أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

مدارس أشباح وأطفال لا يرون السبورة: الوجه الآخر لمعجزة الصين

لماذا قد تفشل بكين في عبور فخ الدخل المتوسط رغم ناطحاتها اللامعة

كل الصور التي نعرفها عن الصين تكذب. أو على الأقل، تقول نصف الحقيقة فقط. نحن نعرف صين شنغهاي التي تلمع أبراجها في الليل كسفينة فضائية، وصين بكين التي تبني مطارات بحجم مدن، وصين شنجن التي تصنع هواتف العالم في غرف بيضاء معقمة. نعرف صين الجامعات التي تتسلق تصنيفات العالم، وصين الطلاب الذين يحصدون ميداليات الأولمبياد الدولي للرياضيات، وصين قطاراتها التي تطير بسرعة 350 كيلومتراً في الساعة. هذه هي الصين التي يراها العالم، وهي الصين التي تريد القيادة الصينية للعالم أن يراها. لكن سكوت روزيل وهو  اقتصادي تنمية أمريكي، وأستاذ بجامعة ستانفورد، ويحمل لقب Helen F. Farnsworth Senior Fellow في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية Freeman Spogli Institute. هو أيضاً المدير المشارك لمركز ستانفورد لاقتصاد ومؤسسات الصين SCCEI.و ناتالي هيل هي الكاتبة والشريكة في تأليف الكتاب. خريجة جامعة ستانفورد، وكانت تعمل كمديرة مشاريع وباحثة ومساعدة بحثية لفريق روزيل في مركز REAP.، المؤلفان يقول لنا في الصفحات الأولى من كتابهما الصادم إن هذه الصين لا تمثل سوى أقل من نصف الحقيقة، وإن النصف الآخر، النصف الخفي، هو الذي سيقرر مصير البلاد.

روزيل ليس مراقباً عابراً. هو ليس صحافياً أمضى أسبوعاً في بكين وكتب كتاباً. هو أمريكي يتحدث الصينية بطلاقة، عاش أكثر من ثلاثين عاماً يتنقل بين قرى مقاطعات قويتشو وشنشي وقانسو ونينغشيا، تلك الأسماء التي لا تظهر في نشرات الأخبار الاقتصادية. أسس مع زملائه الصينيين برنامج العمل الريفي للتعليم Rural Education Action Program المعروف اختصاراً بـ REAP، وهو مختبر ميداني ضخم أجرى مئات التجارب العشوائية المحكمة على مئات الآلاف من الأطفال الريفيين. على مدى عقدين، كان روزيل وفريقه يدخلون مدارس طينية، يفحصون دماء الأطفال، يقيسون نظرهم، يختبرون ذكاء الرضع، ويسألون سؤالاً بسيطاً ومخيفاً: ماذا لو كانت الصين التي نراها ليست هي الصين الحقيقية؟

الكتاب يبدأ بفكرة بسيطة في الاقتصاد لكنها قاتلة في السياسة. كل دول العالم تحلم بأن تصبح غنية، لكن التاريخ يقول إن القليل جداً من الدول ينجح في عبور ما يسميه الاقتصاديون “فخ الدخل المتوسط”. أن تخرج من الفقر المدقع إلى دخل متوسط هو إنجاز عظيم، فعلته الصين ببراعة غير مسبوقة منذ إصلاحات دنغ شياو بينغ عام 1978. لكن أن تخرج من الدخل المتوسط إلى الدخل المرتفع، إلى مصاف أمريكا وألمانيا وكوريا الجنوبية، فهذه لعبة مختلفة تماماً. المصانع الرخيصة والعمالة الوفيرة والتصدير الكثيف توصلك إلى عتبة عشرة أو اثني عشر ألف دولار للفرد، ثم تتوقف المحركات. ما يدفعك بعد ذلك ليس عدد الأيدي العاملة، بل جودة العقول. رأس المال البشري. التعليم، المهارة، الصحة، القدرة على الابتكار.

وهنا يضع روزيل و هيل قنبلته الإحصائية الأولى. الصين اليوم، بحساب البنك الدولي، وصلت إلى حوالي عشرة آلاف دولار نصيب الفرد. هي رسمياً في قلب الفخ. هل لديها رأس المال البشري للخروج؟ الجواب الرسمي من بكين هو نعم. نسبة الالتحاق بالجامعات تتفجر، براءات الاختراع تتضاعف. لكن روزيل يطلب منا أن ننظر إلى الرقم الأكثر أهمية الذي لا تذكره الحكومة في احتفالاتها: متوسط سنوات الدراسة للقوة العاملة. في الولايات المتحدة هو أكثر من 13 سنة. في كوريا الجنوبية واليابان أكثر من 12. في الصين، القوة العاملة ككل، لا تزال عند أقل من 8 سنوات. وحين تفصل الرقم، ترى الكارثة: سكان المدن الصينية الكبرى لديهم أكثر من 12 سنة تعليم، مثل الأمريكيين، أما سكان الريف الذين يشكلون أكثر من 60% من السكان، فلديهم أقل من 6 سنوات. الصين ليست دولة واحدة في التعليم، بل دولتان. دولة مرئية متعلمة، ودولة خفية أمية وظيفياً.

وهذه الدولة الخفية ليست هامشية. نحن نتحدث عن 600 إلى 800 مليون نسمة، حسب التعريف، يعيشون تحت نظام الهوكو Hukou، نظام تسجيل الأسر الذي يقسم الصينيين منذ عهد ماو إلى مواطنين حضريين لهم حقوق كاملة في التعليم والصحة والسكن، ومواطنين ريفيين هم عملياً مواطنون من الدرجة الثانية حتى لو هاجروا إلى المدينة وعملوا فيها. روزيل يسميهم “الصين الخفية” لأنهم خفيون إحصائياً وإعلامياً. الصحافيون الأجانب لا يصلون إلى قراهم. الباحثون الصينيون في الجامعات النخبوية لا يأتون منهم. وحتى صانع القرار في بكين، ابن المدينة المتعلم في الخارج، نادراً ما يراهم إلا من نافذة سيارة سريعة.

الكتاب إذن ليس كتاباً عن الفقر بمعناه الرومانسي، وليس كتاباً عن الظلم بمعناه الأخلاقي فقط. إنه كتاب عن حسابات القوة العظمى. حجته المركزية أن الصين لن تستطيع الهروب من فخ الدخل المتوسط ليس بسبب حرب تجارية مع أمريكا، ولا بسبب شيخوخة السكان، ولا بسبب الديون، بل بسبب أزمة رأس مال بشري صامتة تتراكم في جسد نصف مليار طفل ريفي لا يتعلم ولا يرى ولا يتغذى جيداً. وإذا فشلت الصين في حلها، فإنها لن تصبح أمريكا القادمة، بل ستصبح مكسيك عملاقة أو برازيل آسيوية: دولة ضخمة، لديها شركات تكنولوجية عملاقة في الواجهة، لكنها عالقة في اضطراب اجتماعي وبطء نمو مزمن لأن غالبية شعبها غير مجهزة لاقتصاد المستقبل.

ما يجعل الكتاب خطيراً ومختلفاً عن أدبيات “انهيار الصين” الرائجة في واشنطن هو منهجه. روزيل لا يتنبأ من برج عاجي. هو يروي ما رآه. يروي كيف ذهب في التسعينيات ليقيس إنتاجية مزارع القمح فاكتشف أن الأطفال في نفس القرى لا يذهبون للمدرسة الإعدادية. وكيف بدأ يقيس التسرب فاكتشف أن السبب ليس الفقر فقط، بل فقر الدم. وكيف قاس فقر الدم فاكتشف أن سببه ديدان معوية. وكيف عالج الديدان فارتفعت الدرجات. إنه تسلسل كاشف يربط البيولوجيا بالاقتصاد، والمجهر بالصاروخ. وهو تسلسل يثبت أن مشاكل الصين الخفية ليست قدراً ثقافياً، بل مشاكل تقنية قابلة للحل بتكلفة زهيدة لو توفرت الإرادة السياسية لرؤيتها.

 نحن أمام كتاب يهدم الصورة النمطية الأكثر رسوخاً في عصرنا: صورة الصين التي لا تقهر. يفعل ذلك ليس بالصراخ، بل بالأرقام الميدانية. سكوت روزيل يقول لنا: انظروا بعيداً عن أضواء بودونغ. انظروا إلى طفل عمره 18 شهراً في قرية جنوب شنشي لا يستطيع أن يقول كلمة واحدة، وإلى تلميذ في الصف الرابع لا يرى السبورة، وإلى مراهق في مصنع شنجن لا يستطيع قراءة دليل التشغيل. هؤلاء هم مستقبل الصين. وإذا كان مستقبلهم ضعيفاً، فمستقبل الصين كلها ضعيف، مهما بدا الحاضر لامعاً.

في مطلع التسعينيات، كان سكوت روزيل يمارس لعبة غريبة مع زملائه الصينيين الزائرين إلى أمريكا. كان يأخذهم إلى أقرب متجر وول مارت، ويطلب منهم أن يختاروا رقماً عشوائياً، ثم يذهبوا إلى رف عشوائي ويلتقطوا سلعة عشوائية ويقلبوها ليروا بلد المنشأ. في كل مرة، كانت النتيجة واحدة: Made in China. في قسم الألعاب، في قسم الملابس، في قسم الإلكترونيات، كانت الصين قد احتلت الرفوف بالكامل. كانت اللعبة طريقة بصرية ليقول لهم: انظروا كيف انتصرتم.

قبل سنوات قليلة، قرر روزيل أن يعيد اللعبة نفسها. ذهب إلى نفس الوول مارت، بنفس الطريقة. التقط تيشيرتاً فكان مصنوعاً في بنغلاديش. التقط حذاء فكان مصنوعاً في الهند. لعبة أطفال صنعت في الصين، لكن الآلة الحاسبة البلاستيكية في الممر التالي صنعت في المكسيك. لم تعد الصين تحكم الرفوف. السوق بدأ يتحرك.

هذه اللقطة الصغيرة تلخص الفصل الثاني من الكتاب، روزيل يشرح أن ما فعلته الصين على مدى أربعين عاماً لم يكن معجزة غامضة، بل كان تطبيقاً نموذجياً لما يسميه الاقتصاديون “سلم الخروج من الفقر”. الفكرة بسيطة وماكرة: إذا كنت بلداً فقيراً، فأنت تمتلك شيئاً واحداً رخيصاً جداً هو العمل البشري. افتح أبوابك للشركات العالمية التي تبحث عن أرخص مكان لتصنيع السلع كثيفة العمل، القمصان بخمسة دولارات، الألعاب البلاستيكية، زينة عيد الميلاد، وحتى تجميع الهواتف الذكية. هذه الوظائف لا تتطلب تعليماً، هي وظائف روتينية، تتطلب الانضباط فقط. روزيل نقل عن مدير توظيف في مصنع هواتف أن تدريب عامل جديد يستغرق اثنتي عشرة دقيقة، ويصل إلى أقصى إنتاجية بعد ثلاثة أيام. أي شخص لديه يدان يمكنه فعلها. لذلك تتدفق المصانع إلى حيث الأجور أرخص. وبالنسبة للفلاح الذي كان يكسب دولاراً في اليوم من زراعة القمح، فإن وظيفة مصنع بعشرة دولارات هي قفزة هائلة. يقفز إليها الملايين، ترتفع دخولهم، يبنون بيوتاً، يشترون خدمات، فينتعش البناء والنقل والخدمات، فتخلق وظائف أخرى حتى لغير المتعلمين. دورة فاضلة قوية. هذه الدورة هي التي أخرجت أربعمائة إلى خمسمائة مليون صيني من الفقر، وهي نفسها التي أخرجت كوريا الجنوبية والبرازيل وتايلاند من قبل.

المشكلة، كما يشرح روزيل، أن هذا السلم له نهاية. وهو يعمل فقط طالما بقيت الأجور منخفضة. ومنذ عام 2005، لم تعد الأجور الصينية منخفضة. ظلت الأجور ثابتة تقريباً من 1990 إلى 2005 لأن الصين كانت تمتلك ما بدا أنه مخزون لا نهائي من الفلاحين. كلما ارتفعت الأجور قليلاً، تدفق فوج جديد من الريف فخفضها مجدداً. لكن هذا المخزون نفد. بحلول منتصف العقد الأول من الألفية، لم يعد هناك شاب قادر على العمل في القرى. في عام 2010 وصلت القوة العاملة الصينية إلى ذروتها التاريخية ثم بدأت في الانكماش، بفعل سياسة الطفل الواحد وانخفاض الخصوبة. الآن، كل عام يتقاعد عدد أكبر مما يدخل سوق العمل. حتى لو كان نمو الناتج المحلي صفراً، فإن انكماش العرض سيدفع الأجور إلى الأعلى. وهذا ما يحدث: الأجور ترتفع بمعدل عشرة بالمائة سنوياً منذ أكثر من عقد.

حين ترتفع الأجور، يحدث أمران حتميان. الأول أن المصانع ترحل. رأيناها ترحل إلى فيتنام وبنغلاديش وإثيوبيا. والثاني، الأخطر، أن المصانع التي لا تستطيع الرحيل تستبدل البشر بالآلات. الصين اليوم هي أكبر مشتر للروبوتات الصناعية في العالم، تستحوذ على ثلاثين بالمائة من المبيعات العالمية منذ 2016. الأتمتة ليست مستقبلاً بعيداً، هي حاضرة في مصانع السيارات والإلكترونيات والمعادن. روزيل يقول إن الأتمتة ستهدد وظائف في الصين خلال العقود القادمة أكثر مما فعلت العولمة في أمريكا خلال ثلاثين عاماً.

ماذا عن طفرة البناء التي وظفت عشرات الملايين؟ انتهت أيضاً. الصين بنت شبكة طرق سريعة طولها ثمانون ألف ميل، تجاوزت بها أمريكا لتصبح الأطول في العالم. بنت مدناً كاملة، من شنغهاي إلى تشنغتشو وشيان وحتى قوييانغ، أفقر عاصمة مقاطعة، التي زارها روزيل في 2017 فوجدها لا تزال تبني بجنون، لكنه أدرك أنها آخر مدينة في الطابور. لم يعد هناك شيء ليُبنى. وحتى مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها شي جين بينغ عام 2013 وضخت فيها الصين تسعين مليار دولار، والتي كان يفترض أن تصدر العمالة الفائضة إلى آسيا الوسطى وأفريقيا، فشلت في أن تكون بديلاً. الدول الشريكة ترفض استيراد عمال صينيين وتصر على عمالتها المحلية، وسبع دول على الأقل ألغت أو قلصت مشاريعها، والفساد والانتقادات الغربية جعلت بكين نفسها تخفض لهجتها بحلول 2019.

نحن إذن أمام لحظة تحول تاريخي. النموذج القديم مات. فماذا بعد؟ هنا يدخل الكتاب في صلب نظريته عن فخ الدخل المتوسط. التاريخ يقول إن قلة من الدول نجحت في العبور. تايوان هي المثال الذي يفصله روزيل لأنه الأقرب للصين ثقافياً. تايوان أيضاً بدأت فقيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وصعدت بنفس سلم المصانع الرخيصة، وكانت منتجاتها تملأ متاجر سيرز قبل أن تملأ المنتجات الصينية وول مارت. وفي الثمانينيات وصلت إلى نفس النقطة التي وصلت إليها الصين اليوم: فائض العمالة انتهى، الأجور ارتفعت، المصنعون بدأوا يخسرون. بين 1986 و1989 خسرت تايوان ثلاثمائة ألف وظيفة صناعية. بين 1990 و1998 نقلت ثمانون ألف شركة تايوانية مصانعها إلى الخارج، نصفها إلى البر الرئيسي الصيني نفسه لأنه كان الأرخص.

لكن تايوان لم تنهر. صعدت. بدلاً من التنافس برخص اليد، نافست بجودة العقل. شركات مثل آيسر ومورس تشين وتي إس إم سي بدأت تصنع شاشات الكمبيوتر والرقائق. بحلول 1990 كانت تصنع ثلاثين بالمائة من شاشات العالم. انتقلت إلى الخدمات عالية القيمة. لماذا استطاعت تايوان أن تفعل ذلك بينما فشلت المكسيك والبرازيل؟ الجواب، في كل الدراسات التي يستعرضها روزيل، هو التعليم الثانوي. الدول التي عبرت الفخ كانت قد حققت نسبة إكمال للتعليم الثانوي تتجاوز 75 بالمائة من شبابها قبل أن تصل إلى نقطة التحول. كوريا الجنوبية فعلتها. أيرلندا فعلتها. إسرائيل فعلتها. أما المكسيك والبرازيل وجنوب أفريقيا، فقد وصلت إلى نفس نقطة التحول لكن نسبة الإكمال كانت أقل من 40 بالمائة. فبقيت عالقة. لديها أبراج زجاجية في العاصمة، لكن لديها أيضاً ملايين الشباب الذين لا يستطيعون العمل في اقتصاد المعرفة، فينتهي بهم الأمر في اقتصاد غير رسمي، في عنف، في شعبوية.

والصين؟ هنا يعود روزيل إلى أرقامه المرعبة. نسبة إكمال التعليم الثانوي في صفوف القوة العاملة الريفية الصينية، أي أولئك الذين ولدوا في الريف، لا تتجاوز 11 بالمائة في بعض المقاطعات التي درسها. حتى على المستوى الوطني، فإن أقل من 30 بالمائة من الشباب الريفي يكملون المدرسة الثانوية. بكين تقول إن الرقم أعلى، لكن روزيل يثبت أن الإحصاءات الرسمية تضم المدارس المهنية الوهمية . بمعنى آخر، الصين بتركيبتها السكانية الحالية تشبه المكسيك أكثر مما تشبه تايوان. هي دولة لديها نخبة متعلمة تضاهي النخبة الأمريكية، وقاعدة عريضة لم تصل إلى عتبة التعليم الثانوي التي تعتبر الحد الأدنى لاقتصاد القرن الحادي والعشرين.

الخلاصة التي يتركها هذا الفصل معلقة هي أن الصين لا تواجه أزمة دورة اقتصادية عابرة، بل تواجه نهاية نموذج. الوظائف القديمة لن تعود، لا بالعودة إلى الرخص ولا بتصديرها عبر الحزام والطريق، والمستقبل يتطلب مهارات لا يملكها معظم الصينيين. إما أن تبني الصين تلك المهارات بسرعة غير مسبوقة، أو أنها ستدخل في ركود طويل مصحوب ببطالة  بين الشباب الريفي، وهو مزيج متفجر اجتماعياً وسياسياً.

يحكي سكوت روزيل قصة تلميذ اسمه وانغ تاو، وهو اسم مستعار لآلاف مثله. وانغ تاو كان يحب المدرسة. في قريته بمقاطعة شنشي، كان من التلاميذ المجتهدين نسبياً، لكنه لم يكن عبقرياً بما يكفي ليجتاز امتحان القبول في المدرسة الثانوية الأكاديمية، ذلك الامتحان الذي يشبه عنق الزجاجة والذي يمر منه أبناء المدن فقط. النظام الصيني يقول له: لا بأس، أمامك خيار المدرسة الثانوية المهنية. ستصبح فنياً، ميكانيكياً، مصمم غرافيك، خبير شبكات. سيتكفل الحزب بتعليمك مهنة للمستقبل.

وصل وانغ تاو إلى المدرسة المهنية التي وزع عليها في مدينة صغيرة. في اليوم الأول لاحظ أن نصف زملائه يدخنون في الفصل، والنصف الآخر يلعب لعبةعلى هواتفه تحت الطاولة. المعلم يدخل، يكتب شيئاً على السبورة، لا يسأل أحداً، ولا يجيب أحد. إذا حاول تاو أن يسأل، يصرخ فيه أربعة أو خمسة من الأولاد: لماذا لا ترتاح؟ لسنا مضطرين لفعل ذلك هنا. خارج الفصل، الوقت يضيع في عنابر النوم حيث يشربون البيرة الرخيصة، أو في مقهى الإنترنت، أو يبيعهم معلم الرياضيات نفسه سجائر مهربة.

قال له طلاب السنوات الأعلى إن الأمر لا يتحسن. سنتان من نفس الحصص الفارغة، ثم سنة ثالثة تسمى “تدريباً عملياً” لكنها في الحقيقة عمل قسري في مصنع. تقف اثنتي عشرة ساعة على خط التجميع مع العمال العاديين، لا تتعلم شيئاً. الأسوأ، حين تتخرج من المدرسة المهنية، تكتشف أنك ستحصل على نفس الوظيفة بالضبط التي يحصل عليها زميلك الذي ترك الدراسة بعد الإعدادية مباشرة وذهب للعمل. لا فرق.

في منتصف الفصل الدراسي الأول، حزم وانغ تاو حقيبته دون أن يخبر أحداً، وركب الحافلة عائداً إلى مزرعة عائلته ولم ينظر خلفه. بعد عامين وجده فريق روزيل جالساً على كرسي خشبي أمام بيته. سألوه كيف يلخص تجربته. هز كتفيه ونظر بعيداً وقال جملة واحدة: “مضيعة كاملة للوقت”.

قصة وانغ تاو ليست استثناءً. إنها القاعدة. وهنا يكمن الفصل الأكثر إثارة للغضب في كتاب “الصين الخفية”. منذ عام 2002 قررت الحكومة الصينية أن تحل مشكلة التعليم الثانوي الريفي بقرار بيروقراطي ضخم: سوف تبني نظاماً للتعليم المهني يستوعب نصف طلاب المرحلة الثانوية في البلاد، حوالي عشرة ملايين طالب كل عام بحلول 2020. وبسرعة دولة الحزب الواحد، بدأت الأموال تتدفق. بين 1990 و2011 زاد الاستثمار في هذا القطاع ستة أضعاف ليصل إلى عشرين مليار دولار سنوياً. بين 2005 و2010 كان هناك مليون طالب إضافي يدخل هذا النظام كل عام. على الورق، بدا الأمر إنجازاً. حتى البنك الدولي انخدع ومول عدداً من “المدارس النموذجية الفائقة” التي كانت تُعرض على الوفود الأجنبية.

لكن روزيل وفريقه قرروا أن يفعلوا ما لا يفعله أحد: أن يذهبوا بأنفسهم إلى المدارس. ذهبوا إلى مكتب التربية المحلي في ثلاث مقاطعات، واحدة ساحلية غنية، وأخرى وسطى، وثالثة غربية فقيرة، وطلبوا قائمة بمائتي مدرسة مهنية مسجلة رسمياً. ثم قاد باحثون سياراتهم من مدرسة إلى أخرى. ما وجدوه كان مسرحاً عبثياً. في حوالي عشرين بالمائة من الحالات، لم يكن هناك مدرسة أصلاً. كان هناك مبنى فارغ، أو مدير يجلس خلف مكتب في مستودع. مدرسة مسجلة بأربعة أسماء مختلفة وليس لها طلاب. مدرسة أخرى تسجل فلاحين في منتصف العمر كطلاب لتحصل على الدعم الحكومي عن كل رأس. هذه المدارس كانت موجودة في السجلات الإدارية، وتحصل على تمويل، لكنها بلا طلاب.

وحتى في المدارس التي وجدوا فيها طلاباً، كان المشهد كابوسياً. في كثير من الفصول، كان المعلم يتجاهل أن الطلاب نائمون أو يلعبون بهواتفهم، وأحياناً يدخنون داخل الصف. حين أجرى الفريق اختبارات موحدة في الرياضيات وفي التخصص المهني نفسه، كانت النتيجة صادمة: متوسط الطالب في المدرسة المهنية لا يتعلم شيئاً. واحد وتسعون بالمائة من الطلاب حصلوا على نفس الدرجة أو أقل بعد سنة إضافية من الدراسة. طلاب تخصص “الكمبيوتر” لا يتعلمون برمجة ولا حتى كيفية استخدام برنامجي وورد وإكسل. الأسوأ من ذلك هو ما يسمى التدريب العملي. وجد الفريق أن ثمانية وستين بالمائة من الطلاب يذهبون إلى تدريب لا علاقة له بتخصصهم. طالب يدرس “تصميم الجرافيك” يقضي تدريبه على خط تجميع هواتف ذكية. طالب يدرس “تصميم أنابيب الغاز الطبيعي” يعمل في توصيل أسطوانات الغاز من باب إلى باب أو كاشير في محطة وقود على الطريق. ستة وخمسون بالمائة يعملون كعمال تصنيع بأجور متدنية، يقومون بنفس عمل خريج الإعدادية بلا أي تدريب متخصص.

النتيجة المنطقية هي الهروب. متوسط معدل التسرب التراكمي على مدى ثلاث سنوات في هذه المدارس هو ثلاثة وثلاثون بالمائة، وفي بعض المدارس تجاوز ستين بالمائة. الطلاب يصوتون بأقدامهم. هم يدركون قبل الباحثين أن هذه المدارس لا تعدهم للمستقبل.

لماذا يحدث هذا؟ روزيل يشرح أن السبب الجذري ليس نقص الأموال، بل نقص الرقابة. في كل أنواع التعليم الأخرى في الصين، ابتدائي وإعدادي وثانوي أكاديمي وجامعي، هناك نظام تقييم صارم يقيس مخرجات الطلاب، والمدارس التي لا تحقق المعايير تُغلق. أما التعليم المهني فقد نما بسرعة جنونية دون أن يدخل هذا النظام الرقابي أبداً. لا أحد يختبر تعلم الطلاب. لا أحد يراقب جودة الحصص. المدارس مسؤولة فقط عن عدد المباني وعدد المدرسين وعدد الطلاب المسجلين على الورق، وليس عما يتعلمونه.

لكن حتى لو أصلحت الحكومة الرقابة غداً، يقول روزيل، فإن النظام سيبقى فاشلاً لسبب أعمق وأخطر: هو يركز على النوع الخطأ من المهارات. هناك نوعان من المهارات في اقتصاد اليوم. الأول هو المهارات المهنية الضيقة: كيف تلحم، كيف تصلح سيارة، كيف تشغل آلة تحكم رقمي. هذه مفيدة للحصول على وظيفة اليوم، لكنها تصبح عديمة الفائدة حين تتغير الصناعة. وقد رأينا ذلك في الصين نفسها: في 2005 زار زميل لروزيل مدرسة مهنية كانت تشجع الطلاب على التخصص في إصلاح وصيانة أجهزة الفيديو VCR، بعد عامين فقط من اختفاء الفيديو من العالم. وفي إحدى المدارس كان طلاب تخصص المحاسبة يقضون سنة كاملة يتعلمون الحساب على المعداد، جهاز لم يستخدم منذ قرن.

النوع الثاني هو المهارات العامة أو الأكاديمية: الرياضيات، القراءة والفهم، الكتابة، المنطق، المعلوماتية، الإنجليزية. هذه هي المهارات التي تعلم الإنسان كيف يتعلم. وهي التي تسمح له بالانتقال من صناعة إلى أخرى، ومن وظيفة روتينية إلى وظيفة غير روتينية تتطلب التعامل مع مشكلات جديدة كل يوم، وهي الوظائف التي تدفع أجوراً عالية في اقتصاد الدخل المرتفع. كل البيانات طويلة المدى في العالم تثبت أن الطلاب الذين يحصلون على تعليم واسع في المهارات العامة يحققون دخلاً أفضل على المدى الطويل بغض النظر عن الصناعة التي ينتهون فيها.

المفارقة المأساوية أن المدارس المهنية الصينية مصممة لتقمع المهارات العامة. السياسة الرسمية تقول إنها يجب أن تقضي ثلاثين بالمائة فقط من وقتها على المواد الأكاديمية، لكن دراسة روزيل وجدت أن اثنين وثمانين بالمائة من مديري المدارس يعتبرون تدريس المهارات الأكاديمية هو آخر أولوياتهم، وعشرة بالمائة منهم يعترفون بأنهم لا يقدمون حصصاً عامة على الإطلاق، والنسبة الحقيقية أعلى. يدخل الطالب إلى المدرسة المهنية وهو بالفعل ضعيف في المهارات العامة لأنه لم يستطع دخول الثانوية الأكاديمية، ويخرج منها بنفس الضعف أو أضعف.

وهكذا يكتمل الجدار الخفي. الطفل الريفي يُقصى مبكراً عن المسار الأكاديمي، ثم يُدفع إلى مسار مهني وهمي لا يعلمه شيئاً ولا يمنحه شهادة لها قيمة، ثم يجد نفسه في سن الثامنة عشرة بلا مهارات عامة وبلا مهارة مهنية حقيقية، عالقاً بين قرية لم يعد فيها عمل ومصنع لم يعد يريده. هذا هو الأساس المهتز الذي تبنى عليه الصين حلمها بأن تصبح دولة ذات دخل مرتفع.

في عام 2005 كان سكوت روزيل يزور مدرسة ابتدائية جبلية في جنوب الصين كجزء من مسح روتيني. أطفال في صف واحد، يرتدون حقائب ملونة، يبدون عاديين للوهلة الأولى. لكنه لاحظ أنهم أصغر من عمرهم بعام أو عامين، وأنهم بعد انتهاء الحصة لا يركضون. لا صراخ، لا ضحك، لا حبل قفز. ساحة المدرسة بعد الغداء صامتة تماماً. سأل المدير، لي جون، الذي كان قد أمضى عاماً كمدير زائر في شيامن، المدينة الساحلية الغنية. قال لي جون: في شيامن، الساحة لا تهدأ أبداً، قبل المدرسة، في الاستراحة، بعد المدرسة، الأولاد يركضون ويصرخون. هنا في قريتي، بعد الغداء يبحث الأطفال بأنفسهم عن مكان هادئ ليناموا. لم يكن كسلاً، كان تعباً بيولوجياً. كان هؤلاء الأطفال مرضى دون أن يعرف أحد.

هذه اللحظة هي التي يبني عليها روزيل فصله الأكثر إنسانية وقسوة في آن: الحواجز الخفية. يقول روزيل إنه حين بدأ العمل في أواخر الثمانينيات كانت مشاكل التعليم الريفي مرئية للعين المجردة: مدارس بطين وأرضية ترابية وسبورة متآكلة ولا معلمين ولا كتب. اليوم، بفضل استثمارات ضخمة من وزارتي المالية والتعليم، اختفى كل ذلك. المباني الآن خرسانية متينة، كل طفل له مقعد، الكهرباء مستقرة، عنابر النوم تم تجديدها، المعلمون يتقاضون رواتبهم بانتظام منذ أن تولت الحكومة المركزية دفع الرواتب عام 2006، بل أصبح هناك فائض من المعلمين المؤهلين، ثلاثة متقدمين لكل وظيفة حتى في المناطق النائية. المناهج نفسها التي تدرس في شنغهاي، شنغهاي التي حصدت المركز الأول في اختبارات بيزا الدولية عامي 2012 و2018. زائر من كلية التربية في جامعة ستانفورد زار إحدى هذه المدارس الريفية المجددة فقال مندهشاً: تجهيزات الفصول هنا أفضل من مدارس سان خوسيه في قلب وادي السيليكون. الصين حلت مشكلة التعليم الريفي. لنعد إلى البيت.

لو كان الأمر كذلك. لكن الدراسات تظهر فجوة تعلم تتسع كل عام. في 2014 وجدت دراسة أن تلاميذ الابتدائي الريفيين متأخرون بأكثر من عامين دراسيين عن أقرانهم الحضريين في الرياضيات، والفجوة تكبر مع كل سنة دراسية. كيف يمكن أن يحدث هذا رغم تساوي المباني والمعلمين والمناهج؟ الجواب الذي اكتشفه فريق REAP بعد سنوات من قياس دماء الأطفال وفحص عيونهم وبرازهم هو أن الأطفال لا يتعلمون لأنهم مرضى، ببساطة مرضى.

هناك ثلاثة أوبئة خفية يجعلها الكتاب محوراً لفهم الأزمة. الأول هو فقر الدم الناتج عن نقص الحديد. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، إذا تجاوزت نسبة فقر الدم 5% في مجتمع ما فهي مشكلة صحية خطيرة. في القرى التي درسها روزيل بين 2009 و2012، كانت النسبة تتجاوز 30% من تلاميذ الابتدائي. في دراسات لاحقة عامي 2016 و2017 بقيت النسبة حوالي 25% في وسط وغرب الصين. فقر الدم ليس مجرد شحوب، إنه يمنع الدم من حمل الأكسجين الكافي إلى الدماغ، فيسبب إرهاقاً مزمناً وضعف تركيز وتلفاً إدراكياً طويل المدى. الدراسات في العالم أجمع تربطه بدرجات أقل وغياب أكثر وتسرب أعلى. والأهم، روزيل أجرى تجارب عشوائية محكمة: حين أعطي الأطفال مكملات غذائية تحتوي على الحديد، انخفضت نسبة فقر الدم وارتفعت درجاتهم بشكل كبير مقارنة بالمجموعة الضابطة. علاج تكلفته سنتات يرفع التحصيل. لكنه غير متوفر.

الوباء الثاني يبدو بديهياً حتى يصدمك أن أحداً لم يلتفت إليه: ضعف البصر. في أي مكان في العالم، بين 10 و20% من أطفال الابتدائي يحتاجون إلى نظارات. في ريف الصين النسبة أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات، تتراوح من 10% بين تلاميذ الصف الثالث إلى 30% بين تلاميذ الصف الخامس و40% بين الصف السادس. هذا ليس مفاجئاً في شرق آسيا حيث معدلات قصر النظر مرتفعة. المفاجأة هي أن ريف الصين وحده هو الذي يتركهم بلا علاج. روزيل يسميه “قصر النظر غير المصحح”. في بياناته من خمس مقاطعات، 9% من أطفال الصف الثالث يحتاجون نظارات ولا يملكونها، وترتفع النسبة بحدة مع العمر لتصل إلى 32% من أطفال الصف السادس، أي ثلث الفصل لا يرى السبورة. حين أجرى الفريق تجربة بسيطة بإعطاء نظارات مجانية، تضاعفت درجات الطلاب تقريباً في الصف. النظارة وحدها قلصت الفجوة بين الريف والمدينة إلى النصف في تسعة أشهر فقط. يقول روزيل إن هذه كانت أكبر قفزة في التعلم رأها في حياته المهنية. ومع ذلك، في عموم ريف الصين، هناك عشرون مليون طفل يجلسون يومياً في فصول لا يرون ما هو مكتوب على اللوح.

الوباء الثالث : الديدان المعوية الطفيلية. في 2013 قام الفريق بفحص مدارس في قويتشو فوجد أن أكثر من 40% من الأطفال مصابون بديدان في بطونهم. دراسات أخرى أكدت نسباً مماثلة أو أعلى في سيتشوان وفوجيان وهونان ويونان. هذه الديدان غير مرئية للعين المجردة لكنها تسرق المغذيات، تسبب سوء تغذية، غثياناً، دواراً، وتعيق النمو الجسدي والمعرفي، كما أنها مرتبطة مباشرة بفقر الدم. الأطفال المصابون يتغيبون أكثر، ودرجاتهم أقل، ونتائجهم في اختبارات الذاكرة والذكاء أدنى. حبة واحدة لطرد الديدان تكلف دولاراً واحداً أو أقل، وتعطى مرتين في السنة. لكنها لا تصل.

لماذا لا تصل هذه الحلول الزهيدة؟ هنا ينتقل روزيل من الطب إلى الاقتصاد السياسي. المشكلة أن نظام الرعاية الصحية الريفي والتعليم الريفي مفصولان تماماً. مدير المدرسة لا يعتبر صحة الطفل مسؤوليته. والطبيب في المركز الصحي لا يدخل المدرسة. والأهل، وهم في الغالب أجداد أميون لأن الآباء هاجروا للعمل في المدن، لا يعرفون أن شحوب الطفل أو صمته أو قصر نظره هو مشكلة طبية قابلة للعلاج. يظنون أنه كسول أو غبي بطبيعته. وهكذا يبقى الطفل مريضاً، فيتأخر دراسياً، فيفشل في امتحان القبول للثانوية العامة، فيُدفع إلى المدرسة المهنية الوهمية، فيتسرب، فيعود إلى القرية، فيعيد إنتاج الدورة مع أطفاله.

لكن الكتاب يكشف أن الجذر أعمق من المدرسة الابتدائية، إنه يبدأ في أول ألف يوم من حياة الطفل. في فصل صادم عن النمو المبكر، يأخذنا روزيل إلى قرى يفحص فيها الرضع باختبارات بايلي للنمو المعرفي. النتيجة: حوالي 40% من أطفال الريف في الفئة العمرية من 6 إلى 30 شهراً يعانون من تأخر إدراكي. ليس بسبب سوء تغذية حاد، بل بسبب نقص التحفيز. الأم أو الجدة لا تتحدث مع الرضيع، لا تقرأ له قصة، لا تعطيه لعبة تكديس ملونة، لأنها لا تعرف أن دماغ الطفل في هذه السن يحتاج إلى كلمات وتفاعل ليتكون. في تجربة تدخلية درب فيها الفريق الأمهات على اللعب والحديث والغناء، ارتفع معدل الذكاء بدرجات ملموسة. مرة أخرى، الحل ليس بناء مستشفى ضخم، بل زيارة منزلية أسبوعية بكلفة زهيدة.

الصورة التي ترتسم  هي صورة مروعة في بساطتها: الصين بنت الجدران والأسقف والطرق، لكنها نسيت أن تبني الإنسان من الداخل. عشرون مليون طفل لا يرى، ربع الأطفال فقراء دم، نصف أطفال الجنوب يحملون ديداناً، وأربعون بالمائة من الرضع لا يتلقون التحفيز الكافي. كل واحد من هذه الأرقام كان كافياً لإعلان حالة طوارئ وطنية في أي دولة أخرى. في الصين الخفية، بقيت أرقاماً في أوراق بحثية لا يقرأها أحد في بكين.

في الفصل الأخير من كتابه، يطرح سكوت روزيل سؤالاً لا يجرؤ الكثير من الخبراء في بكين على طرحه علناً: لماذا، رغم كل ذكاء القيادة الصينية وقدرتها التنظيمية الهائلة، لم تحل هذه المشاكل البسيطة؟ لماذا تظل نظارة تكلف خمسة دولارات، وحبة حديد تكلف سنتين، وحبة طارد ديدان تكلف دولاراً، بعيدة عن متناول عشرين مليون طفل؟ الإجابة التي يقدمها لا تتعلق بنقص المال، فالصين تمتلك المال. ولا تتعلق بنقص المعرفة، فالعلم موجود. الإجابة تكمن في بنية النظام السياسي الصيني نفسه، في ثلاثة عوائق هيكلية جعلت الأزمة الخفية حتمية تقريباً.

العائق الأول هو نظام الهوكو، ذلك الجدار غير المرئي الذي لا يزال يقسم الصينيين إلى مواطنين مدنيين ومواطنين ريفيين. الهوكو ليس مجرد تصنيف إداري قديم، إنه آلة تمييز عنصري داخلي. طفل مولود في قرية بمقاطعة يونان، حتى لو ولد فعلياً في شنغهاي لأن أبويه مهاجران، لا يحق له دخول مدرسة شنغهاي الحكومية، ولا الحصول على تأمينها الصحي، ولا المنافسة على مقعد جامعي في شنغهاي. عليه أن يعود إلى قريته ليؤدي الامتحانات هناك، حيث المنافسة أشرس والموارد أقل. النتيجة أن مائتين وثمانين مليون عامل مهاجر يعيشون في المدن كأشباح اقتصادية، يبنون ناطحاتها لكن أطفالهم محرومون من خدماتها. وهذا يخلق مفارقة قاسية: أكثر الأسر فقراً هي التي تحتاج أكثر إلى دعم الدولة، لكنها الأقل حصولاً عليه لأن الهوكو يمنعها من الوصول إلى خزائن المدن الغنية.

العائق الثاني هو اللامركزية المالية المقلوبة. على الورق، الصين دولة مركزية يحكمها الحزب الشيوعي بقبضة حديدية، لكن في الواقع، ومنذ إصلاحات الثمانينيات، أصبح تمويل التعليم والصحة مسؤولية الحكومات المحلية الفقيرة. حكومة المقاطعة الريفية الفقيرة هي التي يجب أن تدفع رواتب المعلمين وبناء المدارس وتوفير الوجبات والفحوصات، بينما الفائدة من تعليم هذا الطفل لن تعود عليها أبداً. الطالب المتعلم سيهاجر إلى المدينة بحثاً عن وظيفة أفضل، ولن يدفع ضرائب لمقاطعته الأصلية ولن يساهم في اقتصادها، بل سيرسل فقط تحويلات صغيرة لوالديه المسنين. من وجهة نظر المسؤول المحلي العقلاني، الاستثمار في تعليم طفل ريفي هو استثمار خاسر، يكلف محلياً ويربح وطنياً. النتيجة هي نقص مزمن وممنهج في الاستثمار. الصين تخصص أقل من 4% من ناتجها المحلي للتعليم، أقل من متوسط الدول متوسطة الدخل، ومعظم هذا الإنفاق يذهب إلى الجامعات النخبوية في المدن وليس إلى الحضانات في القرى.

العائق الثالث هو هوس النمو قصير الأجل. لثلاثة عقود، كان معيار ترقية المسؤول المحلي الوحيد هو معدل نمو الناتج المحلي. من يحقق نمواً سريعاً يترقى، من يبني طريقاً سريعاً أو مصنعاً يظهر في الصور، من يرفع أرقام الاستثمار يصعد. أما من يضع نظارات على عيون أطفال الصف الثالث، فإن ثمار عمله لن تظهر قبل عام 2045 حين يدخل هؤلاء الأطفال سوق العمل، وهو سيكون قد تقاعد أو انتقل إلى مقاطعة أخرى منذ زمن طويل. النظام السياسي يكافئ العائد الفوري ويعاقب الاستثمار طويل الأجل، ورأس المال البشري بطبيعته استثمار طويل الأجل جداً. يستغرق بناء دماغ طفل خمسة عشر عاماً على الأقل، بينما يستغرق بناء جسر عاماً واحداً. فاختار المسؤولون الجسور.

لهذه الأسباب، يقول روزيل، فإن أزمة الصين الخفية ليست خطأ تقنياً يمكن إصلاحه بقرار وزاري، بل هي نتيجة منطقية لنموذج التنمية الذي سمح للصين بالنمو بسرعة خارقة. النمو السريع نفسه هو الذي جعلها تتجاوز الاستثمار في البشر. وهذا ما يسميه الاقتصاديون “عدم اتساق زمني”: ما كان قراراً عقلانياً في عام 1990، أن تترك التعليم الثانوي جانباً لأنك تحتاج كل قرش لبناء الطرق والمصانع، أصبح قراراً مدمراً في عام 2025 حين تحتاج إلى عمال مهرة ولا تجدهم.

هل من أمل؟ روزيل يعترف بأن القيادة الصينية الحالية، منذ حوالي عام 2000، بدأت تدرك حجم المشكلة. جعلت تسع سنوات تعليم إلزامي مجانية فعلاً لأول مرة، ضاعفت أعداد الجامعات أربع مرات، بنت نظاماً ضخماً للتعليم المهني، ورفعت نسبة إكمال الثانوية بين أطفال الريف من حوالي 50% إلى أكثر من 80% بين الأجيال الجديدة. هناك حملات قومية لمكافحة الفقر، وخطاب رسمي عن “التنمية عالية الجودة”. لكن المشكلة، كما يقول، هي مشكلة توقيت. خمسة وستون بالمائة من قوة العمل الحالية في الصين، أولئك الذين سيكونون في قلب الاقتصاد في العقد القادم، نشأوا وتعلموا تحت نظامي ماو ودنغ اللذين لم يعتبرا التعليم الشامل أولوية. حتى لو أصلحت الصين كل مدارسها غداً صباحاً، فإن هؤلاء العمال سيبقون بمستوى تعليمي متدن لعقود.

ما يجب فعله، بحسب الكتاب، واضح ورخيص وممكن. أولاً، إلغاء أو إصلاح جذري لنظام الهوكو، وجعل التعليم حقاً مرتبطاً بمكان السكن الفعلي لا بمكان الولادة. ثانياً، إعادة مركزية تمويل التعليم الأساسي والرعاية الصحية، بحيث تدفع بكين مباشرة لتعليم أطفال القرى الفقيرة بدلاً من تركهم لموازنات مقاطعات مفلسة. ثالثاً، تحويل المدارس إلى منصات صحية: كل مدرسة ابتدائية يجب أن تفحص النظر والدم والبراز وتوزع النظارات والحديد وحبوب الديدان، كما تفعل المكسيك والبرازيل في برامجها الناجحة. رابعاً، والأهم، الاستثمار في أول ألف يوم: تدريب الأمهات والجدات في القرى على كيفية التحدث واللعب والقراءة للرضع، عبر زيارات منزلية أسبوعية يكلف برنامجها أقل من بناء كيلومتر واحد من الطريق السريع. هذه الإجراءات مجتمعة تكلف أقل من 0.2% من الناتج المحلي، أقل بكثير مما أنفقته الصين على مطار واحد في بكين.

لكن السؤال السياسي يبقى: هل تملك القيادة الإرادة؟ إصلاح الهوكو يعني أن على سكان المدن تحمل أعباء مدارس مستشفيات لأطفال المهاجرين، وهو ما يقاومه الطبقة الوسطى الحضرية بقوة. إعادة مركزية التمويل تعني سحب سلطة مالية من المسؤولين المحليين الأقوياء. والاستثمار في الطفولة المبكرة لا يعطي صوراً لامعة يمكن عرضها في مؤتمرات الحزب.

ينتهي الكتاب بصورة تعود إلى البداية: إلى طفل صغير في قرية منسية في قويتشو، عمره عشرون شهراً، يجلس على أرض ترابية، لا ينطق، لا يلعب، ينظر بعيون نصف مغلقة. هذا الطفل ليس فقيراً بالمعنى التقليدي، أسرته تملك هاتفاً ذكياً ودراجة نارية، لكن دماغه لم يتلق ما يحتاجه لينمو. إذا لم يره أحد اليوم، فإن الصين كلها ستشعر بغيابه بعد عشرين عاماً حين تحتاج إلى مهندس أو ممرض أو فني ولا تجده. الصين الخفية ليست مكاناً بعيداً، إنها مستقبل يولد الآن في صمت، فإن لم نره، فسنصطدم به.

المصدر:

Invisible China: How the Urban-Rural Divide Threatens China’s Rise، University of Chicago Press

* الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى