أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

من المنبر إلى البارجة: كيف صنع المبشرون السياسة الخارجية الأمريكية

ليس هناك صورة أوضح لاختلاط الدين بالسياسة الخارجية الأمريكية من صورة طبيب يفتح عيادة في نينغبو الصينية سنة 1844، ثم يتحول بعد عقدين إلى مترجم للسفارة الأمريكية في اليابان، ثم إلى مستشار لوزير الخارجية، ثم إلى أستاذ جامعي يضع مناهج التعليم الحديث في طوكيو. هذا الطبيب هو ديفي بيثيون مكارتي، البطل غير المعلن الذي تفتح به المؤرخة الأمريكية إميلي كونروي-كروتز كتابها الصادر حديثا عن دار كورنيل الجامعية بعنوان “الدبلوماسية التبشيرية: الدين والعلاقات الخارجية الأمريكية في القرن التاسع عشر. Missionary Diplomacy: Religion and Nineteenth-Century American Foreign Relations”.

الكتاب ليس كتابا عن التبشير بمعناه الكنسي الضيق، ولا هو كتاب تقليدي عن تاريخ وزارة الخارجية الأمريكية. إنه كتاب عن المنطقة الرمادية  المنطقة التي التقى فيها المبشر البروتستانتي بالدبلوماسي، وتقاطع فيها المنبر مع التلغراف الدبلوماسي، واختلط فيها نداء “خلاص الوثنيين” بنداء “حماية مصالح المواطنين الأمريكيين في الخارج”.

كونروي-كروتز، الأستاذة في جامعة ولاية ميشيغان والمتخصصة في تقاطع الدين والدبلوماسية، تطرح أطروحة بسيطة في ظاهرها، جذرية في عمقها: إن الدولة الأمريكية الحديثة لم تُبنَ في فراغ، وإن إمبراطوريتها غير الرسمية في القرن التاسع عشر لم تكن مشروعا علمانيا خالصا كما تحب الرواية الرسمية أن تقدمه. لقد كان المبشرون شركاء مؤسسين في صناعة السياسة الخارجية، ليس كأدوات استخدمتها الدولة، ولا كجماعة ضغط خارجية، بل كجزء عضوي من بنية الدولة نفسها في زمن كانت فيه وزارة الخارجية جهازا صغيرا، ضعيفا، بالكاد يملك ممثلين خارج أوروبا وأمريكا اللاتينية.

تبدأ المؤلفة حكايتها ليس من واشنطن، بل من غرفة جلوس في نيويورك في عشرينيات القرن التاسع عشر، حيث تجلس فتاة شابة تدعى جوانا بيثيون، تحلم بأن تكون مبشرة بعد أن التقت بالمبشر البريطاني الشهير روبرت موريسون، أول مبشر بروتستانتي إلى الصين. جوانا لن تسافر، ستتزوج قسا وتنجب عشرة أطفال، لكنها ستصنع ما هو أخطر من السفر: ستصنع ثقافة تبشيرية منزلية. ستقرأ لابنها ديفي قصص المبشرين قبل النوم، وستجعل أسماء أمثال أدونيرام جدسون في بورما وهيرام بينغهام في هاواي كلمات مألوفة في البيت مثل أسماء الأقارب. هذا هو ما تسميه كونروي-كروتز “الاستخبارات التبشيرية” Missionary Intelligence، وهي ليست معلومات سرية بل نظام معرفي كامل كانت تنتجه الجمعيات التبشيرية عبر مجلة Missionary Herald والمذكرات والرسائل، ويستهلكه الأمريكيون العاديون بشغف، فيتكون لديهم تصور عن العالم الخارجي: عالم بائس ينتظر الخلاص، وجائع ينتظر الخبز، ومتوحش ينتظر الحضارة، وكل ذلك لن يأتي إلا عبر أمريكا.

ديفي مكارتي، ثمرة تلك الثقافة، سيتخرج طبيبا، وسيمتطي موجة غير مسبوقة: ففي عام 1844، وقعت الولايات المتحدة والصين معاهدة وانغيا التي فتحت خمسة موانئ صينية للأمريكيين. خلال شهور، كانت الجمعيات التبشيرية تخطط لإرسال أطبائها ومدرسيها. مكارتي وصل إلى نينغبو ليس فقط ليبشر، بل ليعالج، وليفتح مدرسة، وليكتب تقارير. وهناك بدأت رحلته المزدوجة. عندما احتاجت الحكومة الأمريكية لمترجم يفهم اللغة والثقافة، لم تجد أفضل من المبشر. وعندما احتاجت اليابان التي بدأت تفتح أبوابها لمستشار يضع نظاما تعليميا حديثا، استدعت الطبيب المبشر نفسه. لم يكن مكارتي استثناء، بل كان نموذجا.

وتتبع الكاتبة عائلته عبر ثلاثة أجيال لتكشف كيف أن التبشير أصبح مشروعا عائليا ودبلوماسيا في آن واحد. فشقيق زوجته هنري رانكين، وابنه هنري وليام رانكين الذي عاد إلى أمريكا للتعليم، كرس حياته لاحقا لكتابة سيرة عمه وتقديمه كـ “رجل دولة تبشيري”، واصفا المبشر في أحسن حالاته بأنه “دائما رجل دولة ينظر نظرة كونية عالية لواجب الأمم ومصيرها”. هذه العبارة، التي قد تبدو مبالغا فيها اليوم، كانت عقيدة راسخة في القرن التاسع عشر.

ما تفعله كونروي-كروتز ببراعة هو أنها لا تكتب تاريخ المبشرين كأبطال ولا كأشرار. إنها تكتب تاريخ الدولة الأمريكية نفسها من خلالهم. ففي بداية القرن، كانت وزارة الخارجية تتكون من حفنة موظفين في واشنطن وعدد قليل من القناصل الذين يعملون بالعمولة، لا راتب لهم، ويعتمدون على التجارة ليعيشوا. لم تكن لديها القدرة على جمع المعلومات عن سيام أو عن الدولة العثمانية أو عن مملكة هاواي. من كان يملك تلك المعلومات؟ المبشرون. هم من كان يعيش هناك، يتكلم اللغة، يكتب القواميس، يرسم الخرائط، ويحصي السكان مصححا أخطاء كابتن كوك. وعندما كانت مجلة North American Review، أهم مجلة فكرية في أمريكا آنذاك، تريد أن تكتب مقالا من أربعين صفحة عن جزر ساندويتش أو عن الإسلام، كانت تعتمد كليا على كتابات المبشرين.

وهنا تكمن المفارقة التي يلتقطها الكتاب بذكاء صحفي: بينما كان السياسيون في واشنطن يتبنون مبدأ مونرو ويدعون عدم التدخل خارج نصف الكرة الغربي، كان المواطنون الأمريكيون في الكنائس يستهلكون خريطة عالمية مختلفة تماما، خريطة يكون فيها العالم كله حقلا للعمل الأمريكي، ويكون فيها التدخل واجبا أخلاقيا. هذه الفجوة بين خريطة الدولة وخريطة الشعب هي التي سدها المبشرون.

الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء زمنية ومفاهيمية. الجزء الأول، “الاستخبارات التبشيرية 1810-1840″، يدرس كيف تحول المبشرون إلى خبراء. الجزء الثاني، وهو قلب الكتاب، بعنوان “المتاعب التبشيرية 1840-1880″، يدرس كيف تحول هؤلاء الخبراء إلى مشكلة. والجزء الثالث، “البعثات الدبلوماسية 1890-1920″، يدرس كيف تحولت المشكلة إلى نموذج جديد للإمبراطورية والعمل الإنساني.

هذا التقسيم هو سردية عن نمو الدولة. في البداية، الدولة ضعيفة وتحتاج المبشرين. في الوسط، الدولة تنمو وتبدأ تشعر أن المبشرين يورطونها في أماكن لا تريدها. في النهاية، الدولة تصبح إمبراطورية قوية وتعيد تعريف علاقتها بالمبشرين كشركاء في مشروع إنساني عالمي، ولكن بشروطها هي.

في عام 1823، وقف الرئيس جيمس مونرو أمام الكونغرس ليعلن مذهبه الشهير: أمريكا للأمريكيين، وأوروبا للأوروبيين، ولا تدخل خارج نصف الكرة الغربي. في نفس العام تقريبا، كانت مطابع الجمعية الأمريكية للمبشرين في بوسطن تطبع تقريرا من جزر ساندويتش – هاواي لاحقا – يصف بالتفصيل كيف أن الوثنية تنهار هناك، وكيف أن الملكة كيوبولاني على فراش الموت اعتنقت المسيحية، وكيف أن أطفال الجزيرة يحفظون الآن الوصايا العشر. أيهما كان أكثر تأثيرا في تشكيل خيال المواطن الأمريكي العادي عن دوره في العالم؟ مونرو بمبدئه الجغرافي الضيق، أم المبشر بخرائطه التي لا تعترف بحدود؟

هذا هو السؤال الذي تفتح به إميلي كونروي-كروتز الجزء الأول من كتابها، وهو الجزء الذي تسميه “الاستخبارات التبشيرية”. والمصطلح هنا دقيق ومقصود. فالمؤلفة لا تتحدث عن دعاية دينية، بل عن جهاز معلومات متكامل، سابق لوكالة الاستخبارات المركزية بمئة عام، كان يعمل بكفاءة مذهلة. كانت الجمعيات التبشيرية، وعلى رأسها المجلس الأمريكي للمبشرين في الخارج ABCFM، تطلب من كل مبشر يغادر أن يكتب تقريرا شهريا، وأن يجمع مفردات اللغة المحلية، وأن يصف المناخ والتجارة والدين والعادات. هذه التقارير كانت تُجمع وتُحرر وتُنشر في مجلة Missionary Herald التي وصل توزيعها إلى عشرات الآلاف، ثم يُعاد تلخيصها في الصحف المحلية والكتب التذكارية.

في زمن لم تكن فيه وزارة الخارجية تملك سوى عدد قليل من القناصل الذين بالكاد يعرفون الفرق بين سيام وبورما، كان المبشر هو الخبير الوحيد المتاح. وهنا تبرز الفصلان الأول والثاني من الكتاب: “السياسيون” و “الخبراء”.

في فصل السياسيين، تكشف كونروي-كروتز كيف أن النخبة السياسية الأمريكية المبكرة، رغم علمانيتها الظاهرة، كانت تستهلك هذه الاستخبارات التبشيرية بنهم. جون كوينسي آدامز، الذي كان وزيرا للخارجية ثم رئيسا، كان قارئا نهمـا لتقارير المبشرين عن الشرق. لم يكن يفعل ذلك بدافع التقوى فقط، بل لأنه كان يبحث عن مادة لبناء خطاب أمريكي عن الحضارة. عندما كان المبشرون يكتبون عن “استبداد الدولة العثمانية” أو عن “خمول الصينيين” أو عن “حاجة الهنود للتعليم المسيحي”، كانوا يقدمون للسياسيين لغة جاهزة لتبرير التوسع التجاري والثقافي دون الحاجة لإعلان إمبراطورية رسمية.

الأمر الأكثر إثارة أن هذا الاستهلاك لم يكن محصورا في المعسكر الإنجيلي. فحتى السياسيون الذين كانوا يشككون في الحماسة الدينية وجدوا في تقارير المبشرين فائدة عملية. فالتاجر الأمريكي الذي يريد فتح سوق في سميرنا أو في كانتون، لا يجد في تقارير القنصل الرسمي سوى أرقام جافة عن الرسوم الجمركية، لكنه يجد عند المبشر وصفا حيا للشارع، للغة، لنظام القضاء، ولفرص بيع الكتاب المقدس الذي هو في النهاية سلعة مطبوعة أيضا.

أما فصل “الخبراء” هنا حيث تتوقف المؤلفة طويلا أمام مجلة North American Review، التي كانت بمثابة مجلة Foreign Affairs في القرن التاسع عشر. تتصفح كونروي-كروتز أعداد المجلة بين 1815 و1860 وتكتشف حقيقة مذهلة: أن المبشرين كانوا المصدر الأول للمقالات عن العالم غير الأوروبي. عندما أرادت المجلة أن تصحح معلومات كابتن كوك عن عدد سكان هاواي، استندت إلى إحصاءات المبشرين. عندما أرادت أن تناقش أصل اللغات البولينيزية وعلاقتها بالملايو، استندت إلى القواميس التي وضعها المبشرون. عندما أرادت أن تصف براكين هاواي، اعتمدت على رحلات المبشرين الاستكشافية. وحتى عندما كتبت عن الإسلام، كانت تراجع ترجمة جورج سيل للقرآن جنبا إلى جنب مع كتابات مبشر في دمشق يدعى جوزياس ليزلي بورتر.

لم يكن هناك فصل بين الاستشراق الأكاديمي والتبشير الميداني في ذلك الوقت. كلاهما كان يدعي امتلاك الحقيقة عن الشرق. لكن المبشر كان يملك ميزة لا يملكها المستشرق الجالس في كامبريدج: أنه يعيش هناك، يمرض هناك، ويدفن أطفاله هناك. هذه المصداقية الميدانية جعلت القارئ الأمريكي يثق به أكثر من أي دبلوماسي.

وتروي المؤلفة كيف تحولت مذكرات المبشرين إلى نوع أدبي رائج بحد ذاته. مذكرات مثل “مذكرات كيوبولاني، ملكة جزر ساندويتش الراحلة” لم تكن تُقرأ كسيرة دينية فقط، بل كدليل سياسي وإثنوغرافي. كانت تشرح كيف يمكن لملكة وثنية أن تتحول إلى حاكمة مسيحية متحضرة، وهي رسالة ضمنية بأن النموذج الأمريكي قابل للتصدير. كان المبشرون يكتبون عن اليونان وعن الهند وعن جنوب أفريقيا وعن سوريا، وفي كل مرة كانوا يرسمون خريطة للعالم تقول: هناك فوضى تحتاج إلى نظام، وهناك ظلام يحتاج إلى نور، وهناك فراغ تحتاج أمريكا أن تملأه.

هذه الخريطة كانت تتعارض أحيانا مع خريطة وزارة الخارجية. فالوزارة كانت تريد علاقات هادئة مع السلطان العثماني لضمان حقوق التجارة، بينما المبشرون في بيروت كانوا يكتبون تقارير غاضبة عن اضطهاد المسيحيين ويطالبون بالتدخل. الوزارة كانت تريد تجنب التورط في الصين بعد حرب الأفيون، بينما المبشرون كانوا يطالبون بفتح المزيد من الموانئ لنشر الإنجيل. لكن لأن الوزارة ضعيفة، لم تكن تستطيع تجاهلهم تماما. كانت تستمع، وتؤجل، وتساوم.

وهنا تضع كونروي-كروتز يدها على نقطة محورية ستتكرر طوال الكتاب: إن العلاقة بين المبشر والدبلوماسي لم تكن علاقة سيد وتابع، بل علاقة تكافل بين ضعفين. كلاهما كان ضعيفا في بداية القرن، وكلاهما كان يطمح للعالمية، وكلاهما وجد في الآخر أداة لتوسيع نفوذه. المبشر يحتاج جواز سفر وحماية قنصلية، والدبلوماسي يحتاج مترجما وخبيرا محليا مجانا. هذه الصفقة غير المكتوبة هي التي أسست لما تسميه المؤلفة “الدبلوماسية التبشيرية”.

بحلول أربعينيات القرن التاسع عشر، تغير المشهد. معاهدات جديدة مع الصين وسيام والدولة العثمانية فتحت أبوابا كانت مغلقة. فجأة، أصبح الحلم التبشيري القديم بإنجيل الصين ممكنا. ديفي مكارتي ورفاقه ركبوا السفن. حيث سينتقل المبشرون من كونهم كتاب تقارير في بوسطن إلى كونهم سكانا فعليين في كانتون وبيروت وبانكوك، وسيبدأون في خلق ما تسميه الوزارة في مراسلاتها الداخلية “المتاعب التبشيرية”.

في إحدى رسائلها الداخلية في خمسينيات القرن التاسع عشر، استخدمت وزارة الخارجية الأمريكية تعبيرا سيظل يلازم المبشرين لعقود: Missionary Troubles. لم تكن الوزارة تقصد المتاعب التي يواجهها المبشرون في الميدان، بل المتاعب التي يسببها المبشرون للوزارة نفسها. هذا التحول الدلالي من المبشر كحل إلى المبشر كمشكلة هو محور من الكتاب .

فما الذي حدث بين عامي 1840 و1880؟ باختصار، نزلت الاستخبارات التبشيرية من الورق إلى الأرض. بعد معاهدات 1844 مع الصين، ومعاهدات مماثلة مع سيام ومسقط والدولة العثمانية، أصبح بإمكان المبشر الأمريكي أن يحزم حقيبته ويسافر بشكل قانوني إلى أماكن كانت قبل ذلك مجرد أسماء في مجلة Missionary Herald. وخلال عقدين فقط، انتشرت شبكة مدهشة من المدارس والمستوصفات والمطابع من نينغبو إلى بيروت إلى بانكوك إلى جزر هاواي. التقديرات تشير إلى أن أكثر من ألف مبشر أمريكي كانوا في الخارج بحلول عام 1860، ومعهم زوجاتهم وأطفالهم، ومعهم أيضا فكرة جديدة وخطيرة عن معنى أن تكون أمريكيا في الخارج.

هنا يأتي فصل “المواطنون” Citizens، وهو فصل يؤرخ لميلاد مفهوم حديث لم نعد ننتبه لأهميته: حقوق المواطن الأمريكي خارج حدود أمريكا. قبل القرن التاسع عشر، كان مفهوم المواطنة مرتبطا بالإقليم. إذا سافرت إلى الصين، فأنت تحت رحمة القانون الصيني. لكن المبشرين رفضوا هذا المنطق. كتبوا إلى واشنطن يقولون: نحن ذهبنا لنشر الحضارة الأمريكية، فمن واجب أمريكا أن تحمينا. وعندما صادرت السلطات الصينية صناديق من الأناجيل في كانتون، أو عندما منعت السلطات العثمانية طباعة كتاب بالعربية في بيروت، لم يكتب المبشرون رسائل استعطاف، بل كتبوا عرائض قانونية تطالب بحقوقهم بموجب المعاهدات.

بهذه الطريقة، أجبر المبشرون وزارة الخارجية على صياغة سياسة لم تكن تريد صياغتها. ماذا تعني الحماية القنصلية؟ هل تشمل الحق في التبشير في قرية داخلية لم تفتحها المعاهدة؟ هل تشمل الحق في شراء أرض وبناء كنيسة؟ الوزارة، التي كانت تفضل أن تبقي علاقاتها مع بكين وإسطنبول هادئة من أجل التجارة، وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن مبشر عنيد قرر أن يفتح مدرسة في مكان ممنوع، مستندا إلى تفسير إبداعي لنص المعاهدة.

وهنا يأتي فصل “القناصل” Consuls، الذي يكشف عن فضيحة إدارية كانت معروفة في ذلك الزمن. فالقنصل الأمريكي في منتصف القرن التاسع عشر لم يكن دبلوماسيا محترفا كما نعرفه اليوم. كان في الغالب تاجرا أمريكيا يعيش في الميناء، يعين بلا راتب، ويعيش على الرسوم التي يتقاضاها من السفن الأمريكية. كثير منهم لم يكن يتكلم لغة البلد، ولم يكن يهتم بالسياسة. من كان يملأ الفراغ؟ المبشر. في حالات لا تحصى، عينت الوزارة المبشر نفسه قنصلا. ديفي مكارتي نفسه خدم كمترجم وقنصل غير رسمي في الصين واليابان. مبشرون آخرون في هاواي وسيام وبيروت حملوا الأختام القنصلية. كانوا يترجمون، ويكتبون التقارير، ويحكمون في نزاعات بين بحارة أمريكيين.

كان هذا حلا رخيصا ومريحا للوزارة، لكنه خلق تضاربا جوهريا في المصالح. كيف يمكن للمبشر الذي يريد تحويل السكان أن يكون حكما محايدا في نزاع بين تاجر أمريكي يبيع الأفيون وحاكم محلي؟ كيف يمكن لمن يعتبر القانون المحلي “وثنيا” أن يحترمه؟ كونروي-كروتز تورد مراسلات مذهلة يشتكي فيها قناصل محترفون لاحقا من أن المبشرين “يخلطون بين مملكة السماء ومصالح الولايات المتحدة”.

الفصلان التاليان، “الضحايا” Victims و “المشاغبون” Troublemakers، هما وجهان لعملة واحدة. فمن جهة، كان المبشرون ضحايا حقيقيين. تروي المؤلفة قصصا عن مبشرين تعرضوا للرجم في الأناضول، وعن مبشرات احتجزن في الحبشة، وعن مطابع أحرقت في تايلاند، وعن أطفال ماتوا بالكوليرا. هذه القصص كانت تصل إلى أمريكا فتثير موجة من الغضب الشعبي والتبرعات، وتضع ضغطا هائلا على الكونغرس للتدخل. المبشر الضحية كان أداة تعبئة لا تقدر بثمن.

لكن من جهة أخرى، كان المبشرون أنفسهم يصنعون الضحايا. وهنا تكمن جرأة الكتاب. فالمؤلفة لا تتبنى رواية الاضطهاد البسيطة. إنها تظهر كيف أن المبشرين كانوا يتعمدون استفزاز السلطات المحلية. كانوا يدخلون مناطق داخلية محظورة في الصين بحجة أن المعاهدة تسمح لهم بـ “السفر للصحة”، ثم يبنون كنيسة ويطالبون بالحماية. كانوا يوزعون منشورات تهاجم الإسلام في أسواق دمشق ثم يشتكون عندما تصادرها الشرطة العثمانية. كانوا يشترون أراضي في هاواي بطرق ملتوية ثم يطالبون الحكومة الأمريكية بالدفاع عن حقوق الملكية.

إحدى الحالات التي تفصلها المؤلفة  هي قضية المبشرين في الدولة العثمانية بعد مرسوم الإصلاح العثماني 1856. فالمرسوم سمح بحرية الدين نظريا، لكن المبشرين الأمريكيين فسروه على أنه حق مطلق في تحويل المسلمين. عندما حاولت السلطات العثمانية تقييد ذلك، كتب المبشرون إلى واشنطن أن “حرية الضمير الأمريكية تنتهك”، وطالبوا وزير الخارجية بأن يجعل من حرية التبشير شرطا في العلاقات الأمريكية العثمانية. وهكذا، تحولت مسألة دينية محلية إلى قضية دبلوماسية دولية.

أما فصل “العمال” Workers فيلتقط تحولا ديموغرافيا مهما: تأنيث العمل التبشيري. بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر، أصبحت النساء تشكل أغلبية المبشرين الأمريكيين في الخارج. جمعيات نسائية أرسلت معلمات وممرضات وطبيبات عازبات إلى الهند والصين والشرق الأوسط. هؤلاء النساء لم يكنّ يطالبن فقط بحقوق المواطنين، بل بحقوق المرأة أيضا، وكنّ يخلقن شبكة من المدارس للبنات أثارت غضب السلطات المحلية بقدر ما أثارت إعجاب الرأي العام الأمريكي. وجودهن عقد مهمة القنصل أكثر، لأن حماية امرأة أمريكية عازبة في قرية نائية في الأناضول كانت قضية أخلاقية وسياسية في آن واحد.

 الصورة قد تغيرت تماما. وزارة الخارجية التي كانت في 1820 تتوسل للمبشرين أن يكتبوا لها تقريرا، أصبحت في 1880 تملك قسما خاصا لتلقي شكاوى المبشرين، وتشتكي في تقاريرها السرية من أن المبشرين “يورطوننا في أماكن لا نريدها”. الدولة تنمو، تتحول إلى جهاز مركزي قوي بعد الحرب الأهلية، وتبدأ في التفكير باحترافية: هل المبشر يخدم المصلحة الوطنية أم يعرقلها؟ هل نحن نحميه لأنه أمريكي، أم لأنه مبشر؟ هذا السؤال سيظل معلقا حتى ينفجر في وجه الجميع مع حرب 1898 وثورة الملاكمين.

عندما انفجرت البارجة الأمريكية مين في ميناء هافانا في فبراير 1898، لم تكن وزارة الخارجية وحدها هي التي هرعت لتفسير ما يحدث. في قاعات الكنائس في بوسطن ونيويورك وشيكاغو، وقف مبشرون عائدون من الفلبين والصين ليقولوا لجمهورهم: هذه هي لحظتنا. قرن من الاستعداد الروحي والاستخباراتي وصل أخيرا إلى ذروته، وأمريكا على وشك أن تصبح قوة عالمية ليس فقط بالسفن الحربية، بل بالمدارس والمستشفيات.

هذا هو المشهد الذي تفتح به إميلي كونروي-كروتز الجزء الثالث والأخير من كتابها، بعنوان “البعثات الدبلوماسية 1890-1920”. إذا  ماذا يحدث عندما تصبح الدولة إمبراطورية حقيقية، قوية، بيروقراطية، ولا تعود بحاجة لمن يترجم لها؟

فصل “الإمبرياليون” Imperialists هو فصل يكشف انقساما لم يكن ظاهرا من قبل داخل الحركة التبشيرية نفسها. فمع حرب 1898 واحتلال الفلبين وغوام وبورتوريكو، وجد المبشرون أنفسهم أمام معضلة أخلاقية وسياسية. فريق، ويمثله قادة مثل آرثر جادسون براون، الأمين العام للمجلس المشيخي للبعثات الخارجية، رأى في الإمبراطورية فرصة تاريخية. إذا كانت أمريكا ستحكم الفلبين، فلتكن حكما بروتستانتيا متنورا، يبني المدارس بدلا من الثكنات. كان براون يسافر حول العالم في 1902 عائدا ليكتب أن القاعدة الذهبية يجب أن توجه السياسة الخارجية الأمريكية، وأن المبشر هو أفضل من يجسدها.

لكن فريقا آخر، وإن كان أقل ضجيجا، بدأ يشعر بالقلق. فهؤلاء المبشرون الذين قضوا عقودا يطالبون الدولة بحمايتهم لأنهم “ليسوا إمبرياليين بل مبشرين”، وجدوا أنفسهم الآن يُحسبون على مشروع إمبريالي رسمي. في الفلبين، حيث قاتل الأمريكيون ثورة وطنية مسلحة، كان المبشرون الأمريكيون يبنون مدارس بينما كان الجنود الأمريكيون يحرقون القرى. كيف يمكن الفصل؟ كونروي-كروتز تظهر كيف أن خطاب المبشرين عن “نشر الحضارة الأمريكية” الذي كان مقبولا في 1840 عندما كانت الدولة ضعيفة، أصبح مريبا في 1898 عندما أصبحت الدولة تملك جيشا احتلاليا.

ثم جاءت ثورة الملاكمين عام 1900 لتفجر كل شيء. هذا هو محور فصل “الملاكمون” Boxers، وهو الفصل الذي تعتبره المؤلفة الدراما الأخلاقية في الكتاب.

في شمال الصين، قتلت حركة الملاكمين الوطنية المناهضة للأجانب عشرات المبشرين وعائلاتهم، وحاصرت السفارات في بكين. ردت القوى الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، بحملة عسكرية دولية قمعية، ثم فرضت على الصين تعويضات باهظة. وهنا حدث ما لم يكن متوقعا: طالب المبشرون الأمريكيون، الذين فقد بعضهم أفراد عائلاتهم، بتعويضات مالية ضخمة من الفلاحين الصينيين الفقراء، تشمل قيمة الأناجيل الممزقة والكنائس المحروقة، وحتى “خسارة الدخل المستقبلي للمبشر القتيل”.

هذه المطالبات أشعلت نقاشا وطنيا غير مسبوق في أمريكا. مارك توين، الذي كان أيقونة الأدب الأمريكي، كتب مقالا لاذعا بعنوان “لمن يجلسون في الظلام”، رسم فيه صورة للمبشر كجشع وقاس، يطالب بثمن دم من فلاح لا يملك قوت يومه. توين قال إن هناك “أمريكتين”: أمريكا التي تتحدث عن الحرية في الداخل، وأمريكا التي تصدر نسخة مغشوشة من الحضارة للخارج. هذه العبارة انتشرت كالنار في الهشيم. لأول مرة منذ قرن، لم يكن المبشر هو البطل في القصة الصحفية، بل كان المتهم.

كونروي-كروتز تتبع بذكاء كيف ردت المؤسسة التبشيرية على هذا الهجوم. فآرثر براون أصدر عام 1907 كتابه “المبشر الأجنبي: تجسيد لحركة عالمية”، وهو كتاب موجه لطلاب الجامعات المسيحية، حاول فيه الإجابة على سؤالين كانا يترددان في كل مكان: “هل المبشر حكيم في تعامله مع الشعوب الفخورة والعريقة وعاداتها الاجتماعية والدينية؟ وهل يسبب مشاكل لا داعي لها لحكومته وحكومات أخرى؟”. لاحظ التحول في اللغة: في 1820 كان السؤال “كيف ننقذ الوثنيين؟”، أما في 1907 فأصبح “هل المبشر يسبب متاعب دبلوماسية؟”. الخلاص الروحي تراجع، والمصلحة الدبلوماسية تقدمت.

وتكشف المؤلفة من خلال دفاتر هنري وليام رانكين، ابن أخت مكارتي، كيف كان الجيل الجديد من أنصار التبشير يحاول إعادة تأطير القصة. رانكين الذي كان يكتب سيرة عمه، جمع دفاتر كاملة بعناوين فرعية مذهلة: “المبشرون كمترجمين، البعثات والعلم، المبشرون وحسن النية، البعثات البروتستانتية ليست سياسية، الشجاعة، تبرئة البعثات، الاعتراضات على البعثات”. كان يحاول أن يثبت أن المبشر “دائما رجل دولة”، وأن المبشرين في الصين كانوا يقدمون ما تحتاجه الصين فعلا، ليس “أثاثا وآلات جديدة، بل تصورا جديدا لخيرها وكيفية تحقيقه”. بل ذهب إلى حد القول إن المبشرين كانوا “الخدم المدنيين المثاليين بلا عدد”، لأنهم يسترشدون بالقاعدة الذهبية ويسعون لـ “الوئام الاجتماعي بين الأعراق”.

لكن هذا الدفاع الرومانسي اصطدم بواقع جديد: وزارة الخارجية نفسها لم تعد تلك الوزارة الصغيرة. ففي نفس سنوات ثورة الملاكمين، كانت الوزارة تمر بإصلاحات كبيرة لاحترافية الخدمة القنصلية، بفضل قوانين مثل قانون 1906 الذي فرض امتحانات للقناصل. لم تعد الوزارة بحاجة لمبشر يترجم لها مجانا، فقد أصبح لديها دبلوماسيون يتكلمون الصينية واليابانية. بل إن المبشر الذي كان يعتبر نفسه خبيرا لا غنى عنه، بدأ يُنظر إليه كشخص هاوٍ، عاطفي، يخلط بين التبشير والسياسة.

وهنا ينتقل الكتاب إلى فصلين  لفهم الشرق الأوسط وأفريقيا: “الشهود” Witnesses و “الإنسانيون” Humanitarians.

في فصل الشهود، تأخذنا المؤلفة إلى الكونغو وتركيا. في الكونغو، في ظل دولة الملك ليوبولد الحرة، كان المبشرون الأمريكيون، وخاصة المبشرون السود مثل وليام شيبارد، من أوائل من كشفوا عن الفظائع المروعة لاستغلال المطاط. لكنهم عندما حاولوا دفع واشنطن للتدخل، اكتشفوا أن واشنطن لا تعتبر الكونغو أولوية دبلوماسية. كانوا شهودا، لكن شهادتهم لم تكن مرغوبة دائما. وفي تركيا العثمانية، مع مجازر الأرمن في تسعينيات القرن التاسع عشر وما بعدها، تحول المبشرون في الأناضول إلى شهود على مذابح جماعية، يرسلون تقارير مفصلة عن القرى المحروقة. هذه التقارير خلقت أول حركة إنسانية أمريكية حديثة، لكنها وضعت الوزارة في مأزق: كيف تدين السلطان العثماني الذي تريد الحفاظ على علاقات تجارية معه؟

هذا المأزق سيحل، أو بالأحرى سيتفاقم، في فصل “الإنسانيون”. فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تحولت نداءات المبشرين من “احموا حقوقنا كمبشرين” إلى “احموا الإنسانية”. حملة الإغاثة للشرق الأدنى Near East Relief التي قادها مبشرون سابقون جمعت أكثر من مئة مليون دولار لإنقاذ الأرمن والسوريين، وكانت أكبر حملة إنسانية أمريكية حتى ذلك الوقت. هنا، لم يعد المبشر يطالب بحماية قنصلية لنفسه، بل يطالب الدولة بأن تكون قوة إنسانية، بأن تتدخل باسم الحرية الدينية والإنسانية.

بهذا، تكون الدائرة قد اكتملت. فالمبشر الذي بدأ في 1810 ككاتب رسائل يطلب من الأمريكيين أن يتبرعوا لإنقاذ الوثنيين، انتهى في 1920 كمهندس لخطاب إنساني جديد يبرر للولايات المتحدة أن تتدخل في العالم ليس لحماية تجارتها، بل لحماية “الإنسانية” نفسها. الدولة التي كانت ضعيفة واحتاجت المبشر ليخبرها عن العالم، أصبحت قوية وتستخدم لغة المبشر لتبرير قوتها.

 تعود كونروي-كروتز إلى عائلة مكارتي-رانكين لتقول إن الجيل الجديد من المبشرين والدبلوماسيين لم يعد يفكر بنفس طريقة عمه ديفي. لم يعد أحد يستطيع أن يكون طبيبا ومبشرا وقنصلا ومستشارا تربويا في آن واحد. التخصص فرض نفسه. لكن الإرث بقي: فكرة أن الدين جزء من السياسة الخارجية الأمريكية، وأن حماية الحرية الدينية في الخارج هي مصلحة وطنية، هي فكرة ولدت في القرن التاسع عشر في مراسلات مبشر قلق في نينغبو، وليس في قاعات مجلس الأمن القومي.

الكتاب ينتهي بما بدأ به: بجيل جديد. ففي الخاتمة المعنونة “جيل جديد”، تروي المؤلفة كيف أن أطفال المبشرين الذين عادوا إلى أمريكا للتعليم لم يعودوا مبشرين بالمعنى التقليدي، بل أصبحوا أساتذة جامعات وخبراء في الشؤون الخارجية وموظفي إغاثة. لقد حملوا معهم ذاكرة الطفولة في الصين أو سوريا، وحولوها إلى مهنة. وهكذا، لم تمت الدبلوماسية التبشيرية، بل تحولت. لم تعد تحتاج إلى مبشر يحمل الإنجيل، بل إلى خبير يحمل تقريرا عن حقوق الإنسان. لكن المنطق واحد: أن أمريكا لها رسالة في العالم، وأن هذه الرسالة دينية وأخلاقية بقدر ما هي سياسية.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى