ما بعد الديمقراطية: ما الذي يريده سادة التكنولوجيا حقاً؟

في قلب الحلم الكاليفورني، حيث تلمع واجهات الزجاج في بالو ألتو وتُكتب الشيفرات التي يفترض أنها ستحرر البشرية، يضع الصحفي والمحلل السياسي جيل دوران كتابه “رايخ المهووسين: فاشية وادي السيليكون والحرب على الديمقراطية THE NERD REICH SILICON VALLEY FASCISM AND THE WAR ON DEMOCRACY” الصادر في مطلع 2026 عن دار Avid Reader Press التابعة لـ Simon & Schuster . العنوان وحده استفزاز محسوب، فكلمة Reich لا تمر في الذاكرة الأمريكية والعالمية دون أن تستدعي ظلال الرايخ الثالث، ودوران لا يختارها اعتباطاً بل ليقول إن ما يجري في وادي السيليكون ليس مجرد انحراف رأسمالي أو نزوة مليارديرات معزولين، بل هو مشروع سياسي متكامل، له أيديولوجيا وله كهنة وله خريطة طريق لإنهاء الديمقراطية الليبرالية كما نعرفها واستبدالها بديكتاتوريات شركات مسلحة بتكنولوجيا غير مسبوقة.
جيل دوران ليس كاتباً قادماً من خارج المشهد. هو ابن كاليفورنيا، عمل كمتحدث ومدير اتصالات لحاكم الولاية السابق جيري براون، وعمل لسنوات كصحفي استقصائي يتابع تقاطع السياسة والتكنولوجيا. من هذا الموقع، كان يرى التحول الذي لم يلتقطه كثيرون ممن اكتفوا بسردية “العباقرة الطيبين الذين يريدون جعل العالم مكاناً أفضل”. كان يرى كيف تحولت لهجة الوادي من التحررية الفوضوية في التسعينيات إلى لهجة استعلائية، ثم إلى لهجة عدائية صريحة ضد الدولة، ضد الصحافة، ضد الجامعات، وضد فكرة المساواة نفسها. الكتاب هو خلاصة أكثر من عقد من التتبع والقراءة في المنتديات المغلقة والمدونات المنسية والكتب التي يعتبرها مؤسسو التكنولوجيا كتبهم المقدسة.
يبدأ دوران كتابه من نقطة تأسيسية لا يمكن تجاوزها لفهم الحاضر: وثيقة “الأيديولوجيا الكاليفورنية” التي صاغها منظران بريطانيان هما ريتشارد باربروك وآندي كاميرون في عام 1995. في تلك اللحظة المتفائلة من فجر الإنترنت، رصدا مزيجاً غريباً: مزيج من روح الهيبيز التحررية القادمة من سان فرانسيسكو، ومن عقيدة السوق المتطرفة القادمة من الليبرتارية اليمينية، ومن الإيمان التكنولوجي شبه الديني بأن الشبكة ستلغي الحاجة إلى الدولة. هذا المزيج، كما يقول دوران، لم يكن بريئاً. لقد كان يحتوي منذ البداية على بذرة ازدراء عميق للديمقراطية بوصفها نظاماً بطيئاً، فوضوياً، تحكمه جماهير غير كفؤة. وكان يحتوي على إيمان بأن النخبة التكنولوجية هي نخبة متفوقة بيولوجياً ومعرفياً، وبالتالي من حقها، بل من واجبها، أن تحكم.
من هنا ينتقل الكتاب إلى ما يسميه الكاتب “الكتاب المقدس السري لوادي السيليكون”: كتاب The Sovereign Individual الصادر عام 1997 من تأليف جيمس ديل ديفيدسون واللورد البريطاني وليام ريس-موغ. هذا الكتاب، الذي قد يبدو للوهلة الأولى ككتاب تنبؤات اقتصادية غريب عن العملات الرقمية وانهيار الدولة القومية، هو في نظر دوران النص المؤسس للفاشية الجديدة في الوادي. فكرة الكتاب الجوهرية هي أن ثورة المعلومات ستؤدي حتماً إلى تفكك الدول القومية، وأن الأفراد الأذكياء والأثرياء سيصبحون “أفراداً سادة” يتمتعون بسيادة شخصية، يتنقلون بين الملاذات الضريبية والمدن الخاصة المحمية، بينما تترك الجماهير لتغرق في فوضى وعنف وفقر. لم يكن هذا مجرد تنبؤ، بل كان برنامج عمل. بيتر ثيل، مؤسس PayPal وأحد أهم عقول الوادي المالية والسياسية، اعترف بأنه من أشد المعجبين بالكتاب، وأن أفكاره شكلت رؤيته للعالم.
دوران يرسم صورة قاتمة لبيتر ثيل بوصفه المهندس الأيديولوجي الحقيقي لهذا التحول. ثيل ليس مجرد مستثمر ذكي، بل هو فيلسوف سياسي رجعي، يؤمن صراحة بأن الحرية والديمقراطية لم تعد متوافقتين. في مقالته الشهيرة عام 2009، كتب ثيل أن حق المرأة في التصويت والرعاية الاجتماعية جعلا الديمقراطية غير متوافقة مع الرأسمالية. من هذا المنطلق، مول ثيل مشروعاً فكرياً ضخماً لإعادة إحياء أفكار تبدو وكأنها قادمة من القرن التاسع عشر: أن التقدم الحقيقي يتطلب التخلص من الديمقراطية. وهنا يظهر الاسم الثاني الأخطر في الكتاب: كيرتس يارفين، المدون الذي كان يكتب تحت اسم مستعار Mencius Moldbug.
يارفين، وهو مبرمج عبقري ومؤسس مشروع Urbit، هو من صاغ ما يسمى بـ “التنوير المظلم” أو “النيو-رجعية”. فكرته بسيطة ومرعبة في آن واحد: الديمقراطية فشلت، وعصر التنوير كان خطأ، وعلينا العودة إلى الملكية المطلقة ولكن بنسخة محدثة. يقترح يارفين تقسيم العالم إلى “قطع” Patchwork من المدن-الدول التي تديرها شركات مساهمة كشركات ناشئة، يحكمها مدير تنفيذي ملك له سلطة مطلقة، والمواطنون ليسوا مواطنين بل عملاء أو مشتركون يمكنهم فقط أن يختاروا المغادرة إذا لم يعجبهم المنتج، تماماً كما تغادر منصة إلكترونية. لا انتخابات، لا صحافة حرة، لا جامعات نقدية. يارفين لا يخفي إعجابه بالنظام الإقطاعي والنظام النازي كنماذج للكفاءة. دوران يكشف كيف أن يارفين لم يكن هامشياً، بل كان يجلس على طاولات عشاء مع ثيل، وأن ثيل كان يموله وينشر أفكاره، وأن جي دي فانس، نائب الرئيس الحالي، يعتبر يارفين مرشداً فكرياً له.
القوة الحقيقية للكتاب تكمن في أن دوران لا يكتفي بسرد الأفكار، بل يربطها بآلية عمل وادي السيليكون الاقتصادية. فكرة “الخروج” Exit مقابل “الصوت” Voice هي المفتاح. في قاموس الوادي، الصوت يعني الديمقراطية، النقاش، الاحتجاج، الإصلاح من الداخل. أما الخروج فيعني الانسحاب، بناء نظام جديد بعيداً عن الدولة، ثم ترك الدولة القديمة لتموت. هذه هي لغة المستثمر المغامر: التخارج. عندما يقول بالاجي سرينيفاسان، المدير التقني السابق لـ Coinbase وأحد أبرز تلاميذ ثيل، إنه يريد بناء “دولة الشبكة” The Network State، فهو يتحدث عن تحويل الخروج إلى مشروع سياسي. الدولة الشبكية، كما يشرحها سرينيفاسان في كتابه الصادر عام 2022، هي مجتمع رقمي يبدأ على الإنترنت حول عملة مشفرة أو نظام غذائي أو حتى ميم، ثم يجمع المال، ثم يشتري أرضاً في العالم الحقيقي، ثم يطالب بالسيادة. إنها خطة صريحة لبناء دول خاصة للأغنياء، معفية من الضرائب ومن قوانين العمل ومن الديمقراطية، مستوحاة حرفياً من مناطق التجارة الحرة في دبي وجزر كايمان، ولكن مع طلاء تكنولوجي براق.
دوران يجادل بأن هذا ليس خيالاً علمياً. إنه يحدث الآن. المدن الخاصة في هندوراس التي مولها ثيل وسرينيفاسان، ومشاريع الجزر العائمة، ومحاولات شراء أراضٍ في كاليفورنيا لبناء مدينة تكنوقراطية، كلها تجارب أولية. والأهم من ذلك، هو يرى أن “دولة الشبكة” هي مجرد إعادة تغليف أنيقة لفكرة يارفين الفاشية عن الـ Patchwork، مع استبدال كلمة “ديكتاتورية الشركات” بعبارة “المجتمع كخدمة” Society-as-a-Service. وهنا تكمن براعة دوران الصحفية: إنه ينزع القناع اللغوي. يوضح كيف يستخدم هؤلاء المليارديرات لغة الابتكار والتحسين والاختيار الاستهلاكي لإخفاء مشروع سلطوي عميق: مشروع يرى أن الديمقراطية عفا عليها الزمن كبرنامج قديم يجب تحديثه، وأن الحل هو إعطاء مفاتيح الحكم لمن يكتبون الشيفرة.
إذا كانت البداية قد وضعت الحجر الأساس الفلسفي لمشروع “رايخ المهووسين”، فإن صفحاته التالية تنتقل من النظرية إلى التنظيم، من الكتب الصفراء المنسية إلى المؤتمرات المضاءة بأضواء النيون في سان فرانسيسكو حيث يجتمع المليارديرات والمهندسون الشباب ليعلنوا نهاية السياسة نفسها. هنا يكشف دوران عن أخطر تحول حدث في وادي السيليكون بعد جائحة كورونا: تحول الاستعلاء إلى خطة عمل، وتحول الميم إلى عقيدة.
في خريف 2023، عقد بالاجي سرينيفاسان، التلميذ النجيب لبيتر ثيل، مؤتمره الأول لـ “دولة الشبكة” في أمستردام، ثم نقله إلى سنغافورة وسان فرانسيسكو. لم يكن مؤتمراً تقنياً عن البلوكتشين كما قد يوحي الاسم، بل كان مؤتمراً تأسيسياً لحركة انفصالية جديدة. وقف سرينيفاسان أمام مئات من مؤسسي الشركات الناشئة ليقول إن الحل ليس إصلاح أمريكا، بل مغادرتها. أن الحل هو بناء شبكات موازية، ثم مدن موازية، ثم إعلام موازٍ، ثم تعليم موازٍ، ثم في النهاية دول متوازية. دوران ينقل شهادة غاري تان، رئيس مسرعة الأعمال الأشهر في العالم Y Combinator، وهو يشرح الأمر بصراحة مقلقة. يقول تان إن استحواذ إيلون ماسك على تويتر وتحويله إلى X لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل كان “بناء إعلام موازٍ”. ويقول: “لقد استبدلنا بعض قطع تلك الآلة السياسية، وتحديداً لدينا الآن إعلام موازٍ مع تويتر إيلون. كان الحصول على إعلام موازٍ قطعة أساسية، ولم يكن ذلك عبر التصويت، بل تم عبر البناء. نحن بحاجة لاستبدال الأجزاء غير المنتخبة من النظام أيضاً، بناء تعليم موازٍ، منظمات غير ربحية موازية، إعلام، نقابات. هذه وصفة محتملة لإصلاح سان فرانسيسكو وبناء الآلة السياسية البديلة للتكنولوجيا. وإذا نجحت في سان فرانسيسكو، ستنجح في كل مكان”.
هذه العبارة الأخيرة هي ما يجعل كتاب دوران أكثر من مجرد نقد ثقافي، بل تحذيراً سياسياً. ما يخطط له في سان فرانسيسكو هو بروفة لما سيطبق على واشنطن. فكرة “الآلة السياسية الموازية” ليست استعارة. إنها استراتيجية لينينية معكوسة: بدلاً من تنظيم العمال للاستيلاء على الدولة، تنظيم رأس المال للالتفاف عليها وجعلها غير ذات صلة. وهنا يدخل الفصل الأكثر إظلاماً وغرابة في الكتاب، فصل التسريع الفعال أو ما يعرف بـ e/acc.
في البداية، بدت حركة e/acc كميم على تويتر، مجموعة من المهندسين الشباب يرتدون نظارات شمسية ويكتبون “تسريع” Acceleration بلا توقف، ويسخرون من أي حديث عن تنظيم الذكاء الاصطناعي. مارك أندريسن، أحد آباء الإنترنت ومؤسس شركة Andreessen Horowitz، أعطى الحركة شرعيتها الفكرية عبر بيانه “البيان التكنو-متفائل” عام 2023، حيث أعلن أن أي تباطؤ في التقدم التكنولوجي هو جريمة أخلاقية ضد الإنسانية، وأن السوق وحده يجب أن يقرر مصير الذكاء الاصطناعي. لكن دوران يغوص أعمق ليجد أن e/acc ليست مجرد ليبرتارية متطرفة، بل هي ديانة جديدة، لها إلهها ونبيها وكتابها المقدس.
النبي هو شخصية غامضة كانت تكتب تحت اسم Beff Jezos، تبين لاحقاً أنه فيزيائي وعالم حوسبة كمومية يدعى غيوم فيردون، كان يعمل في جوجل. في مؤتمر دولة الشبكة، وقف فيردون ليشرح لاهوت الحركة. يقول إن محرك الحضارة هو شيء يسميه “آلة التكنو-رأسمال” techno-capital machine، وهي حلقة سيبرانية بين التكنولوجيا ورأس المال تطور نفسها بنفسها، وهي شكل من أشكال الذكاء يسعى لتحسين ذاته بلا نهاية. هدف هذه الآلة، كما يقول، هو دفع البشرية على سلم كارداشيف، ذلك المقياس الذي وضعه عالم فيزياء سوفيتي لتصنيف الحضارات حسب استهلاكها للطاقة. الحضارة الأكثر تقدماً هي التي تستهلك أكبر قدر من الطاقة، وتجمع أكبر قدر من المادة، وتفرض أكبر قدر من القوة. في هذا المنظور، الاستهلاك الوحشي والتراكم اللامحدود ليس جشعاً، بل هو الغاية القصوى للكون. “نحن نؤمن أن هذه قوة خير يجب أن نسعى لتسريعها”، يقول فيردون. بل إن الحركة اخترعت إلهها: “الإله الديناميكي الحراري” Thermodynamic God، وهو الذكاء الصوفي الذي يحرك آلة التكنو-رأسمال.
من السهل أن تسخر من هذا الخطاب كهراء شبه علمي، ودوران يعترف بذلك، لكنه يحذر من أن السخرية هي بالضبط ما تريده الحركة. لأن تحت هذا الغلاف الصوفي، هناك خطة سياسية شديدة الوضوح. أعداء الإله الديناميكي الحراري، كما يسميهم فيردون، هم “شاغلو المناصب المركزية من أعلى إلى أسفل” top-down centralized incumbents، أي كل من يتحدث عن المساءلة، المداولة، التنظيم، أو السلامة. أي الدولة، والصحافة، والمجتمع المدني. الحل؟ يقول فيردون: “في النهاية، علينا أن نستخدم القوة الكاملة لآلة التكنو-رأسمال”. ويقترح تحالفاً رسمياً بين رأس مال العملات المشفرة وبناة الذكاء الاصطناعي من جماعة e/acc، تحالف “لامركزي” مصمم لمناورة المنظمين والاستيلاء على شركات الذكاء الاصطناعي، وبناء “سحابة دولة شبكية” خاصة به: بنية تحتية حوسبية سيادية، خارج اختصاص أي حكومة، مصممة خصيصاً لضمان عدم تمكن أي هيئة ديمقراطية من كبح التسريع.
ما يفعله دوران هنا هو إنه يوضح أن e/acc ليست نقيضاً لأفكار يارفين وثيل، بل هي تحديث لها. إنها تعيد صياغة نبوءة كتاب The Sovereign Individual الأساسية بأن الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة سيتحدان للإطاحة بالنظام الكوكبي في القرن الحادي والعشرين، لكنها تضيف لها إطاراً دينياً صوفياً يجعل أي معارضة لها تبدو كمعارضة لإرادة إلهية. ويربطها دوران بمفهوم أوسع صاغه باحثون نقديون هو TESCREAL، وهي حروف مركزة لستة أيديولوجيات متداخلة: العقلانية المتعالية، فعالية الإيثار، ضريحية المستقبل، الإكستروبية، الكوزمية، وأخيراً الطولانية. كلها تبرر بطريقة أو بأخرى التضحية بالبشر الأحياء اليوم من أجل مستقبل خيالي يعيش فيه تريليونات من الكائنات الرقمية الخارقة في الفضاء.
ويعود دوران إلى كاليفورنيا ليظهر كيف تتحول هذه الأفكار إلى جغرافيا. مشروع California Forever، الذي اشترى فيه مجموعة من المليارديرات بمن فيهم مايكل موريتز ومارك أندريسن وريد هوفمان 60 ألف فدان من الأراضي الزراعية في مقاطعة سولانو لبناء مدينة جديدة من الصفر، قُدم للمستثمرين كما وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه “لوحة حضرية فارغة حيث يمكن إعادة التفكير في كل شيء من التصميم إلى أساليب البناء وأشكال الحكم الجديدة”. سكان المقاطعة الذين فوجئوا بالخبر أطلقوا حركة معارضة فورية بسبب مخاوف المرور والتلوث والزحف العمراني. لكن ما لم يفهمه السكان هو أن المدينة ليست مجرد مشروع عقاري، بل هي تجربة أولية لدولة الشبكة، مكان يمكن فيه “إعادة التفكير” في الحكم بمعنى إلغاء الحكم الديمقراطي واستبداله بحكم الشركات. دوران ينقل عن باحثة قابلت مؤسسي مدن ناشئة قولها: “إنهم يفكرون في الأمن وجوانب أخرى من التنفيذ بالتنسيق الوثيق مع حكومات الدول المضيفة”. هذه ليست مدناً، بل هي امتيازات استعمارية جديدة.
يفتح جيل دوران منتصف كتابه على واحدة من أكثر الحقائق التي يفضل وادي السيليكون نسيانها، وهي أن أيديولوجيا “الخروج” التي بشرت بها كتب مثل The Sovereign Individual لم تجد أول تعبير عملي لها في مدينة ذكية على ساحل كاليفورنيا، بل في سوق للمخدرات القاتلة على الإنترنت المظلم. ففي صفحات يخصصها لتاريخ العملات المشفرة، لا يبدأ دوران من ورقة ساتوشي ناكاموتو البيضاء، بل من روس أولبريخت، الشاب الذي أدار موقع Silk Road من داخل مكتبة سان فرانسيسكو العامة مستخدماً الواي فاي المجاني، وباع فنتانيل وأفيونات اصطناعية قتلت ستة أشخاص على الأقل، وحكم عليه بالسجن المؤبد مرتين. أولبريخت لم يكن يرى نفسه تاجر مخدرات، بل ثورياً ليبرتارياً. كتب في أحد المنتديات عام 2013: “وقتهم ينتهي، هذه كانت في الأساس وسيلة للالتفاف على تنظيم الدولة. المستقبل هو وقتنا. دعونا ننتهز هذه الفرصة التي أتيحت لنا للحصول على موطئ قدم نلقي منه هذا النير تماماً… نحن أرواح حرة”. تلك الجملة بالذات، “نحن أرواح حرة”، هي التي رددتها القاضية الفيدرالية كاثرين فورست عند النطق بالحكم، قائلة إن عالمه الذي بناه لم يكن فيه مكان للديمقراطية التي أسسها الآباء المؤسسون.
لماذا يتوقف دوران طويلاً عند هذه الحادثة التي تبدو هامشية؟ لأنه يرى فيها النموذج الأولي لكل ما سيأتي بعده. العملة المشفرة لم تكن مجرد تكنولوجيا دفع، بل كانت أول أداة حقيقية لتحقيق حلم الخروج من الدولة. وكما كشف تقرير لمكتب المساءلة الحكومي الأمريكي عام 2021، كانت العملات المشفرة “محورية في صعود مبيعات المخدرات في الولايات المتحدة، وتحديداً الفنتانيل”. ومع ذلك، ضخ بيتر ثيل وأندريسن هورويتز ملايين الدولارات في وقت مبكر جداً في هذه التكنولوجيا عندما كانت لا تزال مرادفة لتجار المخدرات والدول المارقة. أندريسن هورويتز، التي يعود لها الفضل الأكبر في تحويل Coinbase من شركة ناشئة بها 600 ألف مستخدم عام 2013 إلى عملاق بلغت حصتها 11.2 مليار دولار يوم طرحها للاكتتاب، لم تكن تستثمر في المال فحسب، بل في البنية التحتية لنظام مالي موازٍ لا يمكن للدولة تتبعه أو تنظيمه.
دوران يربط هذا المسار مباشرة بما حدث في يناير 2025، عندما وقع الرئيس دونالد ترامب في يومه الثاني في البيت الأبيض عفواً عن روس أولبريخت، بعد أن تعهد خلال الحملة بملاحقة تجار المخدرات بعقوبة الإعدام. هذا التناقض الظاهري يفسره الكتاب ببراعة: أولبريخت تحول في عيون القاعدة الجديدة لليمين التقني من مجرم إلى شهيد، إلى “فتى الملصق” لحركة التشفير، إلى دليل على أن الدولة هي العدو. العفو لم يكن عن شخص، بل كان عن فكرة: فكرة أن الالتفاف على القانون هو فعل بطولي، وأن بناء أنظمة خارج القانون هو الطريق إلى الحرية. وهو نفس المنطق الذي جعل كوريا الشمالية وإيران وروسيا من أكبر المستفيدين من العملات المشفرة، لأنها تسمح لها بالالتفاف على العقوبات وتمويل برامجها النووية، ونفس المنطق الذي جعل فرقاً من قراصنة كوريا الشمالية تسرق العملات المشفرة عالمياً لتمويل النظام.
من المال ننتقل إلى الإعلام، ومن الإعلام إلى الدولة. وهنا يصل دوران إلى اللحظة التي يتوقف فيها الكتاب عن كونه تاريخاً للأفكار ويصبح تشريحاً لانقلاب جارٍ. يوثق الكتاب بالتفصيل كيف أن استحواذ إيلون ماسك على تويتر عام 2022، والذي وصفه غاري تان رئيس Y Combinator بأنه بناء “إعلام موازٍ” تم عبر البناء لا عبر التصويت، كان البروفة النهائية لما سيحدث في انتخابات 2024. ماسك، الذي كان حتى وقت قريب يقدم نفسه كمهندس ليبرالي يريد إنقاذ الكوكب، تحول إلى أحد أهم ممولي حملة ترامب وأكثرهم تأثيراً، ليس فقط عبر الأموال، بل عبر تحويل منصته إلى آلة دعاية مباشرة. الكتاب يكشف كيف أن ماسك وبالاجي سرينيفاسان وآخرين لم يكونوا يدعمون ترامب رغم خطابه الشعبوي، بل بسببه. ترامب بالنسبة لهم لم يكن رئيساً، بل كان أداة تفكيك. كان “الرجل الذي سيفجر الأجزاء غير المنتخبة من النظام”.
وهنا يبرز الدور المحوري لمارك أندريسن وزوجته، اللذين قدما في 2024 ما سماه دوران “أجندة التكنولوجيا الصغيرة” Little Tech Agenda، وهي وثيقة تبدو للوهلة الأولى دفاعاً عن الشركات الناشئة الصغيرة ضد احتكار الشركات الكبرى وتنظيم الحكومة. لكن دوران يفككها ليظهر أنها ميثاق استسلام تطلب فيه النخبة التقنية من الدولة أن تتوقف عن تنظيمها مقابل دعم سياسي غير محدود. جوهر الأجندة كان بسيطاً: لا ضرائب على الأرباح الرأسمالية، لا قوانين لمكافحة الاحتكار، لا تنظيم للذكاء الاصطناعي، لا حماية للمستهلك. وفي المقابل، ستحصل السياسة على التكنولوجيا والمال والمنصة الإعلامية. هذا التحالف غير المقدس وجد تعبيره الكامل في شخصية جي دي فانس، السيناتور الذي مولت مسيرته بالكامل أموال بيتر ثيل، والذي يحمل في رأسه مزيجاً من أفكار يارفين وكتب ثيل وخطاب ترامب الشعبوي.
يعود دوران إلى جذور وادي السيليكون العنصرية. يذكر القراء بأن كاليفورنيا كانت مختبر تحسين النسل في أمريكا في أوائل القرن العشرين، وأن قوانين التعقيم القسري التي سنتها الولاية عام 1909 كانت مصدر إلهام مباشر لقوانين الرايخ الثالث. وأن جامعة ستانفورد نفسها تأسست بأموال سك حديدية بنيت على عمل صيني مستغل، وأن ثقافة “الجدارة” meritocracy التي يتباهى بها الوادي كانت منذ البداية مرتبطة بفكرة أن الذكاء موروث بيولوجياً وأن النخبة التقنية هي نخبة وراثية. دوران لا يتهم كل مهندس في جوجل بأنه عنصري، بل يوضح كيف أن أفكاراً قديمة عن التفوق الجيني عادت في ثوب جديد عبر خطاب “الذكاء” و”معدل الذكاء” و”الاختلافات الإدراكية” الذي يردده بعض قادة الوادي اليوم، وكيف أن إلغاء برامج التنوع والمساواة والشمول DEI لم يكن مجرد رد فعل على ثقافة اليقظة، بل كان جزءاً من مشروع أعمق لإعادة ترسيخ هرمية طبيعية يرى فيها هؤلاء أنفسهم على القمة.
بهذا، يصبح عنوان الكتاب واضحاً تماماً. “رايخ المهووسين” ليس مجازاً بلاغياً. إنه وصف دقيق لتحالف بين مهووسي التكنولوجيا الذين يؤمنون بأنهم جنس جديد متفوق، وبين قوى اليمين المتطرف التي تريد تفكيك الديمقراطية الليبرالية، تحالف وجد في العملة المشفرة تمويله، وفي منصة X إعلامه، وفي ترامب وفانس واجهته السياسية، وفي فكرة الدولة الشبكية برنامجه الجغرافي.
تصل ذروة كتاب جيل دوران إلى الفصل الذي يبدو فيه وكأنه ينتقل من تحليل سياسي إلى دراسة في علم اللاهوت السياسي، وهو الفصل المخصص لبيتر ثيل ومحاضراته الأخيرة عن المسيح الدجال. للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مضحكاً: ملياردير مثلي الجنس، ملحد عملياً، تبلغ ثروته 27.5 مليار دولار، يقف في مؤتمرات مسيحية محافظة ليحذر من اقتراب نهاية العالم ومن صعود المسيح الدجال. لكن دوران يصر على أن هذه ليست نكتة، بل هي الاستراتيجية الدعائية الأكثر خطورة التي أنتجها وادي السيليكون على الإطلاق. ثيل، كما يوضح الكتاب، كان دائماً مهووساً بفيلسوفين: رينيه جيرار الذي تحدث عن الرغبة المحاكية وكبش الفداء، وليو شتراوس الذي نصح الفلاسفة بإخفاء الحقائق الوحشية خلف مفاهيم غامضة لكي لا يفهمها إلا النخبة المختارة. ثيل كتب بنفسه في مقالته الشهيرة “اللحظة الشتراوسية”: “لا يوجد شيء أكثر وضوحاً عند شتراوس من الحاجة إلى قدر أقل من الشفافية. الفلسفة غير المراقبة تشكل مخاطر كبيرة على الفلاسفة وعلى المدن التي يسكنونها، فحتى في أكثر الأنظمة ليبرالية وانفتاحاً توجد حقائق إشكالية بعمق”.
ما هي هذه الحقيقة الإشكالية التي يريد ثيل إخفاءها خلف قناع الدين؟ هي أن التكنولوجيا، في نظره، خلقت في آن واحد آلية السيطرة الشمولية والترياق لها. الذكاء الاصطناعي والمراقبة والعملات الرقمية يمكن أن تمكن الدولة من سيطرة لم يسبق لها مثيل، لكنها أيضاً يمكن أن تمكن فرداً سيداً من الإفلات منها تماماً إذا امتلك ما يكفي من رأس المال والشيفرة. لذا، لكي يبرر ثيل مشروعه الخاص بتفكيك الدولة، فهو لا يقول للناس: دعونا نخص الحكومة لصالح شركاتي. بل يقول: نحن في معركة كونية بين الخير والشر، بين المسيح والمسيح الدجال، حيث المسيح الدجال هو الدولة الإدارية، هو التنظيم، هو الصحافة، هو الجامعات التي تسميها اليمين الجديد “الكاتدرائية”. وهنا يربط دوران هذا الخطاب بالتاريخ الغربي الطويل لشيطنة الأعداء كأضداد للمسيح، من السكان الأصليين إلى أبراهام لينكولن وروزفلت وصدام حسين وباراك أوباما، بل وحتى الباركود والرقائق الإلكترونية. المؤرخ روبرت فولر، الذي ألف كتاب “تسمية المسيح الدجال: تاريخ هوس أمريكي” عام 1995، يوضح أن رمز المسيح الدجال لعب دوراً كبيراً في تشكيل الهوية الأمريكية، لأن الأمريكيين يميلون لرؤية أمتهم كأمة مباركة بشكل فريد من الله، وبالتالي يميلون بشكل خاص لشيطنة أعدائهم. يقول فولر: “مفهوم المسيح الدجال أو وجود خصم شيطاني ما يعزز عقلية الأزمة، ومع عقلية الأزمة نضع جانباً كل خلافاتنا الأخرى. هناك تماسك قبلي، وحدة قبلية، وهو يبرر حتى الأفعال غير الأخلاقية، لأنه لهزيمة عدو شرير، عدو شيطاني، يجب عليك أن تفعل كل ما هو ضروري. وبالتالي يمكنه تبرير التطرف ويمكنه تبرير ما قد يعتبر سلوكاً مستهجناً في الظروف العادية، لكنه الآن يُنظر إليه على أنه مقدس ومقدس وواجب على المؤمن الحقيقي”.
هذا بالضبط ما يفعله ثيل عندما يؤطر عودة ترامب كـ “نهاية العالم” apokálypsis بالمعنى اليوناني الأصلي للكلمة: كشف ووحي. ترامب ليس سياسياً، بل هو أداة كشف تظهر حقيقة الدولة العميقة. وهنا يصبح العنف السياسي والتطرف مبررين دينيا.
لكن اللاهوت وحده لا يفكك دولة. وهنا ينتقل دوران إلى الخطة العملية، خطة RAGE. الاختصار يعني Retire All Government Employees، أي تسريح جميع موظفي الحكومة. هذه ليست مزحة على تويتر، بل هي عقيدة وضعها كيرتس يارفين منذ عام 2008، وتبناها إيلون ماسك وحولها إلى جهاز حقيقي هو DOGE، إدارة كفاءة الحكومة، التي أنشئت في بداية الولاية الثانية لترامب. دوران يوثق كيف أن يارفين كان يكتب منذ سنوات أنه إذا وصل رئيس تنفيذي ملكي إلى السلطة، فإن أول ما يجب أن يفعله هو تطهير الدولة الإدارية بالكامل، تماماً كما يطهر مدير تنفيذي جديد شركة فاشلة من موظفيها. يجب إغلاق الجامعات، وإسكات الصحافة، وتفكيك البيروقراطية. ما كان يعتبر خيالاً متطرفاً لمدون هامشي أصبح في 2025 برنامجاً حكومياً رسمياً.
دوران يربط DOGE مباشرة بمفهوم “القوة الكاملة لآلة التكنو-رأسمال” التي دعا إليها فيردون. ماسك لم يكن يحاول إصلاح الحكومة لجعلها أكثر كفاءة، بل كان يحاول إثبات أن الحكومة نفسها غير ضرورية، وأن شركاته يمكن أن تحل محلها. عندما يقطع التمويل عن الوكالات الفيدرالية، وعندما يفصل آلاف الموظفين، فهو لا يوفر المال، بل يخلق فراغاً ستملؤه شركاته أو شركات أصدقائه. إنها نسخة القرن الحادي والعشرين من عملية “التخصيص بالصدمة” التي طبقها الليبراليون الجدد في روسيا التسعينيات، ولكن هذه المرة ليست مدفوعة بصندوق النقد الدولي، بل بمنصة X وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يعود الكتاب إلى ما يسميه “الحرب على الكاتدرائية”. الكاتدرائية في قاموس يارفين هي تحالف الجامعات والإعلام والمجتمع المدني الذي ينتج الأيديولوجيا التقدمية ويبرر وجود الدولة. وادي السيليكون الجديد لا يريد مناظرة الكاتدرائية، بل يريد هدمها. حملة الهجوم على جامعات النخبة مثل هارفارد وستانفورد، وتجفيف تمويلها، واتهامها بأنها مصانع للماركسية الثقافية، ليست مجرد ثقافة حروب ثقافية، بل هي جزء من استراتيجية RAGE. الجامعات هي التي تخرج البيروقراطيين، هي التي تنتج الخبراء الذين ينظمون التكنولوجيا، هي التي تذكر الناس بأن السوق ليس إلهاً. لذلك يجب تدميرها واستبدالها بـ “تعليم موازٍ”، جامعات خاصة تمولها شركات التكنولوجيا وتعلم “الواقعية” بدلاً من النقد.
دوران يلحظ: أن كل هذه الخطط كانت تُناقش علناً لسنوات في مدونات ومنتديات وبودكاستات، وكان الصحفيون الليبراليون يسخرون منها باعتبارها خيال علمي لمراهقين أغنياء. لكن أحداً لم يأخذها على محمل الجد حتى أصبحت أمراً واقعاً. تحذير دوران في هذه الدفعة واضح: الفاشية لا تأتي دائماً ببدلة عسكرية ومسيرة، أحياناً تأتي بقميص أسود عليه شعار شركة ناشئة، وبحديث عن تسريع المستقبل وبناء إله ديناميكي حراري، وبوعد بأن التكنولوجيا ستحررنا من السياسة. لكن الحقيقة، كما يكشف الكتاب، هي أن التكنولوجيا عندما تترك دون تنظيم ديمقراطي، لا تلغي السياسة، بل تستبدلها بسياسة أسوأ: سياسة المالك.
ينهي جيل دوران كتابه “رايخ المهووسين” ليس بخاتمة احتفالية بانتصار التنوير على الظلام، بل بتحذير بارد وبتذكير بتاريخ كاليفورنيا المنسي. فكاليفورنيا، الولاية التي يرى العالم فيها اليوم معقل الليبرالية التقدمية، هي نفسها الولاية التي اخترعت تحسين النسل الحديث، وهي نفسها التي بنت سجونها على حساب جامعاتها في ثمانينيات القرن الماضي، وهي نفسها التي قدمت للعالم ريغان وثقافة السوق المتوحشة. الصراع على وادي السيليكون، كما يقول دوران، ليس صراعاً بين التكنولوجيا وضدها، بل هو صراع بين تقليدين داخل كاليفورنيا نفسها: تقليد يرى التكنولوجيا أداة لتوسيع الديمقراطية وتقليد يراها أداة للهروب منها.
دوران لا يكره التكنولوجيا. لا يطالب بإغلاق الإنترنت أو العودة إلى الحقول. على العكس، هو ابن وادٍ كان يؤمن بأن الشيفرة يمكن أن تجعل الحكومة أكثر شفافية، وأن البيانات يمكن أن تجعل المدن أكثر عدلاً، وأن الإنترنت يمكن أن يعطي صوتاً لمن لا صوت لهم. خيانة هذا الحلم، في نظره، هي أن الجيل الحالي من قادة الوادي قرر أن الديمقراطية بطيئة ومكلفة، وأن من الأسهل بناء عالم جديد للأغنياء بدلاً من إصلاح العالم القديم للجميع. هذه هي لحظة السقوط الأخلاقي التي يوثقها الكتاب بدقة: لحظة تحول رواد الأعمال الذين كانوا يدعون أنهم يريدون “تنظيم معلومات العالم” إلى أمراء حرب يريدون امتلاك معلومات العالم ومن ثم امتلاك العالم نفسه.
في الفصول الأخيرة، يعود دوران إلى السؤال الذي طرحه بيتر ثيل قبل عشرين عاماً: هل الحرية والديمقراطية متوافقتان؟ يجيب دوران بقلب السؤال: أي حرية تتحدث عنها؟ هل هي حرية الفرد السيد الذي يملك جزيرة خاصة وجيشاً من الروبوتات وشبكة مالية غير قابلة للتتبع، أم هي حرية المواطن العادي الذي يريد تعليماً جيداً لأطفاله ورعاية صحية ومكاناً للعيش دون أن يطرده مالك عقاري مدعوم برأس مال مغامر؟ الفاشية، في التعريف الكلاسيكي الذي يتبناه الكتاب، ليست مجرد كراهية للأجانب أو تمجيد للعنف، بل هي تحديداً هذا الدمج بين رأس المال الاحتكاري والقومية الرجعية وعبادة القائد التكنولوجي والرغبة في سحق أي مؤسسة وسيطة بين الفرد والدولة أو بين الفرد والسوق. عندما يصف مارك أندريسن في بيانه التكنو-متفائل أن “العدو هو البيروقراطية، هو التنظيم، هو كل من يقف في طريق الآلة”، فهو لا يكتب بياناً اقتصادياً، بل يكتب بياناً فاشياً بامتياز، لأن الفاشية التاريخية كانت دائماً تريد إزالة الوسطاء لتوحيد الإرادة الجماعية خلف قائد واحد، أو خلف آلة واحدة هذه المرة.
الحل، في نظره، ليس تدمير التكنولوجيا، بل استعادتها. وهذا يعني ثلاثة أشياء ملموسة: أولاً، تنظيم صارم للذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة ليس كقضايا تقنية بل كقضايا ديمقراطية، تماماً كما نظمت أمريكا في الثلاثينيات الكهرباء والراديو كمرفقين عامين. ثانياً، تفكيك احتكار المنصات وإعادة بناء إعلام عام وجامعات عامة قوية قادرة على إنتاج معرفة لا تخدم الإله الديناميكي الحراري بل تخدم المواطن. وثالثاً، وهذه هي النقطة الأكثر جذرية، إعادة تعريف ما نعنيه بالابتكار. الابتكار ليس بناء مدينة خاصة لخمسة آلاف ملياردير في الصحراء، بل هو بناء نظام نقل عام يعمل، وبناء مساكن يستطيع المعلمون تحمل تكلفتها في سان فرانسيسكو، وبناء ذكاء اصطناعي يساعد بدل أن يستبدل.




