أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

حرب ستالين: كيف مول الغرب الإمبراطورية الشمولية وصنع خريطة أوراسيا المعاصرة؟

إعادة تمحور الحرب حول الكرملين

في المشهد الثقافي والتاريخي المعاصر، نادراً ما يجرؤ مؤرخ على تقويض الركائز الأخلاقية والجيوسياسية التي بنيت عليها سردية الحرب العالمية الثانية؛ تلك الحرب التي استقرت في الوجدان العالمي بوصفها “الحرب العادلة” أو “حرب الأخيار ضد الأشرار”. غير أن البروفيسور شين مكميكين، أستاذ التاريخ في كلية بارد بنيويورك، قرر في كتابه الضخم  “حرب ستالين: تاريخ جديد للحرب العالمية الثانية” أن يلقي بحجر ثقيل في مياه التاريخ الراكدة، مفجراً نقاشاً مراجعاتياً (Revisionist) من العيار الثقيل، يعيد من خلاله صياغة الخرائط السياسية والدوافع الاستراتيجية لقرن بأكمله. إن الكتاب لا يقدم مجرد سردية مضافة لأحداث أشبعت بحثاً، بل يقدم عملية جراحية دقيقة لاستئصال الأساطير التاريخية التي غيبت المحرك الأساسي لأحداث تلك الحقبة، وهو جوزيف ستالين، ليعيده إلى مكانه الطبيعي: ليس كضحية مباغتة للعدوان الهتلري في صيف عام 1941، بل كمهندس استراتيجي أول، وصانع ماهر للأزمات، تلاعب بالشرق والغرب معاً ليخرج كمنتصر وحيد وحصادي كبريات الغنائم في أوراسيا.

يبدأ مكميكين مراجعته بضرب الأيديولوجيا السائدة في العواصم الغربية، وتحديداً في لندن وواشنطن، والتي طالما اعتبرت أن الحرب العالمية الثانية بدأت وانتهت كصراع مباشر ومصيري لإنقاذ الديمقراطية من الفاشية والنازية. يرى الكاتب أن هذه الرؤية القاصرة تجاهلت بالكامل الطموحات الجيوسياسية والعقائدية للشيوعية السوفيتية، التي كانت ترى في الحرب العالمية الرأسمالية المرتقبة فرصة تاريخية لا تعوض لإنضاج الثورة العالمية وتحقيق التوسع الإمبراطوري. من هنا، يغير مكميكين زاوية الرؤية، فبدلاً من التركيز التقليدي على هتلر ومغامراته العسكرية، يضع كاميرا التاريخ داخل أسوار الكرملين، متتبعاً بدقة بالغة تحركات ستالين، وقراراته، وتقارير استخباراته، ليتضح للقارئ أننا أمام حرب صممت خطوطها العريضة في موسكو بقدر ما صممت في برلين أو طوكيو.

إن الأطروحة المركزية التي يدور حولها هذا العمل الاستراتيجي المحكم تتمثل في أن الحرب العالمية الثانية لم تكن حرباً ألمانية بالضرورة في نشأتها وتوجيه مساراتها، بل كانت “حرب ستالين” بامتياز. لقد أدرك الزعيم السوفيتي، انطلاقاً من فهمه اللينيني الصارم للنزاعات الإمبريالية، أن بقاء وتمدد الاتحاد السوفيتي يعتمدان بالدرجة الأولى على إشعال حريق هائل بين القوى الرأسمالية الفاشية (ألمانيا وإيطاليا واليابان) والقوى الرأسمالية الديمقراطية (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة). وفي هذا السياق، لم يكن ستالين ذلك القائد المذعور الذي كان ينتظر براءة دولية، بل كان لاعباً يبادر بالهجوم والتحرك وراء الكواليس. يشير مكميكين بوضوح إلى أن جهود ستالين الدبلوماسية والاستخباراتية في أواخر الثلاثينيات كانت موجهة بالكامل لمنع أي تقارب بين ألمانيا وبريطانيا، ولتأمين حدود روسيا الشرقية عبر إيقاع اليابان في فخ صراع طويل الأمد مع الصين، مما يتيح للكرملين التفرغ للعبته الكبرى في القارة الأوروبية.

يعود بنا مكميكين إلى معاهدة مولوتوف-ريبنتروب الشهيرة الموقعة في أغسطس 1939، . هنا، لا تبدو المعاهدة مجرد “مناورة دفاعية” كسب بها ستالين الوقت لإعداد جيشه، كما روّجت المؤرخات السوفيتية والعديد من المؤرخين الغربيين المعتدلين، بل تظهر كوثيقة عدوانية هجومية متبادلة، كان ستالين فيها الطرف الأكثر حنكة وجشعاً. لقد منح ستالين بموجب هذه الاتفاقية الضوء الأخضر لهتلر لغزو بولندا وإشعال الحرب مع الغرب، بينما كان هو يستعد لقضم حصته من الكعكة الأوروبية، والتي لم تقتصر على شرق بولندا فحسب، بل امتدت لتشمل لاتفيا، وإستونيا، وليتوانيا، وجزءاً من فنلندا، ورومانيا. إن مكميكين يثبت، بالاعتماد على الأرشيفات الروسية والأوروبية، أن الاتحاد السوفيتي في خريف عام 1939 لم يكن محايداً، بل كان شريكاً أصيلاً وممولاً استراتيجياً لآلة الحرب النازية، حيث تدفقت قوافل النفط والمطاط والحبوب السوفيتية نحو ألمانيا لتسليحها في معركتها ضد فرنسا وبريطانيا.

وفي الوقت الذي كانت فيه الجيوش الألمانية تطحن الجبهة الغربية وتسقط باريس، كان ستالين ينفذ أوسع عملية توسع إمبراطوري في تاريخ روسيا الحديث دون أن يثير غضب الرأي العام الغربي بالشكل الكافي. ويسلط مكميكين الضوء على حرب الشتاء ضد فنلندا عام 1939-1940، مبيناً كيف أن هذه الحرب، رغم الفشل العسكري الذريع الأولي للجيش الأحمر، كشفت عن النوايا الحقيقية للكرملين في السيطرة على كامل بحر البلطيق وتأمين قلاع متقدمة للهجوم المستقبلي. إن السرد التاريخي يتدفق هنا ليكشف مفارقة صارخة: بينما كان هتلر يستنزف قواته واقتصاده في مواجهة الحصار البريطاني، كان ستالين يبتلع الدول والمجتمعات المحيطة به، معززاً نفوذه الجيوسياسي، ومستعداً للحظة التي تنهار فيها القوى الرأسمالية تحت وطأة الإنهاك المتبادل، ليتقدم الجيش الأحمر كمنقذ ومسيطر على القارة الأوروبية بأكملها.

هذا التأسيس الذي يضعه مكميكين في الفصول الأولى من كتابه يمثل صدمة فكرية حقيقية للقارئ المعتاد على الأدبيات التقليدية. إنه ينزع عن ستالين ثوب القائد البراغماتي المدافع، ويلبسه ثوب الاستراتيجي العقائدي الذي أدار اللعبة الجيوسياسية ببرود شديد. وتكمن قوة مكميكين في قدرته على تحويل الأرقام الصامتة في الميزانيات التجارية، وجداول شحنات المواد الخام، والمراسلات السرية بين السفراء، إلى مادة حية ناطقة تكشف كيف كانت موسكو تدير خيوط اللعبة. إننا نرى من خلال هذا التحليل المعمق كيف استطاع الكرملين تحييد الخطر الياباني في الشرق عبر معاهدة الحياد في نيسان 1941، مما أتاح لستالين تركيز كامل ثقله على الجبهة الأوروبية، منتظراً اللحظة الحاسمة.

إن مكميكين، وعبر صفحات كتابه الأولى، يضع القارئ أمام حقيقة جيوسياسية صلبة: في صيف عام 1941، لم يكن العالم يشهد صراعاً بين الديمقراطية والفاشية فحسب، بل كان يشهد مواجهة حتمية بين مشروعين إمبراطوريين شموليين، كان أحدهما (الروسي) يدير خيوط الدبلوماسية والتجارة العالمية بذكاء خارق يفوق بكثير تهور ونزق المشروع الآخر (الألماني). هذا التقييم الصارم يعيد صياغة المشهد التمهيدي للحرب برمتها، ويجعلنا نتساءل بعمق حول مدى مسؤولية القوى الغربية في تسهيل الصعود الجيوسياسي المخيف للاتحاد السوفيتي.

خطوط الهجوم المتقاطعة وشريان الحياة الأمريكي للكرملين

ينتقل البروفيسور شين مكميكين إلى تفكيك واحدة من أكثر الأساطير استقراراً في السردية التاريخية السائدة، وهي أسطورة “المفاجأة الكاملة” التي أصابت جوزيف ستالين عند بدء الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي في الثاني والعشرين من حزيران عام 1941 ضمن عملية بارباروسا. لا ينكر المؤلف أن ستالين صدم من التوقيت الفعلي للهجوم وتهور هتلر في فتح جبهة ثانية، لكنه يرفض تماماً الصورة الشائعة لزعيم سوفيتي ساذج كان يثق بالعهد الألماني. بدلاً من ذلك، يعيد مكميكين قراءة الأرشيف العسكري مشيراً إلى فرضية بالغة الخطورة والإثارة، تتقاطع مع أطروحات بعض المؤرخين المراجعين مثل فيكتور سوفوروف، ومفادها أن الجيش الأحمر لم يكن في حالة دفاعية متربصة، بل كان في خضم عملية حشد هجومية هائلة على طول الحدود الغربية. لقد كان ستالين، بحسب الوثائق الروسية المتاحة، يستعد لشن ضربته الوقائية الخاصة ضد ألمانيا في صيف أو خريف عام 1941، أو على أقل تقدير، كان يضع قواته في تموضع هجومي متقدم يتيح له الانقضاض على حقول النفط الرومانية في بلويشت، وهي الشريان الحيوي الذي بدونه لا يمكن لآلة الحرب النازية أن تتحرك خطوة واحدة، مما يفسر الكارثة العسكرية السوفيتية في الأسابيع الأولى للحرب، حيث دمرت الخطوط السوفيتية المتقدمة والمخازن المكدسة قريباً من الحدود لأنها لم تكن مهيأة هندسياً أو لوجستياً للدفاع والتراجع، بل كانت مصممة للاندفاع نحو الغرب.

هذه القراءة الجريئة للتموضع العسكري السوفيتي تمنح القارئ تفسيراً جديداً للانهيار السريع للجيش الأحمر في بداية الغزو، فهو لم يكن انهياراً ناجماً عن قلة السلاح، بل عن سوء التموضع الاستراتيجي الناتج عن عقلية هجومية مفرطة حيدت الخطوط الدفاعية التقليدية مثل “خط ستالين”. وهنا يتجلى الذكاء السياسي الخارق للزعيم السوفيتي، فبمجرد أن استوعب الصدمة وعاد إلى مكاتب الكرملين، نجح في تحويل الكارثة العسكرية إلى نصر دبلوماسي وأخلاقي فوري، حيث تحول الاتحاد السوفيتي في غضون أيام قليلة، في أعين الرأي العام البريطاني والأمريكي، من معتدٍ إمبراطوري ابتلع نصف أوروبا الشرقية وهاجم فنلندا، إلى ضحية بريئة تدافع عن الحرية العالمية ضد البربرية النازية. ويصف مكميكين بمرارة صحفية ملموسة كيف سارع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل إلى مد يد العون لستالين دون أي شروط مسبقة، متجاهلاً تحذيرات وزرائه ودبلوماسييه من أن دعم الشمولية الشيوعية قد يخلق خطراً جيوسياسياً مستقبلياً يفوق خطر النازية نفسها.

لكن المحور الأكثر إثارة للجدل، والذي يفرد له مكميكين صفحات مطولة وموثقة بدقة بالأرقام والإحصائيات، هو برنامج “الإعارة والتأجير” (Lend-Lease) الأمريكي، وتحديداً الدور الذي لعبه هاري هوبكنز، المستشار المقرب من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت. يرى المؤلف أن واشنطن لم تكتفِ بمساعدة حليف في محنة، بل أبدت استعداداً غريباً، يقترب من التواطؤ العقائدي أو العجز الاستراتيجي الكامل، لتلبية كل طلبات ستالين مهما كانت مجحفة بحق المجهود الحربي الأمريكي والبريطاني نفسه. زار هوبكنز موسكو في تموز 1941، وعاد محملاً بقائمة طلبات سوفيتية واسعة، وبدلاً من أن تستخدم واشنطن ثقلها الاقتصادي لفرض شروط على ستالين بشأن مستقبل استقلال بولندا أو دول البلطيق بعد الحرب، منحت الإدارة الأمريكية الكرملين شيكاً على بياض، وبدأت شحنات هائلة من الأسلحة، والمواد الخام، والألومنيوم، والقطارات، والوقود عالي الأوكتان، وشاحنات الستوديباكر، تتدفق عبر موانئ أرخانغلسك والممر الإيراني.

يؤكد مكميكين من خلال الأرقام الواردة في الميزانيات الأمريكية، وتحديداً في الصفحات الممتدة بين مراجعات الدعم اللوجستي، أن آلة الحرب السوفيتية التي هزمت الألمان في ستالينغراد ومعركة كورسك لم تكن نتاجاً خالصاً للاقتصاد السوفيتي المخطط، بل كانت تسير على إطارات أمريكية، وتتغذى على معلبات “السبام” الأمريكية، وتتصل عبر أسلاك النحاس وأجهزة اللاسلكي المصنوعة في المصانع الأمريكية، حيث يذكر في أحد الهوامش الإحصائية الهامة حجم التدفق الهائل للألومنيوم الذي سمح لروسيا ببناء طائراتها ومحركات الدبابات دون انقطاع (McMeekin, 2021, p. 284). إن هذا الاعتماد المطلق على الدعم الغربي يكشف أن ستالين استطاع بعبقرية استراتيجية الفوز بجهود العمال الروس وبتمويل دافعي الضرائب الأمريكيين، في وقت كان فيه الدبلوماسيون السوفيت في واشنطن ولندن يمارسون ضغوطاً هائلة ويهددون بعقد صلح منفرد مع هتلر إذا لم يسرع الغرب بفتح الجبهة الثانية في أوروبا.

ويتعمق  في تتبع شبكات النفوذ السوفيتي داخل الإدارة الأمريكية خلال تلك الفترة، مبرزاً كيف نجح جهاز الاستخبارات السوفيتي (NKVD) في اختراق مؤسسات حيوية مثل وزارة الخزانة الأمريكية عبر شخصيات مثل هاري دكستر وايت، ووزارة الخارجية، بل وحتى المحيط المباشر لروزفلت. ويرى مكميكين أن هذا الاختراق لم يكن مجرد عملية تجسس تقليدية لسرقة الأسرار، بل كان عملية “تأثير استراتيجي” نجحت في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية لخدمة مصالح موسكو، مثل توجيه الضغوط الأمريكية العنيفة ضد اليابان في أواخر عام 1941 لدفعها نحو الصدام مع واشنطن بدلاً من مهاجمة سيبيريا السوفيتية، مما أمن ظهر ستالين تماماً في الشرق وأتاح له نقل فيالق سيبيريا المدربة تدريباً عالياً لإنقاذ موسكو في شتاء عام 1941.

إن هذا التحليل الذي يقدمه مكميكين يقلب الطاولة على الفهم التقليدي للحرب العظمى، فبينما كانت بريطانيا تحارب من أجل بقائها الإمبراطوري والولايات المتحدة تبني ترسانة الديمقراطية، كان ستالين هو الطرف الوحيد الذي يعرف بدقة ماذا يريد من هذه الحرب بعد نهايتها. لم يكن يبحث عن مجرد البقاء، بل كان يخطط لهندسة فضاء جيوسياسي جديد يمتد من برلين إلى منشوريا. ومع تدفق آلاف الأطنان من المعدات الأمريكية عبر الطرق البحرية الخطرة، كانت بذور الحرب الباردة وبسط النفوذ الشيوعي على نصف القارة الأوروبية تغرس بعناية فائقة، وبتسهيل مباشر من الحلفاء الغربيين الذين غيبوا تماماً منطق التوازن الدولي لصالح انتصار عسكري عاجل وقريب، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى المؤتمرات الكبرى التنازلية التي غيرت وجه العالم.

معمار التنازلات في طهران ويالتا وصياغة الهيمنة الأوراسية

يتنقل البروفيسور شين مكميكين  إلى ساحات الدبلوماسية الدولية التي شهدت اللقاءات المباشرة بين عمالقة الحرب، ليقدم قراءة بالغة القسوة والتفكيك للقمم الكبرى التي جمعت ستالين وتشرشل وروزفلت في طهران عام 1943 ويالتا عام 1945. يرى المؤلف أن هذه المؤتمرات لم تكن مجرد جولات لتنسيق الجهد العسكري النهائي ضد المحور، بل كانت مسرحاً لعملية خداع استراتيجي تاريخية، فرض فيها الزعيم السوفيتي شروطه ورؤيته لمستقبل العالم مستغلاً السذاجة السياسية المفرطة للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، والإنهاك البريطاني المتزايد الذي حوّل ونستون تشرشل من قائد إمبراطوري إلى شريك عاجز عن كبح جماح التمدد الشيوعي. إن مكميكين يثبت بالوثائق الدبلوماسية أن الكرملين لم يكن يفاوض من موقع الشريك الراغب في إرساء سلام ديمقراطي، بل من موقع الفاتح الجيوسياسي الذي يعلم أن وجود جيوشه على الأرض يمنحه الحق في رسم حدود القارة الأوروبية بمداد أحمر لا يمكن محوه.

في مؤتمر طهران الذي عُقد في تشرين الثاني عام 1943، يسلط الكاتب الضوء على الأجواء الاستخباراتية والأمنية التي فرضها السوفييت على الوفدين الأمريكي والبريطاني، حيث نجح ستالين في إقناع روزفلت بالإقامة داخل المجمع السوفيتي تحت ذريعة وجود مؤامرات اغتيال ألمانية، مما أتاح لأجهزة التنصت السوفيتية مراقبة كل حوارات الرئيس الأمريكي ومستشاريه على مدار الساعة. هذا الاختراق اللوجستي منح ستالين تفوقاً تفاوضياً مطلقاً، مكنه من قراءة أوراق خصومه وحلفائه قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويوثق مكميكين في الصفحات المتوسطة من هذا الفصل كيف انعكس هذا التفوق في انتزاع ستالين موافقة مبدئية من روزفلت وتشرشل على نقل حدود بولندا نحو الغرب، والتضحية ببلدان البلطيق، والموافقة على إدراج أوروبا الشرقية ضمن “منطقة النفوذ الأمنية” للاتحاد السوفيتي. لقد كان هذا التنازل، في نظر المؤلف، بمثابة طعنة في الظهر للمبادئ الأخلاقية التي أعلنتها بريطانيا وأمريكا في “ميثاق الأطلسي”، وتخلّياً صريحاً عن المبرر الأول الذي من أجله أعلنت لندن الحرب على هتلر، وهو الدفاع عن سيادة واستقلال بولندا.

في قمة يالطا في شباط عام 1945، حيث كان الجيش الأحمر قد توغل بالفعل في قلب الجغرافيا الأوروبية وبات على مسافة قصيرة من برلين. يصف مكميكين المشهد في شبه جزيرة القرم بأسلوب صحفي يمزج بين التوصيف النفسي والتحليل الجيوسياسي الفذ؛ حيث ظهر روزفلت عليلاً ومجهداً فكرياً وبدنياً، بينما كان ستالين في قمة حضور الذهني والسياسي، مدعوماً بتقارير استخباراتية دقيقة وشبكة من المستشارين الذين وجهوا النقاشات نحو تحقيق الطموحات التاريخية للإمبراطورية الروسية. لم تكن يالتا في نظر مكميكين مجرد اتفاق لتأسيس منظمة الأمم المتحدة أو تقسيم ألمانيا إلى مناطق احتلال، بل كانت عملية “صك غفران استراتيجي” منح بموجبها الغرب لستالين حق السيطرة المطلقة على نصف القارة الأوروبية، بما في ذلك عواصم تاريخية مثل وارسو، وبودابست، وبراغ، وبوخارست، وصوفيا.

ولا يتوقف جشع الكرملين الجيوسياسي عند حدود القارة العجوز، بل يفرد مكميكين فصلاً كاملاً لتفكيك الأثمان الباهظة التي دفعها الغرب لستالين في آسيا مقابل وعده بالدخول في الحرب ضد اليابان بعد هزيمة ألمانيا. في يالتا، وبموجب اتفاقات سرية لم تُطلع عليها الحكومة الصينية الشرعية آنذاك، منح روزفلت لستالين السيطرة على خطوط السكك الحديدية في منشوريا، وحقوقاً حصرية في ميناء دارين، وقاعدة بحرية في بورت آرثر، بالإضافة إلى السيطرة على جزر الكوريل وجنوب سخالين. ويرى المؤلف أن هذا التنازل الآسيوي الكارثي كان بمثابة حجر الأساس الذي مهد لتقويض نفوذ القوى القومية الصينية بقيادة تشيانغ كاي شيك، وسمح للاتحاد السوفيتي بتسليم كميات هائلة من الأسلحة اليابانية المصادرة إلى الشيوعيين الصينيين بقيادة ماو تسي تونغ، مما غيّر ميزان القوى في الحرب الأهلية الصينية وقاد في نهاية المطاف إلى صعود الصين الشيوعية واختلال التوازن الاستراتيجي في شرق آسيا لعقود قادمة.

إن النقد اللاذع الذي يوجهه مكميكين للإدارات الغربية يكمن في تغيبهم الكامل لمنطق توازن القوى الكلاسيكي في العلاقات الدولية، وتماهيهم مع البروباغندا السوفيتية التي كانت تصوّر ستالين كشريك ديمقراطي في صناعة السلام العالمي الجديد. ويبرز الكتاب كيف وافق الغرب حتى على إعادة مئات الآلاف من الأسرى والمهاجرين الروس والفارين من جحيم الشيوعية قسراً إلى الاتحاد السوفيتي ضمن ما عُرف بـ”عملية كيلهول” (Operation Keelhaul)، حيث واجه معظمهم الإعدام الفوري أو النفي إلى معسكرات الغولاق، في مشهد يمثل واحدة من أكبر السقطات الأخلاقية للحلفاء الغربيين في الحرب.

يضعنا المؤلف أمام حقيقة تاريخية مغايرة تماماً للسائد: إن نهاية الحرب العالمية الثانية لم تكن انتصاراً حقيقياً للديمقراطية الليبرالية بقدر ما كانت انتصاراً حاسماً وتمدداً مرعباً للشمولية السوفيتية التي نجحت، بفضل دماء جنودها والتمويل اللوجستي الأمريكي الشامل وعجز الساسة الغربيين، في مد نفوذها من نهر إلبه في قلب ألمانيا إلى سواحل المحيط الهادئ في آسيا. هذا المشهد الختامي المعقد للحرب لم يكن بداية لسلام مستدام، بل كان بحد ذاته الوثيقة الرسمية لإعلان ولادة الحرب الباردة، وبداية صراع إمبراطوري جديد على السيادة العالمية.

حصاد الدم ونزيف الرايخ الأخير وبسط الستار الحديدي

يتتبع البروفيسور شين مكميكين  اللحظات الختامية لآلة الحرب العالمية الثانية في القارة الأوروبية، مركزاً بعدسته التاريخية على الاندفاع العسكري السوفيتي المرعب نحو برلين في ربيع عام 1945. يرى المؤلف أن اللعبة العسكرية في أسابيعها الأخيرة لم تكن مجرد ملاحقة لفلول الجيش الألماني المنهك، بل سباقاً استراتيجياً محموماً خاضه ستالين للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأراضي والمصانع والمراكز الحيوية وقبل كل شيء العقول العلمية والتقنية في قلب الرايخ المنهار. وفي هذا السياق، يكشف مكميكين كيف نجح الزعيم السوفيتي في توجيه جنرالاته، وتحديداً غيورغي جوكوف وإيفان كونيف، لشن هجمات دموية باهظة التكلفة البشرية لإسقاط برلين قبل وصول القوات الأمريكية والبريطانية، مستغلاً قرار القائد الأعلى لقوات الحلفاء الغربيين، الجنرال دوايت أيزنهاور، بإيقاف تقدم قواته عند نهر إلبه لتوائم خطوط التقسيم التي رُسمت سابقاً في يالتا، وهو القرار الذي يعتبره مكميكين واحداً من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي منحت الكرملين تفوقاً جيوسياسياً مطلقاً في قلب القارة.

وينقلنا  إلى فظائع السقوط والمعاملة القاسية التي تعرضت لها المجتمعات المحلية في أوروبا الشرقية وألمانيا على يد القوات السوفيتية الفاتحة. وبدلاً من تكرار البروباغندا التقليدية التي ركزت على مفهوم “التحرير”، يغوص مكميكين في وثائق وتقارير الانضباط العسكري والمراسلات الداخلية، مبيناً أن التوجيهات الصادرة من موسكو كانت تغض الطرف، بل وتشجع أحياناً، عمليات النهب المنظم والاغتصاب الجماعي وتدمير البنى التحتية المدنية بوصفها أداة لكسر الروح المعنوية للأمم المهزومة وإخضاعها سياسياً ونفسياً للأيديولوجيا الشيوعية الجديدة. إن المشهد المقبض الذي يرسمه السرد هنا لا يقتصر على برلين، بل يمتد ليشمل المأساة التي عاشتها بودابست وفيينا ووارسو، حيث تحول الحلفاء السوفييت في نظر السكان المحليين من منقذين من الفاشية إلى غزاة يفرضون نمطاً جديداً من الشمولية العنيفة والمنظمة.

يذكر الكاتب بالأرقام الموثقة كيف قامت فرق سوفيتية متخصصة بنزع المصانع بأكملها، وخطوط السكك الحديدية، والمختبرات العلمية، ومحطات توليد الكهرباء، وحتى مخزونات المعادن الثمينة والمواشي من ألمانيا والنمسا وبولندا وفنلندا ورومانيا، وشحنها في آلاف القطارات المتجهة شرقاً لإعادة بناء الاقتصاد السوفيتي المدمر (McMeekin, 2021, p. 531). هذا النهب الاقتصادي المنظم، الذي تم بموافقة ضمنية أو عجز من القوى الغربية، لم يكن مجرد عقاب للمهزومين، بل كان عملية هندسة جيوسياسية تهدف إلى إبقاء دول أوروبا الشرقية في حالة تبعية اقتصادية وتنموية كاملة لموسكو، مما مهد الطريق لإخضاعها سياسياً عبر إقامة الأنظمة العميله التي قادها شيوعيون محليون تم تدريبهم لسنوات في الكرملين.

مبيناً كيف هبط “الستار الحديدي” الذي تحدث عنه ونستون تشرشل لاحقاً في خطابه الشهير بمدينة فولتون، ليقسم القارة الأوروبية إلى عالمين متناحرين. لكن مكميكين يجادل بأن هذا الستار لم يهبط فجأة في عام 1946 أو 1947، بل رُسمت خطوطه وثُبتت دعائمه تدريجياً طوال سنوات الحرب بفضل التنازلات السياسية واللوجستية التي قدمها الغرب لستالين. لقد وجد الساسة في واشنطن ولندن أنفسهم، مع نهاية صيف 1945، أمام واقع مرعب: لقد قضوا على الديكتاتورية النازية في برلين ليتفاجأوا بصعود إمبراطورية شمولية أشد فتكاً، وأكثر اتساعاً، وتمتلك جيشاً جراراً يقف على بعد مسافة قصيرة من شواطئ الأطلسي، ويتغذى على ما تبقى من شحنات الدعم الغربي.

ولا يغفل مكميكين الربط المحكم بين الجبهتين الأوروبية والآسيوية في الأسابيع الأخيرة للحرب، مستعرضاً كيف استغل ستالين الانهيار الياباني الوشيك بعد إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغاساكي ليعلن الحرب على طوكيو ويجتاح منشوريا وشمال كوريا في عملية خاطفة عُرفت باسم “عاصفة أغسطس”. هنا، تظهر الأطروحة مجدداً لتؤكد أن جشع الكرملين كان عابراً للقارات، حيث أتاح هذا الاجتياح السريع لستالين وضع يده على ترسانة الجيش الكوانتونغي الياباني وتسليمها لجيش التحرير الشعبي الصيني، واضعاً بذلك المسمار الأول في نعش نظام تشيانغ كاي شيك القومي، ومؤسساً للمسرح الجيوسياسي العنيف الذي فجر لاحقاً الحرب الكورية في مطلع الخمسينيات.

إن هذا الحصاد الجيوسياسي المرعب الذي يقدمه مكميكين في أواخر فصول كتابه يعيد صياغة مفهوم النصر في الحرب العالمية الثانية؛ فهو لم يكن انتصاراً للديمقراطيات الليبرالية التي خرجت من الحرب مثقلة بالديون والالتزامات ومواجهة التفكك الوشيك لإمبراطورياتها الاستعمارية القديمة، بل كان الانتصار الأكبر والأوحد لجوزيف ستالين الذي تربع على عرش أوراسيا من برلين إلى بيونغ يانغ. هذا التفوق الشمولي السوفيتي، الذي صُنع بأموال ودماء متبادلة، ترك الغرب في حالة ذهول استراتيجي وصدمة فكرية حقيقية، مجبراً إياهم على الدخول فوراً في مواجهة دائرية جديدة لحصار هذا المارد الذي ساهموا بأنفسهم في إطلاقه من عقاله.

المآلات الاستراتيجية والمحاكمة التاريخية لانتصار الشمولية

يصل البروفيسور شين مكميكين في الفصول الختامية من كتابه  إلى تقديم محاكمة فكرية وجيوسياسية صارمة لنتائج هذه الحرب الكونية، مستخلصاً الدروس المستفادة التي غيرت مسار العلاقات الدولية وصاغت معالم القرن العشرين ومابعده. يرى المؤلف أن التقييم النهائي للحرب العالمية الثانية لا يمكن أن يستقيم إذا ما استمرت النخب الفكرية والسياسية الغربية في النظر إليها عبر عدسة “الحرب العادلة” التي انتهت بانتصار الديمقراطية والتخلص من الفاشية، بل يجب مواجهة الحقيقة العارية المتمثلة في أن الحرب انتهت باستبدال شمولية نازية متهورة وقصيرة الأجل بشمولية شيوعية سوفيتية راسخة، أكثر تنظيماً، وأوسع جغرافياً، وأشد قدرة على المناورة الاستراتيجية طويلة الأمد. إن مكميكين يجادل بعمق بأن التكلفة الأخلاقية والسياسية لهذا الانتصار كانت باهظة للغاية، وأن الخرائط التي رُسمت في يالتا وبوتسدام لم تكن خريطة سلام، بل كانت وصفة طبية دقيقة لاندلاع صراع جيوسياسي ممتد ومتعدد الجبهات عُرف بالحرب الباردة.

حيث يرى مكميكين أن السذاجة المفرطة التي أبداها قادة مثل فرانكلين روزفلت، والرغبة المحمومة لدى ونستون تشرشل في سحق ألمانيا بأي ثمن ودون النظر إلى عواقب اليوم التالي، هما اللذان مكّنا ستالين من تحقيق أهدافه البعيدة. لقد قدم الغرب للكرملين كل أدوات القوة المادية والغطاء الأخلاقي والسياسي ليتمدد في أوراسيا، ولم يدرك الساسة الغربيون فداحة خطئهم إلا عندما وجدوا الدبابات السوفيتية تقف في قلب برلين، والشيوعية تبتلع الصين، والجيوش الحمراء تهدد حقول النفط في الشرق الأوسط ومضائق البحر الأسود. ويشير المؤلف إلى أن الحرب الباردة لم تكن صراعاً مفاجئاً برز بعد عام 1945 نتيجة لخلافات طارئة، بل كانت النتيجة الحتمية والمنطقية للطريقة التي أدار بها الغرب تحالفه مع ستالين، حيث منحوه شريان الحياة الاقتصادي والعسكري دون شروط مسبقة تضمن حرية وسيادة الأمم الصغيرة (McMeekin, 2021, p. 611).

ويعرج على قراءة لآثار بعيدة المدى لهذا النصر الشمولي في القارة الآسيوية، مبيناً أن التنازلات الجيوسياسية التي قُدمت لستالين في منشوريا وجزر الكوريل لم تكن مجرد أثمان عسكرية مؤقتة، بل كانت الزلزال الاستراتيجي الأكبر الذي غير توازن القوى الإقليمي في الشرق الأقصى. لقد أدى صعود الصين الشيوعية وتأسيس نظام كيم إيل سونغ في شمال كوريا بفضل الدعم اللوجستي والعسكري السوفيتي المباشر إلى تفجير حروب دموية لاحقة كلف دافع الضرائب الأمريكي والمجتمعات الآسيوية ملايين الأرواح والمليارات من الدولارات في الخمسينيات والستينيات، مما يثبت أن “حرب ستالين” لم تنتهِ حقيقة في آب 1945، بل امتدت نيرانها لتشمل جغرافيا واسعة في جبال كوريا وأحراش فيتنام ومضائق تايوان، كاشفة عن قصر نظر فادح في البنية التحتية لصناعة القرار الاستراتيجي في واشنطن.

ومن الناحية الفلسفية والتاريخية، يوجه مكميكين نقداً لاذعاً للأدبيات التاريخية التقليدية التي طالما بررت سلوك ستالين الاستعماري والتوسعي في فترات ما قبل وبعد عام 1941 بوصفه إجراءات “أمنية دفاعية” فرضتها ظروف مواجهة الخطر النازي. يرى الكاتب أن هذه القراءة التبريرية تنطوي على خلل أخلاقي كبير، لأنها تساوي بين الضحية والجلاد، وتتغافل عن حقيقة أن الاتحاد السوفيتي كان شريكاً أصيلاً وممولاً لآلة الحرب الهتلرية في أول عامين من الحرب، وأنه ارتكب مجازر وحشية لا تقل بشاعة عن جرائم النازية، مثل مجزرة غابات كاتين التي أُبيد فيها الآلاف من الضباط والنخبة الفكرية البولندية بدم بارد وبتوقيع مباشر من ستالين وأعضاء المكتب السياسي للكرملين. إن إعادة الاعتبار لهذه الحقائق الموثقة في أرشيفات الحرب يمثل، في نظر مكميكين، خطوة ضرورية لتطهير الذاكرة التاريخية العالمية من آثار البروباغندا السوفيتية والغربية المشتركة التي سادت خلال سنوات التحالف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى