” يحمي القصر الرئاسي نفسه.

يشرح الكاتب كيف تغلغلت روسيا في مفاصل الدولة عبر مقايضة الأمن بالموارد الطبيعية؛ حيث مُنحت الشركات المرتبطة بالكرملين امتيازات هائلة للتنقيب عن الذهب والألماس واليورانيوم، فضلاً عن السيطرة على قطاعات حيوية كالأخشاب. يرى راماني أن نموذج أفريقيا الوسطى هو النموذج الذي تحاول روسيا تكراره في بؤر أخرى، حيث تصبح النخبة الحاكمة مرتهنة تماماً للبقاء الأمني الذي توفره موسكو، مما يضمن للأخيرة ولاءً سياسياً مطلقاً في المحافل الدولية.

جنوب أفريقيا: إحياء تحالف الـ “بريكس” والذاكرة النضالية

على النقيض تماماً من السيطرة الأمنية الفجة في أفريقيا الوسطى، تطل روسيا في جنوب أفريقيا من بوابة مختلفة كلياً: بوابة الدبلوماسية الرفيعة والتكتلات الاقتصادية الدولية. هنا، يعود راماني إلى التاريخ ليذكرنا بأن الحزب الحاكم في بريتوريا (حزب المؤتمر الوطني الأفريقي – ANC) لا ينسى الدعم العسكري واللوجستي الهائل الذي قدمه الاتحاد السوفيتي له في معركته الطويلة ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد).

هذا “الدين التاريخي” تم استثماره بذكاء في العصر الحديث من خلال كتلة “بريكس” (BRICS). يحلل راماني كيف أصبحت جنوب أفريقيا المدافع الأبرز عن الرؤية الروسية لنظام عالمي متعدد الأقطاب، وهو ما تجلى في موقف بريتوريا “المحايد إيجابياً” من الحرب الأوكرانية، ورفضها الالتزام بالعقوبات الغربية، بل واستضافتها للمناورات البحرية المشتركة مع روسيا والصين. ومع ذلك، يشير راماني إلى وجود انقسام داخلي في جنوب أفريقيا؛ حيث تعارض أحزاب المعارضة وبعض منظمات المجتمع المدني هذا الارتماء في الأحضان الروسية، مما يجعل هذا التحالف رهناً بالتوازنات السياسية الداخلية.

حرب العقول: آلة البروباغندا و”إنهاء الاستعمار الفكري”

لا يمكن قراءة كتاب راماني دون التوقف مطولاً أمام تحليله المبدع لـ “الحرب السيبرانية والإعلامية” التي تقودها روسيا في أفريقيا. يرى الكاتب أن موسكو حققت نجاحاً باهراً في “حرب السرديات” عبر توظيف شبكات إعلامية ضخمة مثل (RT) و(Sputnik)، والمنصات الرقمية المحلية، وحسابات التواصل الاجتماعي التابعة لـ “مصانع الذباب الإلكتروني”.

الاستراتيجية الروسية هنا تعتمد على العزف على أوتار المظالم التاريخية للأفارقة ضد القوى الاستعمارية القديمة (خاصة فرنسا وبريطانيا). تروج الآلة الإعلامية الروسية لخطاب يتمحور حول “مساعدة أفريقيا على إنهاء الاستعمار الفكري والاقتصادي”، وتقديم روسيا كقوة خيرة تدعم السيادة الوطنية دون شروط. يثبت راماني أن هذه البروباغندا نجحت في تحويل المشاعر المناهضة للغرب في الشوارع الأفريقية إلى موجات تأييد شعبية جارفة لروسيا، تُرجمت في رفع الأعلام الروسية في مظاهرات باماكو وواغادوغو ونيامي.

الشراكة المكتومة مع بكين، ومناورات الجفاف في حوض النيل

لا يمكن استكمال المشهد الجيوسياسي لروسيا في أفريقيا دون سبر أغوار ملفين شائكين يمثلان محط اهتمام المراقبين وصناع القرار؛ الأول هو طبيعة العلاقة بين “الدب الروسي” و”التنين الصيني” في هذه القارة المشتركة، والثاني هو المقاربة الروسية لملفات المياه والأمن الإقليمي في شرق أفريقيا وحوض النيل تحديداً.

روسيا والصين في أفريقيا: تحالف استراتيجي أم تنافس صامت؟

ينطلق صامويل راماني في تحليله للعلاقات الروسية الصينية في أفريقيا من تفكيك النظرة الغربية السائدة التي تصوّرهما كـ “كتلة سلطوية موحدة” تنسق تحركاتها بالمسطرة والقلم لتقويض النفوذ الغربي. يرى الكاتب أن الواقع على الأرض يحمل ديناميكيات أكثر تعقيداً؛ فالشراكة بين موسكو وبكين في أفريقيا هي “شراكة تكتيكية ومحدودة السقوف” وليست تحالفاً اندماجياً.

يلفت راماني إلى وجود تقسيم عمل غير معلن (Division of Labor) يفرض نفسه بحكم الأمر الواقع؛ فالصين هي “العملاق الاقتصادي” الذي يمتلك المال، والبنية التحتية، ومشاريع “الحزام والطريق”، والقروض المليارية التي تعيد تشكيل اقتصادات القارة. في المقابل، تتقدم روسيا كـ “مقاول أمني” بارع في تقديم الدعم العسكري السريع، وحماية الأنظمة، وإدارة الأزمات عبر أدوات مرنة ومنخفضة التكلفة.

لكن هذا التقسيم لا يلغي مساحات التنافس المكتوم؛ فبكين لا تنظر دائماً بعين الرضا إلى التحركات الروسية العنيفة وغير المتوقعة (مثل تحركات فاغنر/الفيلق الأفريقي)، والتي قد تهدد استقرار البيئة الاستثمارية التي تحتاجها الصين لحماية مشاريعها وضمان تدفق المواد الخام. وبالمثل، تدرك موسكو أن النفوذ الاقتصادي الصيني الجارف قد يبتلع في النهاية الهوامش السياسية التنافسية لروسيا. ومع ذلك، يخلص راماني إلى أن الطرفين يحرصان بشدة على عدم تحويل هذا التنافس الصامت إلى صدام علني، طالما أن الهدف المشترك الأكبر يظل كسر الهيمنة الأحادية الغربية في القارة.

موسكو وملف مياه النيل: الحياد الإيجابي والمناورة الاستراتيجية

في الفصول التي تغطي منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، يحلل راماني بذكاء الدبلوماسية الروسية تجاه واحدة من أعقد الأزمات الإقليمية: أزمة “سد النهضة الإثيوبي” والصراع على حصص مياه النيل. هنا، تتجلى “البراغماتية الروسية الحذرة” في أبهى صورها؛ حيث تجد موسكو نفسها أمام معضلة الموازنة بين شريكين استراتيجيين هامين: مصر (بوابتها البراغماتية الكبرى في الشمال) وإثيوبيا (حليفتها التاريخية منذ العهد القيصري والسوفيتي وركيزتها في القرن الأفريقي).

يشير الكاتب إلى أن روسيا تتبنى استراتيجية “الحياد الإيجابي” في هذا الملف؛ فهي تتجنب اتخاذ موقف علني حاد ينحاز لطرف على حساب الآخر في مجلس الأمن، وتدعو باستمرار إلى حل الأزمة عبر المفاوضات والحلول الأفريقية برعاية الاتحاد الأفريقي.

لكن وراء هذا الحياد الدبلوماسي، يرى راماني أن موسكو وظفت الأزمة لتعميق نفوذها الثنائي مع الطرفين؛ فبينما تعزز صفقات السلاح والشراكة النووية والاقتصادية مع القاهرة، وقعت في الوقت نفسه اتفاقيات تعاون عسكري وأمني استراتيجي مع أديس أبابا خلال ذروة توتراتها مع الغرب بسبب حرب “تيغراي”. بالنسبة لروسيا، فإن الحفاظ على شعرة معاوية مع كافة الأطراف في حوض النيل يمنحها القدرة على التموضع كـ “وسيط محتمل” غير منحاز، ويزيد من حاجة القوى الإقليمية لخطوط الاتصال المفتوحة مع الكرملين.

التقييم النهائي: هل ينفرط عقد الدب؟

في الفصول الختامية للكتاب، يعود صامويل راماني ليجيب على السؤال الجوهري الذي طرحه في العنوان: هل روسيا قوة عظمى عائدة أم مدّعٍ محارب؟

الجواب يأتي مركباً ومحايداً: روسيا ليست مجرد “مُدّعٍ” عابر؛ فقد نجحت بالفعل في تغيير الخارطة الجيوسياسية للقارة، وبات من المستحيل تجاوزها في ملفات الأمن والطاقة. لكنها في الوقت نفسه، تظل “قوة عظمى افتراضية” تعاني من هشاشة بنيوية خطيرة.

فالنموذج الروسي يعتمد بشكل مفرط على أدوات منخفضة التكلفة وعالية المخاطر (مثل المرتزقة والبروباغندا)، ويفقر إلى “القوة الناعمة الحقيقية” القائمة على التنمية الاقتصادية، والاستثمارات المستدامة، وبناء البنى التحتية، وهو الملعب الذي تتفوق فيه الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفارق شاسع.

علاوة على ذلك، فإن الارتباط الوثيق بين النفوذ الروسي وشخصيات معينة (مثلما كان الوضع مع إيفغيني بريغوجين قبل مقتله، أو طبيعة العلاقات الشخصية مع القادة الانقلابيين) يجعل هذا النفوذ عرضة للانهيار المفاجئ في حال حدوث أي تغير في قيادة هذه الدول أو في الكرملين نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى