أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

هل مات العبقري غوته على الفطرة والإسلام؟

قراءة في كتاب “تحت خطوه تتفتح الزهور: غوته والإسلام” 

في تاريخ الأدب العالمي، تقف لحظات النهاية لكبار المفكرين والأدباء كمنارات تضيء ما خفي من حياتهم، وكألغاز تتحدى فهم الأجيال اللاحقة. إن اللحظة التي يفارق فيها العبقري الحياة ليست مجرد نقطة توقف بيولوجية، بل هي في كثير من الأحيان تكثيف مهيب لكل ما آمن به وعاش من أجله في مسيرته. وهنا يبرز أمامنا مشهد وفاة أحد أعظم أساطير الأدب والفكر، الشاعر والفيلسوف الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، كواحد من أكثر المشاهد التي أسيء فهمها وتفسيرها على مر التاريخ الأوروبي الحديث.

يقدم لنا الكاتبان “فرانشيسكا بوكا-الداقري” و”بيترانجلو بوتافوكو” تحفة بحثية وسردية مبهرة تحمل عنوان “تحت خطوه تتفتح الزهور: غوته والإسلام” (Sotto il suo passo nascono i fiori: Goethe e l’Islam)، الصادر عن دار النشر “لا نافي دي تيزيو” (La nave di Teseo). إن هذا العمل ليس مجرد سرد تاريخي جاف، بل هو محاولة غوص عميقة واستثنائية في الروح المعقدة للشاعر الألماني العظيم. فرانشيسكا بوكا-الداقري، التي تشغل منصب أستاذة علم اللاهوت في المعهد الإيطالي للدراسات الإسلامية والثقافة العربية في جمعية ميلانو الإنسانية، وتدير معهد ابن رشد للدراسات الإسلامية، وصاحبة كتاب “قرآن يمشي” الصادر عام 2018، تلتقي في هذا الجهد المشترك مع الكاتب والأديب بيترانجلو بوتافوكو، صاحب المؤلفات المتعددة مثل “بيض التنين” (2005) و”الذئب والقمر” (2011) و”الألم المجنون للحب” (2013) و”القبلات نهائية” (2017).

يبدأ الكتاب من النهاية، من تلك اللحظة الحرجة والفارقة التي تفصل بين عالم الشهادة وعالم الغيب. إنه الثاني والعشرون من شهر مارس لعام 1832. في تلك الغرفة التي سادها صمت ثقيل مشبع برهبة الموت، ترقد جثة غوته الحية التي توشك على لفظ أنفاسها الأخيرة. بجانبه، تركع زوجة ابنه المحبة “أوتيلي”، وهي تمسح العرق المتفصد عن جبينه البارد الذي بدأ يكتسي بجليد الموت. كانت أوتيلي تعيش مأساتها الخاصة، فقد فقدت زوجها “أغسطس” قبل ما يزيد قليلاً عن عام، وها هي الآن تجد نفسها وحيدة تماماً أمام احتضار المعلم العظيم، تبحث بيأس عن أي نبضة باقية في قلبه الذي بدأ يخبو.

في خضم هذه المعركة الصامتة مع الفناء، يطلب غوته بصوت خافت مزيداً من النور قائلاً: “مزيد من الضوء!” (più luce!). الخادم الواقف في الغرفة يقف حائراً ومربكاً، لا يعرف ماذا يفتح من نوافذ إضافية أو أي جدران يهدم ليجلب المزيد من الراحة لسيده المحتضر. كانت أشعة الشمس تتسرب بالفعل إلى الغرفة وتغمر أغطية الوسائد التي يرقد عليها المعلم، لكن الظلام الذي كان يعاني منه غوته في ساعة موته لم يكن ظلاماً فيزيقياً يمكن تبديده بنوافذ إضافية، بل كان يصارع ظلمة الموت وقوى الفناء التي يصفها النص بـ “ظلمات الشرير”، ومن أجل طردها بعيداً عنه ودحرها في هاويتها القاسية كان يكرر عبارته الشهيرة طلباً لمزيد من النور.

تخفت صوته تدريجياً، ويقترب النفس الأخير، ويصبح المعلم غير قادر على جعل من حوله يفهمون ما يريد قوله. وبينما لا يلاحظ أحد الظلام المتربص في الزوايا سوى غوته نفسه، يقوم المعلم بحركة غريبة ومدهشة بيده. تسأل أوتيلي الخادم بذهول: “ماذا يفعل بيده؟” فيجيبها الخادم بمحاولة ساذجة لإيجاد أي تفسير لتلك اللحظة العصيبة: “إنه الاحتضار، الحياة تتسرب وتذهب من أصابعه”. لكن أصبع غوته السبابة في يده اليمنى كان يتحرك من الأسفل إلى الأعلى بإيقاع دقيق، بطيء ومقصود. لم تكن تلك حركات تشنجية لا إرادية تصدر عن يد يمنى تفارقها الحياة، بل كانت حركة تتابعها أوتيلي والخادم المخلص بأعينهما دون أن يتمكنا من فك شفرة الكلمات الصامتة التي ترافق هذه الإيماءات البطيئة والمشحونة بالتوتر والحمى.

في تلك اللحظة الحاسمة، يدخل الطبيب الشخصي لغوته، الطبيب “كارل فوغل”. وبنظرة سريرية طبية معتادة على تقييم العلامات الجسدية أكثر من الاهتمام بدلالات الكلمات، يلمح الطبيب مساراً لحركة يد المعلم ويستنتج ببساطة قائلاً: “إنه يرسم حرف الـ W”. بعد ذلك يسلم غوته الروح للبارئ. يتراجع الخادم بحياء، بينما تستند أوتيلي الرقيقة برأسها على صدر المعلم محاولة التقاط أي نبضة باقية، لكن قلبه كان قد سكت إلى الأبد. توقفت معاناته مع الأنفاس، لكن نظرته ظلت تحمل بريق المعركة القصوى والقتال الأخير. نهضت أوتيلي وأغلقت عيني غوته، بينما ظلت يده اليمنى حرة في الهواء، كما يمكن رؤيتها وتأملها حتى اليوم في اللوحة الشهيرة التي رسمها الفنان “فلايشر”.

لقد ترك هذا المشهد المؤثر الباب واسعاً أمام سيل من التفسيرات اللاحقة. ففي الساعات التي تلت وفاة غوته، اندلع صراع محموم بين المحيطين به ومحبيه لتزيين وتنميق كلماته الأخيرة، وجعل موته مثالاً فنياً وأخلاقياً رفيعاً يحتذى به. المستشرق “فريدريش روكرت” سارع إلى تحويل مشهد الوفاة إلى قصيدة شعرية يصف فيها كيف اندفعت صرخة “مزيد من الضوء!” من صدر المعلم لكي يتجه نحو النور. أما المعماري الدوقي “كليمنس كودراي” فقد كتب تقريرين متناقضين تماماً عن الحدث، ولم تظهر كلمات “مزيد من الضوء” إلا في تقريره الثاني اللاحق. وذهب الكاتب والمربي “كريستوف هوفلاند”، الذي لم يكن حاضراً في الغرفة أصلاً ولم يشهد الواقعة، إلى حد الزعم بأن تلك الكلمات كان الغرض منها تقديم “التشجيع والتمجيد” للأجيال القادمة المفجوعة بفقدانه. ولم يتبق أمام التاريخ سوى الاعتماد على تقرير الطبيب الشخصي فوغل، الذي سجل ببرود أن غوته عندما لم يعد قادراً على قول أي شيء مفهوم، بدأ يرسم في الهواء بإصبع يده اليمنى علامات، يرفع إصبعه ويخفضه، لربما لرسم حرف الدبليو (W).

وهنا يتدخل الكاتبان بوكا-الداقري وبوتافوكو ليقدما التفسير الأكثر جرأة وإثارة للاهتمام، والذي يمثل جوهر هذا الكتاب العميق. يشير الكاتبان إلى أن المعنى الحقيقي لهذه الإيماءة كان سيُكشف فوراً، وبلا أدنى شك، لو أن السكرتير الشخصي والشاعر المخلص “يوهان بيتر إيكرمان” كان حاضراً في تلك الثواني. إيكرمان، الذي كان غوته يسميه تحبباً “عليّ الخاص بي” (il mio Ali) في إشارة واضحة وعميقة لتماهي الشاعر المستمر مع شخصية النبي محمد (ص)، كان غائباً للحظات عن سرير المحتضر ولم يشهد حركة الإصبع.

على مدى قرون طويلة، ظل هذا الإيماء المعبر لغزاً غامضاً، لكن الكتاب يفكك هذا اللغز ويعيد تركيبه ببراعة مذهلة: لقد كان غوته يؤدي “الشهادة”، الركن الأول من أركان الإسلام. إن رفع إصبع السبابة في اليد اليمنى وخفضه هو تعبير رمزي وحركي عن التوحيد الخالص، وهو الفعل الذي يقوم به المسلم المحتضر عندما يعجز لسانه عن نطق الشهادتين (“لا إله إلا الله، محمد رسول الله”) باللغة العربية. إن هذا الاستنتاج المذهل ليس مجرد قفزة في الفراغ أو تأويل متعسف، بل هو مبني، كما يوضح الكتاب بجلاء، على بحث طويل ومعمق في أرشيفات غوته ورسائله، وتتبع دقيق لشهادات أولئك الذين كانوا الأقرب إليه، لفهم حقيقة اكتشاف واقتراب الكاتب الألماني الكبير من الدين الإسلامي. لقد نصح النبي محمد (ص) أتباعه بحثّ بعضهم البعض على الموت على الشهادة، لأن من يموت ومعه هذه الكلمة يضمن الجنة. وغوته، طوال مسيرته، كان يكرر هذه الشهادة كلما استطاع، بل وأدرجها بحب العالم المسلم الشغوف في كتاباته العلمية الطبيعية (Naturwissenschaftliche Schriften)، معتبراً أن عبارة “أنا أؤمن بإله واحد” هي أجمل وأعظم كلمة تستحق الثناء، وجعلها محور عمله العلمي بحثاً عن مفهوم التوحيد (tawhid) الذي يجمع كل شيء في تجلٍ للخالق الأوحد.

لكن كيف وصل هذا الرمز الألماني الكبير إلى هذه اللحظة الروحية الخالصة؟ للإجابة على هذا السؤال المحوري، يأخذنا الكتاب في رحلة ارتدادية مذهلة عبر مسيرة غوته، مبتدئاً من خريف عام 1770 في مدينة ستراسبورغ. هناك، حيث وقع اللقاء التاريخي بين الشاب غوته، الذي كان حينها طالباً يدرس الحقوق، والمفكر والفيلسوف الصارم “يوهان غوتفريد هيردر”. كان هيردر يعاني من مرض مؤلم في عينيه، وكان الطبيب يضطره لإبقاء عينيه مفتوحتين لإجراء تدخل جراحي يومي ومؤلم عبر تمرير وإعادة تمرير أداة طبية. في تلك الغرفة الخافتة الإضاءة، يقف هيردر بثيابه السوداء الكئيبة ووجهه المبلل بالدموع جراء الألم، مستقبلاً غوته الشاب المرتدي لأزياء عصرية زاهية الألوان بالأصفر والأزرق السماوي، مما زاد من انزعاج هيردر الذي طلب من تلميذه الشاب أن يخدم الله من خلال الطهارة والتقوى والرحمة.

ورغم هذا التناقض الصارخ في المظهر والمزاج، يسأل غوته أستاذه هيردر بشغف الشباب عما إذا كان سيصل يوماً ما إلى الحكمة وإلى فهم الأدب العالمي ومعايشة اللغة. فيأتيه الرد من هيردر، الذي يصفه النص بأنه “شخص حاد الطباع ولكنه يملك قلباً من ذهب”، من خلال فعل مؤثر وليس مجرد كلام. يتناول هيردر مجلداً من مكتبته ويناوله للشاب الواقف على العتبة قائلاً له: “هذا هو جوابي، إنه كتاب. خذه معك واقرأه، لأنه لن يكون هناك أي سبيل للاقتراب من العالمية دون الاستماع إلى هذه القراءة”. وعندما أخذ فولفغانغ الكتاب بين يديه، أدرك أنه “القرآن، كتاب محمد”. يؤكد هيردر لغوته أن هذا الكتاب ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو الكلمة العالمية، وليس مجرد أنفاس لشخص واحد.

كانت تلك هي الشرارة الأولى. ورغم أن غوته في بدايات قراءته لم يستطع إيجاد مسار منطقي متسلسل في النص القرآني، مما دفعه لتركه والعودة إليه مراراً وتكراراً عبر الزمن وفي مناسبات لا تحصى، إلا أن هذا الكتاب أصبح المحور الثابت الذي تدور حوله الكثير من تأملاته. لقد قام غوته بترجمة السورة السادسة بأكملها من النسخة اللاتينية للمترجم “ماراتشي”، وهي السورة التي تتناول استمرارية وقدسية الرسالة عبر جميع الأنبياء. ويتوقف المؤلفان ملياً عند ما يُعرف بـ (Koran-Auszüge)، وهي مقتطفات وملاحظات غوته القرآنية المحفوظة في متحف دوسلدورف، والتي تعود إلى خريف عام 1771، وتوثق مرافقته لقراءته الثالثة للقرآن. كانت هذه الملاحظات والتأملات بمثابة البذور التي أنبتت لاحقاً أشجاراً وارفة الظلال في ديوانه وأعماله الأدبية. فعلى سبيل المثال، احتفظ غوته بالآية القرآنية من سورة البقرة: “لله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم”. وبعد مرور عقود طويلة، استلهم غوته من هذه الآية بالذات إحدى أولى وأعظم قصائد ديوانه الشهير، قصيدة “تعاويذ” (Talismani)، التي يقول فيها: “لله المشرق! / ولله المغرب! / الأراضي الشمالية والجنوبية / تستريح في طمأنينة يديه”. كما دون ملاحظة من صلاة النبي موسى في القرآن: “رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني”.

لم يكن انبهار غوته بالقرآن انبهاراً عابراً أو مجرد نزوة استشراقية سطحية تلهو بالنصوص، بل كان التزاماً عميقاً بالدفاع عن جوهر هذا النص المقدس. ويورد الكتاب دليلاً قوياً على ذلك من خلال موقفه الصارم والحازم من أول ترجمة للقرآن من العربية إلى الألمانية، والتي قام بها “ديفيد فريدريش ميغرلين” ونُشرت عام 1772 تحت عنوان مسيء ومستفز هو “الكتاب المقدس التركي”. لقد أوضحت مقدمة ميغرلين نواياه الأيديولوجية العدائية، حيث برر عمله بأنه يهدف إلى فضح ما أسماه “كتاب الأكاذيب” الذي يبجله الأتراك وإثبات أن محمداً هو “نبي كاذب والمسيح الدجال”، مختتماً مقدمته بصلاة غريبة يدعو فيها الله لإنهاء ما وصفه بالمملكة العنيفة والدين الخرافي للقرآن. أمام هذا الهجوم السافر والتشويه المتعمد، لم يقف غوته المفعم بروح البحث عن الحقيقة مكتوف الأيدي. ففي الثاني والعشرين من ديسمبر عام 1772، نشر غوته مراجعة نقدية لاذعة لترجمة ميغرلين في مجلة “فرانكفورتر جيليرت أنتسايجن”، واصفاً إياها بـ “العمل البائس”. وتمنى غوته بشدة وبكل صدق أن يتم إنجاز ترجمة أخرى عما قريب على يد ألماني يستطيع قراءة القرآن “بمشاعر الشعراء والأنبياء”، ويملك الحدس والبصيرة الكافية لفهم شمولية وعظمة هذا النص بأكمله.

تتجلى هذه الرؤية الفلسفية الشاملة لغوته من خلال بحثه الدؤوب عن “النبتة الأصلية” (Urpflanze)، ذلك المفهوم النباتي والروحي الذي استولى على تفكيره. يشير عنوان الكتاب ذاته “تحت خطوه تتفتح الزهور” إلى تلك اللحظة المجازية التي تتفتح فيها البراعم وتنشأ الحياة أينما يحل العارفون والأنبياء، مأخوذة من قصيدة يغني فيها علي وفاطمة احتفاءً بالنبي. في رحلته الشهيرة إلى إيطاليا، وتحديداً في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1786 في مسار رحلته، دخل غوته إلى الحديقة النباتية في مدينة بادوفا بحثاً عن تلك النبتة الأصلية. لاحقاً، واصل بحثه في حديقة باليرمو في جزيرة صقلية، تلك المدينة العريقة التي ترقد فيها رفات ألماني آخر اختار صقلية ليكتشف فيها روحه الشرقية ويصبح “عربياً”، ألا وهو الإمبراطور فريدريك الثاني.

بالنسبة لغوته، لم تكن “النبتة الأصلية” مجرد كائن بيولوجي، بل كانت تعبيراً عن زهرة اللوتس في بحر بعيد، أو الوردة ذات البتلات غير المرئية التي يلون عبيرها مشاعر من يقترب منها. إنها التجلي المادي للبركة الإلهية التي ترتفع من جذر واحد لتصبح ساقاً منتشية بالسعادة، واندفاعاً في المعجزة الزرقاء للتجلي الإلهي لكلمة “كن”. كانت رحلته إلى إيطاليا هي الأولى ضمن سلسلة من الهجرات الداخلية والروحية التي شكلت مساره. والمثير للدهشة أنه في الرابع عشر من أكتوبر 1786، أشار غوته إلى هروبه أو سفره هذا بكلمة “هجرتي” (la mia egira)، متماهياً مرة أخرى، وبعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على قراءته الأولى للقرآن، مع شخصية النبي محمد الذي أمر المؤمنين بالهجرة الأولى إلى الحبشة هرباً من اضطهاد أهل مكة، ثم الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة التي شارك فيها هو نفسه والتي بدأ بها التقويم الإسلامي.

من هذه الهجرة الأولى إلى إيطاليا، عاد غوته بحدس ويقين عميقين: إن مستقبل أوروبا يمكن أن يكون مرتبطاً بتبني “إسلام ملطف بسماوات البحر الأبيض المتوسط”، أفق من السلام والصفاء وجه نحوه الشاعر أعمق توتراته الشخصية والفكرية. وهذا التوجه نحو السلام والاستسلام هو بالضبط ما حاول بناءه حول نفسه في حياته اليومية بمدينة فايمار. واليوم، لا يزال بإمكاننا رؤية أثر هذا التوجه عند مدخل منزله في فايمار، حيث نُحتت على الخشب أحرف كلمة “مرحباً” أو سلام (Salve). ورغم أن سكرتيره إيكرمان في زيارته الأولى تفاجأ بهذا الاختيار الغريب واعتبره مجرد علامة على الترحيب الودي، إلا أن الكتاب يلفت انتباهنا إلى أن هذه الكلمة اللاتينية هي ذاتها التي استخدمها غوته في قرآنه اللاتيني المترجم للتعبير عن التحية الإسلامية بامتياز: “السلام عليكم” (as-salāmu ‘alaykum). بالنسبة لغوته، الإسلام هو السلام، وهو الخلاص، وهو لم يخن أبداً رسالته الأعمق، بل ظل يعيد صياغتها وتركيبها طوال حياته المديدة.

بهذا الزخم المعرفي والارتباط الروحي الوثيق الذي يكشفه كتاب “تحت خطوه تتفتح الزهور”، نجد أن غوته لم يكن يقف عند حدود الإعجاب الفكري العابر، بل تجاوز ذلك نحو حالة من التماهي الروحي المطلق والتسليم العميق

استكمالاً لرحلتنا في أعماق الروح القلقة والمستنيرة للشاعر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، ومن خلال الرؤية الثاقبة التي يقدمها كتاب “تحت خطوه تتفتح الزهور: غوته والإسلام” للكاتبين فرانشيسكا بوكا-الداقري وبيترانجلو بوتافوكو، نجد أن هذا العنوان المفعم بالشعرية لم يُختر عبثاً. إن عبارة “تحت خطوه تتفتح الزهور” ليست مجرد تشبيه أدبي عابر، بل هي في الواقع مقتبسة من قلب قصيدة غوته الشهيرة “أغنية محمد” (Mahomets Gesang) التي تُعرف في الترجمات الإيطالية بـ “أنشودة النبي” (Canto del Profeta). في هذه القصيدة الخالدة، يتخيل غوته حواراً غنائياً وإنشاداً روحياً بين علي وفاطمة، حيث يتردد صدى الكلمات التي تصف النبي محمد (ص) وتأثيره المحيي: “هناك، في الوادي، تحت خطوه تتفتح الزهور، ويستمد المرج الحياة من أنفاسه”. هذا الإيقاع المتدفق الذي يحمل في طياته إشادة عميقة بالتأثير الروحي الهائل للنبي، يمثل مفتاحاً أساسياً لفهم التوجه العميق لغوته، حيث رأى في شخصية محمد القائد الروحي الذي يفيض بالحياة وينشر الخصوبة والنماء أينما حل.

لم يكن هذا الارتباط بالشخصية النبوية وبالنص القرآني مجرد مرحلة شبابية عابرة تلاشت مع نضوج الشاعر، بل شكلت خميرة تفاعلت في روحه لعقود، لتنفجر في أواخر حياته في واحدة من أعظم إبداعات الأدب الإنساني قاطبة: “الديوان الغربي الشرقي” (West-östlicher Divan). في عام 1814، كانت أوروبا تموج في فوضى عارمة، تحترق بنيران الحروب النابليونية، وتتخبط في صراعات سياسية واجتماعية مزقت أوصال القارة العجوز. وفي خضم هذا الدمار المادي والروحي، وجد غوته نفسه، وهو يقترب من خريف عمره، يبحث عن ملاذ آمن ينقذ فيه عقله وروحه. وهنا بدأت “الهجرة الثانية” لغوته، ليس عبر السفر الجسدي هذه المرة، بل من خلال هجرة روحية وشعرية نحو الشرق، محلقاً بجناحي الخيال فوق أنقاض الغرب المحترق ليحط رحاله في ربوع فارس والإسلام.

في تلك الفترة الحاسمة، وقع بين يدي غوته ترجمة ألمانية لأعمال الشاعر الفارسي العظيم شمس الدين محمد حافظ الشيرازي. كانت قراءة ديوان حافظ بالنسبة لغوته بمثابة صاعقة روحية واكتشافاً لتوأم روحه الذي يفصله عنه مئات السنين وآلاف الأميال. لقد وجد غوته في حافظ صوتاً يشبه صوته، وعقلاً يتناغم مع عقله في تقديس الطبيعة، وفهم التوحيد الخالص، ومزج الحب البشري بالحب الإلهي في بوتقة صوفية واحدة. إن قراءة كتاب “تحت خطوه تتفتح الزهور” تبرز كيف أن غوته لم يكتفِ بتقليد حافظ أو استلهامه سطحياً، بل عاش معه حالة من التماهي المطلق، مجيباً إياه عبر قصائد ديوانه الغربي الشرقي، ومعلناً أن الشرق والغرب لم يعودا منفصلين.

وفي هذه المرحلة المتأخرة من حياته، وتحديداً وهو في سن الخامسة والستين، تتقاطع رحلة غوته الروحية مع تجربة حب عميقة ومتأججة مع ماريان فون فيليمر، المرأة التي ألهمته وأضاءت سنواته الأخيرة. لقد استحالت ماريان في قصائد الديوان إلى شخصية “زليخة”، رمز العاشقة المتيمة، بينما اتخذ غوته لنفسه قناع “حاتم”. في هذا الفضاء الشعري المشبع بالعطر الشرقي، لم يكن الحب الجسدي منفصلاً عن التعلق الروحي العالي. لقد استطاع غوته، من خلال محاكاته لأسلوب حافظ الشيرازي واستيعابه العميق للروحانية الإسلامية، أن يجعل من عشقه لزليخة (ماريان) مجازاً للعشق الإلهي الأكبر. إن التداخل بين ما هو إنساني وما هو إلهي، والذي يُعد من صميم الشعر الصوفي الإسلامي، وجد في قلب غوته الألماني تربة خصبة أينعت فيها أجمل قصائد الحب والتسليم.

يشير الكاتبان بوكا-الداقري وبوتافوكو إلى أن ديوان غوته الشرقي الغربي ليس مجرد عمل استشراقي يزين نفسه بالزخارف الإسلامية الملونة، بل هو وثيقة روحية تسجل تحولاً عميقاً في بنية التفكير لدى الشاعر. فمن خلال الغوص في مفردات الحضارة الإسلامية ومفاهيمها، توقف غوته طويلاً عند المعنى الحرفي والفلسفي لكلمة “الإسلام” ذاتها. لقد أدرك غوته، بوعي الباحث وبصيرة الشاعر، أن الإسلام في جوهره لا يعني سوى التسليم المطلق لمشيئة الله والانسجام التام مع قوانين الكون الطبيعية والروحية التي وضعها الخالق. هذا المفهوم العميق للتسليم هو ما جعله يكتب أبياته الخالدة والشهيرة التي يقرر فيها أنه إذا كان الإسلام يعني التسليم لله، فإننا جميعاً في الإسلام نحيا وفي الإسلام نموت. هذا الاعتراف لم يكن زلة لسان أو مجاملة حضارية، بل كان إقراراً بكونية هذا الدين وبأن روح الإسلام تتوافق تماماً مع النظام الكوني الذي قضى غوته حياته في تأمله علمياً وفلسفياً وأدبياً.

إن كتاب “تحت خطوه تتفتح الزهور” يضع القارئ أمام حقيقة أن غوته كان يؤسس لمفهوم جديد تماماً في عصره، وهو مفهوم الأدب العالمي. فمن خلال هجرته إلى الشرق واندماجه مع القرآن الكريم والشعر الفارسي والعربي، حطم غوته الجدران الضيقة للقومية الأوروبية والمركزية الغربية المفرطة في الاعتداد بذاتها. لقد رأى أن الإنسانية جمعاء تشرب من نبع واحد، وأن التجلي الإلهي لا يقتصر على بقعة جغرافية دون أخرى. وعندما كان يتغنى بأن الله رب المشرق والمغرب، لم يكن يترجم فقط معاني القرآن، بل كان يضع الأساس الأخلاقي والجمالي الذي يجب أن تبنى عليه حضارة الإنسان: حضارة تعترف بالتعددية وتدرك أن الجوهر الحقيقي للأديان والأشعار هو جوهر واحد يدور حول قطب التوحيد والتسليم.

في هذا السياق، يتتبع الكتاب بدقة متناهية كيف أن غوته لم يكتفِ بالتنظير، بل حاول ممارسة هذا التسليم في تفاصيل حياته ويومياته. لم يكن ينظر إلى النبي محمد أو حافظ الشيرازي كشخصيات تاريخية أو أدبية غريبة عنه، بل كأصدقاء وأدلاء يرافقونه في دربه. وكما سنرى في استعراضنا القادم، فإن هذا التماهي مع الشرق الإسلامي لم يتوقف عند حدود الشعر والمناجاة الروحية، بل امتد ليلامس قضايا عقائدية دقيقة وحساسة مثل رؤيته لطبيعة السيد المسيح عليه السلام، ورفضه لبعض المفاهيم الكنسية المعقدة، وميله الواضح نحو النظرة الإسلامية الصافية والمجردة التي تضع المسيح في مرتبة النبوة والكلمة الإلهية المنزهة عن التعقيدات اللاهوتية البشرية.

كتاب “تحت خطوه تتفتح الزهور: غوته والإسلام” يأبى أن يتوقف عند تخوم الإعجاب الأدبي العابر أو الاستشراق الجمالي. يغوص الكاتبان فرانشيسكا بوكا-الداقري وبيترانجلو بوتافوكو، في هذه المرحلة المتقدمة من تحليلهما، في اللجة اللاهوتية الأكثر عمقاً وتركيباً في حياة الشاعر الألماني العظيم، مسلطين الضوء على مواقفه العقائدية الجريئة التي شكلت، في صمت حيناً وفي بوح شجاع أحياناً أخرى، قطيعة حقيقية مع الإرث الكنسي المعقد السائد في بيئته الأوروبية، واقتراباً مذهلاً، يكاد يكون تطابقاً، مع جوهر العقيدة الإسلامية المتمثل في التوحيد الخالص.

في قلب هذا التحول اللاهوتي، يقف مفهوم التوحيد كحجر الزاوية الذي بنى عليه غوته رؤيته للكون وللخالق. لم يكن العقل العلمي والفلسفي لغوته، الذي اعتاد على تأمل الطبيعة ورصد تجليات الوحدة في التنوع، قادراً على استيعاب التعقيدات اللاهوتية التي فرضتها المؤسسة الكنسية عبر القرون. إن عقيدة التثليث، التي تقسم الجوهر الإلهي إلى أقانيم، بدت لغوته تمزيقاً غير مبرر للوحدة المطلقة التي تسيّر الكون. لقد وجد في التصور الإسلامي لله تصويراً في غاية النقاء والتجريد؛ إله واحد، أحد، صمد، لا يتجزأ ولا يتجسد، وهو ما تناغم بشكل كامل مع فلسفته التي ترى الخالق متجلياً في كل ذرة من ذرات الوجود الطبيعي، دون الحاجة إلى وسطاء لاهوتيين أو هياكل عقائدية معقدة تفصل بين الإنسان وربه.

ويتجلى هذا التقاطع المذهل بأوضح صوره عندما يتناول الكتاب نظرة غوته إلى شخصية السيد المسيح (عليه السلام). لقد كان الشاعر الألماني يجل يسوع، يحترمه كمعلم أخلاقي عظيم، ونبي أرسله الله ليهدي البشرية، وروحاً طاهرة تنبض بالمحبة والصفاء. غير أنه، وبشكل قاطع، رفض الفكرة الكنسية القائلة بألوهية المسيح أو كونه ابناً بيولوجياً لله. هذا الرفض لم يكن مجرد تمرد فكري طائش، بل كان نابعاً من دراسته العميقة وقراءاته المتكررة للقرآن الكريم، حيث وجد في النص القرآني الذي ينزه الله عن الصاحبة والولد، ويضع عيسى بن مريم في مرتبته النبوية الشريفة كـ “كلمة الله وروحه”، الصدى الحقيقي لما كان يختلج في صدره من قناعات.

يورد المؤلفان في الكتاب دلائل دامغة من نصوص غوته نفسها، وأبرزها تلك الأبيات الخالدة من “الديوان الغربي الشرقي” التي تعتبر بمثابة وثيقة لاهوتية لا تقبل التأويل. يكتب غوته بوضوح قاطع ما معناه: “كان يسوع يشعر بالنقاء، وفي صمت، لم يكن يفكر إلا في الإله الواحد الأحد؛ ومن جعله هو نفسه إلهاً، فقد أساء إلى إرادته المقدسة”. في هذه السطور القليلة، يلخص غوته موقفاً عقائدياً يطابق تماماً الرؤية الإسلامية للمسيح، معتبراً أن إضفاء صفة الألوهية على نبي جاء ليدعو لتوحيد الله هو في حد ذاته إساءة لرسالة ذلك النبي وتشويه لتعاليمه الأصلية.

ولم يتوقف تمرد غوته اللاهوتي عند حدود التفكير في طبيعة المسيح، بل امتد ليشمل رفضاً عميقاً لمفهوم “الخطيئة الأصلية” وعقيدة “الفداء” المتمثلة في الصلب. كان غوته ينفر بشدة من رمز الصليب ومن التركيز المرضي، في نظره، على الألم والعذاب والموت الجسدي كطريق للخلاص. بالنسبة له، الله رحمن رحيم، لا يحتاج إلى تضحية دموية أو صلب ليغفر للبشر. إن هذا النفور من التصوير الجسدي للمعاناة جعله يميل بكل جوارحه نحو الرؤية الإسلامية التي ترفض صلب المسيح وتركز بدلاً من ذلك على صعوده الروحي ونجاته. كان غوته يبحث عن دين يحتفي بالحياة، بالنور، بالتسليم الإيجابي للإرادة الإلهية، وليس ديناً يتخذ من أداة التعذيب والموت رمزاً مركزياً له.

يمضي الكتاب في تتبع هذه الخيوط الرفيعة التي نسجت عباءة غوته الروحية، مشيراً إلى أن هذا الفهم الصافي للتوحيد انعكس أيضاً على أبحاثه العلمية. فكما بحث في علم النبات عن “النبتة الأصلية” التي تتفرع منها كل النباتات، وبحث في نظرية الألوان عن النور الأصلي الذي تتفرع منه كل الأطياف، كان في اللاهوت يبحث عن “الدين الأصلي”، دين الفطرة الذي لم تشوهه المجامع الكنسية والتدخلات البشرية. وقد وجد في الإسلام، كما صرح في رسائله وحواراته مع المقربين منه، التجسيد الأكمل والأكثر براءة لهذا الدين الأصلي الذي يتنفس من خلال الطبيعة والعقل معاً.

إن هذه الاكتشافات المذهلة التي يطرحها بوكا-الداقري وبوتافوكو تضعنا أمام مفكر عاش في قلب المركزية الأوروبية، لكنه استطاع بعبقريته واستقلاليته أن يفكك منظومتها العقائدية ليعيد بناء روحه وفق هندسة شرقية إسلامية خالصة. لم يكن الأمر يتعلق فقط بقراءة القرآن للثقافة، بل بتبني رؤيته الفلسفية للوجود. لقد استطاع غوته أن يعيش كمسلم في صميم وعيه الفكري، يمارس التسليم المطلق للقوة الخالقة الواحدة، ويرى في الأنبياء جميعاً، وعلى رأسهم محمد (ص)، قادة روحيين يربطون الأرض بالسماء بخطوات تنبت تحتها زهور المعرفة والسلام.

ننتقل من سماء التنظير اللاهوتي والفلسفي إلى أرض الواقع المعيش. كيف يمكن لرجل اعتنق في قرارة نفسه روحانية الشرق وتماهى مع عقيدة التوحيد الخالص، أن يحيا يومياته في قلب العاصمة الثقافية لألمانيا، فايمار، في القرن التاسع عشر؟ يبرز الكاتبان فرانشيسكا بوكا-الداقري وبيترانجلو بوتافوكو هذه المفارقة العجيبة، حيث عاش غوته حالة من الاغتراب الروحي النبيل. فرغم مكانته المرموقة كوزير وشاعر بلاط ومفكر تبجله أوروبا بأسرها، كانت روحه تحلق بعيداً في فضاءات الحجاز وأزقة شيراز. لقد اتخذ من الإسلام، ليس فقط ملجأً فكرياً، بل درعاً وجودياً يحتمي به من تقلبات الحياة المادية وعواصف العصر الحديث التي بدأت تجتاح القارة الأوروبية.

يشير الكتاب  إلى سوء الفهم العميق الذي أحاط بغوته من قبل أقرب المقربين إليه. ففي حين كانت الأوساط الأدبية الغربية تتعامل مع “الديوان الغربي الشرقي” ومع اهتماماته بالإسلام كنوع من “الموضة الاستشراقية” أو كلعب فني بجماليات غريبة لكسر الرتابة الكلاسيكية، كان غوته في الواقع يكتب اعترافاته الروحية الأعمق. حتى سكرتيره المخلص وكاتم أسراره، يوهان بيتر إيكرمان، الذي دون محادثاتهما بعناية فائقة، كان كثيراً ما يقف عند السطح الجمالي للأشياء، عاجزاً عن سبر الغور الروحي لمعلمه. لم يستوعب محيط غوته أن ارتداءه العباءة الشرقية لم يكن تقمصاً مسرحياً، بل كان تعبيراً صادقاً عن جوهر داخلي استحال فيه الألماني العظيم إلى مفكر مسلم النزعة، يرى في آيات القرآن وشعر الصوفية حقيقته المطلقة.

من أبرز التجليات العملية لهذا التحول، والتي يتوقف عندها الكتاب طويلاً، هو اعتناق غوته المطلق لمفهوم “القضاء والقدر” الإسلامي. لم يكن هذا المفهوم بالنسبة له استسلاماً سلبياً أو جبرية يائسة، بل كان مصدر طمأنينة وسلام داخلي لم يعهده من قبل. في وجه المآسي الشخصية، والشيخوخة الزاحفة، وفقدان الأحباء—بما في ذلك الموت المفجع لابنه أغسطس—لم يندب غوته حظه أو يرفع قبضته غاضباً في وجه السماء كما تفعل الشخصيات التراجيدية في الأدب الغربي. بدلاً من ذلك، تدرع بالسكينة الإسلامية، مردداً في رسائله ويومياته معاني تفيد الرضا بما كتبه الله. لقد وجد في مبدأ “المكتوب” وفي التسليم الإرادي لمشيئة الخالق دواءً شافياً لأحزان الوجود، معتبراً أن الحكمة الحقيقية تكمن في أن ينسجم الإنسان مع إرادة الله لا أن يصارعها.

ويمضي بوكا-الداقري وبوتافوكو في رسم ملامح هذه الحياة اليومية المشبعة بروح الشرق، موضحين كيف تسللت الرموز الإسلامية إلى أدق تفاصيل بيئة الشاعر. لم تكن نقوش الخط العربي والتمائم (التعاويذ) التي احتفظ بها غوته في منزله مجرد قطع أثرية يتباهى بها جامع تحف، بل كانت رموزاً حية تتنفس وتذكره بالاتصال الدائم مع المطلق. كان ينظر إلى الحروف العربية وكأنها أشكال هندسية مقدسة تخفي في انحناءاتها أسرار الكون، بل وعكف بجهد حثيث على التدرب على كتابة الخط العربي بيده، محاولاً جسدياً وروحياً أن يتشرب تلك اللغة التي اختارها الله لتكون وعاءً لكلمته. كانت محاولاته في نسخ الحروف العربية طقساً تأملياً يقربه من حالة الخشوع والصفاء.

هكذا، تحول منزل غوته في فايمار إلى نقطة التقاء خفية بين مكة وبرلين، وبين الشرق والغرب. في هذا الفضاء، كان يقرأ الشعر الفارسي، ويدرس الترجمات القرآنية، ويتأمل في سير الأنبياء وعلى رأسهم النبي محمد (ص)، لا كشخصيات من ماضٍ سحيق، بل كأرواح مرافقة ترشده في دربه النبيل نحو النور. إن حالة التماهي هذه لم تلغِ عبقريته الغربية، بل صقلتها وهذبتها، وجعلتها أكثر شمولية وإنسانية. لقد أدرك أن القوة الحقيقية للإنسان لا تكمن في قهر الطبيعة أو التمرد على الخالق كما صورتها الحداثة الغربية الناشئة، بل في التناغم التام مع إيقاع الكون والذوبان في محبة الإله الواحد الأحد.

ومع اقترابنا من سنواته الأخيرة، نجد أن هذا البناء الروحي الشاهق لم يكن مجرد استراحة محارب، بل كان الإعداد العظيم للحظة المواجهة الحاسمة، لحظة اكتمال الدائرة التي افتتحنا بها هذه الرحلة. غير أن فهم هذا الاكتمال يتطلب منا الغوص في أثره الفلسفي والأدبي الأكبر، لنرى كيف تسللت هذه الرؤية الإسلامية إلى الخاتمة الملحمية لدراما الإنسان المعاصر وكيف صاغت إرثه الأبدي.

إلى الذروة الإبداعية والوصية الخالدة التي تركها الشاعر والحر الأكبر لأوروبا. فإذا كان “الديوان الغربي الشرقي” هو ديوان العشق والتأمل والتوحيد، فإن رائعته الملحمية الكبرى “فاوست”—وتحديداً الجزء الثاني منها الذي أنهاه غوته قبيل وفاته بأسابيع قليلة وأغلقه على نفسه كوصية للأجيال القادمة—تتجسد فيها النتيجة النهائية لهذه الهجرة الروحية نحو الشرق. يرى المؤلفان ببراعة نقدية كيف أن الخاتمة العظيمة لمأساة فاوست، بدلاً من أن تنكفئ على رؤية كنسية تقليدية في الخلاص، تتشبع بروحانيات مشرقية وصوفية إسلامية شفافة. إن نجاة فاوست وصعود روحه نحو السماء لا يرتكيزان على مغفرة مؤسسية وسحر طقسي، بل على مفهومين إسلاميين أصيلين: الرحمة الإلهية الواسعة، والسعي الروحي الصادق والمستمر، في مجاراة لمفهوم المعراج والترقي الروحي نحو العلياء.

إن كتاب بوكا-الداقري وبوتافوكو يضع أيدينا على الرؤية الفلسفية الشاملة التي صاغها غوته كجسر حضاري فريد بين عوالم طالما ظن الكثيرون أن الجسور بينها مقطوعة. لقد أدرك غوته، بروح العارف المتبصر، أن الانقسام بين الشرق والغرب هو انقسام وهمي يصنعه الجهل وتغذيه العصبيات الضيقة. وقد صاغ هذا اليقين في بيته الخالد الذي أعلنه للعالم: “من يعرف نفسه ويعرف الآخرين، سيعرف أيضاً هنا: أن الشرق والغرب لم يعد بالإمكان فصلهما”. إن هذا الصلح الحضاري لم يكن بالنسبة لغوته شعارات بسيطة أو ديمقراطية سطحية، بل كان تجربة وجودية عاشها بقلبه وفكره، متخذاً من التوحيد الإسلامي نقطة ارتكاز جامعة تتسامى فوق كل الحدود الجغرافية والأيديولوجية.ا

تكمن الأهمية الاستثنائية لكتاب “تحت خطوه تتفتح الزهور” في أنه يعيد فتح ملف غوته بعيداً عن الرقابة الأدبية والغربية الصارمة التي حاولت لعقود طويلة “تهذيب” أو إخفاء النبض الإسلامي المتأجج في صدر هذا العبقري. يقدم لنا المؤلفان غوته كإنسان لم يجد في الإسلام مجرد ثقافة للدرس والاستشراق، بل وجد فيه وطناً لروحه القلقة، وسكينة لقاطني القمم الذين يرهقهم الجفاف المادي لعصرهم. لقد أثبت غوته أن الانفتاح على الآخر والتشرب بروحه لا يعني فقدان الذات، بل يعني اكتمالها وارتقاءها إلى الأفق الإنساني الأعلى، حيث يصبح الدين حباً، والتوحيد معرفة، والتسليم سلاماً.

وهكذا تجتمع خيوط هذه القراءة لتكتمل اللوحة البديعة التي رسمها غوته بروحانيته وحياته. إن عبارة “تحت خطوه تتفتح الزهور”، التي اتخذها الكتاب عنواناً له، تظل الشهادة الأجمل على الأثر الذي تركه النور النبوي الشريف والتجربة الإسلامية في أعماق العبقري الألماني. لقد تفتحت في قلبه وفكره زهور المعرفة والتوحيد والتسليم، وظل عبيرها يفوح في كل ما كتب وأبدع حتى لحظة رحيله الأخيرة، حين طوى جسده الأرض ورفعت يده اليمنى سبابة التوحيد نحو السماء. إن سيرة غوته مع الإسلام ستبقى للأبد تذكرة ملهمة للإنسانية بأسرها، تذكرنا بأن الباحث عن الحقيقة بقلب خالص لن يضل طريقه، وأن الرحمة الإلهية واسعة تشمل كل من سعى إليها بصدق، أينما كان المشرق وأينما كان المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى