أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

تويتر والغاز المسيل للدموع: لماذا تُشعل الشبكات الثورات ولا تحميها من السقوط؟

في الثلاثين من مايو عام 2013، قبل الفجر بقليل، اقتحمت الشرطة البلدية حديقة صغيرة في قلب إسطنبول وأحرقت خيام بضعة نشطاء بيئيين كانوا يحتجون على قرار تحويلها إلى مركز تجاري. لم تكن الحادثة لتتجاوز خبراً هامشياً في نشرة محلية لولا أن صورة واحدة التقطتها فتاة في ثوب أحمر وهي تتلقى رذاذ الفلفل في وجهها قد وجدت طريقها إلى تويتر، ومن هناك إلى فيسبوك وإنستغرام وفايبر وواتساب، ثم إلى كل هاتف في تركيا تقريباً. في غضون ساعات، كان ميدان تقسيم يغص بعشرات الآلاف، وفي غضون أيام، كانت البلاد كلها تنتفض. هذه اللحظة، بكل ما فيها من عبثية وعنف وأمل رقمي، هي التي تنطلق منها عالمة الاجتماع التركية الأمريكية زينب توفكجي لتكتب واحداً من أهم الكتب التي صدرت عن الاحتجاج في القرن الحادي والعشرين.

كتاب “تويتر والغاز المسيل للدموع Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest“، الصادر عن جامعة ييل عام 2017، ليس كتاباً عن التكنولوجيا بقدر ما هو كتاب عن البشر الذين يستخدمونها ليغيروا العالم، ثم يكتشفون أن العالم الذي غيروه لا يشبه تماماً ما كانوا يحلمون به. توفكجي ليست مراقبة من بعيد، هي ليست أكاديمية تحلل البيانات من مكتب مكيف في تشابل هيل حيث تدرس في جامعة نورث كارولاينا. هي نفسها ناشطة ومشاركة ميدانية، كانت في ميدان التحرير في القاهرة أيام الثورة المصرية، وفي ميدان تقسيم أيام انتفاضة جيزي، وفي شوارع نيويورك مع حركة احتلوا وول ستريت، وفي ساحة الاستقلال في كييف، وفي فيرغسون مع حركة حياة السود مهمة. لهذا فإن الكتاب يقرأ كأنه يوميات ميدانية بقدر ما هو تحليل سوسيولوجي محكم.

تطرح توفكجي في مستهل كتابها سؤالاً يبدو بسيطاً لكنه يفجر كل السرديات السائدة حول ما يسمى بـ “ثورات تويتر” و “ثورات فيسبوك”. السؤال هو: لماذا تبدو الاحتجاجات الشبكية قادرة على فعل المستحيل في لحظات قصيرة، ثم عاجزة بشكل محير عن الاستمرار؟ لماذا استطاعت انتفاضة تونس أن تسقط بن علي في أقل من شهر، واحتجاجات مصر أن تخلع مبارك في ثمانية عشر يوماً، بينما فشلت كل هذه الحركات تقريباً في بناء نظام ديمقراطي مستدام بعد ذلك؟ لماذا يمكن لحركة بلا قادة وبلا موارد وبلا مكاتب أن تحشد مليون شخص في يوم واحد، ثم تنهار فجأة أمام أول هجمة منظمة من الدولة؟

الإجابة التي تقدمها توفكجي تتلخص في عنوانها نفسه: قوة وهشاشة. قوة لأن الشبكات الرقمية منحت المحتجين قدرات كانت في السابق حكراً على الدول والجيوش والمؤسسات الكبرى، وهشاشة لأن هذه القدرات نفسها تخفي نقاط ضعف بنيوية تجعل الحركات هشة في وجه القمع طويل المدى والالتفاف السياسي.

تعود توفكجي إلى ما قبل فيسبوك لتشرح كيف تطورت فكرة الاحتجاج. تذكرنا أن زعيم حركة زاباتيستا في المكسيك عام 1994 كان يستخدم الإنترنت البدائي لإرسال بياناته إلى العالم، وأن حركة مناهضة العولمة في سياتل عام 1999 كانت تستخدم قوائم بريدية إلكترونية للتنسيق. لكن الفارق الجوهري حدث مع ظهور ما تسميه “المجال العام الشبكي”. هذا المجال لم يعد مجرد أداة لإرسال البيانات، بل أصبح هو الفضاء نفسه الذي تتشكل فيه الرأي العام، وتتدفق فيه الانتباهات، وتُبنى فيه الشرعية.

في الفصل الأول والثاني من الكتاب، تقدم توفكجي واحدة من  تحليلاتها حول مفهوم الرقابة والانتباه. في العالم القديم، كانت الرقابة تعني منع المعلومة من النشر، كانت الدولة تمتلك المطبعة والإذاعة والتلفزيون، فإذا أغلقتها سكتت الأصوات. أما في العالم الشبكي، فالرقابة أصبحت أكثر تعقيداً وأكثر مكراً. لم تعد الدولة بحاجة لمنع المعلومة تماماً، يكفيها أن تغرقها في ضجيج من المعلومات المضللة، أو أن تشتت الانتباه عنها عبر فضائح مفتعلة، أو أن تتلاعب بخوارزميات المنصات لتجعلها غير مرئية. تقول توفكجي إن المعركة لم تعد معركة وصول إلى المعلومة، بل معركة على الانتباه، والانتباه كما تقول هو الأكسجين الذي تتنفسه الحركات.

هنا تشرح توفكجي ظاهرة رأتها بنفسها في تركيا. عندما كانت وسائل الإعلام التركية الرئيسية، المملوكة لتكتلات اقتصادية قريبة من الحكومة، تبث فيلماً وثائقياً عن البطاريق بينما كانت الشرطة تقمع المتظاهرين في تقسيم، لم يعد المواطنون بحاجة لتلك القنوات. كان كل واحد منهم يحمل في جيبه قناة بث خاصة به، كاميرا وهاتفاً واتصالاً مباشراً بالعالم. هنا ولدت صحافة المواطن، وهنا ولدت أيضاً مشكلة جديدة: كيف نميز الحقيقة من الشائعة وسط هذا الطوفان؟

تحكي توفكجي عن مجموعة شبابية تركية اسمها 140journos، شباب كانوا يعملون من مقاهي الإنترنت، يحملون حواسيبهم المحمولة ويحاولون التحقق من كل فيديو وكل صورة تأتي من الشارع. يتصلون بالمستشفيات، يطلبون من شخص في ريزا أن يصعد إلى شرفته ويصور المبنى المحاصر، يبحثون عن البيانات الوصفية في الصور، عن الظلال واتجاه الشمس ليحددوا وقت التصوير. هذا العمل المضني، الذي كان في السابق مهمة وكالات أنباء كاملة، أصبح يقوم به مراهقون متطوعون. هذا هو وجه القوة: القدرة على توثيق القمع لحظة بلحظة وكسر احتكار الدولة للرواية.

لكن توفكجي لا تقع في فخ التفاؤل التكنولوجي الذي وقع فيه كثيرون بعد الربيع العربي. هي ترفض تسميتها “ثورات فيسبوك” وتعتبرها تسمية مضللة تختزل تعقيداً اجتماعياً وسياسياً هائلاً في أداة واحدة. الأداة مهمة، لكنها لا تصنع الثورة وحدها. ما تفعله الأداة هو أنها تغير حسابات التنظيم. وهنا نصل إلى جوهر الكتاب النظري.

في الحركات الاجتماعية القديمة، كان التنظيم يتطلب بناء قدرات ببطء. لكي تنظم مسيرة في الستينيات في أمريكا مع مارتن لوثر كينغ، كنت تحتاج إلى شهور من التدريب، وبناء شبكات من الكنائس السوداء، وتأسيس لجان تنسيق، وجمع تبرعات، وطباعة منشورات، وتدريب أشخاص على الرد غير العنيف على العنف. هذا العمل البطيء كان مرهقاً، لكنه كان يبني شيئاً آخر في الطريق: يبني تنظيماً صلباً، يبني قيادات وسيطة، يبني قدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، يبني ما تسميه توفكجي “القدرات”.

أما الحركات الشبكية، فهي تستطيع القفز فوق كل هذه المراحل. يمكنك أن تنشئ صفحة فيسبوك “كلنا خالد سعيد” في مصر، وأن تجمع مئات الآلاف من المعجبين في أسابيع، وأن تدعو إلى مظاهرة في ميدان التحرير فينجح الأمر دون أن يكون لديك مكتب واحد أو ميزانية أو حتى أسماء حقيقية للقائمين عليها. هذا هو السحر، وهذه هي اللعنة في آن واحد. السحر لأنك تستطيع أن تفعل بسرعة ما كان يحتاج سنوات، واللعنة لأنك عندما تنجح بسرعة، تكتشف أنك لم تبنِ العضلات اللازمة لحمل هذا النجاح.

هذا التناقض هو ما تسميه توفكجي “الاحتجاج الممكن بفضل الإنترنت” مقابل “التنظيم الضروري رغم الإنترنت”. الإنترنت يجعل الاحتجاج ممكناً بشكل أسهل وأسرع، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التنظيم العميق، بل ربما يجعل إهماله أكثر خطورة لأن سهولة الحشد توهمك بأنك قوي، بينما أنت في الحقيقة هش للغاية.

، تتركك توفكجي أمام صورة رمزية لا تنسى: شباب جيزي بارك الذين استطاعوا في يوم واحد أن ينظموا مكاناً يعيش فيه آلاف الأشخاص، فيه ثلاث وجبات ساخنة، وعيادة طبية، ومكتبة شوارع، وورش عمل، ونظام إنذار من تحركات الشرطة عبر مجموعات واتساب، كل ذلك دون هيكلية هرمية واضحة. كان المشهد مبهراً، كان دليلاً على أن البشر قادرون على التنظيم الأفقي بشكل مدهش. لكنه كان أيضاً هشاً، لأنه عندما جاءت الجرافات مدعومة بقرار سياسي صلب ومؤسسات دولة عميقة، لم يكن هناك هيكل قادر على التفاوض أو الصمود أو تحويل تلك الطاقة الاحتجاجية إلى قوة سياسية منظمة.

في قلب كتاب توفكجي مصطلح غريب يبدو للوهلة الأولى كأنه مزحة أكاديمية: “الأدهقراطية”. الكلمة الإنجليزية adhocracy مشتقة من ad hoc، أي الشيء الذي يتم عمله حسب الحاجة، للحظة، دون خطة مسبقة. هذا المصطلح هو المفتاح الذي تفتح به توفكجي صندوق الأسرار الكبرى للاحتجاج الشبكي. فالحركات التي رأيناها من القاهرة إلى إسطنبول إلى نيويورك لم تكن فوضى كما صورها خصومها، ولم تكن تنظيماً هرمياً صارماً كما تمنى أنصارها القدامى. كانت شيئاً ثالثاً، جديداً، هجيناً بين العفوية والتنظيم، بين الفوضى والهيكل، بين الحماس اللحظي والقدرة اللوجستية المذهلة.

تحكي توفكجي في فصل بعنوان “قيادة بلا قادة” قصة ، ففي نوفمبر عام 2011، بعد أقل من عام على سقوط مبارك، كانت قوات الأمن التابعة للمجلس العسكري الذي حل محله تسحق اعتصاماً جديداً في شارع محمد محمود القريب من ميدان التحرير. الصور كانت قاسية، عائلات شهداء الثورة الأولى تتعرض للضرب، وأجساد مصابة تنزف على الأسفلت. شاب مصري اسمه أحمد، يتابع المشهد من هاتفه، نهض من فراشه وهو يشعر بأن قلبه يتمزق. لم يكن عضواً في حزب، ولا في منظمة، ولا يملك أي خبرة في الإسعاف. في خمس دقائق فقط، من لحظة الفكرة إلى لحظة التنفيذ، أنشأ حساباً على تويتر اسمه “إمدادات التحرير” Tahrir Supplies. كتب تغريدة واحدة: نحن بحاجة إلى شاش وقطن ومسكنات ألم.

ما حدث بعد ذلك كان معجزة لوجستية صغيرة لم يكن من الممكن تصورها قبل عشر سنوات. خلال ساعات، كان أربعة شباب لا يعرف بعضهم بعضاً يديرون شبكة إمداد لعشر عيادات ميدانية تعالج آلاف الجرحى. أحدهم يكتب على جوجل شيت قائمة بالنواقص، الثاني يغرد بها، الثالث ينسق مع صيدليات تقدم تبرعات، الرابع يقف في الميدان لاستلام الصناديق. لم يكن هناك مدير، ولا اجتماعات، ولا ميزانية، ولا حتى أسماء حقيقية في البداية. كان هناك فقط مهمة واضحة، واتصال شبكي، وثقة متبادلة بين غرباء.

هذه هي الأدهقراطية، القدرة على إنجاز مهام معقدة بشكل ارتجالي من قبل من يحضر ويهتم. توفكجي تقول إن هذا النموذج أصبح النمط المركزي لعمل الحركات الاحتجاجية الحديثة، خصوصاً تلك ذات الميول اليسارية والمناهضة للسلطوية التي ترفض القيادة التقليدية من حيث المبدأ. استبدال المنشورات المطبوعة بالتغريدات، والتبرعات الكبيرة بالتمويل الجماعي، والتنظيم الحضوري بجداول بيانات على الإنترنت، قد يبدو مجرد تفاصيل تقنية تافهة، لكن تبعات هذا التحول على شكل التنظيم هي تبعات هائلة ومعقدة بشكل مدهش، لأن كيفية التنظيم ليست مجرد تفصيل لاحق، بل هي التي تشكل ديناميكيات الحركة نفسها في كل طبقاتها.

ولفهم كيف تعمل هذه الآلية،توضح توفكجي مفهوماً نظرياً آخر استعارته من دراسات الإعلام وهو “الإمكانيات المتاحة” أو affordances. كل تكنولوجيا تتيح أفعالاً معينة وتجعل أفعالاً أخرى صعبة. تويتر، على سبيل المثال، يتيح لك عبر الهاشتاغ أن تجمع محادثات آلاف الأشخاص الذين لا يتابعون بعضهم حول موضوع واحد في لحظة واحدة، وهذا ما جعله أداة مثالية للتعبئة السريعة. فيسبوك يتيح لك بناء مجموعات مغلقة نسبياً للتخطيط الآمن، وواتساب يتيح لك تنسيق تحركات الشارع في الوقت الحقيقي بعيداً عن أعين الرقابة العامة. هذه الإمكانيات ليست محايدة، هي تشكل شكل الاحتجاج نفسه.

في جيزي بارك، كما رأينا  كانت سلاسل بشرية تمرر البطيخ وقوارير المياه من يد إلى يد، بينما كان هاشتاغ على تويتر يدعو لإنشاء مكتبة في الموقع. خلال ساعات، كانت هناك مكتبة حقيقية يديرها “أمين مكتبة”. في زاوية أخرى، كانت هناك عيادة مؤقتة يديرها أطباء وممرضات متطوعون خلف ستائر صنعت من ملاءات أحضرها أحدهم من بيته. المطبخ الجماعي يقدم ثلاث وجبات ساخنة يومياً، والمتطوعون ينسقون الإمدادات عبر هواتفهم. كل هذا حدث دون أن يكون هناك لجنة مركزية أصدرت أوامر. كان هناك فقط نداء مفتوح، واستجابة شبكية.

لكن توفكجي، لا تكتفي بالاحتفاء بهذا النموذج. هي تسأل سؤالاً مزعجاً: ماذا يحدث عندما تحتاج الحركة إلى اتخاذ قرار صعب، قرار لا يمكن حله بهاشتاغ؟ ماذا يحدث عندما يجب أن تقرر الحركة هل تتفاوض مع الحكومة أم لا؟ هل تقبل هدنة؟ هل تدخل الانتخابات؟ هل تتحالف مع قوة سياسية أخرى؟ هذه هي اللحظات التي تنكشف فيها حدود الأدهقراطية.

في الحركات التقليدية، كانت هناك آليات، مهما كانت غير ديمقراطية أحياناً، لاتخاذ القرار: مجلس شورى، لجنة مركزية، مؤتمر عام، قيادة منتخبة. في الحركات الشبكية، غالباً ما كان الرد هو “نحن بلا قادة، القرار للجمعية العامة”. لكن الجمعية العامة المكونة من آلاف الأشخاص في ساحة عامة، حيث كل واحد يصرخ برأيه، وحيث لا يوجد تمثيل واضح، غالباً ما تنتهي بالشلل أو بالاستقطاب أو بسيطرة الأفراد الأكثر قدرة على الكلام لساعات. وهذا ما تسميه توفكجي “الجمود التكتيكي”.

تضرب مثالاً مؤلماً بحركة “احتلوا وول ستريت”. الحركة التي استطاعت أن تغير النقاش العام في أمريكا حول عدم المساواة، وأن تضع مصطلح “الواحد في المئة” في لغة السياسة اليومية، عجزت تماماً عن تحويل ذلك الزخم إلى مطالب محددة أو إلى تنظيم سياسي مستدام. ليس لأن المشاركين فيها كانوا أغبياء أو غير جادين، بل لأن الأدوات التي مكنتهم من الظهور بسرعة، هي نفسها التي منعتهم من التطور. عندما اقترح البعض صياغة بيان بمطالب واضحة، اعترض آخرون بأن ذلك سيكون خيانة لروح الحركة الأفقية. عندما اقترح البعض التحالف مع نقابات عمالية منظمة، رُفض الاقتراح لأنه سيعيد إنتاج الهرمية. فبقيت الحركة نقية، أفقية، شاملة، وعاجزة عن اتخاذ أي خطوة استراتيجية إلى الأمام.

ثم تنتقل توفكجي إلى نقطة أخرى لا تقل أهمية، وهي نقطة السرد والشرعية. في الماضي، كانت الحركات تحتاج إلى صحف ووسائل إعلام متعاطفة لتروي قصتها. اليوم، هي تروي قصتها بنفسها عبر البث المباشر. لكن هذا يخلق معضلة جديدة: كيف تجعل قصتك مسموعة وسط ضجيج الإنترنت الهائل؟ هنا تطور الحركات ما تسميه “سياسة إظهار الضعف”. بدلاً من إظهار القوة العسكرية أو العددية، تظهر الحركات ضعفها وعريها أمام عنف الدولة. فتاة بفستان أحمر تواجه خرطوم مياه، شاب أعزل يقف أمام دبابة، امرأة مسنة تحمل لافتة من الورق المقوى. هذه الصور تنتشر لأنها تثير التعاطف والغضب، ولأنها تكسر رواية الدولة بأنها تواجه “مخربين” أو “إرهابيين”.

لكن هذه السياسة لها ثمن. عندما تعتمد على إظهار ضعفك، فأنت تحتاج باستمرار إلى أن تكون الضحية، وهذا يجعلك في موقف رد فعل دائم، تنتظر أن تضربك الشرطة لكي تكسب التعاطف، بدلاً من أن تبادر بفرض أجندتك. وهذا يفسر لماذا تبدو كثير من الحركات الشبكية كأنها تدور في حلقة مفرغة من الاحتجاج والقمع والاحتجاج على القمع، دون أن تنتقل إلى مرحلة البناء.

  توفكجي لا ترى في الشبكات مجرد أدوات، بل ترى فيها بيئة جديدة تعيد تشكيل كل شيء: كيف ننظم، كيف نتخذ القرار، كيف نروي قصتنا، وكيف نكسب الشرعية. هذه البيئة منحتنا قدرة غير مسبوقة على الظهور، على أن نكون مرئيين، على أن نقول “نحن هنا”. لكنها لم تمنحنا تلقائياً القدرة على الاستمرار، على أن نبقى هنا غداً وبعد غد، وأن نحول لحظة الظهور إلى قوة سياسية قادرة على تغيير موازين القوى.

لكي نفهم حقاً ما الذي غيره الإنترنت في قلب الاحتجاج، تأخذنا زينب توفكجي في رحلة إلى الوراء، إلى مونتغمري في ألاباما عام 1955. القصة التي نعرفها جميعاً هي قصة روزا باركس، المرأة السوداء التي رفضت التخلي عن مقعدها لرجل أبيض في الحافلة فأشعلت حركة مقاطعة تاريخية. لكن القصة التي لا نعرفها، والتي تحرص توفكجي على استعادتها بتفصيل يكاد يكون بوليسياً، هي أن روزا باركس لم تكن الأولى. قبلها بأشهر، اعتُقلت فتاة مراهقة اسمها كلوديت كولفين لنفس السبب تماماً، لكن قادة الحركة قرروا أنها ليست الشخص المناسب لقيادة المعركة القانونية والاجتماعية. روزا باركس كانت ناشطة مدربة، سكرتيرة في الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، امرأة ملتزمة تعرف كيف تتحمل الضغط.

وما إن اتُخذ قرار المقاطعة حتى بدأت عملية لوجستية معقدة لا يمكن تصورها اليوم. جو آن روبنسون، أستاذة الإنجليزية في كلية ألاباما، اضطرت أن تستعير جهاز الاستنساخ، آلة طباعة بدائية، لتطبع خمسين ألف منشور في ليلة واحدة بمساعدة طالبين، ثم تقطع كل ورقة إلى ثلاث قطع لتوفير الورق. بعد الطباعة، كان عليها أن توزع هذه المنشورات على عشرات الآلاف من الأشخاص في مدينة لا يملك معظم سكانها هواتف في بيوتهم. فاستعانت بشبكة من ثمان وستين منظمة أفريقية أمريكية موجودة مسبقاً: الكنائس، والنوادي النسائية، ونقابات العمال. كل كنيسة كانت مسؤولة عن إيصال الخبر إلى رعاياها. استغرق الأمر أياماً، وكان عملاً سرياً وخطيراً. ومع ذلك، نجحت المقاطعة.

تضع توفكجي هذه الصورة بجانب صورة أخرى رأتها بنفسها في القاهرة عام 2011. صفحة على فيسبوك اسمها “كلنا خالد سعيد” تنشئ دعوة لحدث اسمه “يوم الغضب” في الخامس والعشرين من يناير. بضغط زر واحد، تصل الدعوة إلى مئات الآلاف، بلا حاجة إلى آلات استنساخ، بلا حاجة إلى كنائس، بلا حاجة إلى شبكة منظمات سرية بنيت على مدى عقود. في هذه المقارنة تكمن الثورة الكاملة.

ما تسميه توفكجي “القدرات” أو affordances للإنترنت قد غير ثلاثة أشياء جوهرية في طبيعة الاحتجاج. أولاً، القدرة على تجاوز الرقابة التقليدية. ثانياً، القدرة على التنسيق اللوجستي السريع. ثالثاً، القدرة على بناء رواية بديلة خاصة.

في العالم القديم، كانت الدولة تستطيع أن تطفئ الاحتجاج بأن تطفئ الضوء عليه. كان التلفزيون الرسمي لا يبث شيئاً، وكانت الصحف لا تكتب شيئاً، فيظن الناس أنهم وحدهم الغاضبون. لكن توفكجي تروي كيف انقلبت المعادلة في جيزي بارك. عندما كانت قناة سي إن إن ترك، وهي فرع لشبكة أمريكية عريقة، تبث فيلماً وثائقياً عن طيور البطريق بينما كان الغاز يملأ سماء تقسيم، تحولت تلك اللقطة نفسها إلى ميم ساخر يفضح التواطؤ الإعلامي. لم يعد أحد بحاجة إلى تلك القنوات. كل متظاهر أصبح مراسلاً، كل هاتف أصبح كاميرا بث مباشر. هذا ما تسميه توفكجي “صحافة المواطن بلا قصد”. لم يكن هؤلاء الشباب يريدون أن يكونوا صحفيين، كانوا يريدون فقط أن يقولوا لأمهاتهم إنهم بخير، وأن يخبروا أصدقاءهم أين يتجمعون، لكن محصلة أفعالهم كانت تغطية إخبارية مباشرة ومستمرة تفوق أي قناة فضائية.

لكن هذه القدرة الجديدة خلقت تحدياً آخر لم يكن موجوداً من قبل. عندما يبث الجميع، كيف نعرف ما هو حقيقي؟ تصف توفكجي  عمل مجموعات تحقق صغيرة مثل 140journos التركية. شباب في العشرينات، بلا تمويل ولا مكاتب، يجلسون في مقاهي ويحاولون التحقق من شريط فيديو يدعي أن الشرطة استخدمت الرصاص الحي. يتصلون بأطباء في مستشفى ميداني، يسألون عن نوع الجرح، يقارنون أصوات إطلاق النار في الفيديو بأصوات أسلحة معروفة، يبحثون عن ظل المئذنة في الخلفية لتحديد توقيت التصوير. هذا العمل، الذي كان يتطلب غرفة أخبار كاملة، أصبح يقوم به متطوعون لأنهم شعروا بمسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة.

القدرة الثانية التي غيرها الإنترنت هي التنسيق. هنا تقدم توفكجي مفهوماً محورياً هو “التنظيم المخصص” أو adhoc organizing. في احتجاجات جيزي، لم يكن هناك قائد يوزع المهام. كان هناك مستند على جوجل دوكس يحدث لحظياً، يسمى “قائمة الاحتياجات”. شخص يكتب: نحتاج إلى مضادات حموضة للغاز المسيل، وشخص آخر يرد: سأجلب مائة عبوة بعد نصف ساعة. شخص يكتب: نحتاج إلى طبيب يتحدث الإنجليزية لعلاج صحفي أجنبي مصاب، وطبيب يرد من هاتفه. هذا النوع من التنظيم المرن، الذي يولد من الحاجة اللحظية ويموت بانتهائها، هو ما جعل حديقة جيزي تعمل كمدينة صغيرة لمدة أسبوعين دون أي هيكلية رسمية.

وتروي توفكجي كيف رأت نفس النموذج في ميدان التحرير، حيث كان المتظاهرون يستخدمون تويتر كرادار جماعي. تغريدة تقول إن الجيش يغلق مدخلاً من ناحية كوبري قصر النيل، فتتغير حركة الحشود في دقائق. تغريدة أخرى تقول إن هناك بلطجية يهاجمون من جهة المتحف المصري، فيتوجه المتطوعون إلى هناك. هذه القدرة على الرؤية الجماعية في الوقت الفعلي، التي تسميها توفكجي “الوعي الشبكي”، هي التي جعلت الجماهير غير المنظمة قادرة على مناورة قوات أمن منظمة ومسلحة.

أما القدرة الثالثة، فهي بناء الرواية. في السابق، كانت الحركات تحتاج إلى صحفي متعاطف ليروي قصتها. الآن، تستطيع أن تروي قصتها بنفسها. هنا تستعرض توفكجي كيف حولت حركة “حياة السود مهمة” في أمريكا هاشتاغاً بسيطاً إلى أرشيف حي للعنف الشرطي. كل مقطع فيديو يصور شرطياً يعتدي على مواطن أسود كان يضاف إلى خزان من الأدلة الذي لا يمكن تجاهله. لم يعد الأمر مجرد حادثة فردية يمكن تبريرها، بل أصبح نمطاً موثقاً بالصورة والصوت والتاريخ.

لكن توفكجي لا تترك هذا الاحتفاء بالقوة دون أن تزرع بذور الشك الأولى التي ستنمو في الفصول التالية لتصبح نظريتها عن الهشاشة. فهي تلاحظ أن هذه القدرات الثلاث، رغم قوتها الظاهرة، تعتمد بشكل كامل على بنية تحتية لا تملكها الحركات نفسها. هي تعتمد على منصات تجارية تملكها شركات أمريكية، خوارزمياتها سرية، ومصالحها متقلبة، وقابلة للضغط من قبل الحكومات. تعتمد على هواتف ذكية تحتاج إلى شحن وكهرباء وإنترنت، وهي أشياء يمكن للدولة أن تقطعها بسهولة كما حدث عندما قطعت مصر الإنترنت بالكامل لمدة خمسة أيام في يناير 2011. وتعتمد على انتباه عالمي سريع الملل، ينتقل من ثورة إلى أخرى، ومن هاشتاغ إلى آخر، بلا ذاكرة طويلة.

هنا تبدأ توفكجي في صياغة سؤالها الأكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما تنجح في حشد الناس بسرعة مذهلة، لكنك لا تملك أي آلية لاتخاذ قرار جماعي حول ماذا تفعل بعد الحشد؟ ماذا يحدث عندما تستطيع أن تقول “لا” بصوت عالٍ جداً يسمعه العالم كله، لكنك لا تستطيع أن تقول “نعم، نريد هذا البديل” لأنك لم تتفق عليه أصلاً؟

هذا السؤال يقودنا مباشرة إلى قلب المعضلة وهي معضلة الهشاشة التنظيمية. فالقوة التي تمنحها الشبكات ليست مجانية، وثمنها هو غالباً غياب البنية التحتية البطيئة والمملة التي كانت تبنيها الحركات القديمة والتي كانت تسمح لها بالصمود. الحركات الشبكية تربح المعركة الأولى، معركة الظهور والانتشار، لكنها تخسر غالباً المعركة الثانية، معركة الاستمرار والتحول السياسي، ليس لأن أعضاءها أقل شجاعة أو ذكاء، بل لأن الأداة التي منحتهم القوة السريعة جعلتهم يتجاوزون العمل الشاق اللازم لبناء القدرة على البقاء.

في الثالثة صباحاً من يوم الخامس عشر من يونيو عام 2013، كانت حديقة جيزي بارك تعج بالناس رغم الظلام. لم يكونوا نائمين، كانوا محتشدين حول شاشة كبيرة نصبها المتظاهرون في وسط الحديقة تنقل بثاً مباشراً من أنقرة. هناك، على بعد أربعمائة كيلومتر، كان وفد يمثل الحركة يجتمع برئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. المشهد يبدو للوهلة الأولى انتصاراً: حركة بلا قادة استطاعت أن تجبر رئيس وزراء قوياً على الجلوس إلى طاولة التفاوض. لكن الحقيقة التي عاشتها زينب توفكجي تلك الليلة كانت أكثر تعقيداً ومرارة.

من الذي اختار هذا الوفد؟ لا أحد يعرف. الحكومة في البداية دعت ممثلين وممثلات من نجوم التلفزيون لم يكونوا في الحديقة أصلاً، فسخر منهم المتظاهرون ورفضوهم. ثم دعت نشطاء من منظمات غير حكومية كانت نشطة في الحديقة، فذهبوا. لكن معظم من كانوا في الحديقة لم ينتخبوهم ولم يفوضوهم بالحديث باسمهم، لأن المبدأ الذي قامت عليه جيزي كان واضحاً: نحن بلا قادة، ولا أحد يمثلنا. عندما انتهى الاجتماع في أنقرة، وكان العرض الحكومي هو إجراء استفتاء شعبي حول مصير الحديقة، لم يكن هناك أحد قادر على اتخاذ القرار. البعض صفق واعتبره نصراً يجب الاحتفال به والعودة إلى البيوت، البعض الآخر صاح بأنها خدعة من الحكومة لكسب الوقت، وآخرون كانوا مرتبكين لا يعرفون ماذا يفعلون. لا آلية للتصويت، لا مجلس يمثل الجميع، لا طريقة ملزمة لحسم الخلاف. وخلال ثمان وأربعين ساعة، تفرقت الحشود، وعادت الجرافات، وانتهى كل شيء.

هذه اللحظة، ، هي التي تختارها توفكجي لتكون مدخلها إلى الفصل الأكثر قتامة في كتابها ،تشرح توفكجي أن الحركات الاجتماعية القديمة كانت تمر بما تسميه “عملية بناء القدرات البطيئة”. لكي تنظم حركة الحقوق المدنية في أمريكا مسيرة من سلمى إلى مونتغمري، كانت تحتاج إلى سنتين من التدريب على المقاومة اللاعنفية، وبناء شبكات من الكنائس، وتجهيز محامين، وتدريب مسعفين، وإنشاء مطابخ ميدانية، وتعيين قادة ميدانيين في كل حي. هذا العمل كان مملاً وطويلاً وغير مرئي للإعلام، لكنه كان يبني عضلات الحركة. كان يبني قدرة على اتخاذ القرار، وقدرة على التفاوض، وقدرة على تحمل الضربات طويلة المدى.

أما الحركات الشبكية، فهي تقفز فوق كل هذا. تستطيع أن تحشد مليون شخص في ميدان التحرير دون أن يكون لديها مكتب واحد، أو لائحة أعضاء، أو حتى حساب بنكي. هذا ما تسميه توفكجي “التنظيم دون تنظيم”. وهو يبدو معجزة في البداية، لكنه يترك فراغاً قاتلاً في الوسط. عندما تسقط رأس النظام، كما حدث في مصر وتونس، تكتشف الحركة أنها لا تملك أي بديل جاهز. ليس لديها حزب، ليس لديها برنامج اقتصادي، ليس لديها قادة معروفون يمكنهم خوض الانتخابات، وليس لديها هيكل يمكنه أن يتحول إلى مؤسسة. الفراغ لا يبقى فارغاً طويلاً، يملؤه من يملك التنظيم القديم: الجيش، أو جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تبني تنظيمها منذ ثمانين عاماً، أو الدولة العميقة.

تسمي توفكجي هذه الظاهرة “المفارقة التنظيمية”: الأدوات التي تجعل من السهل جداً تجاوز الحاجة إلى تنظيم رسمي في البداية، هي نفسها الأدوات التي تجعل من الصعب جداً بناء تنظيم مستدام في النهاية. لأنك عندما تستطيع أن تفعل كل شيء عبر هاشتاغ، لا تشعر بالحاجة إلى الجلوس في غرفة ضيقة لساعات طويلة لتكتب لائحة داخلية، أو لتتعلم كيف تدير خلافاً شخصياً بين عضوين، أو لتجمع اشتراكات شهرية من الأعضاء.

وهنا تصل توفكجي إلى مفهوم وهو “الجمود التكتيكي”. تقول إن الحركات الشبكية مبدعة جداً في الابتكار التكتيكي الأول، لكنها تعجز عن التطور التكتيكي بعد ذلك. في البداية، فكرة احتلال ميدان التحرير أو حديقة جيزي أو وول ستريت كانت فكرة عبقرية غير مسبوقة. لكن بعد شهر أو شهرين، عندما تبدأ الشرطة في التكيف، وعندما يبدأ الرأي العام في الملل، وعندما تبدأ الحكومة في تجاهل الاعتصام، تحتاج الحركة إلى الانتقال إلى تكتيك جديد: إضرابات في أماكن العمل، مقاطعة اقتصادية، حملات انتخابية، تفاوض سياسي. هذا الانتقال لم يحدث تقريباً في أي من الحركات التي درستها توفكجي، لأن اتخاذ قرار بتغيير التكتيك يتطلب قيادة قادرة على أن تقول: سنترك الميدان الآن وسنفعل شيئاً آخر. وفي حركة ترفض القيادة من حيث المبدأ، من الذي يملك الشرعية ليقول ذلك؟ فيتحول الاعتصام من تكتيك إلى هوية، ومن وسيلة إلى غاية، ويبقى الناس في الميدان حتى ينهكهم التعب وتفرقهم الشرطة.

ثم هناك هشاشة أخرى لا تقل خطورة، وهي هشاشة السرد. في الأيام الأولى، كانت رواية الثورة المصرية بسيطة وقوية: شعب ضد ديكتاتور. لكن بعد سقوط مبارك، تشظت الرواية إلى عشرات الروايات المتضاربة: هل نحن مع المجلس العسكري أم ضده؟ هل الإخوان جزء من الثورة أم خطر عليها؟ هل نريد انتخابات سريعة أم دستوراً أولاً؟ في الحركات القديمة، كانت هناك صحيفة أو قيادة تحاول صياغة رواية موحدة. في الحركات الشبكية، كل مجموعة صغيرة تملك روايتها الخاصة وتنشرها على صفحتها، فتتفتت القصة الكبيرة إلى آلاف القصص الصغيرة التي لا يجمعها شيء. وتستغل الدولة هذا التفتت  عبر ما تسميه توفكجي “سياسة الضجيج”. بدلاً من أن تمنع المعلومة، تغرق الفضاء بمعلومات متناقضة، بإشاعات، بنظريات مؤامرة، حتى يفقد الناس الثقة بأي شيء، فيعودون إلى حضن الدولة بحثاً عن الاستقرار.

تحكي توفكجي كيف شاهدت ذلك في تركيا بعد جيزي. الحكومة لم تعد تحاول إقناع الناس بأن المتظاهرين عملاء، بل بدأت تبث كل يوم رواية مختلفة: اليوم هم عملاء لأمريكا، غداً هم عملاء لألمانيا، بعده هم ملاحدة يريدون تدمير المساجد،  . الهدف ليس أن تصدق رواية واحدة، بل أن تصدق أن الحقيقة مستحيلة، وأن كل شيء ضجيج.

أما في أمريكا، فتقدم توفكجي قراءة مختلفة لحركة “حياة السود مهمة” Black Lives Matter. هذه الحركة، التي انطلقت بعد مقتل مايكل براون في فيرغسون بولاية ميسوري عام 2014، تعلمت من أخطاء حركة احتلوا وول ستريت. بدلاً من الاكتفاء بالاعتصام في مكان واحد، اعتمدت على احتجاجات سريعة ومتنقلة، تظهر في مكان ثم تختفي، تستخدم تويتر ليس فقط للحشد بل لتوثيق انتهاكات الشرطة بالفيديو بشكل لحظي. هذا التوثيق المستمر هو ما جعل قضية عنف الشرطة ضد السود قضية وطنية لا يمكن تجاهلها. لكن توفكجي تلاحظ أيضاً أن هذه الحركة واجهت نفس المعضلة: كيف تتحول من حركة احتجاجية ترد على كل حادثة قتل، إلى حركة سياسية تفرض إصلاحات هيكلية في أقسام الشرطة ونظام العدالة الجنائية؟ كيف تنتقل من هاشتاغ إلى قانون؟

وهنا تصل توفكجي إلى فصل من أهم فصول الكتاب، وهو فصل “كيف تتعلم الدول القمع الشبكي”. فالدول ليست غبية، وهي تتعلم أيضاً. في بداية الربيع العربي، بدت الأنظمة مرتبكة أمام قوة الشبكات. النظام المصري قطع الإنترنت بالكامل لمدة خمسة أيام، وهو قرار بدا غبياً لأنه دفع حتى المواطنين غير المهتمين بالسياسة إلى النزول إلى الشارع ليعرفوا ماذا يحدث. لكن بعد سنوات، أصبحت الأنظمة أكثر ذكاءً. بدلاً من قطع الإنترنت، أصبحت تستخدمه. في تركيا، كما توثق توفكجي، أنشأت الحكومة جيشاً من المتصيدين الرقميين، يسمون “AK Trolls” نسبة إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، مهمتهم إغراق أي هاشتاغ معارض بآلاف التغريدات المسيئة والساخرة والمضللة حتى يفقد معناه. في روسيا والصين، أصبحت هذه الاستراتيجية صناعة كاملة: ليس منع الكلام، بل إفساد بيئة الكلام نفسها حتى لا يعود أحد يثق بأي شيء.

وتروي توفكجي كيف أن الرقابة الحديثة لم تعد رقابة على المحتوى، بل رقابة على الانتباه. الدولة لا تحتاج أن تحذف تغريدتك، يكفيها أن تجعل خوارزمية فيسبوك لا تظهرها لأصدقائك، أو أن تدفع بآلاف الحسابات الوهمية لترد عليها بتعليقات مسيئة فتشعر أنت بالإنهاك وتتوقف عن الكتابة. هذا النوع من القمع لا يترك أثراً واضحاً، لا يوجد معتقل سياسي يمكنك أن تدافع عنه، بل يوجد فقط شعور عام بأن الكتابة بلا جدوى، وأن الفضاء العام مسموم.

في أوكرانيا، خلال ثورة الميدان عام 2014، شاهدت توفكجي كيف استخدم المحتجون الشبكات  للتغلب على الشتاء القارس وعلى قناصة الشرطة، لكنها شاهدت أيضاً كيف أن الحركة التي بدأت كاحتجاج ضد الفساد، انتهت بحرب أهلية وتدخل روسي لأنها لم تملك القدرة على التفاوض السياسي المعقد في اللحظة الحاسمة.

الخلاصة أن توفكجي ترفض تماماً فكرة أن التكنولوجيا تحدد المصير. نفس الهاتف الذكي، ونفس منصة تويتر، يمكن أن يسقطا ديكتاتوراً في تونس، ويفشلا في بناء ديمقراطية في مصر، ويصمدا أمام القمع في تركيا ثم ينهزما، ويثيرا نقاشاً وطنياً في أمريكا دون أن يغيرا القانون. ما يحدد النتيجة ليس الأداة، بل السياق السياسي، وعمق التنظيم الموجود مسبقاً، وقدرة الدولة على التكيف، والأهم من كل ذلك، قدرة الحركة نفسها على أن تدرك أن القوة الشبكية وحدها لا تكفي.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى