ترويض الوحش: كيف تنتصر الجماعات المقهورة بالدولة لا ضدها

في مكتبة الفكر السياسي المعاصر، اعتدنا على سردية مألوفة تكاد تكون محفوظة، الدولة هي أداة القمع، هي السوط الذي يجلد ظهور الجماعات المقهورة، هي الهيكل الذي بناه الأقوياء ليحفظوا امتيازاتهم، وبالتالي فإن طريق التحرر يمر حتما عبر تفكيكها أو الابتعاد عنها أو بناء مجتمعات موازية صغيرة تنجو من قبضتها. يأتي كتاب هاري راميش الجديد الصادر عن جامعة هارفارد بعنوان “ترويض الدولة: الجماعات المقهورة والسعي وراء الديمقراطية الجذرية… Harrising the state: Oppressed Groups and Pursuit of Radical Democracy” ليقلب هذه السردية رأسا على عقب، لا عبر إنكار قمعية الدولة، بل عبر طرح سؤال أكثر جذرية وأكثر واقعية: ماذا لو كانت الدولة، رغم كل تاريخها الدموي، هي الأداة الوحيدة القادرة فعلا على تفكيك القمع الاجتماعي المتجذر؟ ماذا لو كان الحل ليس في الهروب من الدولة بل في ترويضها وتسخيرها؟
هذه هي الأطروحة المحورية التي يبني عليها راميش عملا لا يكتفي بالتنظير المجرد بل يغوص في تجربتين من أعمق تجارب القمع في التاريخ الحديث، نظام الطبقات الطائفية في الهند، ونظام العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة. ومن خلال هذا التشبيك المقارن الذي طالما تهيب الباحثون الخوض فيه، يقدم راميش قراءة جديدة تماما لثلاثة مفكرين كبار شكلوا وعي القرن العشرين، جون ديوي الفيلسوف البراغماتي الأمريكي، وبي آر أمبيدكار مهندس الدستور الهندي وزعيم المنبوذين، وويليام دوبوا المؤرخ وعالم الاجتماع الأسود الذي كتب ملحمة إعادة الإعمار.
الكتاب لا يبدأ من الدولة، بل يبدأ من فكرة الديمقراطية نفسها، وتحديدا من إعادة قراءة جون ديوي. بالنسبة لديوي، كما يشرح راميش في الفصل الأول الطويل والمكثف الذي يحمل عنوان “التواصل والتغيير الديمقراطي”، لم تكن الديمقراطية مجرد صندوق اقتراع أو مجموعة مؤسسات دستورية، كانت طريقة حياة، كانت شبكة من العلاقات الإنسانية التي تسمح للأفراد بأن يدركوا كيف تؤثر أفعالهم على الآخرين، وأن يصمموا آليات مؤسسية لمعالجة هذه الآثار، وأن يتحملوا نتائج أفعالهم في حلقة مستمرة من التجريب والتعلم. الديمقراطية عند ديوي كانت تقدمية بطبيعتها، لأنها تفترض أن البشر قادرون على النمو، ليس النمو الاقتصادي بل النمو الأخلاقي والعاطفي والفكري، عبر تفاعلهم مع بيئة متغيرة. وكان جوهر هذا النمو هو التواصل، ليس التواصل بمعنى الخطابة، بل التواصل بمعنى الاستقصاء الاجتماعي المشترك، أن يجلس الناس معا، يحددون المشكلة، يجربون حلا، يراقبون النتائج، ثم يعيدون التقييم.
هنا يضع راميش إصبعه على نقطة ضعف ديوي التي ستكون مدخلا لكل الكتاب. ديوي كان يعتقد، بشيء من التفاؤل المثالي، أن الغايات الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا بوسائل ديمقراطية، وأن التغيير يأتي من الأسفل، من احتجاجات، من إضرابات، من نقاشات، من توسيع دائرة الاستقصاء الاجتماعي لتشمل أكبر عدد من الأفراد. لقد كان ديوي يخشى الدولة، يراها في كتاباته المتأخرة في ثلاثينيات القرن الماضي، خاصة بعد قراءته النقدية للماركسية وتأملاته في توماس جيفرسون، كيانا يعيق الاستقصاء، كيانا يفرض دوغمائية تعطل التجريب الحر للمجتمع. لذلك كان مشروعه مشروعا يلتف حول الدولة، لا يمر عبرها.
لكن، هنا التحليل، ماذا يحدث عندما لا يكون المجتمع مجرد مجتمع كبير فوضوي يحتاج إلى تنظيم، بل مجتمع منقسم بشكل منهجي إلى سادة وعبيد، إلى طاهر ومنبوذ، إلى أبيض وأسود، حيث لا يستطيع الأفراد حتى الجلوس معا للتواصل لأن القمع الاجتماعي نفسه يمنع شروط التواصل؟ ماذا يحدث عندما تكون المشكلة ليست مجرد تفاوت اقتصادي، بل قمع جماعي قائم على أساس الانتماء لجماعة؟
هذا هو السؤال الذي لم يجب عنه ديوي بعمق، ويجيب عنه أمبيدكار. الفصل الثاني من الكتاب،، يعيد اكتشاف أمبيدكار ليس فقط كسياسي، بل كمنظر ديمقراطي أصيل قدم تصحيحا ضروريا لديوي. أمبيدكار، الذي ولد منبوذا في الهند، وذاق مرارة أن يمنع من شرب الماء من نفس البئر، أدرك مبكرا أن القمع الطائفي ليس مجرد تحيز فردي، بل هو نظام اجتماعي متكامل له أيديولوجيته واقتصاده ودينه. لا يمكن تفكيكه عبر التواصل الطوعي بين الأفراد لأن الأفراد المهيمنين لا يريدون التواصل أصلا، بل يستفيدون من غيابه. لذلك، كان على أمبيدكار أن يخترع مفهوما جديدا للدولة.
بالنسبة لأمبيدكار، الدولة ليست عدوا بطبيعتها، بل هي ساحة صراع. يمكن أن تكون أداة قمع في يد الأغلبية، كما كانت الدولة الاستعمارية البريطانية التي سلمت مقاليد المجتمع للطبقات العليا، ويمكن أن تصبح أداة تحرر إذا ما تم ترويضها دستوريا وقانونيا لصالح الأقليات المقهورة. من هنا جاء هوس أمبيدكار بالقانون، بالدستور، بالتمثيل النسبي، بالمحاكم، بالتعليم الذي تديره الدولة. لقد كان يرى أن الجماعات المقهورة، لكي تحرر نفسها، تحتاج إلى رافعة خارج المجتمع نفسه، رافعة قادرة على كسر احتكار الطبقات المهيمنة للسلطة الاجتماعية، وهذه الرافعة هي الدولة.
راميش يتتبع كيف طور أمبيدكار هذه الفكرة عبر صراعه مع غاندي. غاندي كان أقرب إلى ديوي، كان يؤمن بالقرية، بالإصلاح الأخلاقي، بتغيير القلوب، كان يريد أن يقنع الهندوسي عالي الطبقة بأن يحب المنبوذ. أمبيدكار كان يرد بسخرية مريرة: لا نريد حبكم، نريد حقوقنا، ولا تأتي الحقوق عبر الحب، بل عبر القانون الذي تفرضه الدولة. هذه المواجهة ليست مجرد تاريخ هندي، إنها مواجهة بين نموذجين للديمقراطية، نموذج يراهن على المجتمع، ونموذج يراهن على الدولة كأداة لتغيير المجتمع.
وهنا ينتقل الكتاب إلى الضفة الأخرى من المحيط، إلى الولايات المتحدة، ليجد نفس النقاش يتكرر بحذافيره في قضية براون ضد مجلس التعليم عام 1954، وفي كتابات دوبوا عن إعادة الإعمار. الفصل الثالث يوضح كيف أن حركة الحقوق المدنية، رغم تأثرها بخطاب المقاومة اللاعنفية، لم تكن في جوهرها حركة ضد الدولة، بل كانت حركة لتسخير الدولة الفيدرالية ضد مجتمعات الجنوب القمعية. عندما طلب السود من المحكمة العليا أن تتدخل لإلغاء الفصل العنصري في المدارس، كانوا يمارسون نفس منطق أمبيدكار: نحن جماعة مقهورة لا نستطيع إقناع جيراننا البيض بأن يشاركونا المدرسة، لذلك نستدعي سلطة أعلى، سلطة الدولة، لتفرض علينا جميعا شروطا جديدة للتواصل.
راميش يسمي هذا “الترويض”، الترويض ليس الاستيلاء، وليس العبادة، هو تحويل وحش إلى أداة. الدولة في هذا الكتاب ليست بطلا، وليست شريرا مطلقا، هي حصان بري، إذا تركته يركض بحرية سيسحق الضعفاء، وإذا روضته جيدا يمكن أن يحرث الأرض للجميع.
في عام 2026، حيث يتصاعد خطاب معاداة الدولة من اليمين واليسار معا، من اليمين الليبرتاري الذي يريد تفكيك الدولة لصالح السوق، ومن اليسار الراديكالي الذي يراها أداة رأسمالية لا يمكن إصلاحها، تأتي من كونه يذكرنا بحقيقة تاريخية بسيطة: كل انتصار حقيقي للجماعات المقهورة في المائة عام الماضية، من إلغاء المنبوذية في الهند إلى إلغاء الفصل العنصري في أمريكا، لم يتحقق عبر الابتعاد عن الدولة، بل عبر الإمساك بها بقوة وتحويلها إلى أداة للعدالة.
يخصص هاري راميش الفصل الأول بأكمله لما يسميه النواة التواصلية في فكر جون ديوي، وهي نقطة ينطلق منها ليبني لاحقا نقده الأكبر. ديوي، الفيلسوف الذي عاش بين 1859 و1952، كان يرى أن المجتمع العظيم، المجتمع الصناعي المترامي الأطراف الذي خلقته الحداثة، يعاني من مرض أساسي هو عدم قدرة الناس على إدراك كيف تؤثر أفعالهم على بعضهم البعض. الحل كان عنده هو الاستقصاء الاجتماعي، عملية شبيهة بالتجربة العلمية، يجتمع فيها المواطنون كمجتمع من الباحثين، يحددون المشكلة العامة، يجربون حلا، ثم ينشرون النتائج بطريقة جمالية وفنية قادرة على اختراق قشرة الوعي التقليدي الروتيني، على حد تعبيره. الفن، عند ديوي، ليس ترفا، بل هو الوسيلة التي تجعل نتائج الاستقصاء مفهومة للعامة، قادرة على تحريكهم. بدون هذا الاستقصاء الحر، لا يمكن تحويل المجتمع العظيم إلى مجتمع عظيم حقا، مجتمع متكامل أخلاقيا.
لكن راميش يلتقط تحولا خطيرا حدث لديوي في ثلاثينيات القرن العشرين، وهو تحول ديوي عن الماركسية وعن جيفرسون وعن الليبرالية. في تلك الفترة، بدأ ديوي ينظر إلى الدولة ككيان يعطل التواصل لا يسهله. الدولة، بالنسبة له، كانت مركزا للسلطة السياسية تميل إلى انتهاك النواة التواصلية، لأنها تفرض حلولا جاهزة، دوغمائية، تقطع الطريق أمام التجريب المجتمعي الحر. كان ديوي يرى أن التغيير الديمقراطي يجب أن يأتي من وسائل ديمقراطية، وأن استخدام الوسائل القسرية للدولة قد يكون مشروعا فقط إذا كان يهدف إلى إثارة الاستقصاء الاجتماعي لا إلى حله بالقوة. كان يقول إن الإكراه يمكن أن يكون وسيلة حيوية، لكن فقط عندما يستخدم لاستفزاز التساؤل لا لإنهائه. هذه هي الرؤية اللاتدولتية التي سادت الفكر التقدمي الأمريكي لعقود، رؤية ترى الدولة كخطر، والمجتمع كملاذ.
هنا يتدخل أمبيدكار،. أمبيدكار قرأ ديوي، كان تلميذا له في جامعة كولومبيا في نيويورك في العشرينيات، وكتب أطروحته تحت إشرافه. لكنه عاد إلى الهند ليجد أن نظرية أستاذه لا تعمل في أرض الطبقات. لماذا؟ لأن ديوي افترض وجود حد أدنى من المساواة الاجتماعية يسمح بالتواصل. افترض أن الناس، رغم اختلافاتهم، يمكن أن يجلسوا معا كمحققين. لكن نظام الطبقات، كما يشرح أمبيدكار في كتابه الشهير إبادة الطبقات الذي يحلله راميش بعمق، هو نظام يمنع التواصل من الأساس. إنه نظام تدرج لامساواة، كل طبقة تحتقر التي تحتها وتتملق التي فوقها، نظام يقوم على فكرة النجاسة والطهارة، حيث مجرد لمس المنبوذ أو حتى رؤيته ينجس الطاهر. كيف يمكنك أن تجري استقصاء اجتماعيا مشتركا مع شخص يعتبر مجرد ظلك نجاسة؟ كيف يمكنك أن تطلب من المنبوذ أن يقنع البراهمي عبر الحوار أن يتخلى عن امتيازات عمرها ثلاثة آلاف عام؟
راميش يوضح أن أمبيدكار أدرك أن القمع القائم على أساس الجماعة يختلف نوعيا عن القمع الطبقي أو الاقتصادي. القمع الاقتصادي يمكن أن يخلق تضامنا بين المقهورين، لكن القمع الطائفي يخلق انقساما أفقيا وعموديا يمنع حتى تشكل الجمهور. المنبوذون أنفسهم كانوا منقسمين إلى طبقات فرعية تتصارع فيما بينها. لذلك، كان الاستقصاء الاجتماعي، كما تصوره ديوي، معطلا بنيويا. لا يوجد جمهور واحد، بل جماهير متعادية لا تريد أن تستمع لبعضها. في هذه الحالة، الاعتماد على المجتمع لتغيير المجتمع يشبه مطالبة السجين بأن يقنع سجانه بأن يفتح الباب عبر حوار ودي.
لهذا السبب، اختار أمبيدكار الدولة. لكن ليس أي دولة. اختار دولة دستورية قوية، دولة تتدخل بعنف قانوني لتفكيك البنية الاجتماعية. هذا هو معنى الترويض. الدولة التي روضها أمبيدكار في دستور الهند عام 1950 لم تكن دولة محايدة، كانت دولة منحازة بشكل واضح ضد المجتمع. لقد وضع فيها ثلاثة أسلحة فتاكة. السلاح الأول هو الحقوق الأساسية التي تلغي ممارسة المنبوذية وتجرمها، وتجعل الدولة ملزمة بحماية المنبوذ حتى ضد أسرته وقريته. السلاح الثاني هو التمييز الإيجابي، نظام الكوتا والحجوزات في التعليم والوظائف والبرلمان، وهو اعتراف صريح بأن المساواة الشكلية لا تكفي عندما يكون هناك تفاوت تاريخي عميق، وأنك تحتاج إلى تدخل الدولة لإعادة توزيع الفرص بالقوة. السلاح الثالث، وهو الأكثر جذرية، هو فكرة الدولة كضامن للمساواة الاجتماعية، دولة تتدخل في المعابد، في الآبار، في المدارس، في الزواج، لتفرض اختلاطا قسريا، لأن الاختلاط الطوعي مستحيل.
راميش يجادل بأن هذا التصور هو تصحيح لديوي وليس قطيعة معه. أمبيدكار لم يرفض النواة التواصلية، بل قال إن التواصل نفسه يحتاج إلى شروط مسبقة لا يمكن توفيرها إلا عبر الدولة. لا يمكنك أن تطلب من الناس أن يتواصلوا وهم غير متساوين، يجب أولا أن تستخدم الدولة لخلق حد أدنى من المساواة، حتى يصبح التواصل ممكنا. الدولة، في هذا المعنى، ليست بديلا عن الاستقصاء الاجتماعي، بل هي شرطه. هي التي تهيئ المسرح، تنظفه من الأشواك، حتى يستطيع الممثلون أن يصعدوا ويتحدثوا.
يقارن راميش هذا بفكرة دوبوا عن الدولة. دوبوا، في كتابه إعادة الإعمار الأسود في أمريكا الذي صدر عام 1935، طرح نفس الحجة تقريبا ضد المدرسة التاريخية العنصرية التي كانت تسيطر على أمريكا. تلك المدرسة كانت تقول إن منح السود حق التصويت بعد الحرب الأهلية كان خطأ لأنهم غير مستعدين، وأن الجنوب يجب أن يترك ليحل مشاكله بنفسه عبر التواصل المحلي. دوبوا رد بأن الجنوب لم يكن مجتمعا واحدا، بل كان مجتمعين، أبيض وأسود، واحد يملك كل شيء والآخر لا يملك حتى جسده. ترك الجنوب ليحل مشاكله بنفسه يعني ترك الذئب يقرر مصير الخروف. لذلك، دافع دوبوا عن إعادة الإعمار كمشروع دولة فيدرالية، مشروع استخدم الجيش الفيدرالي ومكتب المتحررين والمدارس الفيدرالية والتعديلات الدستورية لفرض مساواة قسرية على مجتمع لا يريدها.
هذا التوازي بين أمبيدكار ودوبوا هو مقارنة راميش الأهم. كلاهما، رغم أنهما لم يلتقيا، توصلا إلى نفس النتيجة: الجماعات المقهورة لا تتحرر عبر الانسحاب من الدولة، بل عبر الإمساك بها وتحويلها إلى أداة لكسر المجتمع القمعي. كلاهما آمن بأن المساواة لا تأتي عبر تغيير القلوب، بل عبر تغيير القوانين التي تجبر القلوب على التغيير لاحقا.
يصبح واضحا أن كتاب راميش ليس مجرد تاريخ أفكار، بل هو تدخل نظري في نقاشنا المعاصر حول الهوية والعدالة. هو يقول لليسار الجديد الذي يحتفي بالمجتمع الأهلي والمقاومة اليومية ويرتاب من الدولة، انتبهوا، أنتم تكررون خطأ ديوي، تتركون الجماعات المقهورة تواجه بنى قمعية جبارة بأدوات حوارية ضعيفة. ويقول لليمين الليبرالي الذي يريد دولة صغيرة محايدة، انتبهوا، حياد الدولة في مجتمع غير محايد هو انحياز للظالم. الترويض هو الطريق الثالث، دولة قوية لكن مقيدة دستوريا، دولة تتدخل لكن لصالح من لا صوت لهم، دولة تجبر الناس على العيش معا حتى يتعلموا كيف يعيشون معا.
إذا كان أمبيدكار قد روض الدولة عبر الدستور، فإن السود في أمريكا روضوها عبر المحكمة. هذه هي الفكرة التي يبني عليها هاري راميش الفصلين الأوسطين من كتابه، وهما فصلان يمثلان ذروة السرد التاريخي المقارن، حيث ينتقل القارئ من دهاليز الجمعية التأسيسية الهندية في نيودلهي عام 1949 إلى قاعة المحكمة العليا في واشنطن عام 1954، ليكتشف أنهما مسرحان لنفس المعركة.
يبدأ راميش بقضية براون ضد مجلس التعليم في توبيكا، كانساس. بالنسبة لمعظم الأمريكيين، براون هي لحظة مقدسة، اللحظة التي قالت فيها المحكمة العليا بإجماع تسعة قضاة إن الفصل العنصري في المدارس العامة غير دستوري، لأن الفصل بحد ذاته يخلق شعورا بالدونية لدى الأطفال السود يترك أثرا لا يشفى في قلوبهم وعقولهم. لكن راميش لا يقرأ براون كقرار قانوني، بل كاستراتيجية ترويض.
لفهم ذلك، يعود إلى دوبوا. في كتابه “إعادة الإعمار الأسود”، قدم دوبوا أطروحة ثورية: إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية بين 1865 و1877 لم تكن فترة فساد وفوضى يحكمها سياسيون سود جاهلون كما صورتها المدرسة العنصرية البيضاء، بل كانت محاولة جادة لبناء ديمقراطية عابرة للعرق في الجنوب، محاولة استخدمت الدولة الفيدرالية بكل ثقلها، الجيش، مكتب المتحررين، التعديلات الدستورية الثلاثة عشر والرابعة عشر والخامسة عشر، لإجبار مجتمع قائم على العبودية على أن يصبح مجتمعا متساويا. لقد كانت إعادة الإعمار، في نظر دوبوا، تجربة ترويض مبكرة: استخدام سلطة واشنطن المركزية لكسر سلطة المزارعين البيض المحلية، وإجبارهم على مشاركة المدرسة وصندوق الاقتراع والأرض.
عندما انتهت إعادة الإعمار بانسحاب القوات الفيدرالية عام 1877، حدث ما توقعه دوبوا. ترك الجنوب ليحل مشاكله بنفسه، فحلها عبر الإرهاب، عبر الكو كلوكس كلان، عبر قوانين جيم كرو، عبر إعادة بناء نظام طبقي جديد بلا عبودية رسمية لكن بنفس الروح. السود، كما يقول راميش مستعيرا مصطلح أمبيدكار، أصبحوا منبوذي أمريكا. لا يمكنهم التواصل مع البيض لأن القانون المحلي والعرف الاجتماعي يمنعان ذلك. المدرسة المنفصلة، المطعم المنفصل، الحافلة المنفصلة، كلها ليست مجرد إهانات رمزية، بل هي آليات لمنع تشكل جمهور مشترك. لا يوجد استقصاء اجتماعي مشترك عندما لا يمكنك حتى الجلوس في نفس الغرفة.
هنا تأتي عبقرية استراتيجية الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين NAACP بقيادة ثورغود مارشال. لقد أدركوا أن الجنوب لن يغير نفسه بنفسه، وأن الرأي العام الأبيض المحلي لن يستيقظ عبر الحوار. كان لا بد من استدعاء دولة أكبر لترويض دولة أصغر. كان لا بد من استدعاء واشنطن لترويض توبيكا وجاكسون ومونتغومري. وهذا ما فعلته قضية براون. لم تكن براون مجرد دعوى قضائية، كانت طلبا من جماعة مقهورة إلى الدولة الفيدرالية بأن تتدخل لتخلق شروط التواصل بالقوة.
راميش يحلل مرافعات مارشال . مارشال لم يقل للمحكمة إن الفصل العنصري غير أخلاقي فحسب، بل قال إن الفصل العنصري يدمر الديمقراطية نفسها كما فهمها ديوي. كيف يمكن للأطفال السود والبيض أن يتعلموا كيف يعيشون معا كمواطنين في ديمقراطية واحدة إذا كانوا لا يلتقون أبدا؟ كيف يمكن أن يتشكل جمهور ديمقراطي مشترك عندما تقسمه الدولة نفسها منذ الروضة؟ لقد استخدم مارشال حجة ديوي ضد ديوي. قال إن الدولة المحلية في الجنوب هي التي تعطل النواة التواصلية، وأن الدولة الفيدرالية يجب أن تتدخل لاستعادة تلك النواة عبر فرض الاختلاط.
وقد استجابت المحكمة، لكن بطريقة تكشف عن مفارقة الترويض. المحكمة في قرار براون الأول عام 1954 أعلنت المبدأ، لكنها في قرار براون الثاني عام 1955 قالت إن التنفيذ يجب أن يتم “بكل سرعة متأنية”. هذه العبارة الشهيرة “with all deliberate speed” كانت تنازلا للجنوب، وكانت دليلا على أن الدولة حتى عندما يتم ترويضها، تظل مترددة، تظل تخشى رد فعل المجتمع المهيمن. وقد ترتب على ذلك عقد من المماطلة، من إغلاق المدارس، من العنف، من اضطرار الرئيس أيزنهاور لإرسال الفرقة 101 المحمولة جوا إلى ليتل روك لحماية تسعة أطفال سود يدخلون مدرسة بيضاء.
هنا يطرح راميش سؤاله الأكثر إيلاما: هل يمكن ترويض الدولة فعلا دون أن تنقلب عليك؟ تجربة براون تظهر أن الترويض ليس لحظة واحدة، بل هو عملية مستمرة من الشد والجذب. الجماعة المقهورة تستدعي الدولة، الدولة تتدخل جزئيا، المجتمع المهيمن يقاوم، الجماعة المقهورة تضطر للعودة إلى الشارع، إلى المقاطعة، إلى الاحتجاج، لإجبار الدولة على الوفاء بوعدها. وهذا ما حدث في حركة الحقوق المدنية في الستينيات. قانون الحقوق المدنية عام 1964 وقانون حق التصويت عام 1965 لم يكونا نتاج استقصاء اجتماعي هادئ، بل نتاج ترويض مزدوج: ترويض المحكمة للمجتمع، وترويض الحركة للدولة نفسها عبر الضغط في الشوارع.
راميش يقارن هذه الديناميكية بما حدث في الهند بعد دستور أمبيدكار. الدستور ألغى المنبوذية على الورق، لكن القرى استمرت تمارسها لعقود. المنبوذون اضطروا لاستخدام نفس الدستور للذهاب إلى المحاكم، لتنظيم احتجاجات، لإجبار الشرطة المحلية على تطبيق القانون الفيدرالي. الدولة المروضة لا تعمل تلقائيا، تحتاج إلى من يذكرها دائما بأنها مروضة، وإلا عادت إلى طبيعتها البرية كأداة في يد الأغلبية.
وهنا يصل الكتاب إلى لحظة نقد ذاتي مهمة. راميش لا يصور الدولة كمنقذ. هو يعرف، ويخصص فصلا كاملا لذلك، أن الدولة يمكن أن تخون. عندما تروض جماعة مقهورة الدولة، فإنها تخلق سابقة خطيرة: دولة قوية قادرة على التدخل في المجتمع. هذه الدولة القوية يمكن أن يستخدمها لاحقا خصومها ضدها. في الهند، استخدمت الحكومات المتعاقبة قوانين الطوارئ لقمع المنبوذين أنفسهم عندما أصبحوا أكثر تنظيما. في أمريكا، استخدمت المحكمة العليا نفسها، بعد براون بعقود، للتحلل من سياسات التمييز الإيجابي باسم الحياد اللوني.
الترويض، إذن، ليس حلا نهائيا، بل هو رهان محفوف بالمخاطر. الجماعة المقهورة تراهن على أن فوائد دولة قوية تتدخل لصالحها أكبر من مخاطر أن تنقلب هذه الدولة ضدها. وهذا الرهان، كما يجادل راميش، كان رهانا عقلانيا في سياق القمع المنهجي. عندما يكون البديل هو تركك فريسة لمجتمع يكرهك، فإن الاستعانة بوحش، حتى لو كان وحشا لا يمكن السيطرة عليه تماما، يظل أفضل من البقاء وحيدا في الغابة.
بهذا المعنى، يعيد راميش تعريف البطولة السياسية. الأبطال ليسوا أولئك الذين بنوا مجتمعات صغيرة نقية بعيدا عن الدولة، بل أولئك الذين تجرأوا على الإمساك بزمام الدولة، رغم قذارتها، واستخدموها. أمبيدكار الذي ارتدى البدلة الغربية ودخل البرلمان البريطاني، ومارشال الذي ارتدى روب المحاماة ودخل المحكمة العليا التي كانت حتى وقت قريب تشرعن العبودية، كانا يمارسان شكلا من الشجاعة السياسية أكثر تعقيدا من مجرد الرفض. كانا يمارسان فن الترويض.
في الفصل الأكثر تجريدا ونظريا في كتاب “ترويض الدولة”، وهو فصل يقع في منتصف الكتاب لكنه يمثل عموده الفقري الفلسفي، يطرح هاري راميش سؤالا يبدو بسيطا لكنه يفجر كل النظريات التقليدية للعدالة: ما هو القمع الاجتماعي؟ ومتى يصبح الظلم شيئا مختلفا نوعيا عن مجرد تفاوت؟
معظم نظريات العدالة المعاصرة، من جون رولز إلى أمارتيا سن، تتعامل مع الظلم كمسألة توزيع، هناك من يملك أكثر وهناك من يملك أقل، والمطلوب هو إعادة التوزيع. حتى النظريات النقدية التي تتحدث عن الاعتراف والهوية، تظل ترى الحل في منح الجماعات المهمشة مزيدا من الموارد، مزيدا من الاحترام، مزيدا من التمثيل. راميش يقول إن هذا لا يكفي لفهم ما عاناه المنبوذون في الهند والسود في أمريكا. القمع الذي عانوه لم يكن مجرد نقص في الموارد، بل كان انسدادا بنيويا يمنعهم من أن يصبحوا جزءا من الجمهور الديمقراطي أصلا.
ويعود هنا إلى ديوي مرة أخرى، لكن هذه المرة ليصححه بشكل نهائي. ديوي كان يميز، كما ينقل راميش عن جيف جاكسون أحد شارحي ديوي، بين نوعين من اللامساواة. هناك لامساواة داخل مجالات مثل الصناعة والتعليم والدين، وهي لامساواة غير عادلة لكنها لا تدمر قدرة المجتمع على أن يصبح ديمقراطيا، يمكن معالجتها عبر إصلاحات تدريجية وتوسيع الاستقصاء الاجتماعي. وهناك نوع آخر من العلاقات بين الجماعات يشير إلى أن المجتمع نفسه لا يمتلك القدرة على أن يصبح ديمقراطيا. هذا النوع الثاني هو ما يسميه راميش القمع الاجتماعي.
القمع الاجتماعي، بتعريف راميش الدقيق الذي يصوغه في صفحة 62، هو علاقة بين الجماعات تعيق بشكل خطير فرص الترابط الديمقراطي. بعبارة أخرى، ليست كل جماعة فقيرة مقموعة اجتماعيا، وليست كل جماعة تتعرض للتمييز مقموعة بالمعنى الذي يقصده الكتاب. الشرط هو أن تكون العلاقة بين الجماعة المقهورة والجماعة المهيمنة علاقة تمنع التواصل الديمقراطي من الأساس، علاقة تجعل الاستقصاء الاجتماعي المشترك مستحيلا. وهذا يحدث عندما تكون هناك مسائل أساسية حول العضوية، حول القدرة على النمو، حول فرص النمو، لا يمكن اعتبارها مسلما بها.
خذ مثالا: عامل فقير أبيض في مصنع في أوهايو قد يكون مظلوما اقتصاديا، لكنه لا يزال يستطيع أن يجلس مع صاحب المصنع في نفس الكنيسة، أن يصوت في نفس الانتخابات، أن يرسل أطفاله إلى نفس المدرسة، أن يتحدث معه بلغة مشتركة، أن يشارك في استقصاء اجتماعي حول مستقبل المصنع. علاقته بصاحب المصنع هي علاقة تفاوت، لكنها ليست علاقة قمع بالمعنى الدقيق. أما رجل أسود في ميسيسيبي عام 1940، فالمشكلة ليست أنه فقير، بل أنه ممنوع من الجلوس في نفس الكنيسة، ممنوع من التصويت، ممنوع من إرسال أطفاله إلى نفس المدرسة، ممنوع حتى من النظر في عين الرجل الأبيض. علاقته ليست تفاوت، بل هي إقصاء كامل من الجمهور.
نفس الشيء مع المنبوذ في الهند. المشكلة ليست أنه فقير، كثير من البراهمة فقراء أيضا، المشكلة أنه نجس طقوسيا. مجرد وجوده يلوث. لا يمكن أن يكون هناك جمهور ديمقراطي يضم الطاهر والنجس، لأن الطاهر يرفض حتى الاعتراف بإنسانية النجس. لذلك، فإن القمع الاجتماعي، كما يراه راميش، ليس ظلما عاديا، بل هو خلل في شروط إمكان الديمقراطية نفسها.
وهنا يأتي التمييز الحاسم الذي يجعل الكتاب مهما للسياسات العامة اليوم. إذا كان القمع مجرد تفاوت، فإن الحل هو إعادة التوزيع، منح المال، منح التعليم، منح الفرص. لكن إذا كان القمع انسدادا تواصليا، فإن منح المال وحده لا يكفي. يمكنك أن تمنح المنبوذ مالا، لكنه سيظل ممنوعا من دخول المعبد. يمكنك أن تمنح الطفل الأسود كتبا، لكنه سيظل في مدرسة منفصلة تزرع فيه شعور الدونية الذي تحدثت عنه محكمة براون. القمع التواصلي يحتاج إلى علاج تواصلي، يحتاج إلى تدخل يكسر الانسداد بالقوة.
وهذا التدخل، كما جادل أمبيدكار ودوبوا ومارشال، لا يمكن أن يأتي من المجتمع نفسه، لأنه هو مصدر الانسداد. لا يمكن أن تطلب من الجماعة المهيمنة أن تكسر انسدادا هي تستفيد منه. لا بد من قوة خارجية، قوة قادرة على فرض شروط جديدة للتواصل، قوة قادرة على أن تقول للبراهمي والأبيض الجنوبي: ستجلس مع المنبوذ والأسود في نفس الفصل، شئت أم أبيت، ليس لأنك تحبه، بل لأن القانون يجبرك، وبعد أن تجلس معه لعشر سنوات، ربما تبدأ في رؤيته كإنسان.
هذه هي الحجة التي تجعل راميش يدافع عن التمييز الإيجابي، عن الكوتا، عن المدارس المختلطة قسرا، عن تدخل الدولة في الحياة الخاصة، ليس كاستثناء مؤقت، بل كشرط دائم للديمقراطية في المجتمعات المنقسمة. وهو هنا يصطدم مباشرة مع التيار الليبرالي المعاصر الذي يرى أن الدولة يجب أن تكون محايدة لونيا وطبقيا، وأن العدالة تعني معاملة الجميع بنفس الطريقة. راميش يرد: الحياد في مجتمع غير محايد هو انحياز. إذا كانت لديك مدرستان، واحدة للبيض مجهزة بمختبرات وواحدة للسود بلا سقف، فإن إعطاء نفس الميزانية للاثنتين ليس عدالة، بل تثبيت للظلم. العدالة تتطلب انحيازا مضادا، تتطلب دولة تقول بوضوح: سأعامل الجماعات بشكل غير متساو لكي أخلق شروطا للمساواة لاحقا.
هذا المنطق يفسر لماذا دافع أمبيدكار عن حجوزات منفصلة للمنبوذين، ولماذا دافع مارشال عن الحافلات التي تنقل الأطفال السود إلى مدارس بيضاء بعيدة، رغم أن ذلك كان يبدو قسريا وغير طبيعي. لأنهما كانا يدركان أن الطبيعي نفسه هو المشكلة. المجتمع الطبيعي في الهند هو مجتمع الفصل الطائفي، المجتمع الطبيعي في الجنوب الأمريكي هو مجتمع الفصل العنصري. لا يمكنك أن تصلح الطبيعي عبر تركه وشأنه، يجب أن تتدخل ضده.
راميش يذهب أبعد من ذلك ليقول إن هذا الفهم للقمع كعائق تواصلي يغير حتى فهمنا لمن يجب أن يحكم بوجود القمع. من الذي يقرر أن جماعة ما مقموعة اجتماعيا؟ ليست الجماعة المهيمنة بالطبع، لأنها ستنكر. وليس مجرد خبراء محايدون، لأن الحياد مستحيل. القرار، كما فعل أمبيدكار ودوبوا، يجب أن يأتي من الجماعة المقهورة نفسها، من تجربتها الحية، لكنه يحتاج إلى تصديق الدولة عبر القانون. المنبوذون هم من قالوا إنهم مقموعون، والسود هم من قالوا إنهم مقموعون، لكن قولهم لم يصبح حقيقة قانونية إلا عندما اعترفت به الدولة عبر الدستور وقرار المحكمة.
وهنا تكمن خطورة الترويض وضرورته في آن واحد. الدولة هي الوحيدة القادرة على الاعتراف بالقمع وتحويله من شعور ذاتي إلى حقيقة قانونية، لكنها أيضا قادرة على إنكاره. وهذا ما حدث عندما تراجعت أمريكا عن إعادة الإعمار، وعندما حاولت الهند بعد أمبيدكار الالتفاف على الكوتا. الترويض ليس فعلا لمرة واحدة، بل هو صراع مستمر على تعريف الواقع نفسه.
الفصل الأخير بعنوان “ترويض الدولة في الحاضر” هو الأكثر عملية، والأكثر إثارة للجدل. راميش يجادل بأن الدروس التي تعلمناها من أمبيدكار ودوبوا ومارشال لا يمكن استنساخها حرفيا، لكن منطقها لا يزال صالحا. المنطق يقول: الإصلاحات يجب أن تهدف إلى خلق فرص حقيقية لأفراد الجماعات المقهورة لتشكيل التشريعات التي تتعلق مباشرة بمصادر قمعهم. هذه هي الجملة المحورية التي يصوغها في صفحة 191، والتي يضع تحتها خطا. ليس مجرد تمثيل رمزي، ليس مجرد مقعد في البرلمان، بل قدرة فعلية على صياغة القانون الذي يمس حياتهم.
ويقدم مثالا ملموسا يأتي به من جنوب أفريقيا، وهي دولة عاشت تجربة قمع عنصري تشبه التجربتين الهندية والأمريكية لكنها جاءت بعدهما بزمن. في قضية “أطباء من أجل الحياة ضد رئيس الجمعية الوطنية” عام 2006، ألغت المحكمة الدستورية الجنوب أفريقية قانونين للرعاية الصحية، ليس لأنهما سيئان في المحتوى، بل لأن البرلمان لم يستشر الجمهور كما يلزمه الدستور. الدستور الجنوب أفريقي، الذي كتب بعد سقوط الأبارتهايد، يتضمن التزاما صريحا بإشراك الجمهور في العملية التشريعية. وفي حالة قانون كبار السن، نظمت لجنة حقوق الإنسان الجنوب أفريقية ورش عمل، وجلسات عصف ذهني صغيرة، ومنتدى وطنيا، استمعت فيه إلى كبار السن أنفسهم، وإلى منظماتهم، قبل صياغة القانون.
راميش يرى في هذه التجربة نموذجا لما يسميه الاستشارة الإلزامية. الفكرة بسيطة وجذرية في آن واحد: عندما يكون البرلمان بصدد سن قانون يؤثر بشكل كبير على جماعة مقهورة، يجب أن يكون ملزما قانونا بأن يطلب مدخلات غير ملزمة من نشطاء ومجتمع مدني ومواطنين عاديين من تلك الجماعة، وإذا رفض تلك المدخلات، يجب أن يقدم تبريرا علنيا رسميا لماذا رفضها. هذا ليس حق فيتو، بل هو حق في أن تكون مسموعا بطريقة لا يمكن تجاهلها. إنه تحويل لفكرة أمبيدكار عن التمثيل المنفصل إلى آلية إجرائية حديثة.
لماذا هذا مهم اليوم؟ لأن أشكال القمع الجديدة أصبحت غير مرئية. خذ مثال أنظمة تقييم الائتمان التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. هذه الأنظمة، التي تديرها شركات خاصة لكن بترخيص من الدولة، قد تتعلم من بيانات تاريخية عنصرية أو طبقية، فتمنح قروضا أقل لسكان حي أسود أو لحي يسكنه منبوذون سابقون. القمع هنا ليس رجلا أبيض يمنعك من دخول البنك، بل خوارزمية تمنعك بصمت. لا يمكنك أن تواجهها عبر التواصل الوجهي، لأنها لا وجه لها. لا يمكنك أن تقنعها أخلاقيا. تحتاج إلى دولة تتدخل لتفرض شفافية خوارزمية، لتفرض تدقيقا عنصريا وطبقيا على النماذج، لتفرض حق الجماعات المقهورة في مراجعة الكود الذي يحكم حياتها. هذا هو الترويض الرقمي.
راميش يلمح إلى أن الخطاب الحالي المناهض للدولة، سواء جاء من وادي السيليكون الذي يحلم بدولة صغيرة تترك الابتكار حرا، أو من اليسار الهوياتي الذي يرى الدولة أداة استعمارية يجب حلها، يترك الجماعات المقهورة عارية أمام قوى جديدة أكثر قسوة. السوق وحده لن يصلح تحيز الخوارزميات، لأن السوق هو الذي يربح من هذا التحيز. والمجتمع الأهلي وحده لن يصلح، لأن الجماعات المقهورة لا تملك موارد لتدقيق خوارزميات عملاقة. نحتاج مرة أخرى إلى رافعة خارجية، إلى دولة تروض، لكن هذه المرة دولة تروض ليس فقط المدرسة والمعبد، بل الخادم والسحابة.
وهنا يعود الكتاب إلى نقطة البداية مع ديوي بطريقة مؤثرة. ديوي كان يخشى أن الدولة تقتل الاستقصاء الاجتماعي. لكن راميش يجادل بأن الدولة المروضة يمكن أن تكون هي التي تحمي الاستقصاء الاجتماعي في العصر الرقمي. عندما تفرض الدولة على شركات التكنولوجيا أن تكشف عن بياناتها، وأن تسمح للباحثين من الجماعات المقهورة بتدقيقها، فإنها لا تقتل الاستقصاء، بل تخلق شروطه. هي تجبر الفضاء الرقمي المنقسم إلى فقاعات عنصرية وطبقية على أن يصبح جمهورا مشتركا.
الكتاب ينتهي بملاحظة أخلاقية عميقة عن طبيعة الشجاعة السياسية. ترويض الدولة، كما مارسه أمبيدكار عندما قبل أن يكون وزيرا للقانون في حكومة كان يعتبرها براهمية، وكما مارسه مارشال عندما قبل أن يصبح أول قاض أسود في محكمة كانت تشرعن العبودية، يتطلب نوعا من البراغماتية، نوعا من الاستعداد للعمل داخل مؤسسات تكرهك، لاستخدام أدوات صنعت لقمعك. هذا ليس عملا بطوليا نظيفا، إنه عمل مليء بالتنازلات، لكنه العمل الوحيد الذي أثبت التاريخ أنه ينجح.




