أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

داخل بالانتير.. الشركة التي تحكم العالم من مبنى بلا لافتة

في قلب دنفر، في مبنى زجاجي لا يحمل لافتة، يجلس مهندسون لا يكتبون تطبيقات مواعدة ولا يصممون فلاتر صور، بل يكتبون شيفرة تقرر أين تطير طائرة مسيرة، وأي حاوية أدوية يجب أن تصل أولا، وأي اسم يظهر على قائمة المراقبة. هذه هي بالانتير، الشركة التي قررت أن تبقى سرية في عالم يقتات على العلنية، والتي يكشفها كتاب Inside Palantir: How a Secretive Tech Titan is Shaping the Future لمؤلفه إلسن جيه هايدن الصادر في 2025 كمن يفتح باب غرفة محركات العالم الجديد دون ضجيج.

ليست هذه مراجعة لشركة برمجيات، بل هي مراجعة لنموذج سلطوي جديد. هايدن، الذي أمضى سنوات يتتبع آثار الشركة عبر عقودها الحكومية المسربة وشهادات مهندسيها المنشقين ومذكراتها الداخلية، لا يكتب سيرة ذاتية ممجدة ولا بيان اتهام أيديولوجي، بل يكتب تشريحا هادئا ومحكما لكيفية تحول فكرة فلسفية ولدت في أعقاب 11 سبتمبر إلى إمبراطورية بيانات تتجاوز قيمتها اليوم عشرات المليارات وتتدخل في حروب وانتخابات وسلاسل إمداد عالمية. الكتاب، في خمس وسبعين صفحة مكثفة، ينجح فيما فشلت فيه مئات المقالات الصحفية: أن يجعلك تفهم بالانتير لا كشركة، بل كبنية تحتية.

يبدأ هايدن من المفارقة التأسيسية التي تلاحق الشركة منذ 2003. بينما كان وادي السيليكون يردد شعار “لا تكن شريرا” ويبني أدوات للتواصل والترفيه، كان بيتر ثيل، الملياردير الليبرتاري الغامض الخارج من تجربة باي بال، يطرح سؤالا معاكسا تماما: ماذا لو كانت المشكلة ليست قلة البيانات بل فشل المؤسسات في ربطها؟ ومن هنا استدعى اثنين لا يشبهان نموذج المؤسس التقليدي: أليكس كارب، الفيلسوف المتشكك ذو الشعر الأشعث الحاصل على دكتوراه من فرانكفورت والذي كان يقرأ هيغل في الوقت الذي كان فيه زملاؤه يقرأون كتب إدارة الأعمال، وستيفن كوهين وجوي لونسديل، المهندسان المهووسان بفكرة أن الحاسوب يجب أن يعزز ذكاء المحلل البشري لا أن يستبدله. الاسم نفسه، بالانتير، مأخوذ من رواية تولكين، أحجار الرؤية التي تسمح برؤية أجزاء بعيدة من العالم، لكنها خطيرة إذا أسيء استخدامها، وهو اختيار يكشف الكثير عن وعي المؤسسين المبكر بأنهم يبنون أداة ذات حدين.

الكتاب يضعك منذ الصفحات الأولى أمام الحقيقة التي تتجنبها بالانتير عمدا: أنها لم تكن يوما شركة تجارية بالمعنى المألوف. أول مستثمر خارجي لها لم يكن صندوق رأس مال مغامر، بل In-Q-Tel، ذراع الاستثمار السري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وأول عميل لها لم يكن شركة طيران أو بنكا، بل محللون في ساحة المعركة في أفغانستان يحاولون ربط مكالمات هاتفية متقطعة بتحويلات مالية مشبوهة بخريطة قرية نائية. هذا الأصل الاستخباراتي ليس تفصيلة في تاريخ الشركة، بل هو حمضها النووي. هايدن يوضح  كيف أن هذا الأصل منحها ميزتين متناقضتين: حصانة من تقلبات السوق لأن عقود الحكومة طويلة ومربحة، ولعنة سمعة تلاحقها لأن كل عقد مع وكالة هجرة أو شرطة يتحول فورا إلى عنوان صحفي عن المراقبة.

ما يميز أسلوب هايدن أنه لا يقع في فخ الإثارة الرخيصة. هو لا يصور بالانتير كـ “الأخ الأكبر” في رواية أورويلية، ولا كـ “منقذ الغرب” كما يحب كارب أن يقدم نفسه في رسائله السنوية الغريبة التي تقتبس من الفلاسفة اليونان. بل يفكك الآلة. يشرح كيف أن منتجها الأول، Gotham، لم يكن مجرد قاعدة بيانات، بل نظام “أنتولوجيا” Ontology، طريقة لإجبار البيانات الفوضوية من مصادر متناقضة – تقرير استخباراتي، صورة قمر صناعي، منشور على وسائل التواصل – على التحدث بلغة مشتركة، بحيث يمكن لمحلل غير تقني أن يسأل سؤالا معقدا ويحصل على شبكة علاقات مرئية. ثم كيف جاء Foundry، التوأم المدني، ليطبق نفس الفلسفة على مصنع سيارات أو شركة أدوية، ليحول سلسلة الإمداد من جدول إكسل إلى كائن حي يمكن التنبؤ بفشله.

اللحظة المحورية التي يلتقطها الكتاب  هي لحظة الاكتتاب العام المباشر في 2020. لسنوات، كانت بالانتير تخسر مئات الملايين وتتباهى بأنها لا تهتم بالربحية لأنها تبني من أجل مهمة. ثم فجأة، تحت ضغط المستثمرين والواقع، اضطرت لارتداء بدلة وول ستريت. كارب، الذي كان يرفض الظهور في مؤتمرات التقنية، وجد نفسه مضطرا للحديث عن هوامش الربح. وهنا يكشف هايدن عن التحول الثقافي العميق: كيف حافظت الشركة على رواية “نحن نختلف عنهم” بينما أصبحت تتصرف كشركة برمجيات مؤسسية عادية تطارد عقودا بقيمة 200 ألف دولار للمقعد.

 هايدن يطرح سؤالا بسيطا يتردد في كل فصل: إذا كانت الأداة التي صممت لمنع هجوم إرهابي هي نفسها التي تستخدم لترحيل عائلة أو لتحديد حي يجب زيادة دوريات الشرطة فيه، فهل المشكلة في الأداة أم في العقد؟ هو لا يجيب نيابة عنك، بل يتركك مع حقيقة أن بالانتير، بخلاف فيسبوك أو غوغل، لا تبيع إعلانات، بل تبيع يقينا. تبيع لجنرال أو لرئيس تنفيذي شعورا بأن الفوضى قابلة للفهم، وأن القرار يمكن أن يكون مدعوما بكل البيانات. وهذا اليقين، في عالم يتفكك، هو أغلى سلعة.

لا يمكن فهم بالانتير دون العودة إلى الغرفة الخلفية لشركة باي بال في عام 2000، حيث كان بيتر ثيل وفريقه يواجهون مشكلة تبدو تقنية لكنها في جوهرها فلسفية. المحتالون الروس كانوا يسرقون الشركة عبر استغلال ثغرات صغيرة، والخوارزميات وحدها كانت تفشل لأن المحتال يغير سلوكه بمجرد أن يكتشف القاعدة. الحل الذي ابتكره ثيل وماكس ليفشين لم يكن خوارزمية أذكى، بل مزيجا بين الآلة والإنسان: نظام يسمى Igor يرصد الأنماط، ومحلل بشري مدرب يرى ما لا تراه الآلة. هذه الفلسفة، التي أسماها ثيل لاحقا “التعزيز المتبادل بين الإنسان والحاسوب”، هي البذرة التي ستنمو لتصبح بالانتير بعد ثلاث سنوات. هايدن في كتابه يعود لهذه اللحظة ليؤكد أن بالانتير لم تولد من فراغ استخباراتي، بل من تجربة مالية قاسية علمت مؤسسيها أن البيانات وحدها لا تحمي أحدا، وأن الحدس البشري المدعوم بالسياق هو ما يصنع الفارق.

ثم جاء 11 سبتمبر. في وادي السيليكون، كان معظم المهندسين يشاهدون الأبراج تنهار على التلفزيون ويعودون إلى كتابة الشيفرة لمتصفحات أسرع. أما ثيل، فكتب مقالا في تلك الفترة يقول فيه إن فشل الاستخبارات الأمريكية لم يكن بسبب نقص جمع المعلومات، بل بسبب الفشل في مشاركتها وربطها. وكالة المخابرات المركزية كانت تملك معلومة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي كان يملك معلومة أخرى، ووزارة الخارجية تملك ثالثة، لكن لا أحد كان يملك الصورة الكاملة لأن كل قاعدة بيانات كانت جزيرة معزولة. من هنا ولدت الفكرة المجنونة: ماذا لو بنينا نظام تشغيل للعالم الحقيقي، وليس للحاسوب فقط؟

البحث عن شريك لهذه الفكرة قاد ثيل إلى أكثر شخص غير متوقع: أليكس كارب. هايدن يرسم بورتريها ممتعا لكارب، ليس كرئيس تنفيذي تقليدي، بل كظاهرة ثقافية بحد ذاتها. يهودي من فيلادلفيا، نشأ مع أم فنانة وأب طبيب أطفال، يعاني من عسر القراءة، يدرس الفلسفة تحت إشراف يورغن هابرماس في فرانكفورت، يكتب أطروحته عن العدوانية في الحياة اليومية، ثم يعود إلى أمريكا ليجد نفسه يدير شركة سرية للجيش. كارب، بشعره الأشعث وقمصانه الملونة ورفضه العيش في سان فرانسيسكو، كان نقيض ثيل المنظم البارد. لكنه كان يملك ما يحتاجه ثيل: قدرة على ترجمة فكرة فلسفية مجردة إلى مهمة أخلاقية. كارب هو من أصر منذ اليوم الأول على أن بالانتير يجب أن تبقى في أمريكا، وألا تبيع لأعداء أمريكا، وأن ترفض العمل مع الصين، حتى لو كلفها ذلك مليارات. هذه النزعة الأخلاقية، التي قد تبدو دعاية، يثبت هايدن أنها كانت حقيقية في السنوات الأولى، وكانت سبب رفض الشركة لعشرات العقود المربحة.

الفريق التأسيسي اكتمل بستيفن كوهين وجوي لونسديل وناثان جيتينغز، مهندسون من ستانفورد لم يتجاوزوا الخامسة والعشرين. كوهين، الذي وصفه أحد الموظفين الأوائل بأنه “آلة برمجة تعيش على البيتزا والكود”، هو من بنى النواة الأولى لما سيصبح Gotham. الفكرة كانت بسيطة ومرعبة في آن واحد: خذ كل البيانات غير المهيكلة – تقارير ميدانية مكتوبة بخط اليد، سجلات مكالمات، صور جوية، حوالات مالية – واجبرها على الدخول في “أنتولوجيا” واحدة، أي نموذج موحد للعالم يفهم أن “أبو فلان” و”فلان” و”رقم الهاتف xxxx” قد يكونون نفس الشخص. هذا ليس محرك بحث، بل هو محاولة لإعادة بناء الواقع داخل الحاسوب.

السنوات الأربع الأولى كانت صحراء حقيقية. هايدن ينقل شهادات من مهندسين أوائل يتحدثون عن العمل في شقة في بالو ألتو بلا مكيف، يكتبون شيفرة لا يعرفون إن كان أحد سيستخدمها. الاستثمار الوحيد الجاد جاء من In-Q-Tel، صندوق الاستثمار التابع لوكالة الاستخبارات المركزية، الذي ضخ مليوني دولار في 2005. هذا المبلغ لم يكن كبيرا، لكنه كان إشارة: مجتمع الاستخبارات يريد هذه الأداة. ثم جاء الاختراق الحقيقي في العراق. في 2007، تم نشر نموذج أولي من Gotham مع كتيبة استخبارات في الأنبار. الجنود كانوا يعودون من دورياتهم ومعهم أقراص صلبة مليئة ببيانات غير مترابطة، وخلال ساعات، كان النظام يربط بين صانع عبوات ناسفة وورشة حدادة ومكالمة هاتفية. القصة التي يرويها هايدن عن ضابط قال “لقد قلصتم دورة الاستهداف من أيام إلى ساعات” هي اللحظة التي تحولت فيها بالانتير من مشروع أكاديمي إلى سلاح.

من هنا تشكلت الثقافة التي ستجعل الشركة مختلفة عن أي شركة في وادي السيليكون. لا يوجد فريق مبيعات. بدلا من ذلك، هناك ما يسمى “المهندسون المنتشرون إلى الأمام” Forward Deployed Engineers. مهندس يتخرج من MIT بمرتب 200 ألف دولار لا يذهب إلى مكتب جميل، بل يرسل إلى قاعدة عسكرية في أفغانستان أو إلى قسم شرطة في لوس أنجلوس أو إلى مصنع لشركة إيرباص في تولوز، ليعيش هناك لأشهر، يرتدي سترة واقية أو بدلة عمالية، ويكتب الشيفرة بجانب العميل. هذه الفلسفة، كما يوضح الكتاب، هي سر ولعنة الشركة. سر لأنها تخلق ولاء أسطوريا لدى العملاء، ولعنة لأنها غير قابلة للتوسع. لا يمكنك أن تنمو مثل مايكروسوفت وأنت ترسل أفضل مهندسيك ليعيشوا في الصحراء.

هايدن يخصص جزءا مهما  لشرح الانفصال الأيديولوجي عن وادي السيليكون. في الوقت الذي كانت فيه غوغل ترفع شعار “نظم معلومات العالم”، كانت بالانتير تقول “احم العالم”. في الوقت الذي كان فيه فيسبوك يقول “تواصل مع أصدقائك”، كانت بالانتير تقول “اعثر على عدوك”. هذا التموضع جعلها مكروهة من اليسار التقني الذي يرى فيها ذراعا للشرطة، ومحبوبة من اليمين الأمني الذي يرى فيها وطنية. كارب نفسه، رغم أنه ديمقراطي يصوت لليسار، كان يذهب إلى اجتماعات المساهمين ليهاجم وادي السيليكون لجبنه ورفضه العمل مع البنتاغون، في إشارة واضحة إلى انسحاب غوغل من مشروع Maven.

 بحلول 2010، أصبحت بالانتير شركة تبلغ قيمتها مليارات على الورق، لكنها لم تحقق ربحا واحدا. لديها أفضل تقنية استخباراتية في العالم، لكنها محاصرة في سوق حكومي ضيق. لديها ثقافة عبادة شبيهة بالطائفة، حيث يعمل الموظفون 80 ساعة في الأسبوع لأنهم يعتقدون أنهم ينقذون العالم. السؤال الذي يطرحه هايدن هنا، والذي سينتقل بنا إلى الدفعة الثالثة، هو: كيف تخرج شركة صممت للحرب من الحرب إلى السوق؟ كيف تبيع نفس الأداة التي وجدت قاتلا في بغداد لشركة تريد أن تجد زبونا في برلين؟ هذا التحول من Gotham إلى Foundry هو قصة تاريخ الشركة.

 السؤال الأصعب الذي يتهرب منه حتى موظفو الشركة أنفسهم: “ماذا تصنع بالانتير بالضبط؟” والإجابة المختصرة التي يقدمها كتاب Inside Palantir هي أنها لا تصنع برنامجا واحدا، بل تصنع طبقة تشغيل خفية فوق الواقع المؤسسي. هايدن يخصص الفصول الوسطى من كتابه لتفكيك هذا اللغز عبر أربعة أسماء تتكرر كتعويذة داخل الشركة: Gotham و Foundry و Apollo و AIP. فهم هذه الأسماء الأربعة هو فهم لماذا أصبحت الشركة اليوم لا غنى عنها للجيوش والبنوك والمستشفيات في آن واحد.

يبدأ هايدن بـ Gotham، الابن البكر والسرّي. لا تحاول أن تتخيله كبرنامج تفتحه على حاسوبك. تخيله كغرفة عمليات رقمية لا نهائية. في جوهره، Gotham هو نظام أنتولوجيا كما ذكرنا، لكن هايدن يشرح المعنى العملي ببساطة مدهشة. في أي مؤسسة استخباراتية، لديك مئات قواعد البيانات التي لا تتحدث مع بعضها: قاعدة بيانات الهجرة تتحدث لغة، وقاعدة بيانات الشرطة تتحدث لغة أخرى، وصور الأقمار الصناعية لغة ثالثة. Gotham هو المترجم الذي يجبرها جميعا على التحدث لغة واحدة، ثم يرسمها على خريطة تفاعلية يستطيع المحلل أن يسحب فيها خيطا واحدا فيرى كل الشبكة تهتز. لهذا السبب أحبه الجيش الأمريكي في أفغانستان، ولهذا السبب نفسه كرهه نشطاء الخصوصية عندما اكتشفوا أن شرطة لوس أنجلوس استخدمته لبرنامج تنبؤي يسمى PredPol يرسم مربعات حمراء على الأحياء الفقيرة ويقول “الجريمة ستحدث هنا”. هايدن لا يكتفي بالوصف التقني، بل ينقل شهادة مهندس سابق عمل على مشروع الشرطة يقول: “كنا نظن أننا نبني أداة محايدة، ثم أدركنا أن الحياد في يد شرطة تملك تاريخا من التحيز ليس حيادا، بل تضخيم”.

ثم جاء التحول الكبير في 2016، وهو المنتج الذي أنقذ الشركة من الموت في السوق الحكومي الضيق: Foundry. إذا كان Gotham مصمما لاصطياد الإرهابيين، فإن Foundry مصمم لاصطياد أوجه القصور. الفكرة عبقرية في بساطتها: نفس الأنتولوجيا التي تربط إرهابيا بهاتف، تستطيع أن تربط قطعة غيار بطائرة بمصنع في الصين بشاحنة في ميناء روتردام. شركة إيرباص، على سبيل المثال، كما يوثق الكتاب، كانت تستغرق أسابيع لتجميع تقرير عن تأخر قطعة واحدة. مع Foundry، أصبح المهندس يرى سلسلة الإمداد كاملة كشجرة حية، وينقر على فرع فيرى أنه سينكسر بعد شهرين. شركة ميرك للأدوية استخدمته لتسريع إنتاج لقاحات، وشركة فيراري استخدمته لربط بيانات مضمار السباق ببيانات المصنع. هنا تكمن عبقرية هايدن في الشرح: بالانتير لا تبيع لك برنامجا يحل مشكلتك، بل تبيع لك مرآة رقمية لمؤسستك Digital Twin، وتجبرك على الاعتراف بأن مشكلتك الحقيقية ليست في البيانات، بل في أن أقسامك لا تتحدث مع بعضها.

لكن كيف تبيع مرآة رقمية لمؤسسة تملك أنظمة قديمة معقدة وآلاف الخوادم؟ هنا يظهر المنتج الثالث الذي يعتبره هايدن “السلاح السري الحقيقي” والذي لا يتحدث عنه الإعلام أبدا: Apollo. تخيل أنك بعت نظام تشغيل لمستشفى يعمل على خوادم قديمة من 2005، ولبنك يعمل على سحابة أمازون، ولجيش يعمل على خوادم مغلقة بلا إنترنت. كيف تحدث كل هؤلاء دون أن ترسل جيشا من المهندسين كل يوم؟ Apollo هو نظام نشر ذاتي، يدير نفسه بنفسه. هو طبقة تنسيق تراقب كل نسخة من Foundry و Gotham حول العالم، وتحدثها، وتصلحها، وتؤمنها، حتى لو كانت تعمل في غواصة نووية بلا اتصال. هذا هو السبب الذي جعل بالانتير قادرة على إدارة أكثر من مئات البيئات المعقدة بعدد مهندسين أقل من نصف عدد مهندسي Snowflake. هايدن ينقل عن أحد كبار المهندسين قوله: “منافسونا يبيعون برامج، نحن نبيع القدرة على عدم القلق بشأن البرامج”. وهذه الجملة تلخص نموذج العمل كله.

أما المنتج الرابع والأحدث، AIP أو Artificial Intelligence Platform، فهو الذي دفع سهم الشركة من 8 دولارات في 2022 إلى أكثر من 100 دولار في 2025. هايدن يخصص فصلا كاملا لفك شفرة هذه القفزة. عندما انفجرت ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي مع ChatGPT، سارعت كل الشركات لإضافة روبوت دردشة. بالانتير فعلت العكس. قالت لعملائها: لا تضعوا نموذج لغة كبيرا فوق بياناتكم الفوضوية، ستحصلون على هلوسات خطيرة. ضعوا بياناتكم أولا في Foundry، نظفوها، وحددوا من يستطيع رؤية ماذا، ثم دعوا الذكاء الاصطناعي يتصرف كـ “وكيل” داخل هذه البيئة الآمنة. في عرض توضيحي يصفه الكتاب، يطلب جنرال من AIP: “أرني كل الطائرات المسيرة المعادية القريبة واقترح أفضل سلاح للتصدي”، فيقوم النظام بتشغيل عشرات النماذج في الخلفية، ويعود بخطة موثقة بالمصادر، لا بجملة منمقة. هذا هو الفارق الذي جعل الجيش الأمريكي يوقع عقدا بقيمة 480 مليون دولار لاستخدام AIP في كل فروعه.

نموذج العمل الذي يفككه هايدن هنا هو الأكثر إثارة للجدل في وادي السيليكون. بالانتير لا تبيع تراخيص بعدد المقاعد مثل مايكروسوفت. هي تبيع اشتراكات ضخمة تبدأ من مليون دولار سنويا، وتشترط أن تضع “مهندسيها المنتشرين” داخل الشركة العميلة لأشهر. هذا يعني أن تكلفة المبيعات عالية جدا في البداية، لكن بمجرد أن تدخل، يصبح الخروج مستحيلا لأن كل عمليات الشركة أصبحت تعمل فوق أنتولوجيا بالانتير. هايدن يسمي هذا “فخ القيمة”. العميل يكره الفاتورة الأولى، لكنه بعد عام يدرك أنه لا يستطيع إدارة مصنعه دونها. لهذا السبب، رغم خسائرها الطويلة، وصلت الشركة إلى الربحية في 2023 بإيرادات 2.2 مليار دولار، لأن عقودها لا تلغى.

 خلاصة يطرحها هايدن بهدوء: بالانتير ليست شركة ذكاء اصطناعي، بل هي شركة “تجهيز للذكاء الاصطناعي”. في عالم يتسابق فيه الجميع لبناء نماذج أذكى، هي بنت البنية التحتية التي تجعل تلك النماذج آمنة وقابلة للاستخدام في مؤسسات حقيقية تخاف من تسريب أسرارها. وهذا يفسر لماذا، بينما تتصارع Snowflake و Databricks على من يخزن البيانات بشكل أفضل، تجلس بالانتير فوقهما وتقول: التخزين ليس المشكلة، المشكلة هي كيف تجعل البيانات تفكر.

هناك لحظة في كتاب Inside Palantir يصفها هايدن بأنها اللحظة التي توقفت فيها الشركة عن كونها سرا صناعيا وأصبحت قضية أخلاقية عامة. كانت في مطار جون كينيدي في يناير 2017، عندما بدأ ضباط الهجرة بمنع مسافرين مسلمين تنفيذا لأمر الرئيس ترامب، وكان المحتجون يهتفون في الخارج، وفي الداخل كان نظام يسمى FALCON، بنته بالانتير لصالح وكالة الهجرة والجمارك ICE، هو من يربط بصمت بين تأشيرة منتهية وعنوان سكن ورحلة طيران. هذه اللحظة، التي لم تكن الشركة تريدها أبدا، هي التي فتحت الباب أمام سؤال لم تستطع الإجابة عنه حتى اليوم: هل أنت صانع سلاح محايد أم شريك في استخدامه؟

هايدن لا يتعامل مع هذا السؤال بالشعارات، بل بالأرقام والعقود. يعود إلى عام 2014، عندما وقعت بالانتير عقدا بقيمة 41 مليون دولار مع قسم التحقيقات في الأمن الداخلي HSI التابع لـ ICE لبناء نظام إدارة تحقيقات. النظام، الذي حمل اسم FALCON لاحقا، كان في الأصل مخصصا لمكافحة تهريب المخدرات وشبكات الاتجار بالبشر، وهي مهمة لا يختلف عليها أحد. لكن بنية النظام، القادرة على ربط كل شيء بكل شيء، جعلت استخدامه يتوسع. بحلول 2017، أصبحت وحدة إنفاذ قوانين الهجرة ERO تستخدم نفس المنصة لتتبع المهاجرين غير النظاميين. التقرير الذي ينقله هايدن عن مفتش عام وزارة الأمن الداخلي يقول إن النظام مكن العملاء من بناء ملفات كاملة عن عائلات خلال دقائق، من سجلات المدرسة إلى فواتير الكهرباء. هنا يرسم الكتاب صورة مهندس بالانتير الشاب الذي آمن أنه يطارد المجرمين، ليجد اسمه في مقال في نيويورك تايمز بعنوان “التقنية التي ترحل الأطفال”. شهادات منشقين ينقلها الكتاب تتحدث عن اجتماعات صاخبة داخل الشركة، حيث سأل البعض: هل ننسحب؟ وكان جواب كارب وثيل حاسما: نحن نبني الأداة، العميل يقرر كيف يستخدمها، ولو انسحبنا سيأتي غيرنا وسيبني أداة أسوأ. هذه الحجة، التي يسميها هايدن “دفاع صانع البنادق”، هي العمود الفقري الأخلاقي للشركة حتى اليوم.

القصة الثانية التي يتطرق لها الكتاب  هي شرطة لوس أنجلوس. في 2011، كانت المدينة تعاني من الجريمة، وجاءت بالانتير بعرض مغر: دعونا نستخدم Gotham للتنبؤ بالجريمة قبل وقوعها. الفكرة كانت بسيطة: حلل سنوات من بلاغات الشرطة، واكتشف أنماطا، وارسم مربعات حمراء على الخريطة تقول للضابط “اذهب إلى هنا”. في البداية، بدت النتائج مبهرة، انخفضت السرقات في بعض المناطق. لكن هايدن يكشف عن تقرير داخلي لاحق أظهر أن النظام كان يكرس التحيز التاريخي. لأن الشرطة كانت تذهب أكثر إلى الأحياء السوداء واللاتينية في الماضي، كانت البيانات تقول إن الجريمة تحدث هناك أكثر، فيذهبون إلى هناك أكثر، فيعتقلون أكثر، فيدخلون بيانات أكثر، في حلقة مفرغة أسماها باحثو جامعة ستانفورد “حلقة التغذية الراجعة للعنصرية”. في 2020، بعد مقتل جورج فلويد، ألغت لوس أنجلوس العقد تحت ضغط شعبي. الدرس الذي يستخلصه هايدن هنا ليس أن الخوارزمية عنصرية، بل أن الحياد الرياضي في مجتمع غير محايد هو وهم خطير، وأن بالانتير تعلمت هذا الدرس متأخرة.

ثم تأتي القصة الأكثر تعقيدا وإثارة للجدل في بريطانيا، والتي يخصص لها هايدن فصلا كاملا بعنوان “الخدمة الصحية الوطنية”. في مارس 2020، عندما ضرب كوفيد بريطانيا، كانت هيئة الخدمات الصحية NHS تغرق. لا أحد يعرف عدد أسرّة العناية المركزة المتاحة، ولا أين توجد أجهزة التنفس، ولا كيف تصل شحنات الأدوية. في 12 يوما فقط، بنى مهندسو بالانتير المنتشرون نظام Foundry جديدا اسمه NHS Data Store، ربط 120 مصدر بيانات، وأصبح رئيس الوزراء يرى كل صباح لوحة تحكم حية للمستشفيات. أنقذ النظام حرفيا آلاف الأرواح. لكن بعد الجائحة، جاء العرض: عقد بقيمة 480 مليون جنيه إسترليني لتحويل هذا النظام المؤقت إلى نظام دائم لإدارة بيانات 67 مليون مريض بريطاني تحت اسم Federated Data Platform. هنا انفجرت بريطانيا. الأطباء قالوا إن شركة أمريكية تعمل مع CIA و ICE لا يجب أن ترى بيانات مرضاهم. البرلمان فتح تحقيقا. نشطاء الخصوصية رفعوا دعاوى. هايدن ينقل كيف أن بالانتير، التي تعودت على السرية، وجدت نفسها فجأة مضطرة لعقد مؤتمرات صحفية في لندن تشرح فيها الفرق بين “الوصول إلى البيانات” و”معالجة البيانات”، وأنها لا ترى البيانات بل توفر الأنابيب. هذه القصة، كما يراها الكتاب، هي الاختبار الحقيقي لمستقبل Foundry: هل تستطيع شركة بنيت للحرب أن تكسب ثقة ممرضة في مانشستر؟

أما الفصل الأكثر حداثة وربما الأكثر تأثيرا على سعر السهم، فهو أوكرانيا. منذ اليوم الأول للغزو الروسي في فبراير 2022، أصبحت أوكرانيا مختبرا حيا لـ Gotham و AIP. هايدن يكشف، نقلا عن مصادر في كييف، كيف يستخدم الجيش الأوكراني نسخة معدلة من Gotham لدمج صور الأقمار الصناعية التجارية، وفيديوهات التيك توك، واعتراضات الراديو الروسية، لتحديد أماكن المدفعية الروسية في أقل من 30 ثانية. وكيف استخدمت نفس المنصة لبرنامج إزالة الألغام، حيث يرسم الذكاء الاصطناعي خريطة للأراضي المزروعة بالألغام. كارب نفسه زار كييف والتقى بزيلينسكي، وقال جملة أصبحت شعار الشركة الجديد: “البرمجيات الجيدة تنتصر في الحروب الحديثة”. هذا العقد، رغم أنه ليس الأكبر ماليا، أعطى بالانتير ما كانت تبحث عنه منذ 20 عاما: شرعية أخلاقية. لم تعد شركة ترحل المهاجرين، بل شركة تساعد ديمقراطية على الدفاع عن نفسها.

يختم هايدن بسؤال محوري يسميه “مفارقة الشفافية”. كلما أصبحت أدوات بالانتير أقوى وأكثر قدرة على كشف الفساد والهدر وإنقاذ الأرواح، كلما أصبحت أكثر رعبا لأنها ترى كل شيء. الشركة ترد بأنها تبني “ضوابط خصوصية دقيقة” تسمح بتحديد من يرى ماذا، وأن كل استعلام مسجل ويمكن تدقيقه. لكن النقاد يردون بأن السجل نفسه موجود على خوادم الشركة. هايدن لا يحسم الجدل، بل يتركك مع شهادة أخيرة لموظفة سابقة قالت: “كنا نظن أننا نبني خاتم سليمان الذي يسمح لك بفهم العالم، ثم أدركنا أننا بنينا أيضا القدرة على التحكم فيه، وأن الفارق بين الفهم والتحكم هو مجرد صلاحية واحدة في قاعدة البيانات”.

لو توقفت قصة بالانتير عند عقود الجيش وشرطة لوس أنجلوس وهيئة الخدمات الصحية البريطانية، لكانت مجرد شركة استشارات استخباراتية متطورة انتهى زمنها. لكن ما يجعل كتاب Inside Palantir كتابا عن المستقبل وليس عن الماضي هو الفصل الأخير الذي يحمل عنوانا بسيطا ومخيفا في آن واحد: نظام التشغيل للعالم. هايدن يأخذ القارئ هنا من غرف العمليات العسكرية إلى غرف مجالس إدارة شركات تصنع كل شيء، من السيارات الكهربائية إلى رقائق الكمبيوتر، ليشرح كيف تحاول بالانتير أن تفعل ما فشلت مايكروسوفت وغوغل في فعله: أن تصبح الطبقة التي تعمل فوق كل السحب والخوادم والمصانع.

يبدأ هايدن من ساحة المنافسة التي تبدو للوهلة الأولى خاسرة لبالانتير. في جانب يوجد عمالقة التخزين مثل Snowflake و Databricks، الذين يقولون للعميل: نحن نعطيك مستودعا رخيصا وسريعا لتضع فيه كل بياناتك، ثم افعل ما شئت. في جانب آخر يوجد عمالقة السحابة الثلاثة، أمازون ومايكروسوفت وغوغل، الذين يقولون: تعال إلى سحابتنا، وسنعطيك كل الأدوات. بالانتير تأتي وتقول العكس تماما: لا تنقل بياناتك إلى مكان جديد، ولا تشتري مئات الأدوات المتفرقة. اترك بياناتك حيث هي، في SAP و Oracle وملفات إكسل قديمة، وسنبني فوقها طبقة أنتولوجيا واحدة تجعلها تفكر. هايدن يسمي هذه الاستراتيجية “الرهان على التعقيد”. بينما يتسابق الجميع لتبسيط التخزين، تراهن بالانتير على أن مشكلة العالم الحقيقي ليست التخزين، بل الفوضى التنظيمية، وأن الشركة التي تستطيع فرض نظام على الفوضى ستمتلك المستقبل.

هنا يشرح الكتاب  مفهومين تقنيين يجعلان هذا الرهان ممكنا. الأول هو الأنتولوجيا الديناميكية التي تحدثنا عنها، لكنه في Foundry تتحول إلى شيء يشبه اللغة الأم للمؤسسة. مصنع سيارات في ميونيخ لا يعود يرى “قطعة غيار رقم 4921″، بل يرى كائنا حيا له تاريخ ومستقبل ومورد ومخاطر مناخية وسعر شحن. الثاني هو Apollo، الذي يضمن أن هذا الكائن الحي يمكن تحديثه في كل مكان في العالم دون انقطاع. المنافسون يبيعون أدوات، بالانتير تبيع واقعا بديلا منظما. ولهذا السبب، كما ينقل هايدن عن مدير تنفيذي في شركة طاقة أوروبية كبرى، “عندما تدخل بالانتير، لا تخرج. ليس لأن العقد يمنعك، بل لأنك بعد عام لا تعرف كيف كنت تدير شركتك قبلها”.

القفزة المالية التي وثقها الكتاب بين 2023 و2025 هي نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية. بعد 17 عاما من الخسائر، أعلنت الشركة ربحية لأول مرة في 2023، ثم قفزت إيراداتها من 2.2 مليار دولار إلى أكثر من 3 مليارات متوقعة في 2025، مع هامش ربح يتجاوز 30 بالمئة في عقودها التجارية. السر، كما يوضحه هايدن، هو نموذج “الدولاب الدوار” Flywheel. تبدأ بعقد صغير مع قسم واحد في شركة، وليكن قسم الصيانة في شركة طيران. تثبت أنك وفرت لهم 20 مليون دولار لأنك تنبأت بعطل محرك. القسم المجاور، المشتريات، يراك، فيطلب نفس الطبقة. ثم العمليات، ثم المالية، حتى تصبح أنت نظام التشغيل غير الرسمي للشركة كلها. هذا النموذج يفسر لماذا أصبحت بالانتير فجأة محبوبة في وول ستريت بعد أن كانت مكروهة: لأنها أخيرا وجدت طريقة لتوسيع فكرة المهندس المنتشر دون الحاجة لإرسال ألف مهندس.

لكن المستقبل الذي يرسمه الكتاب ليس ورديا تماما، بل هو محفوف بثلاثة تحديات وجودية يضعها هايدن أمام كارب وثيل.  التحدي الأول هو التوسع البشري. ثقافة الشركة التي بنيت على نخبة من خريجي ستانفورد و MIT الذين يعملون 80 ساعة في الأسبوع لأنهم يؤمنون بمهمة إنقاذ الغرب، لا يمكنها أن تستمر عندما تحتاج إلى توظيف عشرة آلاف موظف لخدمة عملاء في اليابان والبرازيل. الكتاب ينقل عن مسؤول توظيف سابق قوله: “كنا نرفض 99 بالمئة من المتقدمين لأنهم لا يملكون عقلية المبشر، الآن نحن مضطرون لتوظيف أشخاص يريدون فقط وظيفة جيدة”. هذا التحول من الطائفة إلى المؤسسة هو ما قتل شركات عبقرية كثيرة قبلها.

التحدي الثاني هو المنافسة السياسية والأخلاقية. هايدن يخصص صفحات مهمة لمشروع Helix، وهو الاسم الرمزي الداخلي لحلم بالانتير الأكبر: بناء ما يسميه “شبكة المعرفة العالمية” حيث يمكن لمدينة ذكية أن تربط بيانات المرور والطاقة والشرطة والمناخ في أنتولوجيا واحدة. الفكرة تبدو نبيلة: تقليل الازدحام والتلوث والجريمة. لكنها أيضا كابوس للخصوصية. إذا كانت Foundry في مستشفى تعرف كل شيء عن مرضاك، فماذا ستعرف Foundry في مدينة؟ الكتاب يربط هذا بمحاولة الشركة لدخول مجالات جديدة مثل تحليل سلوك المستهلك وتقييم مخاطر المناخ وسلاسل الإمداد العالمية. كل خطوة توسع السوق، وكل خطوة توسع أيضا سطح الهجوم الأخلاقي عليها. المنظمون في بروكسل وواشنطن بدأوا يسألون: هل يجب أن تسمح لشركة واحدة بأن تكون نظام التشغيل للبنتاغون ولبنك استثماري وللمستشفى وللمدينة في نفس الوقت؟

التحدي الثالث، وهو الأخطر، هو الذكاء الاصطناعي نفسه. AIP، المنصة التي أنقذت سهم الشركة، بنيت على فكرة أن النماذج الكبيرة خطيرة إذا تركت بلا قيود، وأن بالانتير توفر القيود. لكن ماذا لو أصبحت النماذج نفسها قادرة على بناء الأنتولوجيا تلقائيا؟ ماذا لو استطاع ChatGPT-6 أو Gemini المستقبلي أن يفعل ما يفعله Foundry بجزء من التكلفة؟ هايدن ينقل عن كارب إجابة متغطرسة لكنها صادقة: “الجميع يبني نماذج تتحدث، نحن نبني نماذج تفعل. الفرق بين قصيدة عن مصنع ومصنع يعمل”. هذه الجملة تلخص رهان الشركة الأخير: أن العالم الحقيقي، بفوضاه ولوائحه وآلاته القديمة، أكثر تعقيدا من أن تحله دردشة ذكية، وأنه سيحتاج دائما إلى طبقة وسيطة تفهم الواقع.

في الصفحات الأخيرة، يعود هايدن إلى السؤال الذي بدأ به الكتاب: هل بالانتير شركة سرية؟ وإجابته بعد التتبع هي أنها لم تعد سرية، بل أصبحت غير مرئية، وهذا أخطر. السرية تعني أنك تخفي شيئا، أما اللا-مرئية فتعني أنك أصبحت جزءا من البنية التحتية لدرجة أن الناس يتوقفون عن رؤيتك. لا أحد يسأل عن نظام التشغيل الذي يعمل عليه هاتفه كل يوم، ولا أحد سيسأل قريبا عن نظام التشغيل الذي تعمل عليه مدينته أو جيشه أو مصنعه. هذا هو النجاح الحقيقي لبالانتير حسب الكتاب، وهذا هو الخطر الحقيقي أيضا.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى