إذا احترقنا ولم ننتصر: الدرس المنسي من الثورات

حين أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده في سيدي بوزيد في ديسمبر 2010، لم يكن يعلن بداية احتجاج فحسب، بل كان يفتح باب عقد كامل من التاريخ الحديث سيبدو لاحقاً وكأنه حلم جماعي واحد طويل. من تونس إلى ميدان التحرير، من دوار اللؤلؤة في البحرين إلى ساحة تقسيم في إسطنبول، من سول إلى مدريد إلى وول ستريت إلى ساو باولو، خرج عشرات الملايين من البشر إلى الشوارع والساحات، بدعوة تبدو متطابقة رغم اختلاف اللغات: كفى. كفى فساداً، كفى قمعاً، كفى إقصاءً، كفى نيوليبرالية. كانت تلك هي اللحظة التي اعتقد فيها جيل كامل أن التاريخ قد عاد إلى العمل بعد سبات طويل، وأن الشارع قادر أخيراً على كتابة نهايته السعيدة. لكن بعد عقد، لم يبق من ذلك الحلم سوى سؤال واحد يلاحق الجميع: لماذا فشلت كل هذه الانفجارات في إحداث الثورة التي وعدت بها؟
هذا هو السؤال المحوري الذي ينطلق منه الصحفي الأمريكي فينسنت بيفينز في كتابه الصادر عام 2023 عن دار PublicAffairs بعنوان “If We Burn: The Mass Protest Decade and the Missing Revolution”، والذي يمكن ترجمته بـ “إذا احترقنا: عقد الاحتجاجات الجماهيرية والثورة الغائبة”. بيفينز ليس مراقباً من بعيد، بل هو أحد الذين عاشوا هذا العقد من قلب الحدث. مراسل سابق لصحيفتي لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست، عاش في ساو باولو لسنوات وغطى الاحتجاجات البرازيلية الهائلة عام 2013، ثم تنقل بين جاكرتا ولندن، وهو صاحب الكتاب المرجعي المهم “الطريقة الجاكارتية” عن حروب أمريكا السرية ضد الشيوعية في العالم الثالث. هذه الخلفية تمنحه منظوراً مزدوجاً: فهو يفهم آليات القوة الإمبريالية والنظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة، وفي الوقت نفسه يمتلك حس الصحفي الميداني الذي يجلس مع النشطاء في الشقق الضيقة ويسمع خيباتهم بعد سنوات من الصخب.
أطروحة الكتاب بسيطة في ظاهرها لكنها مدمرة في عمقها، وهي أن العقد الممتد من 2010 إلى 2020 كان أكبر موجة احتجاجات جماهيرية في تاريخ البشرية من حيث عدد المشاركين وعدد البلدان والتنوع الجغرافي، لكنه انتهى في معظم الحالات ليس فقط دون تحقيق أهدافه، بل بنتائج عكسية تماماً. الأنظمة التي اهتزت عادت أكثر قسوة، واليمين المتطرف هو من التقط ثمار غضب الشارع في البرازيل والولايات المتحدة والهند والفلبين، واليسار الذي أطلق الشرارة وجد نفسه مشتتاً ومحبطاً. بيفينز لا يرى في ذلك مجرد سوء حظ أو تآمر خارجي، بل يرى خللاً بنيوياً في طريقة فهمنا للاحتجاج نفسه في القرن الحادي والعشرين.
يعتمد المؤلف على ما يسميه “نموذج ميدان التحرير” أو “نموذج 2011”. ذلك النموذج الذي انتشر كالفيروس: تجمع هائل، أفقي بلا قادة، يرفض التنظيم الهرمي والأحزاب والنقابات التقليدية، يطالب بإسقاط النظام أو برحيل شخص بعينه، يوثق نفسه عبر فيسبوك وتويتر، ويحظى بتغطية إعلامية عالمية متعاطفة تصوره ككرنفال ديمقراطي عفوي ونقي. هذا النموذج ولد في تونس ومصر، لكنه استورد بسرعة إلى إسبانيا مع حركة 15-M أو “الغاضبون”، وإلى نيويورك مع “احتلوا وول ستريت”، وإلى تركيا والبرازيل وأوكرانيا وهونغ كونغ. الجميع أراد أن يكون له ميدان تحريره الخاص.
لكن بيفينز، من خلال مئات المقابلات التي أجراها على مدى عشر سنوات مع ناشطين من عشرة بلدان، يكشف أن هذا النموذج كان يحمل بذور فشله داخله. فكرة “اللا-قيادة” التي احتفى بها الجميع كدليل على الطهارة الديمقراطية، كانت في الواقع نقطة ضعف قاتلة. حين ترفض الحركة أن تخلق هيكلاً واضحاً لاتخاذ القرار، وحين ترفض أن تقدم برنامجاً بديلاً متماسكاً، وحين تعتبر أن مجرد الوجود في الساحة هو فعل ثوري بحد ذاته، فإنها تترك فراغاً هائلاً. هذا الفراغ لا يبقى فارغاً طويلاً، بل يملؤه من يملك التنظيم والمال والسلطة: الجيش، أو الدولة العميقة، أو اليمين المنظم، أو القوى الخارجية.
الكتاب لا يكتب تاريخ الاحتجاجات كسلسلة انتصارات أخلاقية، بل كتشريح بارد لخيبة جماعية. وهو لا يلوم المتظاهرين، بل يحاول أن يفهم كيف تمت هندسة وعيهم السياسي. يعود بيفينز إلى ما بعد 1989 وسقوط الاتحاد السوفيتي، وإلى انتصار النيوليبرالية كأيديولوجية وحيدة، وإلى تحطم الأحزاب الجماهيرية والنقابات العمالية القوية التي كانت في السابق تنظم الغضب وتحوله إلى مشروع. في غياب تلك الهياكل، جاءت الإنترنت لتقدم بديلاً وهمياً: اعتقدنا أن الشبكة يمكن أن تحل محل الحزب، وأن الهاشتاغ يمكن أن يحل محل البرنامج، وأن “الوعي” وحده كافٍ. وهنا يكمن جوهر المأساة التي يرويها الكتاب: جيل كامل تعلم كيف يحتج، لكنه لم يتعلم كيف يحكم، وكيف يبني، وكيف ينتصر.
لا يمكن فهم عقد الاحتجاجات دون العودة إلى اللحظة التي انهار فيها كل شيء بصمت في مكاتب وول ستريت عام 2008. الأزمة المالية العالمية لم تكن مجرد أرقام في بورصات نيويورك ولندن، بل كانت إعلان إفلاس أخلاقي وسياسي لنموذج كامل حكم العالم منذ انهيار جدار برلين. النموذج الذي قيل لنا إنه نهاية التاريخ، حيث السوق يصحح نفسه والدولة تنسحب والديمقراطية الليبرالية ستنتشر كالماء. عندما تدخلت الدول نفسها التي بشرت بالسوق الحر لإنقاذ البنوك بأموال دافعي الضرائب، بينما تركت الملايين يخسرون منازلهم ووظائفهم، انكسر العقد الاجتماعي الأخير. في تونس ومصر كانت البطالة بين خريجي الجامعات هي الوقود، وفي إسبانيا واليونان كانت التقشف المفروض من الاتحاد الأوروبي هو المطرقة، وفي الولايات المتحدة كانت حركة احتلوا وول ستريت ترفع شعار نحن التسعة وتسعون بالمئة ضد الواحد بالمئة الذي استحوذ على كل شيء. هذا هو القاسم المشترك الأول الذي يرصده: كل هذه الاحتجاجات كانت ردود فعل على فشل النيوليبرالية في الوفاء بوعودها، لكنها جاءت في لحظة تاريخية لم يكن فيها بديل جاهز.
الجيل الذي نزل إلى الشارع هو الجيل الذي نشأ في ظل فراغ تنظيمي غير مسبوق. هنا يقدم بيفينز واحدة من أهم مساهماته النظرية في الكتاب. يعود بنا إلى ما حدث لليسار العالمي بعد 1989. الأحزاب الشيوعية انهارت أو تحولت إلى أحزاب إدارة رأسمالية، النقابات العمالية تآكلت بفعل العولمة وانتقال المصانع، حركات التحرر الوطني في الجنوب تحولت إلى أنظمة محاصصة فاسدة. لم يبق سوى منظمتين كبيرتين في العالم تملكان قدرة حقيقية على الحشد: السوق، والدولة القمعية. في الوسط، فراغ. في هذا الفراغ نشأت ثقافة جديدة للاحتجاج تسمى الأفقية. فكرة أننا لا نحتاج قادة لأن القادة يخونون، لا نحتاج برنامجاً لأن البرامج تقيدنا، لا نحتاج حزباً لأن الأحزاب فاسدة. نحن نحتاج فقط أن نجتمع، أن نكون معاً، أن نمارس الديمقراطية المباشرة في الساحة، وهذا بحد ذاته هو الثورة.
بيفينز يتتبع أصول هذه الفكرة ليس فقط إلى الفوضوية المعاصرة، بل إلى تجربة زاباتيستا في المكسيك عام 1994، وإلى منتديات العدالة العالمية في أوائل الألفية، وإلى كتابات مفكرين مثل ديفيد غرايبر الذي كان أحد منظري حركة احتلوا وول ستريت. الفكرة بدت نبيلة ومحررة: لا أحد يمثلنا، نحن نمثل أنفسنا. لكنها في الممارسة العملية كانت تترك سؤال السلطة دون إجابة. من يتفاوض باسم الميدان؟ من يقرر متى ننصرف؟ من يضع خطة للاقتصاد بعد سقوط الديكتاتور؟ الإجابة النموذجية كانت لا أحد، أو الجميع، وهو ما يعني عملياً لا أحد.
هنا يظهر ما يسميه الكتاب نموذج ميدان التحرير كقالب عالمي. المشهد محفوظ في ذاكرتنا جميعاً: آلاف الخيام، لافتات مكتوبة بخط اليد، مطبخ جماعي، لجنة نظافة، متحدثون يتناوبون على الميكروفون، وعد بأننا باقون حتى يسقط النظام. الصحافة الدولية، وخاصة الغربية، وقعت في حب هذا المشهد. رأت فيه ولادة ديمقراطية نقية، غير ملوثة بالسياسة. لكن بيفينز ينقل شهادات مذهلة من داخل تلك الميادين تكشف هشاشتها. في القاهرة، لم يكن هناك اتفاق حقيقي على ما بعد مبارك. كان هناك إخوان مسلمون منظمون وهناك شباب ليبرالي حالم وهناك عسكر يراقب. في مدريد، تحولت ساحة بويرتا ديل سول إلى مختبر اجتماعي جميل لكنه عجز عن ترجمة نفسه إلى سلطة انتخابية إلا بعد سنوات وبعد انقسامات مريرة. في نيويورك، كانت حركة احتلوا ترفض حتى التصويت على مطالب محددة خوفاً من أن يخلق ذلك هرمية.
العنصر الثاني الذي غذى هذا النموذج هو وهم التكنولوجيا. يخصص بيفينز فصلاً كاملاً لتفكيك أسطورة تويتر وفيسبوك كأدوات تحرر. صحيح أن المنصات سمحت بالتنسيق السريع وكسر احتكار الإعلام الرسمي، لكنها أيضاً فرضت منطقها الخاص على الاحتجاج. الخوارزميات تفضل الصورة الصادمة، الشعار القصير، اللحظة الدرامية، لا تفضل النقاش المطول حول الضرائب أو الإصلاح الزراعي. الاحتجاج أصبح مصمماً ليكون قابلاً للمشاركة أكثر من كونه قابلاً للانتصار. كما أن هذه المنصات، وهي شركات رأسمالية عملاقة مقرها كاليفورنيا، لم تكن محايدة أبداً. في مصر وتونس سمحت للثوار بالتنظيم لأن ذلك كان يخدم صورتها كمنصة حرية، لكنها في الوقت نفسه كانت تجمع البيانات وتبيعها وتتعاون مع الأنظمة حين يصبح ذلك مربحاً. والأهم، أنها عزت فكرة أن التنظيم الحقيقي غير ضروري، لأنك تستطيع فقط إنشاء صفحة حدث ودعوة الجميع.
من هنا ينتقل بيفينز إلى نقطة مركزية: الثورات الملونة السابقة، من صربيا إلى جورجيا وأوكرانيا، كانت مدعومة بتمويل غربي وتدريب على المقاومة اللاعنفية من منظمات مثل أوتبور وكانفاس، وكانت تملك هدفاً واضحاً هو إسقاط رجل وإجراء انتخابات. أما احتجاجات العقد الثاني، فقد كانت أكبر وأكثر عفوية، لكنها أيضاً أكثر غموضاً. لا تريد فقط انتخابات، بل تريد تغيير النظام الاقتصادي كله، لكنها ترفض الأدوات التي تسمح بذلك. وهذا التناقض هو ما يفسر لماذا كان من السهل جداً اختطافها أو احتواؤها.
في هذه اللحظة التاريخية، نحن أمام جيل يملك كل مقومات الغضب ولا يملك أياً من مقومات البناء. لديه شجاعة مذهلة للنزول تحت الرصاص، لكنه لا يملك نظرية للدولة، ولا يملك حزباً، ولا يملك اقتصاد بديل. وهذا بالضبط ما يجعل العقد التالي، يبدو كسلسلة انفجارات متتالية تنتهي جميعها بنفس الرماد.
إذا وضعت خريطة للعالم بين عامي 2010 و2013 ووضعت دبوساً أحمر على كل مدينة شهدت احتلالاً لساحة مركزية، فستجد الخريطة كلها حمراء. هذه ليست مبالغة أدبية، بل هي الحقيقة الإحصائية التي ينطلق منها فينسنت بيفينز في القسم الأوسط من كتابه. فهو لا يبقى في النظرية، بل يأخذنا من يدنا إلى الشوارع التي عاش فيها.
يبدأ من تونس، حيث كل شيء بدأ. بيفينز يعود إلى سيدي بوزيد ويقابل عائلة البوعزيزي وأصدقاءه، ليكتشف أن القصة التي رويت للعالم كانت مبسطة بشكل مخل. لم يكن البوعزيزي ناشطاً سياسياً، بل كان شاباً سحقته البيروقراطية الفاسدة والشرطة التي تطلب رشوة يومية. ثورته كانت ثورة خبز وكرامة بمعناها المادي المباشر. لكن عندما انتقلت الشرارة إلى العاصمة، سرعان ما اختطفتها النخب الحضرية وشبكات فيسبوك التي حولتها إلى ثورة ديمقراطية ليبرالية مجردة. تونس نجت نسبياً لأنها كانت صغيرة ولديها اتحاد شغل قوي هو الاتحاد العام التونسي للشغل، ذلك الهيكل القديم الذي احتقره الشباب الثوري في البداية، لكنه هو من جلس على طاولة الحوار الوطني وأنقذ البلاد من الانهيار الكامل. هذه الملاحظة ستصبح مفتاحاً في كل مكان آخر: حيث يوجد تنظيم قديم، كانت هناك فرصة للبقاء.
ثم مصر، وهي القلب المكسور للكتاب. يخصص بيفينز الكثير من الصفحات لمصر لأنه يعتبرها النموذج الأنقى والأكثر مأساوية. ينقل شهادات شباب من حركة 6 أبريل ونشطاء اشتراكيين ثوريين كانوا يحلمون بمصر مختلفة. يصف ليالي التحرير الأولى ككرنفال تحرري حقيقي، لكنه يكشف أيضاً كيف كان القرار يُتخذ. لا أحد يمثل الميدان، لكن الجميع يتحدث باسمه. المجلس العسكري كان يجتمع ويخطط بينما الميدان كان يهتف يسقط يسقط حكم العسكر دون أن يملك أداة لإسقاطه. عندما جاءت الانتخابات، اكتشف الشباب الأفقي أن من يملك التنظيم هو من سيفوز: الإخوان المسلمون من جهة، وفلول النظام القديم والجيش من جهة أخرى. اللحظة الفارقة التي يرصدها بيفينز هي يونيو 2013. ملايين نزلوا مرة أخرى ضد مرسي، يطالبون برحيله، بنفس منطق 2011: ارحل. رحل مرسي، لكن من جاء؟ جاء السيسي، وجاءت معه ثورة مضادة أعنف من النظام السابق. المتظاهرون الذين اعتقدوا أنهم يصححون مسار الثورة وجدوا أنفسهم يوقعون على بياض للجيش ليعود ويقتل في رابعة أكثر مما قتل مبارك في ثلاثين عاماً. بيفينز لا يدينهم، بل يظهر كيف أن غياب التنظيم جعلهم أداة في يد قوة أكثر تنظيماً.
من القاهرة ينتقل إلى المنامة، وهي القصة المنسية في هذا العقد. في البحرين نزل الشيعة والسنة معاً في البداية إلى دوار اللؤلؤة يطالبون بملكية دستورية. كانت حركة عابرة للطوائف، أفقية أيضاً. لكنها سحقت ليس فقط من قبل نظام البحرين، بل بدبابات درع الجزيرة السعودية وبدعم أمريكي صامت. البحرين تثبت أن النموذج الأفقي لا يمكنه الصمود أمام عنف دولة مدعوم خارجياً إذا لم يكن لديه حماية أو تنظيم مسلح أو دعم دولي. الصمت الذي قوبلت به البحرين مقارنة بالاحتفاء بمصر وتونس يفضح انتقائية التغطية الإعلامية الغربية التي كانت جزءاً من المشكلة.
ومن الشرق الأوسط يقفز الكتاب إلى أوروبا وأمريكا. في إسبانيا، حركة 15 مايو أو لوس إندينيادوس رفضت الأحزاب كلها وقالت لا تمثلنا. بقيت في الساحات لأشهر تناقش كل شيء ولا تقرر شيئاً. انتهت بإرهاق النشطاء، لكن من رمادها ولد حزب بوديموس الذي قبل أخيراً أن يتحول إلى حزب هرمي ويدخل البرلمان. في اليونان، ساحة سينتاغما كانت مشابهة، وانتهت بصعود سيريزا الذي وعد بإنهاء التقشف ثم استسلم له. في نيويورك، احتلوا وول ستريت كانت الأكثر نقاءً في رفضها للقيادة، لدرجة أنهم كانوا يستخدمون إشارات اليد بدلاً من التصويت. بيفينز ينقل عن أحد منظميها قوله بعد عشر سنوات: كنا نعتقد أننا نغير العالم لأننا غيرنا طريقة الحديث، لكننا لم نغير أي قانون.
أما البرازيل، فهي المختبر الذي عاشه المؤلف بنفسه، وهي التي تعطي الكتاب عنوانه. في يونيو 2013، بدأت احتجاجات صغيرة نظمها يساريون ضد رفع أسعار الحافلات في ساو باولو. حركة فتيه تسمى الحركة من أجل مجانية النقل. فجأة، وبفضل عنف الشرطة وتغطية فيسبوك، انفجرت الاحتجاجات لتصبح مليونية في كل المدن. لكن من انضم؟ انضم اليمين، انضمت الطبقة الوسطى الغاضبة من الفساد، انضم الجميع. المطلب اليساري المحدد ذاب في مطلب عام مبهم ضد الفساد وضد كل شيء. بيفينز يوثق كيف أن صفحات يمينية مجهولة على فيسبوك بدأت تقود الحشد، وكيف تحولت شعارات إسقاط النظام اليساري إلى شعارات تطالب بإسقاط حزب العمال الحاكم. النتيجة بعد خمس سنوات: انتخاب جايير بولسونارو، عسكري متقاعد فاشي كان يدافع عن الديكتاتورية العسكرية. اليسار الذي أشعل النار هو من احترق بها. هذه هي عبارة متظاهر برازيلي التي أخذ منها الكتاب عنوانه: إذا احترقنا، سنأخذ الجميع معنا. لكن الذي حدث هو العكس، النار أكلت من أشعلها.
ينتهي هذا القسم بجولة سريعة في تشيلي 2019 وأوكرانيا وهونغ كونغ، ليؤكد النمط نفسه: احتجاجات تبدأ بمطالب اجتماعية محددة، تتحول إلى حركة جماهيرية أفقية بلا قيادة، يتم الاحتفاء بها عالمياً كديمقراطية نقية، ثم تترك فراغاً يملؤه اليمين أو الجيش أو قوة خارجية. الخريطة الحمراء تتحول بعد عقد إلى خريطة رمادية من الإحباط والتراجع.
بعد أن يأخذنا فينسنت بيفينز في جولة حول العالم عبر الميادين المحترقة، يتوقف في منتصف الكتاب ليطرح السؤال الذي يتجنبه كثير من الكتاب الرومانسيين للثورات: ماذا لو كانت المشكلة ليست في قوة العدو، بل في فكرتنا عن أنفسنا؟
الهدف الأول لنقد بيفينز هو عقيدة اللاقيادة. هو لا يهاجمها أخلاقياً، بل يفككها تاريخياً. يعود إلى مقولة شهيرة لجوزيف فريمان النسوية الأمريكية في السبعينيات بعنوان طغيان اللاهيكلية. كتبت فريمان أن أي جماعة تدعي أنها بلا هيكل، هي في الواقع تخفي هيكلاً غير مرئي وغير ديمقراطي. فحين لا توجد انتخابات واضحة، وحين لا توجد آلية محاسبة، فإن السلطة تذهب تلقائياً إلى الأكثر بلاغة، أو الأكثر تفرغاً، أو الأكثر متابعة على تويتر، أو الأكثر ارتباطاً بالصحافة الأجنبية. في ميدان التحرير، كان هناك شباب يتحدثون الإنجليزية بطلاقة ويعرفون كيف يكتبون بياناً صحفياً، فأصبحوا هم وجه الثورة في سي إن، بينما كان عمال المحلة الكبرى الذين أضربوا فعلياً ضد مبارك لا يعرفهم أحد. اللاقيادة لم تلغ القيادة، بل جعلتها غير خاضعة للمساءلة.
يستعين بيفينز هنا بما يسميه درس لينين المنسي. ليس لينين كأيقونة شيوعية، بل لينين كمنظر للتنظيم. لينين كان يقول إن العفوية وحدها، مهما كانت بطولية، ستنتهي دائماً بانتصار الطبقة المنظمة. البرجوازية منظمة عبر دولتها وجيشها وشركاتها، فإذا أراد العمال والفقراء أن ينتصروا، فعليهم أن يكونوا أكثر تنظيماً منها، لا أقل. احتجاجات العقد الثاني فعلت العكس تماماً: واجهت عدواً شديد التنظيم بلا تنظيم على الإطلاق. النتيجة كانت متوقعة. يذكر بيفينز كيف أن غرامشي ميز بين حرب المناورة وحرب المواقع. حرب المناورة هي الهجوم المباشر على قصر الرئاسة، وهو ما فعلته كل هذه الحركات ونجحت فيه أحياناً بإسقاط الرئيس. لكن حرب المواقع هي المعركة الطويلة للسيطرة على مؤسسات المجتمع المدني والدولة والاقتصاد والإعلام. هذه الحرب لا يمكن خوضها بخيمة في ميدان. تحتاج إلى حزب، إلى نقابة، إلى صحيفة، إلى مدرسة كوادر. وعندما تخلت الحركات عن حرب المواقع بحجة أنها إصلاحية ومملة، خسرت الحرب كلها.
النقطة الثانية التي يفصلها الكتاب هي دور الإعلام ووسائل التواصل ليس كأداة محايدة، بل كبنية أيديولوجية. بيفينز يعتمد على شهادات من داخل غرف أخبار كبرى مثل نيويورك تايمز وغارديان. يكشف كيف أن الصحافة الليبرالية الغربية كانت تبحث عن قصة محددة: شباب لطيف يشبهنا، يستخدم آيفون، يريد ديمقراطية مثل ديمقراطيتنا، بلا إسلاميين وبلا اشتراكيين متطرفين. هذه القصة باعت جيداً، لكنها شوهت الواقع. عندما كان الإسلاميون أو اليسار الراديكالي جزءاً أصيلاً من المشهد، كان يتم تجاهلهم أو تصويرهم كدخلاء. كما أن منطق السوشيال ميديا فرض نوعاً من الاحتجاج الاستعراضي. الاحتجاج الناجح هو الذي ينتج صورة أيقونية قابلة للانتشار: فتاة تقف أمام جندي، رجل يرفع علماً فوق دبابة. أما العمل الممل المتمثل في كتابة دستور أو بناء ائتلاف انتخابي، فهو لا ينتج صوراً، وبالتالي لا ينتشر.
وهنا يأتي أخطر تحول يرصده الكتاب: كيف يتم اختطاف الفراغ. عندما ترفض الحركة أن تسمي نفسها وأن تحدد من هو عدوها ومن هو صديقها، فإن أي شخص يمكنه أن يرتدي قناعها. في البرازيل، بدأت حركة يسارية تطالب بمجانية النقل وانتهت بجماهير تلبس قميص المنتخب الوطني وتطالب بتدخل عسكري ضد الفساد. في أوكرانيا، بدأت احتجاجات الميدان الأوروبي كحركة ليبرالية مؤيدة للاتحاد الأوروبي وانتهت بتحالف يضم نازيين جدداً. في الولايات المتحدة، تحولت طاقة احتلوا وول ستريت المناهضة للبنوك، بعد أن تبددت، إلى جزء من القاعدة الشعبية التي غذت ترامب لأنه أيضاً كان يهاجم النخبة. بيفينز يسمي هذا إعادة التوجيه اليميني. اليمين لا يحتاج أن ينظم احتجاجاته من الصفر، يكفي أن ينتظر حتى تنهار احتجاجات اليسار الأفقي، ثم يأتي ليجمع الغضب المتبدد ويوجهه نحو أهدافه: ضد المهاجرين، ضد النساء، ضد الشيوعية.
يستشهد الكتاب ببحث مهم لعالمة الاجتماع زينب توفيكجي التي كانت من أوائل من احتفوا بقوة الشبكات بلا قادة، ثم عادت بعد سنوات لتعترف أن قوة الشبكات في سرعة الحشد تقابلها ضعف قاتل في اتخاذ القرار الاستراتيجي. الشبكة تستطيع أن تجمع مليون شخص في يوم واحد، لكنها لا تستطيع أن تقرر ماذا سيفعل المليون في اليوم التالي. الحزب القديم كان بطيئاً في الحشد، لكنه كان قادراً على الاستمرارية. العقد الثاني استبدل الاستراتيجية بالتكتيك، استبدل التنظيم باللحظة، استبدل السياسة بالأخلاق. كان الجميع يريد أن يكون نقياً، لكن النقاء في السياسة يعني غالباً العجز.
يصل بيفينز إلى خلاصة مرة: المشكلة لم تكن أن المتظاهرين لم يحاولوا بما فيه الكفاية، بل أنهم حاولوا بالطريقة التي سمح لهم النظام أن يحاولوا بها. النظام النيوليبرالي لا يمانع أن تتظاهر، بل يشجعك على التظاهر طالما أنك تفعل ذلك بطريقة أفقية ومؤقتة واستعراضية. لأنه يعرف أنك ستنهك، وأنك ستعود إلى بيتك، وأن الشرطة ستنظف الميدان، وأن الحياة ستعود كما كانت، لكن مع ذاكرة هزيمة إضافية. الثورة الحقيقية، كما يقول أحد مناضلي البرازيل القدامى الذين يقابلهم بيفينز في نهاية الكتاب، ليست كرنفالاً، بل هي عمل ممل وطويل ومنظم، وهذا بالضبط ما تعلم جيل كامل أن يحتقر.
في الفصل الأخير من كتابه، يأخذنا فينسنت بيفينز إلى سانتياغو في تشيلي في أكتوبر 2019، إلى ما بدا وكأنه الاستثناء الذي يكسر القاعدة. مرة أخرى طلاب يتهربون من دفع تذكرة المترو، مرة أخرى عنف الشرطة، مرة أخرى مليونية في بلازا دي لا ديغنيداد. لكن هذه المرة، ولأول مرة منذ عقد، كان هناك اختلاف صغير لكنه حاسم: النشطاء الذين تعلموا من هزائم 2011 قرروا أن لا يبقوا في الساحة فقط. دفعوا نحو استفتاء دستوري، نحو انتخاب جمعية تأسيسية، نحو تحويل الغضب إلى نص قانوني. للحظة بدا أن الحلقة المفرغة قد كسرت. ثم جاءت الجائحة، ثم جاءت الانقسامات، ثم فشل الدستور المقترح في الاستفتاء عام 2022 لأنه بدا طموحاً أكثر من اللازم، ثم عادت تشيلي إلى اليمين مرة أخرى مع انتخاب رئيس يميني محافظ. حتى الاستثناء انتهى بخيبة، لكنه ترك درساً: بدون انتقال من الشارع إلى المؤسسة، لا شيء يبقى.
هل يعني هذا العودة إلى الحزب اللينيني القديم؟ بيفينز لا يقول ذلك بشكل مباشر، وهو صحفي ليبرالي أمريكي وليس منظراً ثورياً. لكنه يلمح بوضوح إلى أن البديل الوحيد للفراغ هو البناء. ويستشهد بتجارب جديدة بدأت تظهر بعد 2020: في البرازيل، حركة العمال بلا أرض MST التي لم تشارك في كرنفال 2013 لأنها كانت مشغولة ببناء تعاونيات زراعية، هي من بقيت صامدة بعد صعود بولسونارو وهي من ساعدت في عودة لولا. في مصر نفسها، رغم القمع، النقابات المستقلة الصغيرة التي تأسست بعد 2011، رغم ضعفها، هي الوحيدة التي لا تزال قادرة على التفاوض على أجر عامل. في الولايات المتحدة، النقاش داخل اليسار الجديد حول أهمية النقابات العمالية مثل نقابة عمال أمازون وستاربكس، هو محاولة للخروج من عباءة احتلوا.
يختم الكتاب بمشهد مؤثر لكاتب يقابل ناشطاً برازيلياً قديماً كان قد هتف إذا احترقنا سنحرق كل شيء، ليجده اليوم يعمل كسائق أوبر ويقول له لم نكن نعرف ماذا نفعل بعد الحريق. هذا المشهد هو خلاصة عقد كامل. النار اشتعلت، لكن لم يكن هناك من يعرف كيف يوجهها لتدفئ البيوت بدلاً من أن تحرقها.
إذا أردنا أن نكون منصفين. بيفينز أحياناً يقع في فخ الحتمية التنظيمية، أي أنه يفترض أن وجود التنظيم كان سيضمن النجاح، بينما الواقع أن كثيراً من الحركات المنظمة سحقت أيضاً بالعنف المجرد، كما أن تركيزه على فكرة الأفقية كسبب رئيسي للفشل قد يقلل من دور العوامل الجيوسياسية الكبرى: تدخل السعودية والإمارات، ودعم أمريكا وروسيا للثورات المضادة، ودور صندوق النقد الدولي في فرض التقشف بعد الاحتجاجات.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




