حرب بلا نعوش: كيف جعلت الطائرات المسيّرة العالم أكثر اشتعالاً وأقل انفجاراً

لم يعد مشهد اعتراض طائرة مسيّرة في سماء البحر الأسود حدثاً عابراً في نشرات الأخبار. في مارس من العام 2023، أسقطت مقاتلة روسية من طراز سوخوي 27 طائرة أمريكية مسيّرة من طراز إم كيو-9 ريبر فوق المياه الدولية، فسقطت في البحر، وانتهى الخبر في سطرين، دون تهديد أمريكي بالرد، ودون اجتماع طارئ لمجلس الأمن، ودون تلك اللغة الغاضبة التي اعتدنا سماعها حين يُقتل طيار أو يُؤسر جندي. قبل ذلك بسنوات قليلة، وتحديداً في صيف 2019، أسقط الحرس الثوري الإيراني الطائرة المسيّرة الأمريكية الأغلى والأكثر تطوراً، آر كيو-4 غلوبال هوك، التي تبلغ قيمتها أكثر من مئة وثلاثين مليون دولار، فوق مضيق هرمز. أمر الرئيس الأمريكي حينها دونالد ترامب بضربة انتقامية، ثم ألغاها في اللحظة الأخيرة، قائلاً إن الرد سيكون غير متناسب لأن الهجوم كان على آلة بلا طيار، لا على بشر.
هذان المشهدان، وغيرهما الكثير مما أصبح روتيناً يومياً في حرب أوكرانيا، وفي سماء غزة ولبنان، وفي المواجهة المستمرة في بحر الصين الجنوبي، هما نقطة البداية التي ينطلق منها كتاب “الثورة عن بُعد: الطائرات المسيّرة وفن إدارة الدولة الحديث The Remote Revolution: Drones and Modern Statecraft” للباحث الأمريكي إريك لين-غرينبرغ، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمتخصص في الأمن الدولي والسياسة الخارجية الأمريكية، والذي صدر هذا العام عن واحدة من أعرق دور النشر الأكاديمية في العالم، جامعة كورنيل.
الكتاب ليس كتاباً عن الطائرات المسيّرة كسلاح، وليس دليلاً تقنياً عن مداها وقدرتها على البقاء في الجو لعشرين ساعة، ولا عن دقة صواريخ هيلفاير التي تحملها. لقد أُشبعت هذه الزاوية بحثاً وكتابة. ما يفعله لين-غرينبرغ مختلف تماماً، وأكثر إثارة وخطورة في آن واحد. إنه يسأل سؤالاً يبدو بسيطاً لكنه يهز أسس نظريات الردع والتصعيد التي حكمت الحرب الباردة وما بعدها: ماذا يحدث لسياسة الدول عندما يصبح بإمكانها أن تحارب دون أن تموت؟ ماذا يحدث لحسابات الزعماء، ولقرارات الانتقام، ولمنطق الردع، عندما يكون ما سقط في البحر أو احترق في السماء مجرد آلة، وليس تابوتاً ملفوفاً بالعلم يعود إلى قاعدة عسكرية في نورفولك أو سان دييغو؟
الإجابة التقليدية التي اعتاد عليها المحللون والمفكرون الاستراتيجيون تقول إن الطائرات المسيّرة ثورة لأنها أرخص وأكثر دقة وتقلل من الخسائر البشرية، وأنها بالتالي تجعل الحرب أسهل وأكثر احتمالاً. لين-غرينبرغ لا يرفض هذه الإجابة، لكنه يعتبرها ناقصة ومضللة. الثورة الحقيقية، في نظره، ليست في المعدن والإلكترونيات، بل في العقول. إنها ثورة نفسية وسياسية قبل أن تكون تقنية. الطائرة المسيّرة، كما يجادل، تغيّر نفسية صانع القرار على ضفتي الصراع: الضفة التي تستخدمها، والضفة التي تُستهدف بها.
ومن هنا يبني الكتاب أطروحته المركزية على فرضيتين مترابطتين يسميهما بوضوح شديد، ويختبرهما طوال فصول الكتاب بمنهجية صارمة تجمع بين التجارب السلوكية المعملية، والوثائق الأرشيفية السرية التي رُفع عنها السرية مؤخراً، ودراسات الحالة التاريخية المقارنة.
الفرضية الأولى يسميها “الانتقام المقيد” أو Restrained Retaliation. جوهرها أن الدول عندما تتعرض لهجوم وتُسقط طائرتها المأهولة التي يقودها بشر، فإنها تشعر بضغط هائل، داخلي وخارجي، للرد بقوة، لمعاقبة المعتدي، لاستعادة الكرامة، ولردع تكرار الهجوم. مقتل طيارين أو أسرهم يخلق ما يسميه علماء السياسة “تكلفة الجمهور”، ويوقظ غضباً شعبياً، ويجعل التسامح يبدو ضعفاً وخيانة. أما عندما يكون الذي سقط طائرة مسيّرة، بلا دماء وبلا أسرة تبكي على شاشات التلفزيون، فإن هذا الضغط ينخفض بشكل كبير. يصبح بإمكان الرئيس أو رئيس الوزراء أن يبلع الإهانة، أن يكتفي بإدانة لفظية، أن يرسل احتجاجاً دبلوماسياً، دون أن يُتهم بالجبن. النتيجة هي أن إسقاط المسيّرات، حتى لو كان استفزازياً ومتعمداً، لا يؤدي إلى نفس دوامة التصعيد التي تؤدي إليها حوادث الطائرات المأهولة.
الفرضية الثانية، وهي الوجه الآخر للعملة، يسميها “تزايد الحوادث” أو Increased Incidence. لأن قادة الدول يعرفون، بوعي أو بغريزة، أن إسقاط طائرة مسيّرة لن يجر عليهم انتقاماً مدمراً، ولأنهم هم أنفسهم يعرفون أن إرسال طائرة مسيّرة إلى منطقة خطرة لن يضع أرواح طياريهم في خطر، فإنهم يصبحون أكثر جرأة. ترتفع شهيتهم للمخاطرة. يرسلون المسيّرات إلى أماكن لم يكونوا ليجرؤوا على إرسال طائرة مأهولة إليها: فوق جزيرة اصطناعية صينية مسلحة، داخل منطقة دفاع جوي إيرانية كثيفة، فوق خط التماس في دونباس، أو فوق قطاع غزة في ذروة الحرب. هذا السلوك الأكثر جرأة يعني، منطقياً، احتكاكات أكثر، وحوادث إسقاط أكثر. الطائرات المسيّرة لا تقلل من الصراع، بل تغير طبيعته: تجعله أكثر تكراراً، لكن أقل فتكاً في كل حادثة على حدة.
ولإثبات هاتين الفرضيتين، لا يكتفي لين-غرينبرغ بالتنظير. يذهب في الفصلين الثاني والثالث إلى مختبرات التجارب السلوكية. صمم تجارب محكمة عرض فيها سيناريوهات متطابقة تماماً على عينات من الجمهور الأمريكي العام، وعلى عينات من النخبة العسكرية والأمنية الأمريكية، من ضباط حاليين وسابقين ومسؤولي وزارة الدفاع. الفرق الوحيد في السيناريو كان نوع الطائرة التي أسقطها العدو: هل هي طائرة استطلاع مأهولة على متنها طياران، أم طائرة استطلاع مسيّرة بلا طيار، بنفس المهمة ونفس المكان ونفس قيمة المعلومات التي جمعتها.
النتائج كانت مذهلة في اتساقها. عندما كانت الطائرة مأهولة، ارتفعت نسبة المؤيدين لضربة عسكرية انتقامية قوية، بل ومباشرة ضد القواعد التي انطلقت منها الصواريخ، بشكل حاد. تحدث المشاركون في التجربة عن ضرورة “معاقبة” العدو، و”عدم السماح له بالإفلات بفعلته”، و”حماية أرواح جنودنا”. أما عندما كانت الطائرة مسيّرة، فقد انقلب المزاج تماماً. نفس الأشخاص، بنفس الخلفية السياسية، فضلوا خيارات غير قتالية: عقوبات اقتصادية، احتجاج في الأمم المتحدة، زيادة طلعات الاستطلاع. كلمة “معاقبة” اختفت تقريباً من إجاباتهم. حتى النخبة العسكرية، التي يُفترض أنها أكثر حساسية لقيمة المنصة العسكرية بغض النظر عن وجود طيار، أظهرت نفس الفارق. إنها ليست مسألة تكلفة مادية، بل تكلفة بشرية ورمزية.
ذا كانت التجارب المعملية التي أجراها إريك لين-غرينبرغ في الفصلين الأولين من كتابه قد أثبتت أن المواطن الأمريكي العادي والضابط المحترف يفكران بطريقتين مختلفتين تماماً عندما يتعلق الأمر بطائرة مأهولة وأخرى مسيّرة، فإن الفصول التاريخية التي تليها هي التي تمنح الكتاب ثقله الحقيقي، وتحوله من مجرد دراسة أكاديمية إلى وثيقة تكشف كيف تُصنع قرارات الحرب والسلم خلف الأبواب المغلقة.
يأخذنا المؤلف في رحلة عميقة إلى الأرشيف الأمريكي الذي رُفعت عنه السرية قبل سنوات قليلة، وتحديداً إلى أرشيف مجلس الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات المركزية، وسلاح الجو الأمريكي، ليستخرج قصصاً لم تُروَ من قبل بهذا الربط التحليلي. القصة المحورية هي قصة الاستطلاع الجوي الأمريكي فوق أراضي الخصوم خلال الحرب الباردة، وهي القصة التي يعتبرها لين-غرينبرغ الجد الحقيقي لعصر المسيّرات الحالي.
في الخمسينيات والستينيات، كانت الولايات المتحدة مهووسة بمعرفة ما يجري داخل الاتحاد السوفيتي والصين وكوريا الشمالية وكوبا. لم تكن الأقمار الصناعية قد نضجت بعد، وكانت الطريقة الوحيدة هي إرسال طائرات. في البداية كانت طائرات مأهولة: يو-2 التي تحلق على ارتفاع شاهق، وآر بي-47، وآر بي-50. وكانت النتيجة كارثية من الناحية السياسية. في الأول من مايو عام 1960، أسقط السوفييت طائرة يو-2 التي يقودها فرانسيس غاري باورز فوق سفيردلوفسك، فتحولت الحادثة إلى أزمة دولية كبرى نسفت قمة باريس بين أيزنهاور وخروتشوف، وأجبرت الرئيس الأمريكي على الكذب علناً ثم الاعتراف علناً. في عام 1969، أسقطت كوريا الشمالية طائرة الاستطلاع الأمريكية إي سي-121 فوق بحر اليابان، وقُتل جميع أفراد طاقمها الواحد والثلاثون. يروي الكتاب بالتفصيل، نقلاً عن محاضر اجتماعات البيت الأبيض، كيف استيقظ مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر على الخبر، وكيف اقترح بعض الجنرالات رداً فورياً بقصف قاعدتين جويتين كوريتين شماليتين، وكيف فكر الرئيس ريتشارد نيكسون، وهو في حالة غضب شديد، في استخدام سلاح نووي تكتيكي. لكن الرد لم يحدث. لماذا؟ لأن أمريكا كانت غارقة في فيتنام، ولأن تكلفة حرب جديدة كانت باهظة. ومع ذلك، فإن وثائق الكتاب تظهر أن النقاش كله كان يدور حول الدماء: واحد وثلاثون قتيلاً، واحد وثلاثون عائلة، واحد وثلاثون نعشاً. الضغط الشعبي والإعلامي كان هائلاً.
قارن لين-غرينبرغ هذا بما حدث في نفس الفترة تقريباً، لكن مع طائرات بلا طيار. منذ عام 1964، بدأ سلاح الجو الأمريكي برنامجاً سرياً للغاية تحت اسم “رايان موديل 147 لايتنينغ باغ”، وهي أولى الطائرات المسيّرة النفاثة الحقيقية، المعروفة أيضاً باسم إيه كيو إم-34. أُطلقت هذه الطائرات من طائرات أم من طراز سي-130، وحلقت فوق الصين، وفوق فيتنام الشمالية، فوق أكثر الدفاعات الجوية كثافة في العالم. وسقط منها الكثير. وفقاً للأرقام التي يوردها الكتاب، فقدت الولايات المتحدة أكثر من ثلاثمائة وخمسين طائرة مسيّرة من هذا الطراز فوق الصين وحدها بين عامي 1964 و1973. الصين عرضت حطامها في المتاحف، ونشرت صورها في صحيفة الشعب اليومية كدليل على العدوان الأمريكي، وأقامت احتفالات شعبية بكل إسقاط.
ماذا فعلت واشنطن؟ لا شيء تقريباً. لا تهديد بالانتقام، لا تحريك لحاملات الطائرات، لا خطابات غاضبة في الأمم المتحدة. يورد الكتاب مذكرة داخلية مذهلة من مساعد وزير الدفاع جون ماكنوتن إلى الوزير روبرت مكنمارا في عام 1965، يقول فيها حرفياً: “إن جمال الطائرة بلا طيار هو أنه عندما تُسقط فوق الصين، لا نحتاج إلى عقد اجتماع طارئ في البيت الأبيض. يمكننا ببساطة أن نرسل واحدة أخرى في اليوم التالي”. هذه الجملة، التي عثر عليها المؤلف في الأرشيف الوطني في كوليدج بارك، تلخص أطروحة الكتاب كاملة.
هذا هو منطق “الانتقام المقيد” في صورته التاريخية. عندما لا يكون هناك طيار ميت أو أسير، تختفي تلك المادة الخام التي تشعل الأزمات. الرئيس ليندون جونسون، الذي كان يتخذ قرارات يومية بشأن قصف فيتنام، كان يتعامل مع تقارير إسقاط المسيّرات فوق الصين ببرود إداري. يقرأ التقرير، يوقع عليه، ويواصل يومه. بينما عندما أُسر طاقم السفينة بويبلو في عام 1968 على يد كوريا الشمالية، واحتُجز 83 بحاراً أمريكياً لمدة عام، تحولت القضية إلى كابوس سياسي استمر لأشهر، وكادت أن تؤدي إلى حرب ثانية في آسيا.
لين-غرينبرغ لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يبني مقارنة منهجية. يأخذ حادثتين متطابقتين من حيث الموقع الجغرافي والاستفزاز العسكري، لكن مختلفتين في وجود الإنسان. الحالة الأولى هي إسقاط طائرة استطلاع مأهولة من طراز آر بي-47 فوق بحر بارنتس في عام 1960، مما أدى إلى مقتل أربعة طيارين وأسر اثنين، ورد أمريكي غاضب وقطع الاتصالات العسكرية مع موسكو لأسابيع. الحالة الثانية هي إسقاط طائرة مسيّرة من طراز فايربي فوق نفس المنطقة تقريباً بعد خمس سنوات، فكان الرد الأمريكي بياناً مقتضباً من وزارة الدفاع من ثلاثة أسطر.
المثير في تحليل المؤلف هو أنه يكشف كيف تعلمت الدول هذا الدرس بسرعة. الاتحاد السوفيتي نفسه، الذي كان يبالغ في الاحتفال بإسقاط الطائرات المأهولة، بدأ يتعامل مع إسقاط المسيّرات الأمريكية كحدث روتيني لا يستحق التصعيد. بل إن السوفييت، كما تظهر وثائق وزارة الخارجية السوفيتية التي استعان بها الكتاب عبر مترجمين، كانوا يتعمدون عدم إظهار حطام المسيّرات في بعض الأحيان، حتى لا يضطروا للرد علناً ويحرجوا واشنطن، في إشارة إلى نوع من التفاهم الضمني غير المكتوب: “نحن نسقط آلاتكم، وأنتم تستمرون في إرسالها، ولن ندع الأمر يتحول إلى حرب”.
هذا التفاهم الضمني هو ما يسميه الكتاب “قواعد اللعبة الجديدة”. الطائرات المسيّرة خلقت مساحة للتنافس العنيف دون حرب. يمكنك أن تختبر دفاعات العدو، أن ترى كيف تتصرف راداراته، أن تجمع معلومات استخباراتية على بعد أمتار من مجاله الجوي، وأنت تعلم أن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تخسر آلة بملايين الدولارات، لا أن تخسر طياراً وتضطر لدخول حرب.
وهنا يأتي الوجه الثاني للعملة، وهو ما يخصص له المؤلف النصف الثاني من الفصل التاريخي. لأن الخسارة مقبولة، أصبحت الجرأة أكبر. يوثق الكتاب كيف تضاعفت طلعات المسيّرات الأمريكية فوق الصين من 20 طلعة في عام 1964 إلى أكثر من 200 طلعة في عام 1968، بينما انخفضت طلعات الطائرات المأهولة إلى الصفر تقريباً. القادة العسكريون، الذين كانوا في السابق يرفضون إرسال طيار إلى منطقة الخطر لأنهم لا يريدون كتابة رسائل تعزية لأسرته، أصبحوا يوافقون فوراً على إرسال مسيّرة. النتيجة الحتمية هي ما يسميه “تزايد الحوادث”. سماء الحرب الباردة أصبحت أكثر ازدحاماً بالآلات التي تسقط، لكن أقل ازدحاماً بالنعوش.
إذا كانت الحرب الباردة هي الأرشيف الذي اكتشف فيه إريك لين-غرينبرغ أصل الفكرة، فإن إسرائيل هي المختبر الحي الذي اختبرت فيه الفكرة حتى نهايتها المنطقية. لا توجد دولة في العالم، كما يجادل الكتاب في فصله الرابع، وهو الفصل الأكثر كثافة ميدانية، فهمت منطق “الثورة عن بُعد” وطبقته مثل إسرائيل. ولسبب وجيه: إسرائيل دولة صغيرة، تعاني من نقص ديموغرافي مزمن، وتخوض صراعاً طويلاً متعدد الجبهات، ولا يمكنها تحمل تكلفة طيار واحد يسقط فوق دمشق أو فوق الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا تريد في الوقت نفسه أن تتوقف عن العمل العسكري.
يبدأ لين-غرينبرغ قصته من حيث لا يتوقع القارئ العادي. ليس من غزة عام 2023، بل من عام 1969. كانت إسرائيل حينها أول دولة في الشرق الأوسط تستخدم طائرات مسيّرة بدائية، من طراز “فايربي” الأمريكية، للتصوير فوق الجبهة المصرية والسورية. التجربة كانت متواضعة، وكثيراً ما سقطت تلك الطائرات بسبب أعطال فنية. لكن الدرس الأول ترسخ مبكراً في عقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: الطائرة التي تسقط ولا يبكي عليها أحد هي أصل استراتيجي.
النقطة الفارقة، كما يوثق الكتاب بالتفصيل اعتماداً على مقابلات مع ضباط سلاح الجو الإسرائيلي ووثائق وزارة الدفاع الإسرائيلية التي سُمح له بالاطلاع على أجزاء منها، كانت حرب لبنان عام 1982، وتحديداً معركة سهل البقاع. في تلك المعركة، استخدمت إسرائيل لأول مرة في التاريخ تكتيكاً أصبح اليوم عقيدة عالمية: أرسلت سرباً من الطائرات المسيّرة الصغيرة والرخيصة من طراز “سكاوت” و”ماستيف” التي صنعتها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، لكي تحلق فوق بطاريات صواريخ سام السورية. لم تكن مهمتها أن تقصف، بل أن تُستفز. أن تجعل الرادارات السورية تضيء، أن تجعل بطاريات الصواريخ تطلق، أن تكشف عن مواقعها. وعندما أطلقت سوريا صواريخها الثمينة على هذه الطائرات الورقية تقريباً، كانت الطائرات المأهولة الإسرائيلية من طراز إف-15 وإف-16 تنتظر فوق البحر، لتنقض وتدمر البطاريات في دقائق. في يوم واحد، دمرت إسرائيل 19 بطارية صواريخ سورية دون أن تخسر طياراً واحداً. كان ذلك أول انتصار حقيقي لعقيدة “الطائرة بلا طيار كطُعم”.
منذ ذلك اليوم، تحولت إسرائيل إلى قوة مسيّرات عظمى. لكن الأهم من التطور التقني، كما يشرح لين-غرينبرغ، هو التطور العقائدي. إسرائيل اكتشفت أن الطائرات المسيّرة تسمح لها بممارسة ما يسميه الاستراتيجيون الإسرائيليون “جز العشب” أو “Mowing the Grass”. وهو مصطلح قاسٍ ولكنه دقيق. الفكرة هي أن التهديدات المحيطة بإسرائيل، سواء من حزب الله أو حماس أو الجهاد الإسلامي أو الحرس الثوري الإيراني في سوريا، هي مثل العشب، تنمو باستمرار ولا يمكن اقتلاعها من جذورها بضربة واحدة دون دفع ثمن باهظ. الحل هو جزها بشكل دوري، بعمليات محدودة، مستمرة، ومنخفضة التكلفة السياسية.
الطائرات المسيّرة هي المقص المثالي لهذه المهمة. طائرة مسيّرة من طراز هيرون أو هيرمس يمكنها أن تحلق فوق غزة لمدة 30 ساعة متواصلة، تراقب كل حركة، وعندما يظهر هدف، تضربه بصاروخ صغير، ثم تعود. إذا سقطت بنيران مضادة للطائرات، فإن الخسارة مادية فقط. لا أسرى، لا مفاوضات تبادل، لا جنازات عسكرية على شاشة القناة 12 الإسرائيلية تزل الحكومة.
الكتاب يقدم هنا مقارنة . يأخذ حادثتين متشابهتين من حيث السياق العسكري. الأولى في عام 2018، عندما أسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرة إف-16 إسرائيلية مأهولة فوق الجليل، بعد غارة إسرائيلية على قاعدة إيرانية. ماذا حدث؟ انفجرت إسرائيل غضباً. شنت في نفس اليوم أكبر موجة قصف على الأراضي السورية منذ عام 1973، استهدفت أكثر من 12 موقعاً للجيش السوري والدفاع الجوي السوري والإيراني، وكادت أن تشعل حرباً إقليمية. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قطع زيارته، وعقد اجتماعاً طارئاً للكابينت الأمني، وتحدث عن “خط أحمر”.
الحادثة الثانية، بعد أقل من عام، في عام 2019، أسقط حزب الله طائرة مسيّرة إسرائيلية متقدمة من طراز هيرمس 450 فوق جنوب لبنان. حزب الله احتفل، وعرض الحطام، وبث فيديو للإسقاط. ماذا فعلت إسرائيل؟ أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بياناً من سطر واحد قال فيه إن “طائرة مسيّرة سقطت خلال نشاط روتيني”، ولم ترد عسكرياً على الإطلاق. لماذا؟ يجيب الكتاب: لأن الحسابات السياسية تغيرت. إسقاط الإف-16 خلق “تكلفة جمهور” إسرائيلية داخلية، وضغطاً للانتقام من أجل استعادة الردع وكرامة الطيار المصاب الذي قفز بالمظلة. إسقاط الهيرمس لم يخلق أي تكلفة جمهور. لا أحد في تل أبيب خرج إلى الشارع مطالباً بالانتقام لطائرة بلاستيكية.
هذا هو جوهر “الانتقام المقيد” بنسخته الإسرائيلية. والمثير أن الخصوم تعلموا نفس القاعدة. حزب الله وحماس وإيران أصبحوا يدركون أن إسقاط مسيّرة إسرائيلية هو عمل بطولي يمكنهم الاحتفال به إعلامياً دون خوف من رد مدمر، بينما إسقاط طائرة مأهولة أو قتل جندي إسرائيلي هو تجاوز لخط أحمر قد يكلفهم حرباً. ولذلك، كما يوثق الكتاب بالإحصائيات، ارتفعت محاولات إسقاط المسيّرات الإسرائيلية بشكل هائل. بين عامي 2006 و2023، تم إسقاط أكثر من 15 طائرة مسيّرة إسرائيلية فوق لبنان وسوريا وغزة، دون أن يؤدي أي منها إلى تصعيد كبير، بينما أدت كل حالة أسر أو قتل لجندي إسرائيلي، ولو واحد، إلى عمليات عسكرية واسعة.
لكن لين-غرينبرغ لا يقع في فخ التمجيد للتكنولوجيا الإسرائيلية. يخصص جزءاً مهماً من الفصل لنقد هذا النموذج. فمنطق “تزايد الحوادث” ينطبق هنا أيضاً. لأن إسرائيل أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على المسيّرات للمراقبة والاغتيال، فإنها أصبحت أكثر جرأة في انتهاك سيادة الآخرين. الطائرات المسيّرة الإسرائيلية لا تفارق سماء بيروت ودمشق وطهران. وهذا الوجود الدائم، وإن كان منخفض المخاطر على إسرائيل، فإنه يخلق احتكاكاً دائماً، ويطبيع فكرة أن السماء ليست آمنة. كما أنه، وهذه نقطة يلمح إليها الكتاب ، يخلق وهماً بالسيطرة. الاعتقاد بأنك تستطيع إدارة صراع معقد ومزمن عمره 75 عاماً من خلال شاشة في قاعدة جوية في النقب، قد يجعلك تؤجل الحلول السياسية الحقيقية، لأن التكلفة اليومية تبدو محتملة.
حتى عام 2010، كان كتاب “الثورة عن بُعد” يبدو وكأنه قصة أمريكية-إسرائيلية بامتياز. دولتان تملكان التكنولوجيا، وتملكان سلاح الجو القادر على حمايتها، وتملكان العقيدة التي تسمح لهما بالمخاطرة المحسوبة. لكن الفصل الخامس من الكتاب، وهو الفصل الذي كتبه إريك لين-غرينبرغ بعد اندلاع حرب أوكرانيا، وربما أعيدت كتابته أكثر من مرة، يقلب الطاولة تماماً. الثورة الحقيقية، كما يقول، لم تحدث عندما امتلكت أمريكا المسيّرة، بل عندما فقدت احتكارها لها.
يستعرض الكتاب بالأرقام الصادمة هذا التحول. في عام 2005، كان عدد الدول التي تملك طائرات مسيّرة مسلحة لا يتجاوز ثلاث دول. في عام 2023، وهو العام الذي أنهى فيه المؤلف جمع بياناته، أصبح العدد 35 دولة، بالإضافة إلى أكثر من 15 جماعة مسلحة غير حكومية. تركيا التي كانت تستجدي واشنطن لبيعها طائرة بريداتور واحدة في عام 2008، أصبحت في عام 2022 تصدر طائرتها بيرقدار تي بي 2 إلى أكثر من عشرين دولة، وتصبح نجماً على تيك توك بأغنية مديح للطائرة. إيران التي بدأت بنسخ طائرة أمريكية سقطت، طائرة آر كيو-170 سنتينل التي سقطت فوق أراضيها عام 2011، أصبحت تنتج عائلة شاهد، وتحديداً شاهد 136، التي غيرت شكل الحرب في أوكرانيا وفي البحر الأحمر. الصين التي كانت تراقب بصمت، أصبحت تملك أسطولاً من طائرات وينغ لونغ وتشاي هونغ، تبيعه بلا شروط سياسية لأي مشتر في إفريقيا والشرق الأوسط.
ما الذي يعنيه هذا الانتشار لنظرية الكتاب؟ لين-غرينبرغ يجادل بأن منطق الثورة عن بُعد لا يضعف مع الانتشار، بل يصبح أكثر خطورة وأكثر تعقيداً. عندما كانت أمريكا وحدها تملك المسيّرة، كانت تتحكم في قواعد اللعبة: هي التي ترسل، وهي التي تقرر أن الرد المقيد مقبول. أما اليوم، فكل طرف يرسل، وكل طرف يسقط، وكل طرف يتعلم نفس الدرس: إسقاط مسيّرة العدو لا يستحق حرباً.
المختبر الأكبر لهذه الفكرة هو أوكرانيا، التي يخصص لها الكتاب جزءاً كبيراً من الفصل قبل الأخير، واصفاً إياها بأنها “أول حرب مسيّرات حقيقية في التاريخ”. الأرقام التي يوردها الكتاب، حتى وهي تعود لنهاية 2023، مذهلة: أكثر من 10 آلاف طائرة مسيّرة صغيرة فقدت شهرياً على الجانبين، ومئات من الطائرات المتوسطة مثل بيرقدار وأوريون الروسية وشاهد الإيرانية. سماء أوكرانيا أصبحت، بتعبير أحد الضباط الأوكرانيين الذي ينقل عنه المؤلف، “مفرمة لحم للآلات”. كل يوم تُسقط عشرات المسيّرات، ويتم تصوير حطامها، ونشره على تليغرام، دون أن يؤدي ذلك إلى أي تصعيد خارج حدود الجبهة.
هنا تتجلى فرضية “تزايد الحوادث” بأوضح صورها. لولا الطائرات المسيّرة، لما تجرأت روسيا وأوكرانيا على تنفيذ هذا العدد الهائل من عمليات الاستطلاع والضرب العميق خلف خطوط العدو. الطيار البشري لا يمكن إرساله يومياً فوق دونيتسك حيث تنتشر آلاف صواريخ ستينغر، لأن خسارته ستكون كارثة إعلامية وسياسية. أما الطائرة الصينية الصغيرة من طراز دي جيه آي مافيك، التي يبلغ ثمنها ألفي دولار ويشتريها الجنود من أموالهم الخاصة، فيمكن إرسالها عشر مرات في اليوم. النتيجة هي جبهة مشتعلة بالاحتكاك المستمر، لكنها احتكاك آلات بآلات في معظمه.
وفي المقابل، تتجلى فرضية “الانتقام المقيد” في الحادثة التي افتتحنا بها هذه المراجعة: إسقاط المقاتلة الروسية للمسيّرة الأمريكية إم كيو-9 فوق البحر الأسود في مارس 2023. يخصص لين-غرينبرغ تحليلاً مفصلاً لهذه الحادثة، معتمداً على تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية والروسية، وعلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين. الروس أسقطوا المسيّرة بطريقة عدوانية وخطيرة، بسكب الوقود عليها والاصطدام بمروحتها. في زمن الحرب الباردة، لو كانت هذه الطائرة مأهولة، لكان من الممكن أن نكون أمام أزمة صواريخ كوبا ثانية. ماذا فعلت واشنطن؟ استدعت السفير الروسي، نشرت فيديو الحادث، وفرضت عقوبات إضافية، لكنها لم ترد عسكرياً. والسبب، كما قال مسؤول أمريكي رفيع للمؤلف: “لو كان على متنها طيار أمريكي، لكان الرئيس قد اضطر إلى الرد بقوة خلال ساعات. لكنها كانت مجرد مسيّرة. يمكننا شراء واحدة أخرى”.
هذا المنطق، الذي كان في السابق ميزة أمريكية، أصبح اليوم يعمل ضد أمريكا أيضاً. إيران تسقط مسيّرات أمريكية فوق الخليج، وتركيا تسقط مسيّرات روسية فوق سوريا، وروسيا تسقط مسيّرات أمريكية فوق البحر الأسود، والجميع يلتزم بقواعد غير مكتوبة: لا تلمسوا البشر.
لكن الكتاب يحذر من أن هذه القواعد هشة للغاية. وهو يصل هنا إلى أخطر فصوله، حيث يناقش ما يسميه “مشكلة التمييز”. الطائرات المسيّرة الحديثة، وخاصة الشبحية منها، أصبح من الصعب التمييز بينها وبين الطائرات المأهولة على الرادار. كما أن المسيّرات أصبحت تُستخدم كمرافقة للطائرات المأهولة في مهمات قتالية واحدة. ماذا يحدث لو أسقطت دفاعات جوية طائرة مسيّرة كانت تحلق بالقرب من طائرة مأهولة، واعتقدت الدولة الأخرى أن الهجوم كان يستهدف طائرتها المأهولة؟ ماذا يحدث لو كانت المسيّرة مسلحة بصواريخ، وأسقطت فوق مدينة، فقتل حطامها مدنيين؟ هل سيظل الرد مقيداً؟
لين-غرينبرغ يورد هنا حادثة تكاد تكون نبوءة. في يناير 2020، بعد اغتيال قاسم سليماني بطائرة مسيّرة أمريكية، ردت إيران بقصف قاعدة عين الأسد الأمريكية بصواريخ باليستية. كان الرد الإيراني مدروساً بعناية ليتجنب قتل جنود أمريكيين، حتى لا يضطر ترامب للرد بحرب شاملة. إيران أرادت أن تقول: نحن نرد على آلة بآلة، على اغتيال بطائرة مسيّرة بقصف قاعدة. لكن الصواريخ أصابت، وأصيب أكثر من مئة جندي أمريكي بارتجاج دماغي. كاد الخطأ في التقدير أن يشعل حرباً. الثورة عن بُعد، كما يقول الكتاب، تقلل من احتمالية التصعيد المتعمد، لكنها تزيد من احتمالية التصعيد غير المقصود، بسبب العدد الهائل من الحوادث.
في بحر الصين الجنوبي، وهو السيناريو الذي يختم به الفصل، يصبح الأمر أكثر وضوحاً. الصين والولايات المتحدة ترسلان يومياً مسيّرات فوق الجزر المتنازع عليها. كل يوم هو اختبار لقواعد اللعبة. حتى الآن، سقطت مسيّرات، ولم تقع حرب. لكن الكتاب يسأل: ماذا لو كانت المسيّرة الصينية القادمة تحلق فوق تايوان، وأسقطتها تايوان، واعتبرت بكين ذلك إهانة لا يمكن السكوت عنها لأنها جاءت من تايوان وليس من أمريكا؟ المنطق التقني واحد، لكن السياق السياسي يغير كل شيء.
وهكذا، فإن انتشار المسيّرات لم يلغ نظرية الكتاب، بل عممها وحولها من امتياز للقوي إلى قاعدة للجميع، قاعدة تقول: اقتلوا آلات بعضكم بعضاً قدر ما تشاؤون، لكن إياكم والبشر. وهي قاعدة تبدو مستقرة، لكنها في الحقيقة تمشي على حبل مشدود فوق هاوية.
لكن الكتاب، ورغم قوته المنهجية، يترك ثغرات يلتقطها القارئ ، وهي ثغرات يعترف بها المؤلف نفسه في خاتمته . أولى هذه الثغرات هي التركيز الأمريكي المفرط. كل التجارب التي أجريت، سواء على الجمهور العام أو على النخبة العسكرية، أجريت على أمريكيين. هل ينطبق نفس منطق “الانتقام المقيد” على الجمهور الروسي الذي تربى على ثقافة التضحية والكرامة الوطنية، أو على الجمهور الإيراني الذي يرى في المسيّرة الأمريكية رمزاً للهيمنة، أو على الجمهور الصيني؟ الكتاب يلمح إلى أن المنطق إنساني عام، لكنه لا يثبته. ومقابلاته مع ضباط إسرائيليين، رغم أهميتها، تظل في إطار حليف وثيق للولايات المتحدة.
الثغرة الثانية، وهي الأخطر من وجهة نظر أخلاقية، هي أن الكتاب يتعامل مع الطائرات المسيّرة كأدوات محايدة للاستطلاع والاشتباك بين جيوش نظامية، ويكاد يتجاهل تماماً جانبها الأكثر ظلمة: الاغتيالات خارج ساحات القتال، والقتل المستهدف، والخسائر المدنية. لين-غرينبرغ يذكر في هامش سريع أن الطائرات المسيّرة تقلل من الخسائر في صفوف جنود الدولة التي تستخدمها، لكنه لا يناقش بعمق أنها قد تزيد من الخسائر في صفوف مدنيي الدولة المستهدفة، لأن سهولة استخدامها تجعل قرار القتل أسهل. عندما لا تخاطر بحياة طيارك، قد تصبح أكثر تساهلاً في الضغط على زر الإطلاق، حتى لو كان هناك شك في هوية الهدف. هذه النقطة، التي ناقشها كتّاب آخرون مثل بيتر سينغر وكريستيان إنمارك، غائبة تقريباً عن هذا الكتاب الذي يركز على العلاقات بين الدول، لا على العلاقة بين الدولة والفرد تحت طائرتها.
الثغرة الثالثة هي المستقبل الذي يتجاوز الكتاب. كل الطائرات التي يتحدث عنها الكتاب، من بريداتور إلى هيرون إلى شاهد، هي طائرات “عن بُعد” بمعنى أن هناك إنساناً ما، في مكان ما، يتحكم بها أو على الأقل يوافق على إطلاق النار. ماذا يحدث عندما تصبح الطائرة قادرة على اتخاذ قرار القتل بنفسها، دون تدخل بشري؟ هل سيظل منطق “الانتقام المقيد” صالحاً عندما يكون القاتل خوارزمية؟ هل سيغضب الجمهور إذا أسقطت خوارزمية طائرة خوارزمية أخرى؟ الكتاب يفتح الباب لهذه الأسئلة لكنه لا يدخلها.
الخلاصة التي يتركها لين-غرينبرغ، وهي خلاصة تستحق أن تُكتب على غلاف الكتاب، هي أن الطائرات المسيّرة لم تجعل الحرب أكثر إنسانية، بل جعلتها أكثر احتمالاً للاستمرار. لقد نزعت عنها ذلك العنصر الذي كان يجعلها استثناءً مرعباً في حياة الأمم، وهو الدم المرئي. حولتها من حدث كبير يهز البرلمانات والشعوب، إلى روتين يومي تديره غرف تحكم مكيفة، ويتابعه الجمهور كأنه مباراة فيديو.
وهنا يكمن الخطر الأكبر الذي يحذر منه الكتاب دون أن يصرخ. عندما تعتاد الشعوب على سقوط الآلات، قد تنسى أن خلف كل آلة تسقط، هناك قرار بشري بإرسالها، وأن خلف كل قرار بإرسالها، هناك نية سياسية قد تكون خطيرة. الثورة عن بُعد قد تمنع حرباً عالمية ثالثة، لكنها قد تجعلنا نعيش في حرب عالمية صغيرة دائمة، حرب لا تنتهي، لأن لا أحد يموت فيها بما يكفي لإيقافها.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




