دول بلا جيوش: كيف تنجو الأمم في عالم مدجج بالسلاح؟

مدخل: عندما تلوح العاصفة فوق القناة
في العشرين من يناير عام 2025، وأثناء مراسم تنصيبه لولاية رئاسية ثانية، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحاً أثار موجة من الذهول في الأوساط الدبلوماسية الدولية؛ إذ أعلن بوضوح أن الولايات المتحدة بصدد “استعادة” قناة باناما، محذراً من أن إدارة الحكومة البانامية لهذا الشريان المائي الحيوي تشوبها سوء الإدارة والارتهان للنفوذ الصيني المتزايد، ولم يستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف. بالنسبة للمراقب العابر، قد يبدو التصريح مجرد شطحة جديدة من شطحات السياسة الداخلية الأمريكية، لكن بالنسبة لعلماء العلوم السياسية والعلاقات الدولية، كانت هذه اللحظة تكثيفاً دراماتيكياً لأزمة عميقة تمس جوهر مفهوم السيادة في العالم المعاصر.
إن باناما، تلك الدولة الواقعة في برزخ استراتيجي يصل بين قارتين ويصل بين محيطين، لا تملك جيشاً نظامياً لحماية نفسها. لقد ألغت قواتها المسلحة رسمياً عقوداً قبل ذلك، واعتمدت على جهاز شرطي محلي لحفظ الأمن الداخلي. في مواجهة قوة عظمى تلوح بالخيار العسكري، تجد باناما نفسها عارية كلياً من وسائل الدفاع التقليدية. إن هذه الحادثة لا تسلط الضوء فحسب على هشاشة الدولة المجردة من السلاح، بل تضع خطوطاً حمراء تحت النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي سمح أصلاً بنشوء وازدهار دول لا تملك جيوشاً. لقد اعتمدت هذه الدول على شبكة المعاهدات، والمؤسسات الدولية، والقواعد الآمرة للقانون الدولي، وضمانات القوى الإقليمية لضمان بقائها. ولكن عندما تبدأ القوى الكبرى نفسها في تفكيك هذه قواعد لعبة البقاء، يطرح السؤال الصارم نفسه: كيف يمكن للدول أن توجد وتستمر وتزدهر بدون جيوش في عالم يتسم بالاستقطاب وزيادة التسليح؟
هذا السؤال الجوهري هو النواة الصلبة التي يدور حولها أحدث كتاب للمؤرخ وعالم العلوم السياسية زولتان باراني (Zoltan Barany)، الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد تحت عنوان: “دول بلا جيوش: لماذا توجد وكيف تبقى” (States without Armies: Why They Exist and How They Survive). يأتي هذا العمل الأكاديمي الموسوعي ليملأ فراغاً مكتبياً هائلاً؛ فبينما تزخر أدبيات دراسات السلام والاستراتيجية بمئات المجلدات حول سباق التسليح، والحروب، والتحالفات العسكرية، وتفكيك القطاع الأمني، يندر أن نجد كتاباً واحداً يدرس الظاهرة المعاكسة بالعمق والتفصيل الكافيين: ظاهرة الدولة التي قررت، اختياراً أو اضطراراً، أن تخوض تجربة الحداثة السياسية دون أن تدفع ضريبة الإبقاء على مؤسسة عسكرية ضخمة.
المفهوم الفيبيري للدولة
تبدأ الأهمية النظرية لكتاب باراني من مواجهته الجريئة للبديهية المستقرة في الفكر السياسي الحديث منذ ماكس فيبر. يتلخص التعريف الفيبري الكلاسيكي للدولة في كونها “التنظيم الاجتماعي الذي يحتكر حق الاستخدام المشروع للقوة الفيزيائية داخل أراضيها”. وفي الممارسة العملية للحداثة السياسية، تحول هذا المحتكر إلى المؤسسة العسكرية: الجيش النظامي. إن البديهية السائدة تفترض أن الدولة كي تحمي سيادتها، وتصون حدودها، وتفرض إرادتها في الداخل، وتمنع الطامعين من الخارج، لا بد لها من قوة مسلحة دائمة.
لكن باراني يأخذنا في رحلة استكشافية عبر جغرافيا العالم السياسي ليكشف لنا أن هذه البديهية ليست قدرية ولا معتمدة على نطاق شامل. هناك حالياً 21 دولة عضو في الأمم المتحدة (من أصل 193 دولة) لا تملك قوات مسلحة نظامية؛ أي ما يعادل نحو تسع الجمعية العامة للأمم المتحدة. تتوزع هذه الدول في مختلف قارات العالم، وإن كانت هناك كثافة جغرافية ملحوظة في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ (أوقيانوسيا)، إلى جانب أربع دول صغيرة في أوروبا، ودولة أفريقية واحدة هي موريشيوس، ودولتين في أمريكا الوسطى هما كوستاريكا وباناما.
يقوم المؤلف بفرز هذه الدول بدقة منهجية، مبتعداً عن تعريفات “كتاب حقائق العالم” الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، والذي يضم كيانات غير مستقلة ذاتياً مثل جزيرة سفالبارد أو جزر جزر فلكلاند. يركز باراني حكراً على الدول ذات السيادة الكاملة والمعترف بها دولياً. ويصنف تاريخ هذه الدول مع القوات المسلحة إلى أربع فئات رئيسية:
-
دول لم تؤسس جيشاً قط منذ استقلالها: مثل آيسلندا، موريشيوس، وجزر سليمون.
-
دول كانت تملك جيوشاً نظامية ثم اتخذت قراراً تاريخياً بإلغائها: مثل كوستاريكا وباناما.
-
دول لم تكن تملك جيوشاً، لكنها قررت في مرحلة ما تأسيسها: مثل بوتسوانا، غامبيا، والسيشل.
-
دول ألغت جيوشها ثم أعادت تأسيسها لاحقاً: وتتمثل في حالة فريدة ومأساوية هي جمهورية هايتي.
ينصب تركيز الكتاب الأساسي على الفئتين الأولى والثانية، متسائلاً عن الشروط التاريخية والجغرافية والاقتصادية التي جعلت خيار “التجريد من السلاح” خياراً ممكناً، ومستداماً، ومربحاً على الصعيدين السياسي والاجتماعي.
الجغرافيا كقدر: أسطورة الجزر وصغر الحجم
عند فحص اللائحة التي يقدمها باراني للدول غير المدججة بالسلاح، يستوقف الملاحظَ عاملان جغرافيان بارزان: “الجزرية” (Islandness) و”صغر الحجم”. من بين الدول الواحدة والعشرين، هناك 15 دولة عبارة عن جزر أرخبيلية في المحيطات. ويرى المؤلف أن الجغرافيا تلعب دوراً حمائياً حاسماً؛ فالبحر يشكل عائقاً طبيعياً ضخماً أمام الإنزال العسكري والاجتياح المباشر مقارنة بالحدود البرية المفتوحة. علاوة على ذلك، فإن معظم هذه الدول تتمتع بموارد طبيعية محدودة وسكان لا يتجاوزون بضعة آلاف أو مئات الآلاف (باستثناء كوستاريكا وباناما اللتين يتجاوز سكانهما أربعة وثمانية ملايين نسمة على التوالي)، مما يقلل من جاذبيتها الاستراتيجية للغزاة الطامعين في الموارد.
ولكن، وعلى العكس من المساحة البرية الضئيلة، تمنح الجغرافيا هذه الدول مكسباً هائلاً آخر: المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ). بموجب قانون البحار الدولي، تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل دولة ساحلية إلى 200 ميل بحري في المحيط. وتملك الدول الخمس والعشرون غير المسلحة مجتمعة منطقة اقتصادية خالصة تزيد مساحتها عن 6 ملايين ميل مربع، وهو ما يتجاوز المساحة البحرية للمكسيك والبرازيل وكندا مجتمعة! على سبيل المثال، تبلغ مساحة اليابسة لدولة بالاو 177 ميلاً مربعاً فقط، لكن منطقتها البحرية الممتدة تتجاوز 230 ألف ميل مربع.
هنا تبرز مفارقة انعدام السلاح: كيف لدولة لا تملك سوى سفينة دورية واحدة وطاقم بشركة بحرية لا يتجاوز 18 شخصاً أن تحمي 230 ألف ميل مربع من Ocean السيطرة عليه من قبل مهربي المخدرات، والصيد غير القانوني، والقرصنة؟ يقودنا هذا السؤال مباشرة إلى الفرضية الأساسية الثانية للكتاب: أطروحة “الملاذ الآمن” أو “نظرية الحماية” (Shelter Theory).
النظرية المؤسسية واللحظات الفاصلة
كيف تتخذ دولة ما قراراً خطيراً بقطع شريان مؤسستها العسكرية أو الامتناع عن بنائها منذ اللحظة الأولى؟ للاجابة عن هذا السؤال، يستعين زولتان باراني بالنهج المؤسسي التاريخي (Historical Institutionalism)، وتحديداً مفهومي “المسار المعتمد” (Path Dependence) و”اللحظات الحاسم” (Critical Junctures).
تذهب المدرسية المؤسسية التاريخية إلى أن المؤسسات السياسية والعسكرية، بمجرد إنشائها وترسيخها، تكتسب قوة استمرار ذاتية تجعل من الصعب جداً تفكيكها في الظروف العادية. فالجيوش تخلق شبكات مصالح معقدة، وتصيغ هوية وطنية، وتستحوذ على حصص ضخمة من الموازنة العامة، وتملك السلاح اللازم للدفاع عن وجودها ضد أي قرار سياسي يهدف إلى حلها. لذلك، فإن إلغاء الجيش لا يمكن أن يحدث عبر عملية إدارية روتينية، بل يتطلب نقطة تحول تاريخية استثنائية—”لحظة حاسمة”—تتخللها أزمة سياسية عميقة مثل: نيل الاستقلال حديثاً، أو التعرض لغزو خارجي، أو الفشل العسكري الذريع، أو التخلص من انقلاب عسكري دموية.
في هذه اللحظات الحاسمة، يملك الفاعلون السياسيون فرصة نادرة لإعادة تشكيل المجرى المؤسسي للدولة. إذا نجحت القوى المدنية في استغلال هذه النافذة الزمنية القصيرة، فإنها تستطيع إلغاء الجيش وفرض مسار تاريخي جديد يصعب الرجوع عنه؛ لأن كلفة إعادة بناء الجيش لاحقاً تكون أعلى بكثير من فوائد الإبقائه منعدماً.
يقدم الكتاب دراستين تفصيليتين لهاتين اللحظتين الحاسمتين في أمريكا اللاتينية: حالة كوستاريكا وحالة باناما.
كوستاريكا: النموذج المبتكر لإلغاء القوات المسلحة
تعد كوستاريكا الحصن التاريخي والأيقونة الأشهر للدول الخالية من الجيوش. يعود تاريخ هذه اللحظة الحاسمة إلى عام 1948. بعد انتخابات رئاسية متنازع عليها أدت إلى اندلاع حرب أهلية قصيرة لكنها كانت دموية وأسفرت عن مقتل نحو ألفي شخص، قاد خوسيه فيغيريس فيرير (José Figueres Ferrer) -المعروف بـ “دون بيبي”- خلية ثورية أطاحت بالحكومة الفاسدة.
كانت كوستاريكا في ذلك الوقت تعاني من جيش ضعيف، مسيس، ومعروف بتدخلاته المربكة في العملية الانتخابية لصالح أصحاب النفوذ. بدلاً من أن يتولى فيغيريس السلطة ويقوم بتقوية الجيش لترسيخ حكمه -كما يفعل معظم القادة العسكريين في أمريكا اللاتينية- اتخذ قراراً عبقرياً شجاعاً: أعلن حل الجيش الكوستاريكي نهائياً.
في الأول من ديسمبر 1948، وفي مشهد رمزي خالد، أخذ فيغيريس مطرقة ثقيلة وضرب بها أحد جدران ثكنة “بيلافيستا” العسكرية (Cuartel Bellavista) في العاصمة سان خوسيه، معلناً تحويل تلك الثكنة العسكرية إلى المعهد الوطني للمتحف والفنون. وفي عام 1949، تم تضمين قرار إلغاء الجيش في المادة 12 من الدستور الجديد، التي حظرت القوات المسلحة كأداة دائمة، واستبدلت بها قوات شرطة مدنية لحفظ النظام الداخلي، مع الإبقاء على إمكانية إقامة جيش مؤقت فقط في حالة العدوان الخارجي بقرار برلماني.
لم يكن قرار فيغيريس مجرد نبل أخلاقي أو نزعة سلامية مجردة، بل كان حساباً سياسياً واستراتيجياً بارعاً. كان فيغيريس يعلم أن أكبر تهديد لاستقرار حكومته المدنية الوليدة لا يأتي من الجيران، بل من الضباط والجيش الداخلي الذي قد ينقلب عليه في أي لحظة. عبر حل الجيش، أزال فيغيريس السلاح من أيدي منافسيه السياسيين المحتملين، وقام بتحويل الموارد المالية الهائلة التي كانت تلتهمها الميزانية العسكرية نحو قطاعي التعليم والصحة. والنتيجة؟ تحولت كوستاريكا من جمهورية موز غير مستقرة إلى أكثر دول أمريكا اللاتينية ديمقراطية وازدهاراً واستقراراً، حيث ارتفعت معدلات التعليم والصحة لتضاهي الدول الأوروبية.
باناما: الخروج من عباءة “نورييغا”
على الجانب الآخر من البرزخ، توفر باناما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى النتيجة ذاتها عبر لحظة حاسمة أكثر ترويعاً. طوال العقود الوسطى من القرن العشرين، كانت باناما تحت سيطرة “القوات الناشئة” (Guardia Nacional) التي تحولت لاحقاً إلى “قوات الدفاع البانامية” (PDF) تحت قيادة العسكري المستبد مانويل نورييغا. حول نورييغا الدولة إلى مشتل للفساد وتجارة المخدرات والديكتاتورية العسكرية، مما أدى إلى الأزمة الكبرى عام 1989 عندما قامت الولايات المتحدة بغزو باناما عسكرياً للإطاحة بنورييغا وإعادة الشرعية.
بعد الدمار العسكري لباناما إثر الغزو، وجدت الحكومة المدنية الجديدة برئاسة جييرمو إندارا نفسها أمام لحظة حاسمة. كانت القواعد الشعبية والسياسية تشعر بالقرف والإنهاك من مؤسسة عسكرية جلبت للبلاد الديكتاتورية والاستبداد والتدخل الأجنبي. في عام 1990، تم حل قوات الدفاع البانامية، وفي عام 1994، أقر البرلمان تعديلاً دستورياً حظر بموجبه إنشاء قوات مسلحة دائمة.
استبدلت باناما بالجيش جهازا شرطياً مدنياً يتكون من الشرطة الوطنية، وجهاز الحدود الوطني (Senafront)، وجهاز الجو والبحر الوطني (Senan). ورغم أن هذه الأجهزة الأمنية البانامية تتلقى تدريبات شبيهه بالتدريبات العسكرية لمواجهة عصابات المخدرات على الحدود مع كولومبيا -مما جعل بعض المراقبين يحذرون من “عسكرة خفية” (creeping militarization)- إلا أنها تظل دستورياً وقانونياً خاضعة بالكامل للقيادة المدنية ولوزارة الأمن العام.
حالات الامتناع عن التأسيس: آيسلندا، موريشيوس، وجزر سليمون
إذا كانت كوستاريكا وباناما قد مرتا بوعثاء تفكيك الجيش، فإن آيسلندا وموريشيوس وجزر سليمون يمثلون النمط الآخر: الدول التي لم تؤسس جيشاً من الأساس عند نيل استقلالها.
-
آيسلندا: حصلت على استقلالها الكامل عن الدنمارك عام 1944. نظراً لقلة عدد سكانها وموقعها المترامي في شمال الأطلسي، لم يفكر القادة الآيسلنديون في بناء جيش نظامي. بدلاً من ذلك، اعتمدوا على موقعهم الاستراتيجي خلال الحرب الباردة، وأصبحوا عضواً مؤسساً في حلف شمال الأطلسي (NATO) عام 1949 رغم عدم امتلاكهم لجيش! وعقدت آيسلندا معاهدة دفاع ثنائية مع الولايات المتحدة عام 1951 أدارت بموجبها واشنطن قاعدة “كيفلافيك” العسكرية حتى إغلاقها عام 2006.
-
موريشيوس: عند استقلالها عن بريطانيا عام 1968، قرر رئيس الوزراء التأسيسي سيووساغور رامغولام عدم إنشاء جيش. كان المجتمع الموريشيوس متعدداً عرقياً ودينياً (هندوس، مسلمون، كريول، فرنسيون)، وكان رامغولام يدرك أن إنشاء جيش في مجتمع منقسم قد يحوله إلى أداة للانقلابات أو القمع العرقية. استعاضت موريشيوس عن ذلك بإنشاء قوة شرطة مدنية تضم فرقا خاصة (Special Mobile Force) مدربة تدريباً عالياً.
-
جزر سليمون: نالت استقلالها عن بريطانيا عام 1978 دون جيش. واعتمدت على قوات الشرطة الملكية لحفظ الأمن. ورغم الدماء والأزمات الإثنية التي شهدتها الجزر بين عامي 1998 و2003، إلا أن الاستجابة لم تكن عبر تأسيس جيش، بل عبر استدعاء بعثة إقليمية بقيادة أستراليا (RAMSI) لإعادة إحلال السلام.
كيف تنجو الدولة التجريدة من السلاح؟
طرح زولتان باراني في الفصل الثالث من كتابه السؤال الأكثر الحاحاً ومصيرية: كيف يمكن لدولة بلا جيش أن تحافظ على سيادتها واستقلالها في عالم لا يرحم الضعفاء؟ إذا كانت القوة العسكرية هي العملة الأساسية في العلاقات الدولية كما يرى كتاب المدرسة الواقعية (Neorealism)، ألا يُفترض أن تكون هذه الدول صيداً سهلاً للجيران المتنمرين أو القوى العظمى؟
للإجابة عن هذا الإشكال، يطور باراني “نظرية الملاذ” (Shelter Theory)، وهي إطار نظري صاغه في الأصل الباحث الآيسلندي بالدور ثورهالسون (Baldur Thorhallsson)، وتولى باراني توسيعه وتطبيقه على كافة الدول الخالية من الجيوش. تتلخص نظرية الملاذ في أن الدول الصغيرة والمجردة من السلاح تتغلب على ضعفها العسكري البنيوي عبر البحث عن “ملاذات” خارجية توفر لها الحماية في ثلاثة مجالات رئيسية:
-
الملاذ السياسي والعسكري: التفيؤ بظلال معاهدات الدفاع الثنائية مع راعٍ إقليمي كبير، أو الانضمام إلى تحالفات دولية.
-
الملاذ الاقتصادي: الحصول على وصول تفضيلي لأسواق القوى الكبرى، والدعم المالي، والقروض، والمساعدات عند الأزمات.
-
الملاذ المجتمعي والمعرفي: المساعدة الفنية، وتدريب الموظفين، واستيراد النماذج المؤسسية المتقدمة لتعويض نقص الكفاءات المحلية.
مظلات الحماية: الراعون الإقليميون والمعاهدات
تكشف الدراسة التفصيلية لباراني أن كل دولة من الدول الخمس والعشرين غير المسلحة ترتبط بشرط حماية غير رسمي أو رسمي مع قوة عظمى أو تنظيم إقليمي.
-
الأمريكتان والولايات المتحدة: تتمتع كوستاريكا وباناما بحماية معاهدة أوراغواي (TIAR) لعام 1947، وهي معاهدة الدفاع المتبادل بين دول القارة الأمريكية. إضافة إلى ذلك، تشكل باناما حالة خاصة؛ نظراً للأهمية الاستراتيجية لقناة باناما، فإن الولايات المتحدة ملتزمة بموجب معاهدة نيوتورريس-توريخوس بضمان حيد والأمن المستمر للقناة، مما يعني ضمناً تدخل واشنطن العسكري لحماية باناما من أي عدوان خارجي. أما الدول الصغيرة في ميكرونيزيا (بالاو، جزر المارشال، ولايات ميكرونيزيا الموحدة)، فإنها ترتبط مع الولايات المتحدة بـ “اتفاقيات الارتباط الحر” (Compact of Free Association). بموجب هذه الاتفاقيات، تتولى واشنطن المسؤولية الكاملة عن دفاع هذه الدول، مقابل استخدام الأراضي والمياه لأغراض عسكرية.
-
أوروبا وفرنسا/إسبانيا/إيطاليا/سويسرا: الدويلات الأوروبية الصغيرة تملك ترتيبات تاريخية متينة. إمارة موناكو ترتبط بمعاهدة حماية صريحة مع فرنسا توفر بموجبها باريس الدفاع عن سيادة الموناكيين. إمارة أندورا محمية بموجب معاهدة ثلاثية موقعة عام 1994 مع فرنسا وإسبانيا. إمارة ليختنشتاين تعتمد على علاقاتها الاقتصادية والأمنية الضمنية مع سويسرا و النمسا. أما سان مارينو، فإن إيطاليا هي الضامن الفعلي لأمنها الإقليمي.
-
المحيط الهندي وأوقيانوسيا: موريشيوس تعتمد على الهند كراعٍ أمني أول. تمد الهند موريشيوس بمعدات السواحل، وضباط رفيعي المستوى لقيادة جهاز الحرس البحري وجهاز الطيران الشرطي. أما جزر سليمون وبقية جزر الهادئ، فقد ظلت لعقود تعتمد على المظلة الأسترالية والنيوزيلندية.
التحدي الصيني واهتزاز المظلات التقليدية
لكن هذا الاستقرار القائم على نظرية الملاذ بدأ يشهد زلازل جيو-سياسية عنيفة في السنوات الأخيرة، وهو ما يفرده باراني بتحليل . إن دخول جمهورية الصين الشعبية كلاعب استراتيجي عالمي أربك التوازنات التقليدية التي اعتمدت عليها الدول الخالية من الجيوش.
تحاول الصين استخدام استراتيجية “دبلوماسية دفتر الشكوك” والضغوط الاقتصادية لجذب هذه الدول الصغيرة إلى مدارها الاستراتيجي، مستغلة عدم حاجتها للمساعدات العسكرية التقليدية لتقديم مشروعات بنية تحتية هائلة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
تظهر هذه الديناميكية بأوضح صورها في حالة جزر سليمون. في عام 2019، اتخذ رئيس الوزراء ماناسي سوغافاري قراراً دراماتيكياً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع تايبيه (تايوان) والاعتراف بجمهورية الصين الشعبية. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وقعت جزر سليمون في عام 2022 معاهدة أمنية سرية مع بيكين، تسمح للسفن الحربية الصينية بالرسو في أراضيها وتسمح بانتشار الشرطة الصينية لحفظ النظام الداخلي. أرسل هذا الاتفاق موجات صدمة إلى كانبيرا وواشنطن؛ إذ اعتبرتا ذلك تهديداً مباشراً للتوازن الاستراتيجي في المحيط الهادئ، واختراقاً للمظلة الأمنية التلقائية التي فرضتها أستراليا لعقود.
على صعيد متصل، تبرز خطورة التغيرات السياسية داخل الدول الراعية نفسها. إن تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب بشأن قناة باناما، واستخفافه بدول حلف الناتو، تضع الدول المجردة من السلاح أمام كابوس جديد: ماذا تفعل دولة ألغت جيشها واعتمدت على معاهدة مع قوة عظمى، عندما تقرر هذه القوة العظمى فجأة التخلي عن التزاماتها أو التهديد باجتياح الدولة المحمية نفسها؟
يتنقل باراني من هذا السؤال الجيو-سياسي ليؤكد أن التجرد من السلاح يمنح الدولة رفاهية اقتصادية وسياسية هائلة، لكنه في الوقت ذاته ينزع منها “درع السيادة الأخير”، ويجعل أمنها القومي رهينة للتقلبات المزاجية والانتخابية في عواصم القوى الكبرى.
إدارة الأمن بدون جنود: الشرطة كبديل
توضيح مهم يصر عليه زولتان باراني لتفادي أي فهم خاطئ: إن “الدولة الخالية من الجيش” لا تعني إطلاقاً “الدولة الخالية من الشرطة” أو “الدولة السلامية المطلقة” (Pacifist Utopia). باستثناء دولة الفاتيكان أو الكيانات الميكروبية الصغيرة جداً، فإن جميع الدول الـ 21 تحافظ على أجهزة أمن مدنية، وقوات شرطة، وحرس حدود، وجمرك، وحرس سواحل.
إن التحدي الذي تواجهه الدولة المجردة من السلاح لا يأتي غالباً من الجيوش الأجنبية، بل من الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، والقرصنة البحرية، والاضطرابات الإثنية الداخلية. في الدول المجهزة بجيوش، يتم استدعاء القوات المسلحة أو فرض حالة الطوارئ عند فشل الشرطة في السيطرة على الأحداث. أما في الدول غير المسلحة، فإن الشرطة المدنية هي خط الدفاع الأول والأخير.
هذا الوضع يضع أجهزة الشرطة في الدول غير المسلحة تحت ضغوط استثنائية، ويتطلب تدريباً وهيكلة نوعية. يقدم الكتاب مقارنة بين الأجهزة الأمنية في الدول الخمس المحورية:
-
آيسلندا: تملك جهاز شرطة مدنياً صغيراً شديد الاحترافية، ولا يحمل أفراده السلاح الفردي في الدوريات الروتينية، بل يحتفظون به في صناديق مغلقة داخل سيارات الشرطة. وتملك آيسلندا وحدة شرطية خاصة تدعى “فرقة الفايكينغ” (Viking Squard) للتعامل مع التهديدات الإرهابية أو المسلحة، إضافة إلى جهاز حرس السواحل الإيسلندي الخالي من الطابع العسكري ولكنه يملك سفن دورية حديثة وطائرات إنقاذ.
-
موريشيوس: تفتقر موريشيوس للجيش، لكنها تدير قوة شرطة قوامها أكثر من 12 ألف عنصر. وتضم الشرطة تشكيلاً خاصاً يدعى “القوة المتحركة الخاصة” (Special Mobile Force – SMF)، وهي فرقة عالية التدريب تتلقى تدريبات شبيهة بالمشاة للتدخل في حالات الكوارث الطبيعية أو الاضطرابات الاجتماعية الكبرى.
-
كوستاريكا: تنقسم المنظومة الأمنية إلى “Fuerza Pública” (القوة العامة) وتضم الشرطة الوطنية، وحرس السواحل، والشرطة الحدودية. ويتمتع عناصرها بتدريب جيد بدعم من الولايات المتحدة وكولومبيا للتعامل مع عصابات تهريب المخدرات القادمة من أمريكا الجنوبية.
ظاهرة “العسكرة الخفية”: هل تسلل الجيش من الباب الخلفي؟
يقدم باراني تحليلاً نقديًا لظاهرة تشغل بال خبراء العلاقات العسكرية-المدنية، وهي ما يطلق عليه “العسكرة الخفية” (Creeping Militarization). وتحدث هذه الظاهرة عندما تبدأ أجهزة الشرطة مدنية في الاقتداء بالمؤسسات العسكرية عبر:
-
التسلح بأسلحة ثقيلة وتكتيكية (رشاشات آلية، مدرعات، طائرات بدون طيار).
-
اعتماد هيكلية رتب عسكرية واستخدام أساليب تدريب قتالية.
-
ارتداء زي قتالي (Camouflage) بدلاً من الزي الشرطي المدني التقليدي.
تعد باناما المثال الأبرز على هذا الخطر. للتعامل مع التهديدات المباشرة التي تشكلها عصابات المخدرات الكولومبية والجماعات المسلحة المنفلتة عبر غابات “داريان” (Darién Gap) الحدودية، قامت باناما بتأسيس “الجهاز الوطني للحدود” (Senafront). يتميز هذا الجهاز بتدريب قتالي قوي، وارتداء أزياء مموهة، واستخدام أسلحة قتالية ثقيلة.
يطرح الخبراء والمراقبون السياسيون في باناما أسئلة مقلقة: هل Senafront مجرد جهاز شرطة حدود، أم أنه عملياً “جيش نظامي تم إلباسه قناع الشرطة” للالتفاف على المادة الدستورية التي تحظر القوات المسلحة؟
يرد زولتان باراني على هذه الهواجس بالتمييز النظري والتنفيذي الحاسم بين الجهاز الشرطي المميكن والجيش النظامي. يرى المؤلف أن العبرة ليست في نوع السلاح أو الزي، بل في “الثقافة المؤسسية” (Institutional Culture) و”العقيدة التشغيلية” (Operational Doctrine) و”التبعية القانونية”.
فالجيش بجهوزيته المعتادة مدرب على “تدمير العدو الخارجي” باستخدام القوة المفرطة. أما الشرطة -حتى أكثرها تسليحاً وتدريباً- فإن عقيدتها قائمة على “إنفاذ القانون”، و”احترام الحقوق الدستورية للمواطنين”، و”استخدام الحد الأدنى الممكن من القوة”، والخضوع الكامل لرقابة القضاء المدني والوزارات المدنية. وطالما بقيت هذه المبادئ هي الموجهة لعمل Senafront أو SMF، فإنها تظل أجهزة شرطية مدنية وليست جيوشاً.
مكافحة الفساد والتحديات الداخلية
لا يعني غياب الجيش أن هذه الدول تعيش في جنة خالية من المشاكل الأمنية. على العكس من ذلك، تظهر الدراسات الميدانية التي أجرها باراني أن الدول غير المسلحة تعاني من تحديات أمنية داخلية خطيرة:
-
الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات: تعتبر باناما وكوستاريكا نقطتي ترانزيت رئيسيتين لتهريب الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى الشمال. وغالباً ما تتفوق الإمكانيات المالية والعسكرية لعصابات المخدرات الدولية على موازنات وقدرات قوات الشرطة المحلية.
-
الفساد السياسي والشرطي: إن غياب الرقابة العسكرية لا يمنع استشراء الفساد في أجهزة الشرطة المدنية. في جزر سليمون وموريشيوس وباناما، تشكل رشاوى تجار المخدرات والسياسيين حجر عثرة أمام كفاءة الأجهزة الأمنية.
-
العجز عن التعامل مع الكوارث الطبيعية: في الدول التي تملك جيوشاً، تكون المؤسسة العسكرية هي المستجيب الأول والأكثر كفاءة لمواجهة الأعاصير، الزلازل، والفيضانات؛ لما تملكه من طائرات نقل، وسلاح مهندسين، ومستشفيات ميدانية. تفقد الدول غير المسلحة هذه القدرة الذاتية، وتجد نفسها مجبرة على الاعتماد الكلي على المساعدات الدولية والإقليمية للتعامل مع أي كارثة طبيعية تصيب أراضيها.
عوائد التجريد من السلاح: الصحة، التعليم، والازدهار
يقدم الفصل الأخير من كتاب زولتان باراني الحجة الأكثر إقناعاً لدعم خيار التجريد من السلاح، عبر إجراء مقارنات إحصائية وتنموية شاملة بين الدول الـ 21 الخالية من الجيوش وجيرانها الإقليميين الذين يصرون على اقتطاع مبالغ ضخمة من ميزانياتهم لصالح المؤسسات العسكرية.
تثبت البيانات التي جمعها المؤلف وجود علاقة ارتباطية وثيقة ومباشرة بين إلغاء الجيش وتحسين مؤشرات التنمية البشرية والديمقراطية. إن الميزانية العسكرية في أية دولة هي “تضحية بفرص تنموية بديلة” (Opportunity Cost). كل دولار ينفق على شراء دبابات، أو صيانة طائرات مقاتلة، أو دفع رواتب ضباط الجيش، هو دولار يتم اقتطاعه مباشرة من ميزانيات بناء المستشفيات، وتطوير المدارس، وتحسين البنية التحتية، وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي.
تظهر هذه المقارنة بأوضح صورها في أمريكا الوسطى عند مقارنة كوستاريكا بدول مثل غواتيمالا، وهوندوراس، وإل سلفادور:
-
التعليم والصحة: تحظى كوستاريكا بأعلى نسبة تعليم في أمريكا اللاتينية (أكثر من 98%)، ونظام صحي رائد يوفر التغطية الشاملة لجميع المواطنين، بينما تعاني الدول الثلاث المجاورة من نسب أمية مرتفعة، وتدهور في قطاع الرعاية الصحية.
-
الاستقرار السياسي والإنقلابات: شهدت غواتيمالا وهوندوراس وإل سلفادور عقوداً من الحروب الأهلية الدموية، والانقلابات العسكرية المتكررة، وحكم المجالس العسكرية (Juntas)، التي أهلكت النسل والحرث. في المقابل، تمتعت كوستاريكا بسبعة عقود متواصلة من الاستقرار الديمقراطي التام والانتخابات السلمية الشفافة.
الحالة نفسها تنطبق على موريشيوس في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. تعتبر موريشيوس اليوم واحدة من أكثر دول القارة الأفريقية ديمقراطية وازدهاراً، وتتصدر القارة في “مؤشر إبراهيم للحوكمة الأفريقية”، ويزيد دخل فردها السنوي بمراحل عن جاراتها المدججة بالسلاح. إن تخصيص الموارد لبناء الاقتصاد والتعليم والتنمية البشرية بدلاً من إنفاقها على السلاح كان هو المكون السري للطفزة التنموية الموريشية.
الدروس المتروكة: تجارب الاستثناء والتراجع
يفرد باراني في كتابه جزءاً تحليلياً نقديًا للحالات التي حاولت اتخاذ مسار التجريد من السلاح لكنها فشلت أو تراجعت عنه (الفئتان الثالثة والرابعة في تصنيفه):
-
بوتسوانا، غامبيا، والسيشل: هذه الدول نالت استقلالها عن بريطانيا دون أن تؤسس جيوشاً. ولكن في مرحلة لاحقة، أدى اندلاع التهديدات الإقليمية أو الخوف من الانقلابات إلى تغيير المسار. بوتسوانا أنشأت جيشاً عام 1977 (قوات دفاع بوتسوانا) لمواجهة التهديدات القادمة من نظام الفصل العنصري في روديسيا وجنوب أفريقيا. السيشل أسست جيشاً بعد انقلاب عام 1977. وغامبيا أسست جيشاً عام 1985 إثر محاولة انقلابية فاشلة. النتيجة؟ في الحالات الثلاث، أدى إنشاء الجيش إلى تراجع مستويات الديمقراطية، وزيادة نفوذ الضباط في السياسة الداخلية، واستهلاك حصص متزايدة من الميزانية العامة للدولة على حساب التنمية الاقتصادية.
-
تجرية هايتي المأساوية: تمثل هايتي الحالة الوحيدة للدولة التي ألغت جيشها ثم أعادت تأسيسه. في عام 1995، قام الرئيس جان برتراند أريستيد بحل الجيش الهايتي الفاسد الذي قاد عشرات الانقلابات الدموية. ولكن في عام 2017، وأثناء حكم الرئيس جوفينيل مويس، تقرر إعادة تأسيس القوات المسلحة. لم تؤد إعادة بناء الجيش إلى إنقاذ هايتي من الفوضى، بل زادت من تشرذم الدولة، وانتهى الأمر باغتيل الرئيس مويس نفسه عام 2021 وسقوط العاصمة بورت أو برنس في أيدي العصابات المسلحة.
المستقبل والمآلات
يقدم كتاب زولتان باراني (States without Armies) مساهمة فكرية وفلسفية بالغة الأهمية لفهم الحداثة السياسية والخيارات المتاحة أمام الدول في القرن الحادي والعشرين. إنه يثبت بالأدلة التاريخية والإحصائية القاطعة أن الجيش ليس عنصراً تكوينياً لازماً لوجود الدولة واستمرارها؛ وأن بإمكان الدول التي تملك شجاعة التخلي عن المؤسسة العسكرية أن تجني عوائد تنموية وديمقراطية وهياكل أمن مجتمعي تتفوق بمراحل على ما تقدمه القوة العسكرية التقليدية.
ومع ذلك، يبتعد باراني عن رومانسية السلامية المفرطة؛ فهو يوضح أن نجاح تجربة الدولة الخالية من الجيش يعتمد على شبكة ظروف معقدة: موقع جغرافي مساعد، بيئة إقليمية مواتية، ونظام دولي ملتزم بالسيادة والقانون الدولي، ومظلة حماية أمنية توفرها قوة عظمى أو تنظيم إقليمي.
في ظل العالم الجديد الذي يتشكل اليوم -عالم يتسم بتراجع أوزان المنظمات الدولية، وعودة الحروب الامبراطورية، وصعود التهديدات الترامبية في واشنطن والنزعات التوسعية في بيجين وموسكو- تبدو الدول المجردة من السلاح وكأنها تقف على أرض يهتز بنيانها. إن الحفاظ على تجربة هذه الدول لا يمثل مجرد مصلحة لشعوبها الصغيرة فحسب، بل هو اختبار أخلاقي وسياسي حاسم لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية نموذج حضاري إنساني أثبت أن الرفاه والتعليم والحرية يمكن أن تكون بدائل حقيقية وممكنة للسلاح والدبابات والبارود.




