أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ملحمة السلام المرهق: هل صنعت فرساي هتلر

في الذاكرة الشعبية، لا يزال قصر فيرساي مرادفاً لكلمة واحدة: الانتقام. صورة “العربة في غابة كومبيين” حيث وقّع الألمان على الهدنة، ثم قاعة المرايا حيث أُجبروا على التوقيع على معاهدة الإذلال، هذه الصورة البسيطة هي التي غذّت لعقود طويلة رواية خطية تقول إن الحرب العالمية الثانية وُلدت في 28 يونيو 1919. لكن ما فعله المؤرخ الألماني الكبير يورن ليونهارت، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة فرايبورغ، في كتابه الموسوعي الصادر عن دار C.H.Beck في ميونيخ عام 2018 بعنوان “Der überforderte Frieden. Versailles und die Welt 1918-1923” ـ السلام المُرهَق، أو السلام المُثقل بما يفوق طاقته ـ هو أنه نسف هذه الصورة من أساسها، لا لكي يبرئ فيرساي، بل لكي يعيدها إلى حجمها الحقيقي المرعب: لحظة تاريخية كانت مطالبة بأن تحل كل شيء دفعة واحدة، ففشلت لأنها حُمّلت فوق ما تحتمل.

الكتاب ليس كتاباً عادياً. هو ما يزيد عن ألف صفحة من النص الخالص، دون الهوامش والخرائط . عمل استغرق أكثر من عقد من البحث في أرشيفات سبع دول، ويأتي في لحظة احتفالية بالذكرى المئوية لنهاية الحرب العظمى. ليونهارت، المعروف بأعماله السابقة عن الإمبراطوريات والحرب مثل “Die Büchse der Pandora” (صندوق باندورا)، لا يكتب تاريخ مؤتمر سلام، بل يكتب تاريخ عالم ينهار ويحاول أن يولد من جديد، ويكون فيرساي هو المسرح الذي تتصارع عليه كل تلك الولادات المتعثرة.

يفتتح ليونهارت كتابه باختيار أدبي  ومقصود. لا يبدأ بجورج كليمنصو أو وودرو ويلسون، بل بفرانتس كافكا، وروبرت موزيل، وإرنست ترويلتش، وويليام بتلر ييتس. في شتاء 1918-1919، كان هؤلاء جميعاً يشعرون بشيء واحد: أن العالم القديم قد انتهى، لكن الجديد لم يولد بعد، وأن هناك فراغاً مرعباً، “Vakuum” كما يسميه، يبتلع المعاني. هذا هو المفتاح الذي يقدمه ليونهارت لفهم فيرساي. السلام لم يكن مجرد معاهدة بين منتصر ومهزوم، بل كان محاولة يائسة لملء هذا الفراغ الهائل الذي خلفه انهيار أربع إمبراطوريات في وقت واحد: القيصرية الروسية، والهابسبورغية النمساوية-المجرية، والعثمانية، والإمبراطورية الألمانية الثانية. ولأول مرة في التاريخ الحديث، كان على صانعي السلام أن يرسموا خريطة أوروبا والشرق الأوسط، وأن يعيدوا اختراع الاقتصاد العالمي، وأن يجيبوا على سؤال الشرعية: من له الحق في أن يمثل شعباً؟

أطروحة ليونهارت المركزية تتلخص في كلمة واحدة وضعها في العنوان: überfordert. أي مُثقل، مُرهق، مُحمّل فوق طاقته. وهو يفكك هذا الإرهاق على خمسة مستويات متداخلة، يجعل من كل فصل في الكتاب تشريحاً لمستوى من مستويات الفشل المحتوم.

المستوى الأول هو إرهاق التوقعات. عام 1918 لم يكن يشبه أي عام آخر. الجنود العائدون من الخنادق لم يريدوا مجرد العودة إلى بيوتهم، بل أرادوا عالماً جديداً يكافئ تضحياتهم. العمال الذين تحملوا سنوات الجوع كانوا يحلمون بالاشتراكية. النساء اللواتي دخلن المصانع أردن حق التصويت والمواطنة الكاملة. المستعمرات التي جُند أبناؤها بالملايين كانت تطالب بالاستقلال مستندة إلى وعود الحلفاء وإلى نقاط ويلسون الأربع عشرة. كل هذه التوقعات المتناقضة انفجرت في وجه باريس في يناير 1919. لم يكن هناك سلام واحد مطلوب، بل عشرات من مشاريع السلام المتنافسة. ويلسون يريد عصبة أمم ومبدأ حق تقرير المصير، كليمنصو يريد أمن فرنسا عبر إضعاف ألمانيا إلى الأبد، لويد جورج يريد توازناً بريطانياً وإمبراطورية آمنة، بينما في القاهرة ونيودلهي وبكين وسيول، كانت الشعوب تفسر حق تقرير المصير على أنه دعوة للثورة على الاستعمار.

المستوى الثاني هو إرهاق الزمن. نحن نتخيل مؤتمر باريس للسلام كحدث واحد منظم استمر ستة أشهر. ليونهارت يصحح هذا الوهم تماماً. السلام الذي يتحدث عنه لم يحدث في باريس فقط، ولم يحدث في 1919 فقط. هو عملية ممتدة من هدنة 11 نوفمبر 1918 حتى معاهدة لوزان في 1923، وما بعدها حتى إجلاء القوات الفرنسية من الرور في 1925 وحتى خطة دوز. هو سلسلة من الحروب المستمرة: الحرب الأهلية الروسية، الحرب البولندية-السوفيتية، الحروب الأهلية في ألمانيا والمجر، حروب البلقان الصغيرة، حرب الاستقلال التركية، حروب الحدود في الأناضول والقوقاز. في الصفحات التي قرأناها عن بولندا، يرسم ليونهارت صورة مذهلة: دولة جديدة بلا حدود محددة ولا حكومة معترف بها ولا دستور، تخوض في عامين ست حروب حدودية في آن واحد ضد ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وليتوانيا وأوكرانيا وروسيا السوفيتية. كيف يمكن لمؤتمر في باريس أن يقرر مصير حدودها بينما جنودها يقاتلون على الأرض؟ هذه هي “سياسة الوقائع المنجزة” التي يتحدث عنها الكتاب: باريس كانت تتفاوض، لكن الواقع كان يُصنع بالسلاح في وارسو وأنقرة وأزمير.

وهنا نصل إلى الجوهر الذي يجعل الكتاب تحفة رغم حجمه. ليونهارت لا يكتب تاريخ دبلوماسية مغلقة في قاعات. يكتب تاريخاً متعدد الأصوات. في فصل واحد، ننتقل من محضر اجتماع المجلس الأعلى للحلفاء حيث يصرخ كليمنصو على لويد جورج، إلى رسالة جندي ألماني عائد إلى ميونيخ يجد ثورة شيوعية، إلى صحيفة مصرية في القاهرة تحتفل بخطاب ويلسون، إلى برقية سرية بين لندن وطوكيو حول من يملك جزيرة ياب الصغيرة في المحيط الهادئ. قصة جزيرة ياب التي يخصص لها الكتاب صفحات دالة: الأمريكيون يريدون كابلات الاتصالات، البريطانيون يخشون التوسع الأمريكي، اليابانيون يريدون انتداباً من الفئة C، والألمان قد خسروها. هذه الحادثة الصغيرة تكشف أن فيرساي لم يكن مؤتمراً أوروبياً، بل كان أول محاولة في التاريخ لإدارة العولمة: من يملك الكابلات البحرية، من يسيطر على النفط في باكو والموصل، من يحدد أسعار المواد الخام.

هذه النقطة تقودنا إلى المستوى الثالث من الإرهاق: إرهاق العولمة. ليونهارت هو أول مؤرخ ألماني كبير يخرج فيرساي من أوروبا بشكل جذري. الكتاب يخصص مئات الصفحات للعالم غير الأوروبي. فصول كاملة عن الصين وحركة 4 مايو 1919، عن كوريا، عن الهند وحركة الخلافة، عن مصر وثورة 1919، عن إيران، عن الانتدابات في الشرق الأوسط. حجته أن نظام الانتداب الذي اخترعته عصبة الأمم لم يكن حلاً وسطاً بريئاً بين الاستعمار والاستقلال، بل كان محاولة لإدارة التناقض المستحيل: كيف تطبق حق تقرير المصير الذي وعدت به الشعوب، وتحافظ في نفس الوقت على الإمبراطوريات التي انتصرت بفضل تلك الشعوب؟ النتيجة كانت خديعة كبرى أنتجت غضباً عالمياً. الصينيون الذين جاءوا إلى باريس على أمل استعادة شاندونغ من الألمان، وجدوها تُعطى لليابان. المصريون الذين أرسلوا وفداً بقيادة سعد زغلول، لم يُسمح لهم حتى بدخول فرنسا. هذا الغضب العالمي، كما يجادل ليونهارت، هو الذي جعل فيرساي ليس سلاماً أوروبياً فاشلاً، بل لحظة ميلاد معاداة الاستعمار الحديثة.

لذلك، فالكتاب الذي بين أيدينا ليس دفاعاً عن فيرساي ولا إدانة له. هو شرح لفكرة أن السلام يمكن أن يكون حدثاً واحداً يصنعه رجال كبار في قاعة مرايا. ليونهارت يستخدم مصطلح: “السلام لم يفشل لأنه كان قاسياً جداً أو متساهلاً جداً، بل لأنه كان مطالباً بأن يكون كل شيء لكل الناس”. كان عليه أن يكون عقاباً وتعويضاً ومصالحة ونظاماً أمنياً جديداً ونظاماً اقتصادياً عالمياً ومحكمة أخلاقية للتاريخ، في وقت كانت فيه الموارد المادية والمعنوية للحلفاء أنفسهم منهكة تماماً.

عندما وصلت الوفود إلى باريس في يناير 1919، لم تجد مؤتمراً، بل وجدت مدينة غارقة في الفوضى الرمزية. باريس نفسها كانت جريحة، معتمة بسبب نقص الفحم، تغلي بالجنود الأمريكيين والأفارقة والعمال الفيتناميين والطلبة الصينيين. يصف يورن ليونهارت هذه اللحظة : العالم كله جاء إلى باريس، لكن باريس لم تكن جاهزة للعالم. كان هناك أكثر من 70 وفداً رسمياً، يمثلون من “الهيدجاز” إلى هندوراس، ومعهم آلاف الصحفيين والخبراء والجواسيس وتجار السلاح وسماسرة النفط. ولم يكن هناك أي خطة عمل واضحة. الحلفاء أنفسهم لم يتفقوا على ما إذا كانوا يعقدون مؤتمراً تمهيدياً ثم مؤتمراً نهائياً، أم أن هذا هو المؤتمر النهائي. هذه الفوضى التنظيمية لم تكن تفصيلاً هامشياً، بل كانت جوهر “الإرهاق” الذي يتحدث عنه ليونهارت.

القلب النابض للمؤتمر، كما يكشفه الكتاب، لم يكن قاعة المرايا الشهيرة، بل غرف صغيرة بلا نوافذ في فندق كريون ووزارة الخارجية الفرنسية، حيث جلس “المجلس الأعلى” ثم “مجلس الأربعة”. ليونهارت يفكك أسطورة الرجال الأربعة الكبار الذين يقررون مصير العالم. كليمنصو وويلسون ولويد جورج وأورلاندو لم يكونوا آلهة، بل كانوا أربعة رجال مرهقين، مريضين، يعانون من الأرق والإنفلونزا الإسبانية وضغط الرأي العام، ويتحدثون عبر مترجمين يخطئون. ويلسون، الذي جاء إلى أوروبا كبطل أخلاقي يحمل 14 نقطة، كان يعاني من تصلب الشرايين وبداية انهيار عصبي، ويصر على أن تكون عصبة الأمم جزءاً من كل معاهدة، حتى لو أدى ذلك إلى تأخير إطعام فيينا الجائعة. كليمنصو، النمر العجوز البالغ من العمر 78 عاماً والذي نجا من محاولة اغتيال قبل أسابيع من المؤتمر، كان مهووساً بفكرة واحدة: كيف نمنع الغزو الألماني الثالث؟ لويد جورج، الساحر الويلزي، كان يفكر في الانتخابات البريطانية وفي الإمبراطورية، ويغير مواقفه ثلاث مرات في اليوم الواحد. أما أورلاندو الإيطالي، فكان مهمشاً لدرجة أنه غادر المؤتمر غاضباً مرة، ولم يلاحظ أحد غيابه لساعات.

لكن ليونهارت لا يكتفي بصورة الزعماء. قوته الحقيقية تكمن في أنه ينزل إلى الطابق السفلي، حيث كان يعمل الجيش الحقيقي للسلام: 200 لجنة ولجنة فرعية، وآلاف الخبراء، الجغرافيين، الاقتصاديين، علماء الأعراق، الإحصائيين. هنا يكمن فصل من أمتع فصول الكتاب، وهو الفصل الذي يسميه “علم السلام”. للمرة الأولى في التاريخ، حاولت الدول أن ترسم حدوداً على أساس “علمي”. جاء الأمريكيون ومعهم مشروع “The Inquiry”، وهو بنك معلومات ضخم أعده 150 أكاديمياً في نيويورك بتوجيه من الكولونيل هاوس، يحتوي على خرائط عرقية لكل قرية في أوروبا الوسطى. وجاء البريطانيون بخرائط إدارة الحرب، والفرنسيون بخرائط هيئة الأركان.

ويروي ليونهارت كيف تحولت المبادئ النبيلة إلى كوابيس بيروقراطية. خذ مبدأ “حق تقرير المصير”. يبدو جميلاً في خطاب ويلسون، لكن كيف تطبقه في سيليزيا العليا، حيث في قرية واحدة يعيش عمال مناجم يتحدثون البولندية في البيت والألمانية في المنجم، ويصوتون للحزب الاشتراكي وليس للقوميين؟ اللجان كانت تطلب إحصاءات لغوية من عام 1910، ثم تكتشف أن الإحصاءات النمساوية كانت تزور الأرقام لصالح الألمان، والإحصاءات البروسية تزورها لصالح البولنديين. فكان الحل “الديمقراطي” هو الاستفتاء. لكن من له حق التصويت؟ هل هم السكان المقيمون حالياً، أم المهاجرون الذين غادروا القرية قبل 20 عاماً؟ في سيليزيا، تقرر أن يحق لكل من وُلد في الإقليم أن يعود ليصوت، فاستأجرت برلين قطارات كاملة لنقل آلاف المهاجرين الألمان من الرور للتصويت، بينما فعلت وارسو الشيء نفسه. والنتيجة كانت حرب أهلية صغيرة بعد كل استفتاء.

هذه الميكانيكا الدقيقة تكشف عن المستوى الرابع من الإرهاق الذي يحدده ليونهارت: إرهاق المعرفة. الحلفاء ادعوا أنهم يصنعون سلاماً عادلاً مبنياً على الحقائق، لكنهم اكتشفوا أن الحقائق نفسها متنازع عليها، وأن الخريطة ليست الأرض. في فصل مدهش عن “حروب الخرائط”، يوضح كيف أن خط كيرزون، الذي اقترحه وزير الخارجية البريطاني كحدود شرقية لبولندا، رُسم بقلم رصاص على خريطة بمقياس 1:3 مليون، أي أن سمك القلم نفسه كان يعني خطأً بعشرة كيلومترات على الأرض، وفي تلك الكيلومترات العشرة كانت توجد مدن كاملة مثل لفوف.

ثم هناك الاقتصاد، وهو الجزء الذي يجعل كتاب ليونهارت مختلفاً عن كل كتب فيرساي التقليدية. معظم الناس يعرفون قصة التعويضات من كتاب جون مينارد كينز الشهير “النتائج الاقتصادية للسلام” (1919). ليونهارت يعيد قراءة كينز ليس كنبي، بل كطرف في الصراع. يوضح أن الحلفاء كانوا يواجهون معضلة مستحيلة: شعوبهم تريد من ألمانيا أن تدفع ثمن كل شيء، حتى معاشات الأرامل والأيتام الفرنسيين، بينما الاقتصاد العالمي نفسه كان منهاراً. الحصار البحري على ألمانيا استمر حتى بعد الهدنة، حتى يوليو 1919، أي ثمانية أشهر بعد توقف القتال. الأطفال في برلين وفيينا كانوا يموتون جوعاً بينما الخبراء في باريس يناقشون ما إذا كانت ألمانيا تستطيع دفع 132 مليار مارك ذهبي. ليونهارت ينقل شهادة مؤلمة: المندوبون الألمان الذين استُدعوا أخيراً إلى فيرساي في مايو 1919، لم يُسمح لهم بالتفاوض، بل سُلموا النص وقيل لهم وقعوا خلال 15 يوماً. عندما احتج وزير الخارجية الألماني بروكدورف-رانتزاو، وكان يجلس على كرسي منخفض متعمداً ليبدو أصغر من الحلفاء، قال كليمنصو جملته الشهيرة: “حان وقت الحساب”. لكن الحساب لم يكن حساباً، بل كان وهماً محاسبياً. لا أحد كان يعرف كيف يُحسب التعويض عن قرية دُمرت في السوم، ولا كيف تُقدر قيمة منجم فحم غمرته المياه.

وهنا يبرز ليونهارت في ربطه بين الاقتصاد والشرعية. السلام، كما يقول، لم يفشل لأنه كان قاسياً، بل لأنه خلق توقعات لا يمكن الوفاء بها. الفرنسيون وُعدوا بأن “ألمانيا ستدفع”، فعندما لم تدفع، شعروا بالخيانة. الألمان وُعدوا بسلام عادل مبني على نقاط ويلسون، فعندما وجدوا أنفسهم يُحملون مسؤولية الحرب وحدهم في المادة 231 سيئة السمعة، ولدت أسطورة “كذبة الذنب” و”طعنة الخنجر”. وهذه الأسطورة، كما يثبت ليونهارت من خلال صحف الجنود العائدين، لم تصنعها الدعاية النازية لاحقاً، بل وُلدت في اللحظة نفسها في محطات القطار، عندما عاد الجنود ليجدوا ثورة في برلين ووجدوا جنرالاتهم يقولون لهم: “نحن لم نهزم في الميدان، بل طُعنا في الظهر”.

 يضعنا ليونهارت أمام مشهد لا يُنسى: 28 يونيو 1919، قاعة المرايا. الألمان يوقعون. خارج القصر، باريس تحتفل بإطلاق المدافع. لكن في نفس اليوم، في مكان آخر، الجيش البولندي يدخل مينسك، والجيش البريطاني يقصف كابول، وقوات أنطون دينيكين البيضاء تتقدم نحو موسكو، وسعد زغلول في المنفى في مالطا يكتب مذكراته. السلام وُقع في فيرساي، لكن الحروب استمرت في كل مكان. وهذا هو بيت القصيد: فيرساي لم ينه الحرب، بل حاول فقط أن يضع إطاراً قانونياً لفوضى لم يكن يسيطر عليها أحد.

كان هناك فيرسايان. فيرساي الأول هو الذي نعرفه: قاعة المرايا، والخريطة الممزقة لأوروبا، والتعويضات. لكن فيرساي الثاني، وهو الذي يخصص له يورن ليونهارت. الكثير من الصفحات في قلب كتابه، كان يقع خارج أوروبا تماماً. كان فيرساي الذي يُقرأ في مقاهي القاهرة، وفي جامعة بكين، وفي قوارب اللاجئين في أوديسا، وفي خنادق الأناضول. وهناك، لم يُفهم السلام كنهاية للحرب، بل كبداية لخديعة كبرى، ومن ثم كوقود لأكبر موجة ثورية عالمية عرفها القرن العشرون.

يبدأ ليونهارت هذا الجزء بمشهد رمزي يلخص كل شيء: في 18 يناير 1919، في اليوم الذي افتتح فيه مؤتمر السلام رسمياً في باريس، كان وفد مصري بقيادة سعد زغلول يحاول حجز تذاكر قطار إلى مرسيليا. لم يكن يريد السياحة، بل كان يحمل معه وثيقة وقعها عشرات الآلاف من المصريين، تطلب من بريطانيا السماح لمصر بعرض قضيتها في باريس تطبيقاً لمبدأ حق تقرير المصير الذي أعلنه ويلسون. رد بريطانيا كان بسيطاً: لا يوجد شيء اسمه الوفد المصري، ولا يوجد شيء اسمه القضية المصرية. اعتُقل زغلول ونُفي إلى مالطا. وبعد شهرين، في 9 مارس 1919، انفجرت مصر كلها. ثورة 1919 التي نعرفها لم تكن مجرد احتجاج ضد بريطانيا، كما يوضح الكتاب، بل كانت أول رد فعل عالمي مباشر على فيرساي. المصريون آمنوا بويلسون حرفياً، وعندما اكتشفوا أن ويلسون لا يعنيهم، تحول إيمانهم إلى غضب عارم. يقول ليونهارت إن مفهوم “الوفد” نفسه، كلمة وفد، أصبح علامة سياسية عالمية. وفود جاءت من كل مكان: وفد كوري، وفد صيني، وفد هندي، وفد فارسي، وفد حبشي. كلهم يحملون نفس الأمل ونفس الوهم.

الصورة الأكثر إيلاماً هي قصة الصين. الصين كانت من الحلفاء. أرسلت 140 ألف عامل إلى الجبهة الغربية لحفر الخنادق، ومات منهم الآلاف. جاء وفدها إلى باريس برئاسة الدبلوماسي اللامع لو تشنغشيانغ، وكان يحمل مطلباً واحداً واضحاً: استعادة شبه جزيرة شاندونغ التي كانت مستعمرة ألمانية قبل أن تحتلها اليابان في 1914. المنطق الويلسوني يقول إنها يجب أن تعود للصين. لكن المنطق الاستعماري السري يقول غير ذلك: بريطانيا وفرنسا كانتا قد وقعتا اتفاقاً سرياً مع اليابان في 1917 يمنحها شاندونغ مقابل دخولها الحرب. عندما انكشف الأمر في باريس، وقرر مجلس الأربعة منح شاندونغ لليابان، انفجرت الصين. في 4 مايو 1919، خرج طلاب جامعة بكين في مظاهرة تحولت إلى حركة ثقافية وسياسية هزت الصين الحديثة بأكملها، حركة 4 مايو. ليونهارت ينقل  كيف أن خبراء أمريكيين في باريس كتبوا في مذكراتهم: “لقد خسرنا الصين اليوم”. وهذا ما حدث. جيل كامل من المثقفين الصينيين، الذين كانوا مؤيدين لأمريكا، تحولوا نحو الاتحاد السوفيتي الذي كان الدولة الوحيدة التي أعلنت أنها ضد المعاهدات غير المتكافئة. ماو تسي تونغ الشاب، الذي كان يعمل أمين مكتبة في بكين، كان من بين المتظاهرين. فيرساي لم يصنع السلام في آسيا، بل صنع الحزب الشيوعي الصيني.

نفس الآلية تكررت في كوريا والهند. في كوريا، التي كانت مستعمرة يابانية منذ 1910، استلهم الوطنيون نقاط ويلسون وأعلنوا استقلالهم في الأول من مارس 1919. اليابانيون قمعوا الانتفاضة بوحشية وقتلوا 7500 كوري. لكن الرسالة وصلت إلى باريس: لم يُسمح للكوريين حتى بدخول قاعة المؤتمر. في الهند، كان الوضع أكثر تعقيداً. البريطانيون استخدموا خطاب ويلسون لتجنيد مليون ونصف جندي هندي، وعدوهم بإصلاحات. عندما جاءت إصلاحات مونتاغو-تشيلمسفورد هزيلة، وجاء قانون رولات القمعي في مارس 1919 ليعتقل الهنود دون محاكمة، انفجر الغضب. غاندي، الذي كان لا يزال زعيماً محلياً، حول هذا الغضب إلى أول حركة عصيان مدني شاملة، ساتياغراها. مذبحة أمريتسار في 13 أبريل 1919، حيث قتل الجنرال داير 379 هندياً عزلاً في حديقة مغلقة، كانت الرد البريطاني المباشر على خوفهم من أن يتحول حق تقرير المصير إلى مطلب هندي. ليونهارت يربط بين هذه الأحداث: باريس كانت تحاول أن تقرر مصير العالم، لكن العالم كان يقرر مصيره بنفسه في الشوارع.

لكن الفصل الأكثر إدهاشاً في هذا الجزء هو فصل اللاجئين وعديمي الجنسية. ليونهارت يخصص فصلاً كاملاً عنوانه “في الطريق وبينهما: اللاجئون وعديمو الجنسية والصراع على الاعتراف والمكانة”، ويبدأه بميناء أوديسا على البحر الأسود. بين 1918 و1920، تحولت أوديسا، التي تضاعف سكانها خمس مرات بين 1861 و1914 بفضل تجارة الحبوب، إلى أكبر سوق للبشر الهاربين. الروس البيض الفارون من البلاشفة، والأرمن الفارون من المذابح، واليونانيون الفارون من الأناضول، واليهود الفارون من المذابح في أوكرانيا وبولندا، كلهم تجمعوا في أوديسا. الكاتب الروسي كونستانتين باوستوفسكي، الذي يقتطف منه ليونهارت وصفاً مروعاً، يصور المشهد: بواخر مكتظة تغادر دون أن تسحب حتى سلالم الصعود، فتسقط العائلات في البحر، وحقائب ممزقة تتناثر منها قمصان نسائية وملابس أطفال وأشرطة. هذه هي الصورة المنسية لفيرساي: سلام لم يخلق فقط دولاً جديدة، بل خلق أيضاً 13 مليون لاجئ في أوروبا وحدها، أربعة أخماسهم من أوروبا الشرقية. ولأول مرة، اخترع العالم جواز سفر نانسن، وأول مفوضية للاجئين، لأن معاهدات السلام نفسها خلقت أقليات لا تريدها دولها الجديدة. بولندا الجديدة التي كان بها 30% أقليات، وتشيكوسلوفاكيا التي كان بها 35% ألمان، ويوغوسلافيا التي كانت فسيفساء من الكراهيات، كلها وُلدت مع معاهدات حماية الأقليات التي لم تحترمها أبداً.

وهنا يأتي ليونهارت إلى الشرق الأوسط، إلى نظام الانتداب الذي يعتبره أعقد اختراع قانوني في فيرساي. الفكرة التي جاء بها الجنوب أفريقي جان سموتس والمستشار البريطاني، كانت تبدو ذكية: لا نضم المستعمرات العثمانية والألمانية، بل نديرها كـ “أمانة مقدسة للحضارة” تحت إشراف عصبة الأمم، حتى تصبح جاهزة للاستقلال. لكن الكتاب يكشف من خلال محاضر لجنة الملك-كراين الأمريكية، التي أُرسلت لتستطلع رأي سكان سوريا وفلسطين والعراق، أن 80% من السكان طالبوا بدولة عربية مستقلة ورفضوا الانتداب الفرنسي والبريطاني والصهيوني. التقرير كُتب ودُفن في الأدراج لأنه كان يتعارض مع اتفاقية سايكس-بيكو. النتيجة كانت أن فرنسا قصفت دمشق عام 1920 لتفرض انتدابها، وبريطانيا اخترعت دولة اسمها العراق من ثلاث ولايات عثمانية لم تكن متحدة من قبل، ووعدت اليهود والعرب بنفس الأرض في فلسطين. ليونهارت لا يكتب هذا كإدانة أخلاقية بسيطة، بل كتحليل لعبء مستحيل: كيف تدير إمبراطوريات منهكة مناطق لا تريدها، وتكرهها، ولا تفهمها، بينما هي نفسها غارقة في الديون؟

 في  الأناضول. بينما كان الحلفاء يوقعون معاهدة سيفر في أغسطس 1920 التي مزقت تركيا وأعطت إزمير لليونان وشرق الأناضول لأرمينيا، كان ضابط عثماني مغمور اسمه مصطفى كمال يرفض الاعتراف بالمعاهدة. ليونهارت يوضح أن حرب الاستقلال التركية لم تكن مجرد حرب وطنية، بل كانت أول حرب ناجحة ضد نظام فيرساي نفسه. كمال استفاد من التناقض بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ومن السلاح السوفيتي، ومن تعب اليونانيين، ليفرض واقعاً جديداً. عندما انتصر ودخل إزمير المحترقة في سبتمبر 1922، لم يكن ينتصر على اليونان فقط، بل كان يهدم معاهدة سيفر ويجبر الحلفاء على الجلوس من جديد في لوزان عام 1923. ولذلك يصر ليونهارت على أن تاريخ السلام لا ينتهي في 1919، بل في 1923. لوزان، التي اعترفت بتركيا الحديثة وألغت حماية الأقليات عبر تبادل سكاني قسري لـ 1.2 مليون يوناني و400 ألف مسلم، كانت السلام الوحيد الذي فُرض بالقوة من قبل المهزوم على المنتصر، وبالتالي كان السلام الوحيد الذي صمد.

بهذا المعنى، فإن فيرساي العالمي، كما يرسمه ليونهارت، لم يكن سلاماً، بل كان مرآة. كل شعب نظر إليه فرأى ما يريد: الفرنسيون رأوا أمناً، البولنديون رأوا دولة، المصريون رأوا استقلالاً، الصينيون رأوا عدالة. وعندما لم يجدوا ما رأوه، لم يستسلموا، بل حملوا السلاح أو خرجوا في مظاهرات، وصنعوا عالماً جديداً على أنقاض وعود باريس. وهذا هو الإرهاق الأكبر: أن السلام كان مطالباً بأن يجيب على سؤال لم يطرحه أحد من قبل: من يملك الحق في أن يكون دولة؟

لو عدنا إلى باريس في شتاء 1919، فلن نشم رائحة الحبر على المعاهدات، بل رائحة الفحم الرديء والخبز الأسود والخوف. هذا ما يفعله يورن ليونهارت في القسم الأوسط من كتابه، حيث يخرجنا من قاعات المؤتمرات إلى الشارع والمستشفى والمخبز. فالسلام المُثقل لم يكن مثقلاً بالأفكار فقط، بل كان مثقلاً بالجوع والمرض والإفلاس. أوروبا في 1919 لم تكن قارة منتصرة ومهزومة، بل كانت قارة مفلسة جسدياً.

يبدأ ليونهارت بفضح أكبر كذبة في تاريخ الهدنة: أن الحرب انتهت في 11 نوفمبر 1918. الحرب انتهت في الخنادق، نعم، لكن الحصار البحري البريطاني استمر. ثمانية أشهر كاملة بعد الهدنة، حتى 12 يوليو 1919، ظلت السفن الحربية البريطانية تمنع وصول الغذاء والدواء إلى ألمانيا والنمسا. كان هذا قراراً سياسياً متعمداً. كما ينقل ليونهارت من محاضر مجلس الحرب البريطاني، كان لويد جورج وكليمنصو يعتقدان أن “جوع الألمان هو ورقة التفاوض الأخيرة”. النتيجة كانت كارثة إنسانية صامتة. في فيينا، التي كانت عاصمة إمبراطورية تضم 52 مليون نسمة وأصبحت فجأة عاصمة دولة لا تضم سوى 6 ملايين ولا تملك حقول قمح، مات الأطفال من السل والكساح. تقارير منظمة الصليب الأحمر الأمريكي التي يقتطفها الكتاب تتحدث عن أطفال في ميونيخ وبرلين نسبة وزنهم إلى طولهم أقل من 60% من الطبيعي. في إحدى الصفحات المؤلمة التي استعرضناها، يصف المؤرخ اليومي لكارل هامبه، أستاذ التاريخ في هايدلبرغ، كيف ذهب إلى البنك في 11 نوفمبر ليسحب أوراقه لأن “المصارف لم تعد آمنة”، وكيف كان يشعر أن كلمة “ملكي” أصبحت شتيمة، وأن العالم القديم “ينحل، وشاراته تفقد معناها بينما الأوائل يغيرون جانبهم”.

هذا الجوع لم يكن مجرد مأساة إنسانية، بل كان استراتيجية. الحلفاء كانوا يخشون شيئاً واحداً أكثر من انتقام ألمانيا: الثورة البلشفية. صورة سبارتاكوس في برلين، وبيلا كون في بودابست، والعمال المسلحين في تورينو، كانت تطاردهم. فكان الحل المزدوج: إطعام أوروبا قليلاً حتى لا تتحول إلى بلشفية، وتجويعها قليلاً حتى لا ترفض التوقيع. هنا يظهر هربرت هوفر، رئيس إدارة الإغاثة الأمريكية، كبطل تراجيدي في الكتاب. هوفر، الذي سيصبح رئيساً لأمريكا لاحقاً، كان يعتقد أن إطعام أوروبا هو إطعام للرأسمالية نفسها. كان يرسل السفن المحملة بالدقيق إلى هامبورغ وفيينا، بينما كانت وزارة الخارجية الأمريكية تمنع نفس السفن من تفريغ حمولتها حتى توقع الحكومة الألمانية. الخبز كان سلاحاً.

على هذا المسرح الجائع، وُلدت أسطورة التعويضات. ليونهارت يخصص أكثر من 200 صفحة لتفكيك ما يسميه “الوهم المحاسبي لفيرساي”. الرواية التقليدية تقول إن التعويضات كانت انتقاماً فرنسياً أحمق دمر الاقتصاد الألماني ومهد لهتلر. الحقيقة، كما يكشفها الكتاب من خلال أرشيفات وزارات المالية، أكثر تعقيداً وغباءً في آن واحد. لم يكن هناك رقم واحد للتعويضات في معاهدة فيرساي. المادة 231، مادة “ذنب الحرب” الشهيرة، لم تحدد مبلغاً، بل حددت مبدأ: ألمانيا مسؤولة نظرياً عن كل خسائر الحلفاء. أما الرقم الحقيقي، 132 مليار مارك ذهبي، فقد تحدد فقط في مؤتمر لندن عام 1921، أي بعد عامين من التوقيع. لماذا؟ لأن الحلفاء أنفسهم كانوا مدينين لبعضهم البعض. فرنسا مدينة لبريطانيا وبريطانيا مدينة لأمريكا. أمريكا، التي كانت دائن العالم الجديد، كانت تقول: نريد أموالنا نقداً، لا نريد تعويضات عينية. بريطانيا وفرنسا كانتا تقولان: لا نستطيع أن ندفع لأمريكا إلا إذا دفعت لنا ألمانيا. فأصبحت ألمانيا هي الممول الأخير لكل ديون الحرب العالمية. كان الاقتصاد العالمي قد تحول إلى هرم مقلوب يقف على كتف عامل منجم في الرور.

وهنا يأتي دور جون مينارد كينز، الذي لا يظهر في كتاب ليونهارت كعبقري وحيد، بل كجزء من جوقة من الاقتصاديين الغاضبين. كينز، الذي كان مندوباً بريطانياً شاباً في باريس واستقال احتجاجاً، كتب كتابه “النتائج الاقتصادية للسلام” في غضون شهرين، وتنبأ بأن التعويضات ستدمر أوروبا. ليونهارت يوافق كينز في التشخيص لكنه يختلف في السبب. المشكلة لم تكن أن الرقم كان كبيراً جداً، بل أن النظام كله كان مستحيلاً. كيف تدفع دولة مفلسة تعويضات بالذهب بينما عملتها تنهار، ومناجمها في السار تحت الاحتلال الفرنسي، وأسطولها التجاري صودر، ومستعمراتها فقدت، وسكانها يتضورون جوعاً؟ الجواب الألماني كان: نطبع النقود. وهنا بدأت مأساة التضخم الجامح التي يصفها ليونهارت كأكبر تجربة نفسية جماعية في تاريخ ألمانيا. في عام 1923، كان سعر رغيف الخبز في برلين 200 مليار مارك. الناس كانوا يحملون النقود في عربات يد. مدخرات الطبقة الوسطى، العمود الفقري لجمهورية فايمار، تبخرت في شهور. هذه ليست مجرد قصة اقتصادية، بل هي قصة سياسية: الطبقة الوسطى التي فقدت كل شيء لم تعد تؤمن بالديمقراطية الليبرالية، وبدأت تبحث عن منقذ يعدها بإلغاء فيرساي.

لكن ليونهارت لا يقع في فخ الحتمية التاريخية التي تقول إن فيرساي أنتج هتلر. بل على العكس، يخصص فصلاً كاملاً لإظهار كيف أن جمهورية فايمار نفسها استخدمت فيرساي كسلاح داخلي. الحكومات الألمانية المتعاقبة، من الاشتراكيين إلى المحافظين، كانت تتعمد إظهار عجزها عن دفع التعويضات لإثبات أن المعاهدة مستحيلة. كانت هناك لعبة مزدوجة: في العلن، تقول برلين “نحن نريد أن ندفع لكننا لا نستطيع”، وفي السر، كانت وزارة المالية الألمانية تدعم الصناعيين الذين يهربون رؤوس الأموال إلى هولندا وسويسرا. وفي المقابل، كانت فرنسا، التي كانت تعاني هي نفسها من ديون هائلة ومن دمار 10 محافظات شمالية دُمرت فيها 700 ألف منزل بالكامل، ترى أن أي تساهل مع ألمانيا هو خيانة لدماء مليون و400 ألف جندي فرنسي ماتوا. عندما احتلت فرنسا وبلجيكا منطقة الرور الصناعية في يناير 1923 لأن ألمانيا تأخرت في تسليم شحنة أخشاب، لم يكن ذلك انتقاماً مجنوناً، بل كان محاولة يائسة لتحصيل شيء ملموس: الفحم بدلاً من الماركات الورقية التي لا قيمة لها.

المشهد الذي يرسمه ليونهارت لاحتلال الرور هو ذروة “السلام المثقل”. عمال المناجم الألمان أعلنوا المقاومة السلبية بدعم من حكومة برلين، فتوقفت المناجم. الفرنسيون جلبوا عمالاً من بولندا. الألمان فجروا السكك الحديدية. الفرنسيون اعتقلوا الآلاف. وفي النهاية، خسر الجميع. ألمانيا خسرت لأنها طبعت المزيد من النقود لتمويل المقاومة، فبلغ التضخم ذروته. فرنسا خسرت لأنها لم تحصل على الفحم، ولأن الجنيه الإسترليني والدولار عاقباها على مغامرتها. والرابح الوحيد كان الولايات المتحدة التي فرضت في النهاية خطة دوز عام 1924، والتي أعادت جدولة التعويضات وربطتها بقروض أمريكية. بهذا المعنى، فإن الرور كان نهاية فيرساي كسلام عقابي، وبداية فيرساي كسلام أمريكي ممول بالقروض.

ومن رحم هذه الكارثة الاقتصادية، ولدت فكرة جديدة تماماً: فكرة أوروبا. ليونهارت يجادل بأن مشروع التكامل الأوروبي لم يولد في 1950 مع شومان ومونيه، بل ولد في 1923 في أذهان رجال مثل رجل الأعمال الألماني والتر راتيناو الذي اغتيل عام 1922، والاقتصادي الفرنسي جان مونيه نفسه الذي كان في ذلك الوقت موظفاً شاباً في عصبة الأمم. هؤلاء أدركوا أن التعويضات والحدود الجمركية الجديدة التي خلقتها دول أوروبا الوسطى الجديدة (بولندا لديها تعريفة، وتشيكوسلوفاكيا لديها تعريفة أخرى) تخنق القارة. فبدأت أفكار عن اتحاد فحم وصلب، عن اتحاد جمركي، عن عملة أوروبية مشتركة. كانت أفكاراً طوباوية في حينها، لكنها كانت المحاولة الأولى للخروج من منطق فيرساي الذي كان يرى الاقتصاد كغنيمة حرب، إلى منطق جديد يرى الاقتصاد كشبكة مصالح مشتركة.

إذن، أوروبا الجائعة التي يصورها ليونهارت ليست مجرد ضحية لمعاهدة، بل هي مختبر. مختبر جُربت فيه لأول مرة أدوات حديثة: التضخم كسلاح سياسي، والإغاثة الإنسانية كأداة نفوذ، والاحتلال الصناعي كوسيلة تحصيل ديون، والقروض الدولية كأداة لإعادة بناء السلام. كل هذه الأدوات التي نعرفها اليوم في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولدت في شوارع برلين وفيينا بين 1919 و1923.

بعد زخم الصفحات من الخرائط والمجاعات والثورات واللاجئين، يصل يورن ليونهارت إلى سؤاله الأخير، وهو السؤال الذي جعل كتابه حدثاً تاريخياً في حد ذاته: هل كان فشل فيرساي حتمياً؟ وهل نحن محكومون بأن نعيد قراءة معاهدة 1919 كأصل كل شرور القرن العشرين؟ إجابته، التي تمتد على مئة صفحة ختامية كثيفة، هي لا حازمة ومتدرجة، وهي التي تعطي الكتاب عنوانه الحقيقي.

ليونهارت يرفض بشدة المدرستين التقليديتين في تاريخ فيرساي. المدرسة الأولى، التي مثلها كينز وما زالت تسيطر على الوعي الشعبي، تقول إن السلام كان قاسياً جداً، انتقامياً، فرنسياً، وأنه أذل ألمانيا فأنتج هتلر. المدرسة الثانية، التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية ويمثلها المؤرخون الأمريكيون مثل ويليام لانجر، تقول العكس: السلام كان متساهلاً جداً، لم يدمر القوة الصناعية الألمانية، وتركها قادرة على الانتقام، وكان يجب أن يكون أكثر قسوة. ليونهارت يقول إن كلا المدرستين تطرحان السؤال الخطأ. السؤال ليس هل كان قاسياً أم متساهلاً، بل هل كان قادراً أصلاً على أن يكون أي شيء؟

وهنا يعود إلى كلمته المفتاحية: überfordert. السلام كان مثقلاً بأعباء لا يمكن لنص قانوني واحد أن يحملها. كان عليه أن يحقق العدالة التاريخية لضحايا الحرب، وأن يضمن الأمن لفرنسا التي فقدت 4.5% من سكانها، وأن يبني نظاماً اقتصادياً عالمياً جديداً بعد انهيار الذهب، وأن يخترع شكلاً جديداً من الشرعية الدولية بعد انهيار الشرعية الإمبراطورية والدينية، وأن يجيب على سؤال الأقليات واللاجئين الذي لم يكن موجوداً من قبل بهذا الحجم. أي مهمة واحدة من هذه المهام كانت ستتطلب جيلاً كاملاً من العمل. وقد طُلب من أربعة رجال مرهقين في باريس أن يحلوها في ستة أشهر.

ولذلك، فإن فشل فيرساي، كما يجادل ليونهارت، لم يكن فشلاً أخلاقياً، بل كان فشلاً بنيوياً. العالم في 1919 كان يعاني من “تزامن غير متزامن”، بتعبير المؤرخ إرنست بلوخ الذي يستخدمه ليونهارت. كانت هناك عوالم متعددة تعيش في نفس اللحظة: عالم الإمبراطوريات الذي يموت، وعالم الدول القومية الذي يولد، وعالم الثورة البلشفية الذي يريد إلغاء الاثنين، وعالم الإمبراطوريات الاستعمارية الذي يحاول أن يتنكر في زي الانتداب، وعالم الولايات المتحدة الانعزالي الذي يريد أن يحكم العالم دون أن يلتزم به. فيرساي حاول أن يجمع كل هذه العوالم في نص واحد، فانكسر النص.

خذ مثالاً واحداً يلخص كل شيء: عصبة الأمم. ويلسون أرادها برلماناً عالمياً يمنع الحروب. كليمنصو أرادها تحالفاً عسكرياً ضد ألمانيا. البريطانيون أرادوها نادياً استعمارياً يحافظ على الإمبراطورية. اليابانيون أرادوها أن تعترف بالمساواة العرقية حتى لا يُعامل المهاجرون اليابانيون كأدنى درجة في كاليفورنيا. وعندما رفضت عصبة الأمم بند المساواة العرقية تحت ضغط أستراليا التي كانت تطبق سياسة “أستراليا البيضاء”، انسحب اليابانيون معنوياً من النظام. ليونهارت يرى أن هذه اللحظة، مارس 1919، كانت لحظة فارقة: أول نظام عالمي يُبنى على مبدأ المساواة القانونية للدول، يرفض في نفس الوقت المساواة العرقية للبشر. هذه المفارقة هي التي جعلت عصبة الأمم تبدو للعالم غير الأبيض كأداة استعمارية جديدة.

إذن، هل كان يمكن أن ينجح سلام آخر؟ ليونهارت يجيب بصراحة نادرة: لا، ليس بالمعنى الذي نريده. لو كان السلام أكثر تساهلاً مع ألمانيا، كما أراد لويد جورج أحياناً وكما نصح كينز، لكانت فرنسا قد شعرت أنها خُدعت وأن دماء أبنائها ذهبت هباءً، ولكان البرلمان الفرنسي قد أسقط كليمنصو، ولجاء من هو أكثر تطرفاً منه. ولو كان أكثر قسوة، كما أراد الجنرال فوش الذي طالب بضم الضفة اليسرى لنهر الراين، لكانت ألمانيا قد انهارت اقتصادياً وتحولت إلى بلشفية، ولخسر الحلفاء كل أموالهم. ولو لم يكن هناك تعويضات، فكيف كانت ستدفع بريطانيا وفرنسا ديونهما لأمريكا؟ ولو لم يكن هناك حق تقرير المصير، فكيف كان سيتم تفكيك الإمبراطوريات المنهارة دون حروب أهلية أكبر؟ كل بديل كان سيخلق كارثة أخرى. السلام لم يكن سيئاً لأنه كان سيئ التصميم، بل لأنه كان مستحيلاً.

لكن ليونهارت لا يترك القارئ في العدمية. هو يميز  بين فيرساي كحدث، وفيرساي كأسطورة. كحدث، كان فيرساي مجموعة من المعاهدات: فيرساي مع ألمانيا، وسان جيرمان مع النمسا، وتريانون مع المجر، ونويي مع بلغاريا، وسيفر ثم لوزان مع تركيا. هذه المعاهدات، رغم كل عيوبها، نجحت في أشياء لم ينتبه لها أحد: لقد أوقفت الحرب العالمية فعلياً بين الدول الكبرى لمدة عشرين عاماً، وهي فترة ليست قصيرة بمقاييس التاريخ الأوروبي. لقد خلقت دولاً جديدة مثل بولندا وتشيكوسلوفاكيا وفنلندا ودول البلطيق، والتي رغم كل مشاكلها، نجت كدول حتى اليوم. لقد اخترعت أدوات قانونية جديدة: محكمة دولية، منظمة عمل دولية، نظام حماية الأقليات، نظام لاجئين. هذه الأدوات كانت بدائية وفاشلة أحياناً، لكنها كانت البذور التي نبت منها نظام الأمم المتحدة لاحقاً.

أما فيرساي كأسطورة، فهو الذي دمر. الأسطورة الألمانية تقول إن ألمانيا لم تُهزم عسكرياً بل طُعنت من الداخل، وإن فيرساي كان “ديكتات فرساي” وليس سلاماً. هذه الأسطورة لم تصنعها المعاهدة نفسها، بل صنعها السياسيون الألمان الذين وقعوا عليها وهم يعلمون أنهم سيستخدمونها كذريعة. والأسطورة الفرنسية تقول إن فيرساي كان متساهلاً وترك ألمانيا قوية، وهي أسطورة غذت اليمين الفرنسي. والأسطورة البريطانية تقول إن فيرساي كان حماقة اقتصادية، وهي أسطورة بررت سياسة الاسترضاء في الثلاثينيات. ليونهارت يجادل بأن هتلر لم يصل إلى السلطة بسبب بنود فيرساي، بل بسبب استخدام أسطورة فيرساي. الفرق دقيق لكنه حاسم: المشكلة ليست في النص، بل في تأويل النص.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى