أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

لماذا يصوت الناس ضد مصالحهم كما نراها؟

عندما صدر كتاب فيليب مانو Philipp Manow “Die Politische Ökonomie des Populismus” عن دار زوركامب العريقة في طبعته الأولى عام 2018، كانت أوروبا لا تزال تحت صدمة تتابع الزلازل السياسية التي لم يكن أحد يتوقعها بهذا التسارع. في يونيو 2016 صوت البريطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي نوفمبر من العام نفسه وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وبين الحدثين كانت الأحزاب الشعبوية اليمينية تحقق اختراقات تاريخية في النمسا وفرنسا وألمانيا نفسها حيث دخل حزب البديل من أجل ألمانيا إلى البوندستاغ للمرة الأولى، بينما في الجنوب كان اليسار الشعبوي هو الذي يتصدر المشهد مع سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا وحركة خمس نجوم في إيطاليا. كان المشهد مرتبكاً إلى درجة أن التحليل السائد استسلم سريعاً لتفسير مريح وبسيط: إنها ثورة ثقافية، انتفاضة قيم، تمرد لهويات شعرت بأنها مهددة.

هذه هي بالضبط النقطة التي ينطلق منها مانو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بريمن وأحد أبرز الباحثين في الاقتصاد السياسي المقارن في ألمانيا، لكي يفكك بمنهج هادئ وصارم واحدة من أكثر السرديات رواجاً في العقد الأخير. السردية الثقافوية التي بلورها رونالد إنغلهارت وبيبا نوريس بوضوح، والتي تقول إن الشعبوية ليست سوى رد فعل ثقافي مضاد، backlash ثقافي ضد تحول المجتمعات الغربية نحو قيم ما بعد المادية، نحو التسامح والانفتاح والمساواة الجندرية، وأن الخاسرين في هذا التحول، وهم في الغالب من كبار السن والذكور البيض الأقل تعليماً في المناطق الريفية، يلجأون إلى الشعبوية لاستعادة عالم ينهار. هذا التفسير مغرٍ لأنه يبرئ الاقتصاد، ويبرئ السياسات التي اتبعتها النخب خلال ثلاثة عقود من العولمة، ويلقي باللوم كله على ثقافة الناخبين المتخلفة.

مانو لا ينكر أن للبعد الثقافي حضوره، لكنه يعتبر اختزال كل شيء فيه نوعاً من الكسل التحليلي، بل وأحياناً نوعاً من الغطرسة الطبقية التي ترى في ناخب الشعبوية مجرد جاهل يحتاج إلى تثقيف. ولذلك يبدأ كتابه بمقدمة نظرية ضرورية يطرح فيها سؤالاً يبدو بسيطاً لكنه شائك: ما هي الشعبوية أصلاً؟ يستعير هنا التعريف الأكثر قبولاً في الأدبيات، وهو تعريف كاس مودي Cas Mudde الذي يرى الشعبوية أيديولوجيا رفيعة thin-centered ideology تقسم المجتمع إلى معسكرين متجانسين ومتضادين أخلاقياً: الشعب النقي الطاهر في مواجهة النخبة الفاسدة، وتدعي أن السياسة يجب أن تكون تعبيراً عن الإرادة العامة للشعب. هذا التعريف مهم لأنه يسمح لمانو بأن يبين أن الشعبوية ليست برنامجاً اقتصادياً واحداً، فهي يمكن أن تكون يمينية تطالب بإغلاق الحدود وخفض الضرائب، ويمكن أن تكون يسارية تطالب بتأميم البنوك وإلغاء التقشف. فإذا كانت الشعبوية قادرة على أن تتبنى برامج اقتصادية متناقضة تماماً، فكيف يمكن أن يكون لها سبب واحد ثقافي موحد؟

من هنا يدخل مانو إلى قلب أطروحته التي ستشكل العمود الفقري للكتاب كله: لا يمكن فهم التباين الهائل في أشكال الشعبوية الأوروبية إلا إذا عدنا إلى البنية التحتية التي قامت عليها هذه الديمقراطيات بعد الحرب، أي إلى أنماط الاقتصاد السياسي المختلفة. إنه يستدعي هنا أدبيات تنويعات الرأسمالية Varieties of Capitalism لهول وسوسكيس، لكنه لا يستخدمها كديكور أكاديمي، بل يحولها إلى أداة تفسيرية حية. فأوروبا ليست كتلة واحدة، بل هي على الأقل أربعة نماذج: النموذج الشمالي الاجتماعي الديمقراطي الاسكندنافي، والنموذج القاري المحافظ في ألمانيا وفرنسا والنمسا، والنموذج الجنوبي الممزق بين قطاع عام متضخم واقتصاد غير رسمي واسع، والنموذج الليبرالي الأنجلو ساكسوني في بريطانيا، ثم النموذج الانتقالي في أوروبا الشرقية.

كل نموذج من هذه النماذج أنتج عقداً اجتماعياً مختلفاً حول سوق العمل ودولة الرفاه، وكل عقد أنتج بدوره نوعاً مختلفاً من الخاسرين عندما ضربت العولمة والأوروبية بقوة. وفي اللحظة التي فشلت فيها السياسة التقليدية في تقديم تعويض لهؤلاء الخاسرين، ظهرت الشعبوية لتملأ الفراغ، لكنها ملأته بلغة مختلفة في كل مكان لأن الجرح الاقتصادي كان مختلفاً في كل مكان. هذه هي الفكرة المركزية التي يبني عليها مانو كتابه الصغير حجماً الكبير طموحاً، وهو لا يقدمها كشعار بل يذهب إلى اختبارها ببيانات المسح الاجتماعي الأوروبي European Social Survey على مدى ثماني موجات، وببيانات اليوروباروميتر، وبخرائط دقيقة لتوزيع التصويت.

ولذلك فإن قراءة مانو ليست مجرد مراجعة لأدبيات الشعبوية، بل هي دعوة لإعادة الاقتصاد إلى قلب التحليل السياسي بعد سنوات من طرده باسم الثقافة والهوية. هو لا يقول إن الاقتصاد يفسر كل شيء، بل يقول إن تجاهل الاقتصاد يجعلنا لا نفسر أي شيء. فعندما نرى أن ناخب حزب البديل الألماني يختلف تماماً في بنيته المهنية عن ناخب حركة خمس نجوم الإيطالية، وأن الأول يأتي من ورش المصانع الصغيرة والطبقة الوسطى المستقلة التي تخاف على مدخراتها من التضخم والتحويلات، بينما الثاني يأتي من موظفي الدولة في الجنوب ومن العاطلين الذين سحقهم التقشف، فإننا ندرك أننا أمام ظاهرتين مختلفتين تحملان الاسم نفسه عن طريق الخطأ.

الكتاب إذن يبدأ بتفكيك اللغز، وينتهي بإعادة تركيبه من جديد، لكن هذه المرة على أساس اقتصادي سياسي صلب. إنه لا يعد القارئ بحل سحري للشعبوية، ولا يقدم وصفة سهلة للقضاء عليها، بل يقدم شيئاً أثمن: خريطة طريق لفهم لماذا تبدو الشعبوية في الشمال يمينية معادية للهجرة، وفي الجنوب يسارية معادية للتقشف، وفي الشرق يمينية زراعية معادية للمدن، وفي بريطانيا خليطاً ليبرالياً معادياً للعولمة بلا تعويض.

لو أردنا تلخيص أطروحة فيليب مانو في جملة واحدة، لقلنا إنه نقل النقاش حول الشعبوية من سؤال الهوية إلى سؤال العقد الاجتماعي. وهذا الانتقال ليس مجرد تغيير في زاوية النظر، بل هو قلب كامل للطاولة. فبدلاً من السؤال الثقافوي التقليدي: لماذا يكره الناس الأجانب؟ يصبح السؤال الاقتصادي السياسي: أي نوع من الحماية فقدها الناس، ومن كان يحميهم قبل ذلك، وكيف كان يتم توزيع المخاطر في مجتمعاتهم؟

هنا يستدعي مانو واحدة من أكثر المدارس نفوذاً في الاقتصاد السياسي المقارن، وهي مدرسة تنويعات الرأسمالية Varieties of Capitalism التي أسسها بيتر هول وديفيد سوسكيس في مطلع الألفية. الفكرة الجوهرية لهذه المدرسة بسيطة لكنها قوية: الرأسمالية ليست نظاماً واحداً يطبق في كل مكان بنفس الطريقة، بل هي عائلة من الأنظمة لكل منها منطقها المؤسسي في تنسيق العلاقة بين الشركات والعمال والدولة. هناك رأسمالية منسقة تقوم على التعاون طويل الأمد، وهناك رأسمالية ليبرالية تقوم على المنافسة والمرونة، وهناك أشكال هجينة بينهما. وكل شكل يخلق تحالفاً طبقياً مختلفاً يدعمه، ويخلق أيضاً توزيعاً مختلفاً للرابحين والخاسرين عندما تتعرض هذه الأنظمة لصدمات خارجية كالعولمة.

مانو يطور هذه الفكرة ليقسم أوروبا إلى أربع عوالم اقتصادية، كل عالم أنتج شكلاً مختلفاً من الشعبوية. العالم الأول هو الشمال الاسكندنافي ومعه إلى حد كبير النموذج القاري المنسق في ألمانيا والنمسا وهولندا وبلجيكا. في هذه البلدان، كان النموذج الاقتصادي بعد الحرب يقوم على معادلة ذكية: إنتاج صناعي عالي الإنتاجية وموجه للتصدير، ونقابات قوية تنسق الأجور على مستوى القطاع، ودولة رفاه سخية تحمي من يفقد وظيفته لكنها في المقابل تطلب مرونة عالية في الانتقال بين الوظائف. هذا ما يسميه مانو نظام الحماية المرتبطة بالمكانة status-securing protection. العامل الماهر في مصنع فولفو أو سيمنز كان يعلم أن أجره سيكون مرتفعاً، وأن وظيفته محمية باتفاقيات جماعية، وأنه إذا فقدها فالدولة ستدعمه بسخاء لكنها ستعيده سريعاً إلى سوق العمل. العقد هنا كان بين الداخلين insiders، أي العمال المهرة المستقرين، وبين أرباب العمل الكبار.

العالم الثاني هو الجنوب الأوروبي، إيطاليا وإسبانيا واليونان والبرتغال. هنا الصورة معكوسة تماماً. التصنيع كان أضعف وأقل تصديراً، وسوق العمل كان مزدوجاً بعمق بين قطاع رسمي محمي جداً وقطاع غير رسمي واسع بلا أي حماية. دولة الرفاه لم تكن شاملة بل كانت مرتبطة بالوظيفة الرسمية وبالعائلة وبالحزب. كانت تحمي الموظف الحكومي والمعلم وموظف البلدية، لكنها تترك العامل المؤقت والشاب والعاطل بلا شبكة. يسمي مانو هذا النموذج بالحماية المزدوجة المفتتة. هنا لم يكن هناك سوق عمل واحد، بل سوقان متوازيان، أحدهما يملك كل شيء والآخر لا يملك شيئاً، والدولة نفسها كانت أداة لتوزيع الغنائم الحزبية أكثر منها أداة لإعادة التوزيع الشاملة.

العالم الثالث هو النموذج الليبرالي الذي تمثله بريطانيا بامتياز. هنا تم تفكيك كل أشكال التنسيق منذ عهد تاتشر. سوق عمل مرن للغاية، نقابات ضعيفة، دولة رفاه حد أدنى residual تستهدف الفقراء فقط، واقتصاد يعتمد على الخدمات المالية والعقارية أكثر من الصناعة. الحماية هنا كانت فردية وقائمة على السوق، من يشتري بيتاً ويحصل على قرض ينجو، ومن لا يفعل يسقط. لا يوجد داخليون بالمعنى القاري، بل يوجد أفراد يتنافسون.

أما العالم الرابع فهو أوروبا الشرقية، بولندا والمجر ورومانيا وبلغاريا. هنا دخلت الرأسمالية متأخرة وبشكل صادم بعد 1989، ودمرت القطاع الزراعي الصغير والصناعات الحكومية القديمة، وخلقت انقساماً حاداً بين مدن كبرى اندمجت بسرعة في سلاسل القيمة الأوروبية وأرياف واسعة بقيت بلا وظائف ولا بنية تحتية.

الآن، ماذا يحدث عندما تضرب صدمتان كبيرتان هما العولمة التجارية والهجرة هذه العوالم الأربعة؟ يجيب مانو بأن الصدمة واحدة لكن الألم يختلف حسب مكان الجرح القديم. في الشمال والقارة، العولمة لم تدمر المصانع بل جعلتها أكثر إنتاجية، لكنها ضغطت على قطاع الخدمات منخفض الإنتاجية. ولأن دولة الرفاه هناك سخية لكنها مشروطة بالعمل، فإن وصول مهاجرين جدد يتنافسون على نفس الخدمات وعلى نفس المساكن الاجتماعية يخلق منافسة مباشرة بين الداخلين القدامى والوافدين الجدد على موارد الدولة. هنا يصبح منطقياً أن يأتي الاحتجاج من الداخلين أنفسهم الذين يشعرون أن عقدهم التاريخي يتعرض للتآكل من الأسفل، ولذلك يصوتون لأحزاب يمينية شعبوية تعد بحماية دولة الرفاه للسكان الأصليين فقط، بما يسميه الأدب welfare chauvinism، شوفينية الرفاه. هذا هو سر صعود حزب الشعب الدنماركي، وحزب المسار الحقيقي الفنلندي، وحزب الحرية النمساوي، ولاحقاً البديل الألماني.

في الجنوب، المنطق معكوس. العولمة لم تهدد العمال المهرة بقدر ما دمرت القطاع الرسمي المحمي، وعندما جاءت أزمة اليورو وفرضت سياسات التقشف القاسية، لم يكن هناك ما يحمي الداخلين أنفسهم. فجأة وجد موظف الدولة الذي كان يظن نفسه آمناً أن راتبه يقتطع ومعاشه يتأخر، ووجد الشاب المتعلم أن لا طريق له إلى القطاع الرسمي إلا عبر سنوات من العمل المؤقت بلا تأمين. وفي الوقت نفسه، كان المهاجر غير النظامي يعمل في القطاع غير الرسمي بأجور زهيدة بلا أي مطالب، فيصبح بالنسبة للداخلين تهديداً مختلفاً، ليس منافساً على دولة الرفاه بل منافساً يخفض الأجور في السوق الموازي ويقوض قدرتهم على التفاوض. هنا يصبح الاحتجاج احتجاجاً مزدوجاً: ضد النخبة التي فرضت التقشف، وضد نظام يحمي قلة ويترك الأغلبية، ولذلك يأخذ شكلاً يسارياً شعبوياً يطالب بتوسيع الحماية لا بتقييدها، بتأميم وإنفاق لا بخفض ضرائب. من هنا نفهم لماذا كان سيريزا وبوديموس وحركة خمس نجوم في بداياتها حركات تطالب بدخل أساسي ورفض للخصة، لا بطرد المهاجرين.

أما في بريطانيا، فإن القصة مختلفة تماماً. لأن الحماية كانت فردية وسوقية، فإن الخاسر من العولمة لم يكن عاملاً منظماً بل كان فرداً غير قادر على الحركة، يعيش في بلدة صناعية قديمة فقدت مصنعها ولم يعد هناك ما يعوضه. الدولة لم تقدم له إعادة تدريب حقيقية ولا سكناً اجتماعياً ولا شبكة أمان سخية. فكان غضبه موجهاً ضد العولمة نفسها وضد النخبة المالية في لندن التي استفادت منها، ولذلك صوت لصالح بريكست كتصويت احتجاجي ضد النموذج الليبرالي نفسه، لا كتصويت ضد دولة الرفاه.

بهذا التقسيم الرباعي، ينجح مانو في كسر الفكرة الساذجة التي تقول إن هناك شعبوية واحدة لها سبب واحد. هو يبين أن الكلمة نفسها تخفي أربعة أمراض مختلفة تشترك فقط في العرض وهو الغضب ضد النخبة، لكنها تختلف في التشخيص والعلاج. وهذا هو ما يجعل كتابه، رغم صغر حجمه، عملاً تأسيسياً لأنه يعيد ربط السياسة بالاقتصاد السياسي بدلاً من فصلها في خانة الثقافة، ويذكرنا بأن الرأسماليات المتنوعة لا تنتج فقط معدلات نمو مختلفة، بل تنتج أيضاً أنواعاً مختلفة من الغضب الديمقراطي.

إذا كانت ما سبق قد وضع الإطار النظري الذي يفسر كيف تنتج نماذج الرأسمالية المختلفة عقوداً اجتماعية مختلفة، فإن هذه التالي هو نزول إلى الأرض، إلى أرقام المسح الاجتماعي الأوروبي وخرائط المهن والقطاعات التي يفتشها فيليب مانو بدقة جراح. هنا يكمن الجمال الحقيقي للكتاب: إنه لا يكتفي بالتنظير، بل يذهب إلى سجلات الناخبين ليسأل سؤالاً بسيطاً ومحرجاً في آن واحد: من هم هؤلاء الشعبويون مهنياً؟ ماذا يعملون؟ في أي قطاع؟ هل هم عاطلون كما يحب الإعلام أن يصورهم، أم أنهم يعملون لكنهم خائفون؟

يبدأ مانو بالشمال، المعقل التقليدي لليمين الشعبوي، ويكشف عن مفارقة لافتة. ناخب حزب الشعب الدنماركي أو حزب الحرية النمساوي أو حزب البديل الألماني في مرحلته الأولى ليس هو العامل الصناعي غير الماهر الذي سحقه الاستيراد الصيني، كما في القصة الأمريكية. هذا التفسير الأمريكي الذي روج له أوتور ودورن وهانسون عن الصدمة الصينية لا ينطبق على ألمانيا والشمال. المصانع الألمانية والسويدية لم تمت بسبب الصين، بل ازدهرت ورفعت إنتاجيتها. الخاسر الحقيقي كان في مكان آخر: في قطاع الخدمات الخاصة منخفضة الإنتاجية، في سائقي الحافلات وعمال المتاجر الصغيرة والحرفيين المستقلين والموظفين الصغار في الشركات الخدمية. هؤلاء هم الداخليون الهشّون، أي أنهم داخل سوق العمل الرسمي لكنهم على حافته، لا يتمتعون بنفس الحماية النقابية التي يتمتع بها عامل السيارات في فولفسبورغ، ودخولهم معرضة للمنافسة المباشرة مع الوافدين الجدد، سواء كانوا مهاجرين أو لاجئين.

ولذلك يجد مانو أن التصويت اليميني الشعبوي في القارة يتركز بشكل غير متناسب بين العاملين لحسابهم الخاص، والحرفيين، وأصحاب المتاجر الصغيرة، وصغار المقاولين. هؤلاء هم الطبقة الوسطى القديمة التي طالما كانت حجر الأساس للأحزاب المحافظة المسيحية الديمقراطية، لكنها شعرت أن هذه الأحزاب تخلت عنها لصالح الشركات الكبرى المصدرة. عندما يطالب حزب البديل الألماني مثلاً بالعودة إلى المارك الألماني، فهو لا يخاطب عاملاً عاطلاً، بل يخاطب صاحب ورشة يدخر في البنك ويخاف أن تأكل سياسات البنك المركزي الأوروبي التوسعية مدخراته عبر التضخم، ويخاف أن تذهب ضرائبه لإنقاذ اليونان. إنها شعبوية المالك الصغير المدافع عن ملكيته، وليست شعبوية الجائع الباحث عن رغيف.

الصورة تنقلب تماماً عندما نعبر جبال الألب نحو الجنوب. هنا، في إيطاليا وإسبانيا واليونان، يكشف تحليل مانو للمسح الاجتماعي الأوروبي عن بنية ناخبين مختلفة كلياً. اليسار الشعبوي، سواء كان بوديموس أو سيريزا أو حركة خمس نجوم في سنواتها الأولى، لا يجذب أصحاب المتاجر الصغيرة بل يجذب العاملين في القطاع العام، وموظفي الدولة، والمعلمين، والممرضين، والعاطلين عن العمل، والطلاب. لماذا؟ لأن الأزمة هناك لم تكن أزمة منافسة على دولة الرفاه بل أزمة تقويض لدولة الرفاه نفسها. عندما فرضت الترويكا برنامج التقشف بعد 2010، لم يكن الخاسر هو الحرفي المستقل، بل كان الموظف الحكومي الذي جمد راتبه، والمتقاعد الذي اقتطع معاشه، والشاب الجامعي الذي وجد أن الطريق الوحيد لدخول القطاع الرسمي المحمي مسدود.

وهنا يقدم مانو واحدة من أذكى مقارناته التفصيلية في الكتاب كله: مقارنة بين رابطة الشمال ليغا وحركة خمس نجوم في إيطاليا. كلاهما يوصف في الصحافة العالمية بأنه شعبوي، لكن قاعدته الاجتماعية متعاكسة. ليغا، التي نشأت في الشمال الصناعي الغني، كانت تاريخياً حزباً للمنتجين الصغار في لومبارديا وفينيتو، يطالب بالانفصال عن الجنوب الكسول الذي يعيش على ضرائب الشمال. إنها شعبوية شمالية يمينية كلاسيكية: شوفينية رفاه، نحن ندفع وهم يستهلكون. أما حركة خمس نجوم فنشأت في الجنوب المهمش وفي ضواحي المدن الكبرى، بين العاطلين وموظفي القطاع العام الصغار، وخطابها كان ضد الفساد الحزبي الذي يوزع وظائف الدولة كغنائم. الأولى تريد أن تدفع ضرائب أقل، الثانية تريد دولة تنفق أكثر. الأولى تكره روما لأنها تأخذ أموالها وتعطيها للجنوب، الثانية تكره روما لأنها فاسدة ولا تعطي أحداً. نفس الاسم، شعبوية، لكن تشخيصان متناقضان تماماً يعودان إلى مكانة كل فئة في العقد الاجتماعي الجنوبي المزدوج.

ثم ينتقل مانو إلى الحالة البريطانية التي يعتبرها حالة مختبر للنموذج الليبرالي. بريكست، في قراءته، ليس مجرد تصويت ضد الهجرة كما صوره الإعلام، بل هو تصويت طبقي وجغرافي يكشف فشل النموذج الليبرالي في تقديم تعويض للخاسرين. في النموذج الليبرالي، لا توجد حماية جماعية، الحماية فردية عبر امتلاك منزل وارتفاع سعره. ولذلك فإن الخريطة الانتخابية لبريكست كانت خريطة لأسعار المنازل. لندن والجنوب الشرقي حيث أسعار العقارات انفجرت صوتت للبقاء، بينما بلدات الشمال والوسط الصناعية القديمة حيث المنازل لا تساوي شيئاً وحيث لا توجد وظائف خدمية عالية الأجر صوتت للخروج. وناخب حزب استقلال المملكة المتحدة يوكيب لم يكن حرفياً مستقلاً خائفاً على مدخراته مثل ناخب البديل الألماني، بل كان عاملاً سابقاً في مصنع، متقاعداً مبكراً، يعيش في بلدة بلا قطار سريع ولا جامعة، ويشعر أن العولمة مرت من فوقه دون أن تلمسه إلا سلباً. إنها شعبوية من لا يملك أصلاً يمكن الدفاع عنه، فيطالب بهدم الطاولة كلها.

أما أوروبا الشرقية، فيقدم لها مانو فصلاً موجزاً لكنه ثاقب. هنا لا تدور الشعبوية حول دولة الرفاه بل حول الأرض. الإصلاح الزراعي بعد الشيوعية دمر المزارع الصغيرة، والاندماج في السوق الأوروبية فتح الباب أمام الشركات الزراعية الكبرى، فخلق انقساماً بين مدن مثل وارسو وبودابست تعيش على الاستثمار الأجنبي وتصوت للأحزاب الليبرالية، وأرياف واسعة تصوت لأحزاب مثل القانون والعدالة البولندي ول Fidesz المجري لأنها تعد بحماية المزارع والعائلة والكنيسة ضد الرأسمالية المتوحشة الآتية من الغرب. هنا يعود الانقسام الكلاسيكي بين المركز والمحيط، بين المدينة والريف، الذي ظننا أنه انتهى.

بهذه الخريطة التفصيلية، يهدم مانو فكرة أن هناك ناخباً شعبوياً واحداً. هناك على الأقل أربعة ناخبين شعبويين: مالك صغير يدافع عن مدخراته في الشمال، موظف عام يدافع عن راتبه في الجنوب، عامل سابق بلا أصول يدافع عن كرامته في بريطانيا، ومزارع صغير يدافع عن أرضه في الشرق. كلهم يصوتون ضد النخبة، لكن كل واحد يقصد نخبة مختلفة تماماً، ويطلب حماية مختلفة تماماً. وهذا هو السبب الذي يجعل التحالفات الشعبوية الأوروبية مستحيلة على المدى الطويل، لأن مطالبها الاقتصادية متناقضة جوهرياً.

في قلب كتاب فيليب مانو تكمن فكرة تبدو تقنية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة المفتاح السحري الذي يفسر كل شيء: فكرة الانقسام بين الداخلين والخارجين في سوق العمل. هذه الثنائية التي طورها علماء مثل ديفيد رويدا وبرونو بالييه وكاثلين ثيلين ليست مجرد تصنيف أكاديمي للعقود، بل هي وصف دقيق لكيفية توزيع الأمان والخوف في المجتمعات الرأسمالية الحديثة. الداخل هو من يملك وظيفة بعقد دائم، محمية بقانون العمل وبنقابة قوية، له معاش وتأمين ضد البطالة، ويصعب طرده. الخارج هو من يعيش على هامش هذا العالم: بعقد مؤقت، أو بعمل جزئي غير طوعي، أو عاطل يبحث، أو يعمل في الاقتصاد غير الرسمي بلا أي ورقة تحميه. وفي كل نماذج الرأسمالية التي وصفناها سابقاً، كان التوازن بين الداخل والخارج مختلفاً، وبالتالي كان معنى أن تكون خارجاً مختلفاً تماماً.

في الشمال القاري، كان الداخلون هم الكتلة المركزية التي بني حولها كل شيء. النقابات الألمانية والسويدية والنمساوية كانت نقابات للعمال المهرة في الصناعات التصديرية، تفاوض ليس فقط على الأجور بل على شروط التدريب المهني والتقاعد المبكر. دولة الرفاه كانت سخية لكنها كانت مرتبطة بالعمل المنتظم، فمن يعمل يحصل على حماية ممتازة، ومن لا يعمل يحصل على مساعدة لكنها مشروطة بإعادة الدمج السريع. المشكلة التي يبرزها مانو هي أن هذا النظام، عندما يواجه صدمة الهجرة الكبيرة بعد 2015، يخلق تنافساً غير مباشر لكنه حقيقي. المهاجر لا ينافس المهندس في سيمنز، بل ينافس الداخلي الهش، أي العامل في الخدمات اللوجستية، عامل النظافة في المستشفى، سائق التوصيل. وبما أن هؤلاء الداخليين الهشين هم من يمولون دولة الرفاه عبر ضرائبهم، فإنهم يرون في الوافد الجديد تهديداً مزدوجاً: منافس في سوق العمل منخفض المهارة، ومنافس على السكن الاجتماعي والمدارس والحضانات التي هي أصلاً شحيحة. لذلك يصبح منطقياً تماماً أن يطالبوا بإغلاق الحدود ليس بدافع كراهية ثقافية مجردة، بل بدافع حماية اقتصادية لعقد اجتماعي يشعرون أنه يتصدع من الأسفل.

يذهب مانو إلى أبعد من ذلك ليختبر هذه الفرضية ببيانات المسح الاجتماعي الأوروبي عبر ثماني موجات منذ 2002 حتى 2016. النتيجة مذهلة في وضوحها. في ألمانيا والنمسا والدنمارك، احتمال التصويت لحزب يميني شعبوي يرتفع بشكل منهجي كلما كان الفرد يعمل لحسابه الخاص أو في شركة صغيرة، وينخفض كلما كان يعمل في القطاع العام أو في شركة كبيرة مصدرة. بل إن الفارق بين القطاعين العام والخاص هو أحد أقوى المتنبئات. موظف الدولة فيينا أو كوبنهاغن أقل ميلاً بكثير للتصويت للحرية أو للشعب الدنماركي من صاحب متجر في نفس المدينة. لماذا؟ لأن موظف الدولة محمي من المنافسة، راتبه لا يتأثر بقدوم لاجئ، بينما صاحب المتجر يرى أن الزبائن الجدد لا يكفون لتعويض الضرائب الإضافية التي يدفعها لتمويل اندماجهم.

في الجنوب، الآلية معكوسة تماماً، وهنا تظهر براعة مانو التحليلية. في إيطاليا وإسبانيا، القطاع العام نفسه هو الذي كان ضحية التقشف. عندما ننظر إلى بيانات من يصوت لبوديموس أو لسيريزا أو لحركة خمس نجوم، نجد أنهم ليسوا الحرفيين بل هم على وجه التحديد العاملون في القطاع العام والشباب بعقود مؤقتة والعاطلون. في إسبانيا، كان القطاع العام قد توسع كثيراً في سنوات الازدهار العقاري قبل 2008 كأداة لخلق وظائف للخريجين، وعندما انفجرت الفقاعة وفرض الاتحاد الأوروبي خفض العجز، كان هؤلاء أول من دفع الثمن عبر تجميد التوظيف وخفض الرواتب. فجأة أصبح الداخل السابق خارجاً جديداً. ومن هنا نفهم لماذا كان خطاب بوديموس يركز على استعادة الكرامة ووقف الخصخصة وإلغاء إصلاحات سوق العمل التي حولت الجميع إلى مؤقتين. إنها شعبوية الخارجين الذين كانوا يظنون أنهم داخليون، وليست شعبوية الداخليين الخائفين من الخارجين.

ويضيف مانو طبقة ثانية من التحليل تتعلق بالمهارات. في الأدبيات التقليدية، يقال إن ذوي المهارات الخاصة القابلة للنقل specific skills هم أكثر عرضة للشعبوية لأنهم يخافون من فقدان وظائفهم. لكن مانو يصحح هذه الصورة. في الاقتصادات المنسقة، ذوو المهارات الخاصة محميون جيداً عبر التدريب المزدوج والتنسيق النقابي، ولذلك فهم أقل ميلاً للشعبوية اليمينية. الأكثر ميلاً هم ذوو المهارات العامة المنخفضة في الخدمات، الذين لا يملكون نقابة قوية ولا تدريباً يحميهم. أما في الجنوب، فإن ذوي المهارات العالية العامة، أي خريجو الجامعات الذين كان يفترض أن يعملوا في الدولة، هم من يصبحون شعبويين يساريين لأنهم عالقون في عقود مؤقتة بلا أفق.

ثم تأتي نقطة أخرى حاسمة يعالجها مانو وهي مسألة التعويض عن العولمة. الفرضية الليبرالية الكلاسيكية تقول إن العولمة تخلق رابحين وخاسرين، لكن الدولة يمكنها تعويض الخاسرين عبر إعادة التوزيع فيبقى الجميع رابحاً. مانو يبين أن قدرة الدولة على التعويض نفسها تختلف حسب النموذج. في الشمال، التعويض كان ممكناً وسخياً عبر سياسات سوق العمل النشطة، لكنه كان مشروطاً بقبول المرونة والهجرة. عندما تراجع هذا الشرط الأخلاقي، تراجع القبول. في الجنوب، التعويض لم يكن ممكناً أصلاً لأن الدولة كانت مفلسة ومقيدة بقواعد اليورو، ولذلك لم يكن هناك ما يعوض به الخاسرون سوى الغضب. وفي بريطانيا الليبرالية، التعويض لم يكن جزءاً من العقد أصلاً، فالدولة لا تتدخل لإعادة تأهيل عمال المناجم السابقين، بل تترك السوق يفعل، وحين لا يفعل شيئاً، يتحول الغضب إلى تصويت ضد السوق نفسه، أي ضد الاتحاد الأوروبي الذي يرمز للعولمة.

بهذه الآلية المزدوجة، الداخل والخارج، والقدرة على التعويض، ينجح مانو في تقديم تفسير موحد لكنه متنوع للشعبوية. هو لا يقول إن الاقتصاد يفسر 100% من التباين، بل يقول إن 60% أو 70% منه يمكن تفسيرها بهذه المتغيرات البنيوية، وأن الباقي الثقافي يأتي لاحقاً ليغلف المصلحة الاقتصادية بلغة الهوية. فالخوف من المهاجر ليس خوفاً من ثقافته بقدر ما هو خوف من منافسته على مورد شحيح تحميه دولة رفاه مرتبطة بالمواطنة. والغضب من بروكسل ليس غضباً من قيم التنوير بقدر ما هو غضب من قاعدة مالية تمنع الإنفاق. وهنا تكمن قوة الكتاب السياسية: إنه يعيد الاعتبار للمصالح المادية دون أن يسقط في الاختزال الاقتصادي الساذج، ويذكر اليسار واليمين معاً بأن الناس لا تصوت بهوياتها فقط، بل تصوت أيضاً بمحافظها ومستقبل أطفالها.

لو توقف كتاب فيليب مانو عند حدود خريطة أسواق العمل لكان قد أنجز مهمة كبيرة، لكنه يذهب في فصله الأخير والأكثر جرأة إلى خطوة أبعد، ليقول إن الشعبوية ليست فقط نتيجة لعقود اجتماعية وطنية متصدعة، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لطريقة بناء أوروبا نفسها. وهنا ينتقل الكتاب من الاقتصاد السياسي المقارن إلى الاقتصاد السياسي الأوروبي، ويصبح أكثر إثارة للجدل لأنه يلمس الوتر الحساس الذي تتجنبه المؤسسات في بروكسل: أن الاتحاد الأوروبي بتصميمه الحالي يميل بنيوياً لصالح الرابحين من العولمة ويصعب مهمة تعويض الخاسرين، وبالتالي فهو يغذي الشعبوية التي تدعي محاربتها.

يبدأ مانو من ملاحظة بسيطة يعرفها كل دارس للانتخابات الأوروبية: انتخابات البرلمان الأوروبي هي انتخابات من الدرجة الثانية second-order elections. الناس لا تصوت فيها على أوروبا، بل تصوت فيها ضد حكوماتها الوطنية. الحكومات نفسها تعرف ذلك، فترسل إلى بروكسل وزراء من الصف الثاني، وتتعامل مع المجلس الأوروبي كغرفة مقاصة لتسويات لا تريد تحمل مسؤوليتها في الداخل. والنتيجة هي أن أوروبا تدار من قبل ائتلافات كبرى غير مرئية، ائتلافات من اليمين الوسط واليسار الوسط تجتمع في بروكسل لتمرير سياسات ليبرالية وتقشفية لا يمكن لأي منها تمريرها بمفرده في برلمانه الوطني خوفاً من العقاب الانتخابي.

هذه الآلية تخلق ما يسميه مانو التحيز المؤيد للاندماج pro-integration bias. فالحكومات التي تحكم في برلين وباريس وروما هي نفسها التي تتفاوض في بروكسل، وهي لديها مصلحة مشتركة في تقديم المزيد من الاندماج كحل لكل أزمة، حتى لو كان هذا الاندماج هو سبب الأزمة. فعندما اندلعت أزمة اليورو، كان الحل الذي اتفقت عليه المستشارة ميركل والرئيس ساركوزي هو المزيد من القواعد، المزيد من التقشف، المزيد من الرقابة على الميزانيات، أي المزيد من أوروبا بنفس المنطق الذي خلق المشكلة. وعندما اندلعت أزمة اللاجئين في 2015، كان الحل هو نظام حصص للتوزيع لم يلتزم به أحد، لكنه أعطى الانطباع بأن بروكسل تفرض إرادتها على العواصم.

وهنا يصبح غضب الناخب الشعبوي مفهوماً تماماً. فالناخب الذي فقد حمايته في سوق العمل الوطنية يجد أن الحماية الأوروبية الموعودة غير موجودة، بل إن أوروبا هي التي تمنع حكومته من حمايته. في الجنوب، تمنعه قواعد اليورو من الإنفاق ومن تخفيض قيمة العملة لإعادة القدرة التنافسية، وتفرض عليه خفض الأجور كطريق وحيد للتكيف. في الشمال، تمنعه قواعد السوق الداخلية من تفضيل مواطنيه في الحصول على السكن الاجتماعي والمساعدات. وفي بريطانيا، يرى أن السوق الواحدة تسمح بحرية حركة العمالة التي تضغط على أجور الخدمات، بينما حرية حركة رأس المال تسمح للشركات بنقل أرباحها إلى لوكسمبورغ. في كل الحالات، تبدو أوروبا كآلية لنقل المخاطر من الشركات الكبرى والدائنين إلى العمال الصغار والمدينين.

مانو يدعم هذه الحجة بتحليل دقيق لتصويت البرلمانات الوطنية على حزم الإنقاذ. يبين أن الأحزاب الوسطية التي كانت في الحكومة في بروكسل هي نفسها التي صوتت لصالح الإنقاذ في الداخل، بينما المعارضة الشعبوية يساراً ويميناً صوتت ضدها، لكنها عندما وصلت إلى الحكومة وجدت نفسها مجبرة على تنفيذ نفس السياسات لأنها مقيدة بنفس القواعد. هذه هي المفارقة التي وصفها بيتر مير بعبارة شهيرة: سياسة بلا ديمقراطية في بروكسل، وديمقراطية بلا سياسة في العواصم. الناخب يصوت ويصوت لكن السياسات لا تتغير، لأنها محمية بمعاهدات أوروبية لا يمكن تغييرها إلا بالإجماع. وعندما لا تتغير السياسات عبر التصويت، يتجه الناخب إلى التصويت ضد النظام نفسه.

وفي هذا السياق يعيد مانو قراءة بريكست ليس كحادثة بريطانية غريبة، بل كحالة نموذجية لفشل التعويض في النموذج الليبرالي مضافاً إليه فشل أوروبا في تقديم تعويض بديل. بريطانيا كانت الدولة الوحيدة التي كان فيها الناخب قادراً على التصويت مباشرة ضد أوروبا، ففعل. أما في باقي القارة، فإن عدم وجود استفتاء على اليورو أو على التقشف حول الغضب إلى أحزاب شعبوية داخلية تطالب بالخروج الضمني عبر عصيان القواعد.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى