أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

عندما تصبح البروباغندا أكثر ذكاءً من الكذب

ليست البروباغندا ضجيجاً يصدر من مكبرات صوت في ساحة حمراء، ولا ملصقاً عملاقاً لوجه الزعيم يطل من واجهة مبنى رمادي في نظام شمولي. هذا هو الدرس الأول، والصادم، الذي يضعه الفيلسوف الأمريكي جايسون ستانلي في كتابه “كيف تعمل البروباغندا How Propaganda Works” الصادر عن مطبعة جامعة برنستون في عام 2015. فالكتاب الذي يبدو من عنوانه كأنه يعد القارئ بجولة تاريخية في أرشيف غوبلز ولين وموسوليني، يفعل العكس تماماً، إنه يجر البروباغندا من متحف الطغيان ويلقي بها في قلب غرفة المعيشة في أكثر الديمقراطيات ليبرالية، في شوارع نيويورك ولندن، في خطابات الكونغرس، في مناهج المدارس، وفي نشرات الأخبار المسائية التي نظنها محايدة.

جايسون ستانلي فيلسوف لغة ومعرفة، أستاذ الفلسفة كان في جامعة ييل، ولهذا فإن مقاربته مختلفة وجذرية. هو لا يسأل “من يكذب علينا؟” بل يسأل سؤالاً أعمق وأكثر إزعاجاً: “كيف يمكن لكلام صادق تماماً، أو لمثاليات نبيلة نؤمن بها بصدق، أن تعمل كبروباغندا وتدمر الديمقراطية من الداخل؟”. ومن هنا تنبع قوة الكتاب وأصالته، فهو لا يتعامل مع البروباغندا كمرادف للكذب الفج، بل كآلية لإدارة المعتقدات، لتشكيل ما يمكن أن نفكر فيه وما لا يمكن أن يخطر ببالنا، لتعطيل قدرتنا على التعاطف العقلي مع الآخر المختلف عنا.

تبدأ حكاية هذا الكتاب، كما يرويها ستانلي نفسه في مقدمته، من ملاحظة شخصية، من كونه يهودياً نشأ في أسرة نجت من الهولوكوست، وكونه يراقب صعود خطاب سياسي في أمريكا ما بعد 11 سبتمبر يتحدث باسم الحرية والديمقراطية بينما يبرر التعذيب والمراقبة والحروب الاستباقية. لقد لاحظ كيف أن مفردات مثل “الحرية” و”الأمن” و”سيادة القانون” لم تعد تستخدم كأهداف للنقاش، بل كأسلحة لإنهاء النقاش. عندما يقول سياسي إن قانوناً ما يهدف إلى “حماية الحرية”، فإن الاعتراض عليه يصبح تلقائياً اعتراضاً على الحرية نفسها، وهنا تكمن الحيلة. هذه هي ما يسميه ستانلي “البروباغندا المقوضة”، وهي أخطر أنواع البروباغندا، لأنها تستخدم مثاليات الديمقراطية نفسها لتقويض ممارستها. فالحديث عن الحرية يصبح وسيلة لإسكات المطالبة بالمساواة، والحديث عن القانون والنظام يصبح وسيلة لتبرير السجن الجماعي، والحديث عن الجدارة والاستحقاق يصبح وسيلة لإخفاء بنية عنصرية وطبقية عميقة.

يؤسس ستانلي كتابه على تمييز فلسفي اقتبسه من تقاليد فلسفة اللغة، بين ما يقال صراحة وما يتم توصيله ضمناً. فالجملة الواحدة يمكن أن تحمل رسالتين، رسالة ظاهرية نبيلة ومحترمة، ورسالة باطنية تحرك مشاعر الخوف والاشمئزاز والانتماء القبلي. عندما يتحدث سياسي عن “دولة الرفاه” أو “المدن الداخلية” أو “حقوق العمال”، فإنه في أمريكا لا يتحدث فقط عن سياسات اقتصادية، بل يستدعي في اللاوعي الجمعي صوراً نمطية عنصرية مترسخة، صوراً عن الكسل والجريمة وعدم الاستحقاق، حتى لو لم يذكر العرق أبداً. هذا هو جوهر عمل البروباغندا في الديمقراطية الليبرالية، إنها لا تحتاج إلى أن تقول “السود كسالى”، بل يكفي أن تقول “نحن ضد ثقافة الاتكال” ليقوم عقل المستمع ببقية العمل، مستحضراً كل الصور النمطية التي زرعتها فيه عقود من الخطاب المشفر.

ولكي يفسر كيف ينجح هذا السحر الأسود، يستعير ستانلي مفهوماً مركزياً من الفلسفة الماركسية والنقدية، لكنه يعيد صياغته بلغة معاصرة: “الإيديولوجيا المعيبة”. الإيديولوجيا ليست مجرد مجموعة أفكار خاطئة، بل هي نظام معرفي كامل يجعل الظلم يبدو طبيعياً وعادلاً. إنها العدسة التي نرى من خلالها العالم، فتجعلنا نفسر فقر الفقراء كنتيجة لكسلهم لا كنتيجة لنظام اقتصادي يستبعدهم، وتجعلنا نفسر ثراء الأغنياء كنتيجة لذكائهم لا كنتيجة لامتيازات ورثوها. الإيديولوجيا المعيبة تعمل لأنها تقدم نفسها على أنها معرفة محايدة وعلمية وفطرية، بينما هي في الحقيقة تحمي مصالح المهيمنين. والبروباغندا، في هذا الإطار، هي الأداة التي تحافظ على هذه الإيديولوجيا، تغذيها، تمنع التشكيك فيها، وتجعل أي محاولة لتفكيكها تبدو غير معقولة أو متطرفة أو غير وطنية.

لهذا، يرفض ستانلي التعريف الساذج للديمقراطية الليبرالية بأنها مجرد نظام انتخابات حرة وسوق حرة وحرية تعبير. بالنسبة له، الديمقراطية الحقيقية هي ثقافة، هي ما يسميه مستعيراً من الفيلسوف جون رولز ودو بويز، “المعقولية”. المجتمع المعقول ليس المجتمع الذي يتفق فيه الجميع، بل المجتمع الذي يفترض فيه المواطنون أن لدى الآخرين أسباباً وجيهة لما يعتقدون، حتى لو اختلفوا معهم، المجتمع الذي يمارس فيه الناس ما يسميه “التعاطف المعرفي”، القدرة على أن تتخيل نفسك مكان شخص آخر تماماً، بكل تاريخه وآلامه وقيوده، وأن تفكر من منظوره. البروباغندا هي العدو اللدود لهذه المعقولية، لأنها تقوم على تدمير هذه القدرة، على جعلنا نرى خصومنا ليس كأشخاص لديهم وجهة نظر مختلفة، بل كأشرار أو أغبياء أو خونة أو طفيليين لا يستحقون حتى أن نستمع إليهم. وعندما ينهار هذا الافتراض الأخلاقي والمعرفي، تنهار الديمقراطية، حتى لو بقيت صناديق الاقتراع والمحاكم شكلاً.

إن عبقرية كتاب ستانلي تكمن في أنه يربط بين ثلاثة حقول ظلت منفصلة طويلاً: فلسفة اللغة التي تدرس كيف نتواصل بما هو أكثر مما نقول، ونظرية المعرفة التي تدرس كيف تتشكل معتقداتنا وما الذي يجعلها مبررة أو منحرفة، والنظرية السياسية التي تدرس كيف تحافظ أنظمة الهيمنة على نفسها. إنه يظهر أن البروباغندا ليست مجرد مشكلة سياسية، بل هي مشكلة معرفية في المقام الأول، إنها اعتداء على عقلانية المواطن. ومن هنا يأتي عنوانه الفرعي الضمني: إذا أردت أن تفهم كيف يفوز المرشح الذي يعدك بتدمير الضمان الاجتماعي باسم حماية الحرية، فلا تبحث في الاقتصاد فقط، بل ابحث في كيف تعمل اللغة وكيف يبني الدماغ تحيزاته.

لو كان هناك جملة واحدة تلخص الثورة التي يقترحها جايسون ستانلي في كتابه “كيف تعمل البروباغندا”، فهي تلك التي يكتبها : “البروباغندا ليست بالضرورة كاذبة”. هذه الجملة وحدها تهدم قرناً كاملاً من فهمنا العامي للدعاية، ذلك الفهم الذي علمنا أن نبحث عن الكذب الصريح، عن الأرقام المزورة والصور المفبركة، بينما الحقيقة، كما يشرح ستانلي، يمكن أن تكون أكثر أدوات البروباغندا فتكاً حين توضع في سياق يجعلها مضللة، أو حين تُستخدم لتدعيم إيديولوجيا معيبة تمنعنا من رؤية الصورة كاملة.

ولكي يبني هذا التعريف الجديد، يعود ستانلي إلى الجذور الفلسفية لمفهوم الإيديولوجيا، لكنه لا يأخذها من الماركسية التقليدية وحدها، بل يمزجها بنظرية المعرفة الاجتماعية المعاصرة. الإيديولوجيا عنده ليست مجرد كذبة يروجها الأغنياء ليخدعوا الفقراء، بل هي، كما يعرّفها باقتدار، نظام معتقدات يجعل من الصعب على الناس إدراك أن مصالحهم تتعارض مع النظام القائم. إنها ليست نقصاً في الذكاء، بل هي تشويه منهجي في كيفية اكتسابنا للمعرفة. وهنا يأتي مفهومه المحوري الثاني: “الاضطهاد المعرفي”. فالمجتمع غير المتكافئ لا يوزع الثروة والسلطة بشكل غير عادل فقط، بل يوزع أيضاً أدوات المعرفة بشكل غير عادل. من يملك المدارس الجيدة والصحف والجامعات ومراكز الأبحاث، يملك القدرة على تحديد ما يعتبر معرفة وما يعتبر جهلاً، ما يعتبر رأياً معقولاً وما يعتبر تطرفاً. الفقراء والمهمشون لا يُحرمون فقط من المال، بل يُحرمون من المصداقية، حين يتحدثون لا يُستمع إليهم كخبراء في معاناتهم، بل كمتذمرين أو كسالى.

في هذا السياق، يقدم ستانلي تمييزه الأشهر الذي بنى عليه الكتاب كله، التمييز بين “البروباغندا الداعمة” و”البروباغندا المقوضة”. البروباغندا الداعمة هي تلك التي نفهمها بشكل بديهي، خطاب يدعم مثالاً نبيلاً بطريقة نبيلة، مثل حملة توعية بأهمية التبرع بالدم تستخدم شعارات وطنية لتشجيع الناس على فعل الخير، هذه بروباغندا لكنها لا تضر، بل تدعم الديمقراطية. أما البروباغندا المقوضة، وهي بيت القصيد، فهي خطاب يستخدم مثالاً نبيلاً ومتفقاً عليه، كالحرية أو المساواة أو العقلانية أو الأمن، لكنه في ممارسته الفعلية يقوض هذا المثال نفسه. وهنا تكمن الخدعة الكبرى، إنها بروباغندا ترتدي قناع الفضيلة.

خذ مثلاً ما يسميه ستانلي “بروباغندا الحرية”. في الولايات المتحدة، كما في كثير من دول العالم، يتم تمرير قوانين تقلل من الضرائب على الأثرياء بشكل هائل، وتقطع برامج الرعاية الصحية والتعليم عن الفقراء، لكنها لا تُمرر باسم “إثراء الأغنياء”، بل باسم “تحرير الاقتصاد” و”حماية حرية الفرد من تدخل الدولة” و”تشجيع المبادرة الحرة”. الكلمات المستخدمة هي كلمات مقدسة في القاموس الليبرالي، لا أحد ضد الحرية، لكن النتيجة العملية لهذه السياسات هي تدمير الحرية الفعلية لملايين الناس الذين يصبحون غير قادرين على الحركة الاجتماعية أو حتى على البقاء بصحة جيدة. البروباغندا المقوضة هنا نجحت لأنها جعلت من المستحيل أخلاقياً مهاجمة المشروع، فمن يهاجم تخفيض الضرائب يصبح عدواً للحرية.

والمثال الآخر الذي يفصله ستانلي هو بروباغندا “سيادة القانون”. عندما تريد دولة ما تبرير نظام سجون عنصري يسجن السود بمعدلات خيالية مقارنة بالبيض، فإنها لا تقول إنها عنصرية، بل تقول إنها تطبق القانون بحزم على الجميع، وإنها تحمي المجتمع من الجريمة. هنا يتم استخدام مثال سامٍ هو المساواة أمام القانون، ليتم من خلاله تبرير نظام ينتج عدم مساواة فاضحة. اللغة نفسها تمنعك من رؤية التناقض، لأنك إذا قلت إن تطبيق القانون ظالم، يبدو كأنك تدافع عن الجريمة.

كيف تنجح هذه الآلية؟ يجيب ستانلي بأنها تنجح عبر اللغة، عبر ما يسميه الفلاسفة “المحتوى غير المباشر” و”الافتراضات المسبقة” و”الإيحاءات”. البروباغندا في الديمقراطية نادراً ما تكون جملة خبرية مباشرة يمكن تكذيبها، بل هي تعمل عبر ما لا يقال. خذ الكلمة الشهيرة “welfare” أو “الرفاه” في أمريكا، نظرياً هي تعني شبكة الأمان الاجتماعي، لكنها عملياً، وبسبب عقود من الخطاب المشفر، أصبحت تحمل في طياتها صورة نمطية عنصرية عن امرأة سوداء عاطلة تنجب الأطفال لتحصل على المال الحكومي، رغم أن الإحصائيات تقول إن معظم المستفيدين هم من البيض. عندما يقول سياسي “يجب أن ننهي ثقافة الرفاه”، فهو لا يكذب لغة، لكنه يطلق شرارة في عقل المستمع تستدعي كل تلك الصور، وتجعل الناخب الأبيض الفقير يصوت ضد مصلحته الاقتصادية لأنه لا يريد أن يذهب ماله إلى “أولئك الناس”.

هذا يقودنا إلى أحد أكثر فصول الكتاب إثارة، فصل “اللغة المشفرة”. يستعير ستانلي من فلسفة اللغة الأمريكية مفهوم “الرمز المشفر”، وهو تعبير يبدو محايداً لكنه في الواقع يحمل شحنة عنصرية أو طائفية لا يمكن إنكارها في السياق. كلمة مثل “inner city” أو “المدن الداخلية” تبدو جغرافية، لكنها في الخطاب الأمريكي رمز للسود، وكلمة “إرهاب” أصبحت رمزاً للمسلمين، وكلمة “النخبة” أصبحت رمزاً لليهود في خطابات اليمين المتطرف. هذه الرموز تعمل لأنها تمنح المتحدث إنكاراً معقولاً، يمكنه دائماً أن يقول “أنا لم أقصد العرق، أنا أقصد الجريمة فقط”، بينما جمهوره يفهم الرسالة تماماً. وهكذا تنتشر البروباغندا دون أن تترك بصمات، دون أن تضطر إلى قول المحظور صراحة.

ويذهب ستانلي أبعد من ذلك ليقول إن أخطر أنواع البروباغندا ليست تلك التي تخاطب العاطفة على حساب العقل، بل تلك التي تخاطب العقل نفسه لكنها تشوهه. إنها تجعلنا نعتقد أننا نفكر بعقلانية بينما نحن في الواقع نكرر تحيزاتنا. كيف؟ عبر تدمير “المعايير المشتركة للعقلانية”. في مجتمع سليم، حتى لو اختلفنا، نتفق على ما يعتبر دليلاً، ما يعتبر مصدراً موثوقاً، ما يعتبر حجة منطقية. البروباغندا تعمل على تدمير هذا الاتفاق، تجعل كل فريق يعتبر مصادر الآخر كاذبة ومؤامرة، تجعل الخبراء خونة، والجامعات معاقل للتآمر، والصحافة عدو الشعب. عندما ينجح هذا، لم يعد هناك نقاش ممكن، لأننا لم نعد نتشارك نفس الواقع. وهذا بالضبط ما نراه اليوم في عصر الأخبار الكاذبة ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما تنبأ به الكتاب قبل سنوات من انفجار هذه الظاهرة.

ولذلك، يرى ستانلي أن مواجهة البروباغندا ليست ببساطة عبر “كشف الحقيقة”، لأن المشكلة ليست نقصاً في المعلومات، بل هي بنية معرفية تجعل الناس غير قادرين على معالجة المعلومات بشكل عادل. الحل يكمن في ما يسميه “تفكيك الإيديولوجيا”، أي في خلق مساحات تعليمية واجتماعية تسمح للناس بممارسة التعاطف المعرفي، بأن يروا العالم من عيون المهمشين، بأن يفهموا أن معاناتهم ليست طبيعية بل هي نتاج قرارات سياسية. وهذا هو السبب الذي يجعل التعليم هو ساحة المعركة المركزية في الكتاب كله، لأن المدرسة هي المكان الذي يمكن فيه إما إنتاج مواطنين قادرين على التفكير النقدي، أو إنتاج مواطنين يرددون الشعارات التي تقوض حريتهم وهم يظنون أنهم يدافعون عنها.

ينتقل جايسون ستانلي هنا من الفيلسوف الذي يعرّف المفاهيم إلى عالم التشريح الذي يفتح الجسد اللغوي للمجتمع الأمريكي ليكشف لنا كيف تعمل أعضاؤه معاً لخدمة اللامساواة.

يبدأ ستانلي بفصل يسميه “البلاغة المدنية”، ويقصد به تلك الطريقة التي يتحدث بها المجتمع عن نفسه، عن ماضيه وحاضره ومستقبله. كل دولة لها سردية مدنية، قصة ترويها لنفسها لتبرر وجودها. السردية الأمريكية التقليدية تقول إن أمريكا أمة بنيت على الحرية والفرص المتساوية، وأن أي شخص يمكنه النجاح إذا عمل بجد. هذه السردية ليست كاذبة تماماً، لكنها انتقائية بشكل خطير، لأنها تمحو تاريخ العبودية والإبادة الجماعية للسكان الأصليين والتمييز المنهجي، وتقدم نجاح البيض كدليل على الجدارة، بينما تقدم فشل السود واللاتينيين كدليل على نقص في الأخلاق. البروباغندا هنا لا تكذب، بل تختار، تختار أن تحتفل بتوماس جيفرسون كاتب إعلان الاستقلال دون أن تذكر أنه كان يملك مئات العبيد، وتختار أن تحتفل بالحلم الأمريكي دون أن تذكر أن هذا الحلم كان محرماً على جزء كبير من السكان بقوة القانون حتى ستينيات القرن الماضي.

ولكي تحافظ هذه السردية الانتقائية على نفسها، فإنها تحتاج إلى ما يسميه ستانلي “السلطة المعرفية”، وهذا هو موضوع فصله الأكثر إثارة للقلق. من الذي يعتبر مصدراً موثوقاً للمعرفة في المجتمع؟ من الذي نصدقه عندما يتحدث عن الفقر أو الجريمة أو التعليم؟ في المجتمع الليبرالي، يُفترض أن السلطة المعرفية تأتي من الخبرة والدليل، لكن ستانلي يظهر أن الإيديولوجيا المعيبة تمنح السلطة المعرفية بشكل غير متساوٍ. فالسياسي الأبيض الثري الذي لم يزر حياً فقيراً في حياته يعتبر خبيراً في سياسات الفقر، بينما المرأة السوداء التي عاشت الفقر لثلاثة أجيال تعتبر منحازة وعاطفية وغير موضوعية. هذا الخلل في توزيع المصداقية هو ما يسميه الفيلسوفات النسويات ميراندا فريكر “الظلم المعرفي”، وهو المحرك الصامت للبروباغندا. عندما يتم إسكات أصحاب المصلحة الحقيقيين وتقديم الخبراء المزيفين كمحايدين، فإن النقاش العام يصبح مسرحية هزلية، الجميع يتحدث عن الفقراء دون وجود فقير واحد على المنصة.

ومن هذا الظلم المعرفي، يولد السلاح الأكثر فتكاً في ترسانة البروباغندا الديمقراطية: الصورة النمطية. يخصص ستانلي فصلاً كاملاً لتفكيك كيف تعمل الصور النمطية ليس كأفكار خاطئة فحسب، بل كآليات لتبرير اللامساواة. الصورة النمطية، في تحليله، ليست مجرد تعميم كسول، بل هي أداة لاقتصاد الجهد العقلي، وهي تخدم وظيفة اجتماعية واضحة، تجعل عدم المساواة يبدو مبرراً. إذا كنت تعتقد أن السود أقل ذكاءً أو أكثر عنفاً بطبيعتهم، فإن سجنهم بنسب عالية أو فشلهم في المدارس لن يبدو كنتيجة لعنصرية بنيوية، بل كنتيجة طبيعية لطبيعتهم. والأخطر أن الصور النمطية تعمل حتى عندما لا نؤمن بها بوعي، إنها تعمل في اللاوعي، في تلك الأجزاء السريعة من الدماغ التي تتخذ قرارات قبل أن نفكر.

هنا يستعين ستانلي بكم هائل من الأبحاث في علم النفس الاجتماعي، ليظهر أن البروباغندا لا تحتاج إلى أن تقنعك بأن الصورة النمطية صحيحة، يكفي أن تذكرك بها باستمرار. مجرد تكرار كلمات مثل “كسل” و”جريمة” و”رفاه” في سياق الحديث عن الفقر، يجعل الدماغ يربط تلقائياً بين الفقر والسود، حتى لو كان المتحدث يقصد الفقراء البيض. هذه هي قوة “التفعيل الضمني”، وهي ما يجعل الخطاب المشفر فعالاً جداً. أنت لا تحتاج إلى أن تكون عنصرياً واعياً لكي تتصرف بعنصرية، يكفي أن تكون قد نشأت في بيئة مشبعة بهذه الروابط.

ثم ينتقل الكتاب إلى واحدة من أكثر الحيل بلاغة وانتشاراً، وهي ما يسميه “أساطير الاستحقاق”. كيف تبرر مجتمعات تدعي المساواة وجود تفاوت هائل في الثروة والسلطة؟ عبر خلق أسطورة أن الأغنياء يستحقون غناهم والفقراء يستحقون فقرهم. في أمريكا، هذه الأسطورة تأخذ شكل “الجدارة” و”العمل الجاد”. يتم تصوير رجل الأعمال الملياردير كشخص عبقري عمل ستة عشر ساعة في اليوم، بينما يتم تصوير عامل النظافة كشخص لم يجتهد بما يكفي في المدرسة. هذه الأسطورة تتجاهل عمداً حقيقة أن الملياردير ورث شبكة علاقات وتعليماً ممتازاً ورأس مال ابتدائي، بينما عامل النظافة ورث حياً بلا مدارس جيدة وبلا رعاية صحية وبلا أمان. البروباغندا هنا تعمل عبر تحويل الحظ البنيوي إلى فضيلة شخصية، وتحويل الحرمان البنيوي إلى رذيلة شخصية. وعندما تصدق هذه الأسطورة، فإنك لن تطالب بإعادة توزيع الثروة، بل ستطالب الفقراء بأن يصبحوا أكثر اجتهاداً.

ولا يكتمل هذا المشهد دون الحديث عن فصل التعليم، وهو الفصل الذي يعتبره ستانلي الأكثر شخصية وغضباً. فالتعليم في الديمقراطية الليبرالية يفترض أن يكون الأداة التي تفكك الإيديولوجيا المعيبة، التي تعلم الأطفال التفكير النقدي والتعاطف المعرفي. لكن ما يحدث، حسب تحليل ستانلي، هو العكس، يتحول التعليم نفسه إلى أداة بروباغندا. كيف؟ عبر بروباغندا “إصلاح التعليم” التي انتشرت في أمريكا، والتي تتحدث عن “المساءلة” و”الاختبارات الموحدة” و”اختيار المدرسة” و”مكافأة المعلم الجيد ومعاقبة المعلم السيء”. كل هذه شعارات تبدو معقولة وعقلانية، من ضد المساءلة؟ لكن ستانلي يكشف أن هذه اللغة تخفي مشروعاً لخصخصة التعليم وتدمير النقابات وتحويل المدارس العامة التي تخدم الفقراء إلى مدارس فاشلة يتم إغلاقها، بينما تذهب الأموال إلى مدارس خاصة تخدم الأغنياء. بلغة الحرية والاختيار، يتم تدمير أهم أداة للمساواة. إنها البروباغندا المقوضة في أبهى صورها، تستخدم مثال التعليم الجيد لتدمير التعليم الجيد.

وفي خضم هذا كله، يعود ستانلي إلى مثال وثيقة “مشروع إسرائيل” التي سربت عام 2009، ليقدمها كنموذج مدرسي لكيفية صناعة البروباغندا المقوضة بوعي كامل. الوثيقة، التي كتبها فرانك لونتز، أحد أكبر خبراء استطلاعات الرأي واللغة في الحزب الجمهوري، تقدم تعليمات دقيقة للمتحدثين باسم إسرائيل في أمريكا، لا تقل “نحن على حق”، بل قل “نحن نتفهم معاناة الفلسطينيين”، لا تقل “القدس لنا”، بل قل “القدس للجميع”، لا تتحدث عن التاريخ والحقوق، بل تحدث عن المستقبل والأمن. القاعدة الذهبية هي “اظهر التعاطف”، حتى لو كانت سياستك على الأرض هي هدم البيوت وبناء المستوطنات. لماذا؟ لأن الجمهور الأمريكي الليبرالي يريد أن يشعر أنه أخلاقي، وإذا أظهرت له أنك تشاركه قيمه، فسيغض الطرف عن أفعالك. هذه ليست مجرد دعاية سياسية، إنها هندسة للتعاطف المعرفي الزائف، تظاهر بالمعقولية لتدمير المعقولية، وهذا بالضبط ما يجعلها بروباغندا مقوضة بامتياز، وتجعلها قابلة للتطبيق في كل صراع، من فلسطين إلى قضايا العرق في أمريكا إلى قضايا الطبقة في العالم كله.

لو أردنا أن نلخص الفصل التطبيقي من كتاب “كيف تعمل البروباغندا” في صورة واحدة، فستكون صورة رجل أبيض فقير في ولاية أوهايو يصوت بحماس لمرشح يعد بخفض الضرائب على المليارديرات وإلغاء التأمين الصحي الذي يعتمد عليه هو وأطفاله، وهو يهتف “الحرية”. هذه الصورة التي تبدو انتحاراً سياسياً من وجهة نظر اقتصادية بحتة، هي في نظر جايسون ستانلي الانتصار النهائي للبروباغندا المقوضة، اللحظة التي يصبح فيها الضحية هو الحارس الأكثر إخلاصاً لسجنه، وهو يظن أنه يدافع عن مبادئه.

يتوقف ستانلي طويلاً عند هذه المفارقة الأمريكية، كيف استطاع اليمين الأمريكي منذ عهد ريتشارد نيكسون وباري غولدووتر أن يبني تحالفاً انتخابياً يجمع بين رجال الأعمال فاحشي الثراء الذين يريدون تفكيك الدولة، وبين العمال البيض الفقراء والإنجيليين الذين يحتاجون الدولة أكثر من أي أحد آخر. الجواب، كما يشرحه بتفصيل مذهل، يكمن في البروباغندا التي حولت السياسة من نقاش حول توزيع الموارد إلى نقاش حول الهوية والقيم والأخلاق، وهي عملية بدأت بما يسميه المؤرخون “الاستراتيجية الجنوبية”.

فبعد قانون الحقوق المدنية عام 1964 الذي منح السود حق التصويت، كان على الحزب الجمهوري أن يجد طريقة لجذب الناخبين البيض الغاضبين في الجنوب دون أن يبدو عنصرياً صراحة، لأن العنصرية الصريحة أصبحت مكلفة أخلاقياً بعد حركة الحقوق المدنية. وهنا ظهرت العبقرية الشيطانية للغة المشفرة، لم يعد السياسي يقول “سنعيد الفصل العنصري”، بل أصبح يقول “نحن مع حقوق الولايات” و”نحن ضد البيروقراطية الفيدرالية التي تتدخل في شؤون مدارسنا” و”نحن مع القانون والنظام”. كل هذه العبارات تبدو دستورية ومحترمة، لكن في سياق الجنوب عام 1968، كان الجميع يفهم الرسالة، “حقوق الولايات” تعني حق الولاية في إبقاء المدارس مفصولة، و”القانون والنظام” تعني قمع احتجاجات السود. وهكذا، تم تمرير عنصرية كاملة دون ذكر كلمة عرق واحدة، وتم تدريب جيل كامل من الناخبين على أن يربطوا بين تدخل الدولة لمساعدة الفقراء وبين تهديد هويتهم البيضاء.

ويأخذ ستانلي هذا التحليل إلى ذروته عندما يحلل بروباغندا “دولة الرفاه” و”الملكة المستفيدة من الرفاه”. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، روج رونالد ريغان لقصة امرأة سوداء في شيكاغو لديها ثمانون اسماً وثلاثون عنواناً وتجمع مئات الآلاف من الدولارات من برامج الرفاه دون أن تعمل، القصة كانت مفبركة تماماً من حيث الأرقام، لكنها لم تكن بحاجة إلى أن تكون حقيقية، لأنها كانت تلمس وتراً حساساً في الإيديولوجيا المعيبة، وتر الصورة النمطية عن الأسود الكسول المحتال الذي يعيش على حساب دافعي الضرائب البيض الشرفاء. ومنذ ذلك الحين، أصبحت كلمة “رفاه” نفسها سلاحاً، فعندما تقول إنك تريد خفض الإنفاق على الرفاه، فأنت لا تخفض ميزانية، أنت تعاقب شخصاً لا يستحق، وعندما يقول بيل كلينتون، وهو ديمقراطي، إنه سينهي الرفاه كما نعرفه، فهو لا يصلح سياسة، بل يبرئ نفسه من تهمة التعاطف مع “أولئك الناس”.

والأمر نفسه ينطبق على بروباغندا “الجريمة”. يظهر ستانلي كيف تم بناء نظام السجن الجماعي الأمريكي، الذي يضم اليوم أكثر من مليوني سجين، ثلثهم من السود رغم أنهم 13% فقط من السكان، ليس عبر قوانين تقول “اسجنوا السود”، بل عبر قوانين تبدو محايدة تماماً مثل قوانين “ثلاث ضربات وأنت خارج” التي تحكم بالسجن المؤبد على الجريمة الثالثة، وقوانين التفريق الصارخ في العقوبة بين الكوكايين الصلب الذي يستخدمه السود والكوكايين البودرة الذي يستخدمه البيض، حيث كانت عقوبة خمسة غرامات من الأول تعادل عقوبة خمسمائة غرام من الثاني. وعندما تم انتقاد هذه القوانين، كان الرد جاهزاً، “نحن لا نستهدف عرقاً، نحن نستهدف المجرمين الخطرين، نحن مع سيادة القانون”. مرة أخرى، المثال النبيل، سيادة القانون، يستخدم لتقويض المساواة أمام القانون.

ولا يتوقف ستانلي عند العرق، بل يمد تحليله إلى الطبقة، عبر أسطورة “الاستحقاق” التي ذكرناها. هنا يقدم فصلاً مذهلاً عن بروباغندا التعليم، يظهر فيه كيف تم تحويل فشل المدارس العامة في الأحياء الفقيرة، وهو فشل ناتج عن تمويل غير متكافئ يعتمد على الضرائب العقارية المحلية، إلى دليل على أن المعلمين كسالى والنقابات فاسدة والقطاع العام فاشل بطبيعته. الحل الذي تقدمه البروباغندا هو “الاختيار” و”المساءلة”، أي إعطاء قسائم للآباء ليذهبوا إلى مدارس خاصة، وإغلاق المدارس التي لا تحقق نتائج جيدة في اختبارات موحدة. النتيجة العملية هي تدمير المدارس العامة التي هي الملاذ الأخير للفقراء، وتحويل التعليم إلى سلعة، وتحويل الفشل البنيوي إلى فشل فردي للمعلم والطالب. بلغة إنقاذ الأطفال، يتم التخلي عن الأطفال.

وفي هذا السياق، تأتي دراسة الحالة التي يعتبرها ستانلي نموذجاً مخبرياً نقياً، وثيقة “مشروع إسرائيل: القاموس العالمي” التي أعدها فرانك لونتز. هذه الوثيقة المسربة المكونة من 112 صفحة، لم تكن موجهة للجمهور، بل للمتحدثين الرسميين، وهي تقول لهم بوضوح، لا تتحدثوا عن الحقائق، الحقائق ليست في صالحكم، تحدثوا عن القيم. عندما تسأل عن المستوطنات، لا تدافع عنها، قل “إسرائيل تريد السلام لكنها تحتاج إلى أمن، تماماً كما تريد أمريكا الأمن”. عندما تسأل عن هدم البيوت، قل “نحن نتفهم المعاناة، لكن ماذا عن معاناة الأمهات الإسرائيليات؟”. الوثيقة تدرب المتحدث على ما يسميه ستانلي “الظهور بمظهر المعقولية”، أن تستخدم كلمات مثل “مستقبل” و”أطفال” و”تعايش” و”ديمقراطية”، بينما تمارس سياسة احتلال. والأهم، أن الوثيقة تحذر من استخدام كلمات توراتية أو دينية، لأن الجمهور الأمريكي الليبرالي لا يتعاطف معها، بل تحث على استخدام لغة علمانية ليبرالية. هذه هي البروباغندا المقوضة في أنقى صورها، استخدام لغة الديمقراطية والتعاطف لتبرير نقيض الديمقراطية والتعاطف، وهي آلية نراها اليوم في كل مكان، من شركات النفط التي تتحدث عن “الاستدامة” بينما تدمر الكوكب، إلى الأنظمة الاستبدادية التي تتحدث عن “الاستقرار” و”مكافحة الإرهاب” بينما تسحق شعوبها.

ما يجمع كل هذه الحالات، كما يخلص ستانلي، هو أنها تعمل لأنها تستغل إيديولوجيا معيبة موجودة سلفاً، الإيمان بأن العالم عادل وأن الناس يحصلون على ما يستحقون. هذه الإيديولوجيا تجعلنا نفضل تفسيراً يلوم الفرد على تفسير يلوم النظام، لأنه تفسير أكثر راحة وأقل تهديداً لصورتنا عن أنفسنا كمجتمع عادل. البروباغندا لا تخلق العنصرية من العدم، بل تأخذ عنصرية كامنة وتجعلها تبدو كحس سليم، لا تخلق الطبقية، بل تجعل التفاوت الطبقي يبدو كنتيجة طبيعية للذكاء والجهد.

عندما صدر كتاب “كيف تعمل البروباغندا” في أواخر عام 2015، كان دونالد ترامب لا يزال في نظر الكثير من النخبة الأمريكية مجرد ظاهرة تلفزيونية عابرة، وكان مفهوم “الأخبار الكاذبة” لم يتحول بعد إلى صناعة عالمية، وكانت فكرة أن خوارزميات فيسبوك يمكن أن تدمر الديمقراطية تبدو كنظرية مؤامرة لمهووسي التكنولوجيا. أن تقرأ الكتاب اليوم، بعد عشر سنوات تقريباً، وبعد اقتحام الكابيتول، وبعد حروب المعلومات، وبعد أن أصبحت البروباغندا المقوضة هي اللغة الرسمية للسياسة ، فهذه نبوءة تحققت بحذافيرها، بل وتجاوزها الواقع قسوة.

يصل ستانلي إلى خلاصته التي قد تبدو مثالية، الحل ليس المزيد من الحقائق، بل المزيد من التعليم النقدي والتعاطف المعرفي. الديمقراطية لا تحمى بالقوانين وحدها، بل بثقافة تسمح للناس بأن يتخيلوا حياة الآخرين. وهذا يعني إصلاحاً جذرياً لكيفية تعليمنا للتاريخ، لا كسردية مدنية تمجد الأبطال وتمحو الضحايا، بل كسردية نقدية تعترف بالظلم وتسمح بسماع أصوات المهمشين. ويعني إصلاحاً لكيفية توزيعنا للسلطة المعرفية، من نستضيفه في برامجنا التلفزيونية كخبير؟ هل نستضيف المسؤول الذي لم يركب مترواً في حياته ليحدثنا عن الفقر، أم نستضيف سائق المترو نفسه كخبير في معاناته؟ ويعني دفاعاً شرساً عن الجامعات والصحافة الحرة والنقابات، ليس لأنها مثالية، بل لأنها المساحات الوحيدة التي يمكن فيها ممارسة المعقولية وتدريب الناس على التفكير من منظور الآخر.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى