الثورة المضادة: كيف حاولوا محو ترامب.. فصنعوا عودته

حين صدر كتاب “الثورة المضادة The Counterrevolution: The Fall and Rise of Donald Trump and the MAGA Movement” للمؤرخ الكلاسيكي والأكاديمي المحافظ المنحاز و المحب لترامب- فيكتور ديفيس هانسون-، لم يكن مجرد إضافة أخرى إلى المكتبة المزدحمة أصلاً حول دونالد ترامب، بل كان محاولة لالتقاط لحظة أمريكية فريدة في تاريخها السياسي، لحظة بدا فيها أن رجلاً واحداً قد انتهى تماماً، سياسياً واجتماعياً ومالياً وقانونياً، ثم عاد بعد أربع سنوات ليحكم البيت الأبيض مرة أخرى. هانسون، أستاذ التاريخ العسكري والكلاسيكيات في ستانفورد وزميل مؤسسة هوفر، مؤرخ يرى السياسة كدورة حضارات، ولذلك اختار عنوانه : الثورة والثورة المضادة. فما جرى في أمريكا بين عامي 2016 و2025، في قراءته، لم يكن مجرد انتخابات رئاسية متعاقبة، بل ثورة ثقافية يسارية شاملة، تلتها ثورة مضادة شعبية قادها ترامب دون أن يخطط لها بالكامل.
يبدأ هانسون كتابه، من حيث انتهى الجميع: السابع من يناير 2021. المشهد الذي يرسمه قاتم على نحو متعمد. ترامب في منتجع مارالاغو، مطرود من البيت الأبيض، مطرود من تويتر وفيسبوك ويوتيوب، تتخلى عنه بنوكه التي مولته لعقود، وتتبرأ منه جامعاته ونخب وول ستريت، وحتى قيادات حزبه الجمهوري تتهامس بأن الرجل انتهى. يستشهد هانسون بعناوين الصحف الكبرى في ذلك الأسبوع: “نهاية ترامب السياسية”، “المسؤولية التاريخية”، “إلى الأبد وصمة السادس من يناير”. وفي تلك اللحظة تحديداً، يكتب هانسون، اتفق اليسار والوسط الليبرالي وحتى جزء من اليمين التقليدي على حكم واحد لا يقبل الاستئناف: أن تجربة ترامب كانت انحرافاً عرضياً، وأن حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” أو MAGA ستذوي مع رحيل زعيمها.
لكن هانسون كمؤرخ يكمن في أنه لا يبدأ من الحدث، بل من البنية. فهو يعود إلى ما يسميه “الثورة” التي سبقت ترامب. ثورة لم تأت بدبابات، بل بقرارات إدارية وتغيير لغوي ومناهج جامعية. ثورة قادها تحالف من التكنوقراط في وادي السيليكون، والأكاديميا التقدمية، والبيروقراطية الفيدرالية، والإعلام الثقافي، ورأس المال العالمي. ثورة رأت في أمريكا التقليدية، بأسرتها النووية، ووطنيتها، واقتصادها الصناعي، وحدودها الجغرافية، عقبة أمام مشروع عولمي جديد. وفي قلب هذه الثورة، كما يراها هانسون، كان هناك إيمان بأن التاريخ يسير في اتجاه واحد، وأن أي مقاومة له هي رجعية يجب تهميشها.
وهنا يدخل ترامب. لا كبطل أيديولوجي مكتمل، بل كعرض جانبي لهذه الثورة. رجل أعمال نيويوركي فظ، غير متدين بالمعنى التقليدي، ليبرالي سابق في كثير من القضايا الاجتماعية، لكنه امتلك شيئين لم يمتلكهما الجمهوريون المحترفون: أولاً، استعداداً فطرياً لكسر البروتوكول وقول ما يفكر فيه الناس في المطابخ ولا يجرؤون على قوله في العلن، وثانياً، مناعة غريبة ضد الخجل. وهذه المناعة، كما يشرح هانسون في صفحات بديعة، هي ما جعلته قادراً على البقاء حياً في بيئة سياسية تقتل بالخجل والإقصاء الاجتماعي.
القسم الأول من الكتاب، الذي يسميه هانسون “المحو”، لا يكتفي بالقول إن ترامب تعرض للاضطهاد، بل يرصّد بالتواريخ والأسماء والمؤسسات كيف جرى تنظيم عملية محو منهجية. في 8 يناير 2021، تم حظر حساباته على تويتر الذي كان يتابعه 88 مليون شخص. في 9 يناير، حذفته فيسبوك وإنستغرام. في 12 يناير، أوقفت منصة شوبيفاي متجره الإلكتروني. بنك دويتشه بنك، الممول التاريخي لإمبراطوريته العقارية، أعلن أنه لن يتعامل معه مستقبلاً. رابطة لاعبي الغولف المحترفين سحبت بطولة كبرى من أحد ملاعبه. حتى جامعة ليهاي، التي منحته درجة فخرية، سحبتها. هانسون يسمي هذا “عقوبة الإعدام الاجتماعي”، وهي عقوبة، كما يقول، لم تُطبق من قبل بهذا الشمول على رئيس أمريكي سابق، حتى ريتشارد نيكسون بعد ووترغيت لم يواجه نصف هذا الحصار.
والأهم من السرد الوقائعي، أن هانسون يضع هذا المحو في سياق فكري. فهو يرى أن اليسار الأمريكي، بعد فوزه في انتخابات 2020، اعتقد أنه وصل إلى لحظة نهاية التاريخ الخاصة به. فجو بايدن لم يكن مجرد رئيس، بل كان أداة لإعادة ضبط كاملة: فتح الحدود، إعادة تعريف الجنس في المدارس، تحويل العدالة الجنائية إلى عدالة اجتماعية، واستخدام الدولة الإدارية لفرض رؤية واحدة. وفي هذه اللحظة، كان بقاء ترامب كرمز، حتى وهو خارج السلطة، خطراً وجودياً، لأنه كان يذكر نصف البلاد بأن هناك بديلاً. ولذلك كان لا بد من محوه ليس سياسياً فقط، بل كشخص.
في هذا الجزء،يجلب هانسون خبرته كفلاح من وادي سان جواكين في كاليفورنيا، وهو الأصل الذي لا ينساه أبداً. فهو يقارن بين ما جرى لترامب وما جرى لمزارعين بسطاء عرفهم في شبابه حين تحدوا تعاونيات المياه أو نقابات العمال: نفس التكتيك، تجريد الخصم من وسائل العيش والسمعة حتى يصبح عبرة. وهذه المقارنة، وإن بدت بسيطة، هي التي تمنح الكتاب حرارته ا، فهو لا يكتب عن ترامب الملياردير فقط، بل عن ملايين الأمريكيين الذين رأوا في ما حدث له ما يمكن أن يحدث لهم إذا تحدثوا.
ولا يغفل هانسون عن دور الجمهوريين أنفسهم في تلك المرحلة. فهو يخصص فصلاً كاملاً، بعنوان “أصدقاء الأمس”، يتحدث فيه بمرارة عن كيف تخلى ميتش ماكونيل وكيفن مكارثي وعدد من المانحين الكبار عن ترامب في يناير وفبراير 2021، معتقدين أنهم يستطيعون الاحتفاظ بقاعدته الناخبة دون شخصه. وهي، كما يثبت لاحقاً، كانت أكبر قراءة خاطئة في السياسة الأمريكية المعاصرة، لأن القاعدة لم تكن تتبع الحزب الجمهوري، بل كانت تتبع ترامب لأنه كان أول من سمعها منذ عقود.
إن قوة الدفعة الأولى من الكتاب، والتي نحن بصددها، تكمن في أنها لا تقدم ترامب كبطل خارق، بل كرجل ساقط بالكامل، معزول، مفلس أخلاقياً في نظر النخبة، محاصر بديون قضائية وسياسية. وهانسون يتعمد الإطالة في وصف هذا السقوط لأنه يريد أن يجعل صعوده اللاحق يبدو، كما كان في الواقع، غير قابل للتفسير بالمنطق السياسي التقليدي. فالرجل الذي لم يعد يملك منصة، ولا بنكاً، ولا حزباً، ولا حتى القدرة على استئجار قاعة، سيعود بعد ثلاث سنوات ليهزم كل خصومه في الانتخابات التمهيدية بفارق لم يحدث في تاريخ الحزب الجمهوري.
هذه هي المفارقة التي يزرعها هانسون في ذهن القارئ منذ الصفحات الأولى ويتركها تنمو: كيف لرجل انتهى أن يعود؟ والإجابة،، ليست في ترامب نفسه، بل في خصومه. فالثورة التي حاولت محوه بالغت في ثقتها، وبالغت في استخدامها للقوة، وكل مبالغة، كما يعلمنا التاريخ الروماني الذي يدرسه هانسون، تخلق ثورتها المضادة. وهنا ينتهي الفصل التمهيدي الطويل، ليبدأ الكتاب الحقيقي، كتاب الحرب القانونية والسياسية التي أرادت دفن ترامب فأعادته إلى الحياة.
إذا كانت البداية من كتاب فيكتور ديفيس هانسون قد رسمت مشهد السقوط، فإن الفصول التالية تنتقل من المشهد إلى الآلية، من الجنازة السياسية المعلنة لدونالد ترامب في يناير 2021 إلى غرفة التشريح التي تحاول أن تفهم كيف جرت محاولة القتل. وهنا يتحول هانسون من مؤرخ إلى مشرّح اجتماعي، ويستخدم مصطلحاً مركزياً سيتكرر في الكتاب أكثر من مئتين مرة: “الإلغاء كصناعة”. فما حدث لترامب لم يكن قراراً فردياً لشركة تويتر، بل كان نموذجاً مصغراً لصناعة كاملة تشكلت في العقد الثاني من الألفية، قوامها ثلاثي مقدس: المنصات الرقمية، ورأس المال المالي، والمؤسسات الثقافية.
يبدأ هانسون بالمنصات. ويذكر أن حظر ترامب لم يكن مجرد حذف حساب، بل كان إعلاناً عن مبدأ جديد: أن حرية التعبير في أمريكا لم تعد حقاً دستورياً يحميه التعديل الأول ضد الدولة، بل امتيازاً تمنحه شركات خاصة تسيطر على المجال العام. تويتر وفيسبوك ويوتيوب، التي كانت تتباهى لسنوات بأنها “ساحة المدينة الرقمية”، قررت فجأة أنها ناشر يملك حق تحرير الساحة. وهانسون يوثق بالدقائق كيف تم التنسيق: في الساعة 6 مساء 8 يناير 2021، تغريدة ترامب الأخيرة التي قال فيها إنه لن يحضر التنصيب، فُسرت من قبل موظفي تويتر بأنها “تشجيع ضمني على العنف”، وتم الحظر الدائم. بعدها بساعات، حذفت فيسبوك حسابه، ثم حذفت شوبيفاي متجره، ثم منعت غوغل تطبيق بارلر، الذي كان ملاذاً لأنصاره، من متجرها، ثم أوقفت أمازون خوادم بارلر بالكامل. في أقل من 72 ساعة، لم يعد لأكثر رجل تحدثت عنه البشرية في السنوات الخمس السابقة مكان على الإنترنت.
لكن هانسون لا يتوقف عند الرقمي، بل ينتقل إلى المالي، وهو الأخطر. فترامب، رجل العقارات، يعيش على القروض. ودويتشه بنك الذي أقرضه أكثر من 300 مليون دولار، وسيغنتشر بنك الذي كان يحتفظ بحساباته الشخصية، أعلنا في نفس الأسبوع أنهما يقطعان العلاقة. رابطة لاعبي الغولف المحترفين سحبت بطولة 2022 من ملعب بدمينستر. جمعية ممثلي الشاشة نظرت في طرده. حتى محاميه الشخصيين بدأوا يرفضون تمثيله خوفاً من حملات المقاطعة. وهنا يلتقط هانسون خيطاً مهماً: أن هذه ليست مقاطعة سياسية عادية، بل هي “تجريد من مقومات المواطنة الاقتصادية”، وهو تكتيك كان يُستخدم في الأنظمة الشمولية لمعاقبة المعارضين بجعلهم غير قابلين للتوظيف أو الإقراض.
ويضيف هانسون فصلاً بعنوان “عدوى الخوف”، يشرح فيه كيف أن هذا التجريد لم يكن موجهاً لترامب وحده، بل كان رسالة لكل من يفكر في تأييده. فالشركات التي ألغت ترامب كانت تعلم أن 74 مليون أمريكي صوتوا له قبل أسابيع، لكنها كانت تراهن على أن هؤلاء الناخبين سيصمتون خوفاً من أن يلحق بهم نفس المصير في وظائفهم وجامعاتهم. وهنا يستدعي هانسون تجربته الشخصية كأستاذ في كاليفورنيا، حيث رأى زملاء له يُطردون أو يُحقق معهم لمجرد إبداء تحفظ على مناهج التنوع أو سياسات كورونا. فالإلغاء، في نظره، ليس حدثاً بل مناخ.
ثم يأتي الجزء الأكثر إثارة في هذا القسم: لماذا فشل المحو؟ وهانسون يجيب بثلاثة أسباب متداخلة، يبني عليها كل تحليله اللاحق.
السبب الأول هو طبيعة ترامب نفسه، التي يسميها “اللامبالاة بالعار”. يعود هانسون إلى أكتوبر 2016، إلى شريط “أكسس هوليوود” الشهير الذي قال فيه ترامب عبارته الفظة عن النساء. في ذلك الوقت، كتبت كل الصحف أن ترامب انتهى، وطالبه ثمانية أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ، بينهم جون ماكين، بالانسحاب، وكتبت ناشيونال ريفيو افتتاحية بعنوان “حان وقت المصلحة الذاتية”. أي مرشح آخر كان سينسحب. لكن ترامب لم ينسحب، بل اعتذر ببرود ثم هاجم بيل كلينتون واستدعى ضحاياه المزعومات إلى المناظرة. هانسون يرى أن هذه الحادثة هي البروفة العامة لما حدث في 2021. فالرجل الذي لا يشعر بالخجل لا يمكن إلغاؤه بالخجل. الإلغاء يعمل فقط مع من يقبل بقواعد اللعبة، مع من يخشى أن يُقال عنه عنصري أو متطرف. أما من يقول “نعم، أنا كذلك في نظركم، وماذا بعد؟” فإنه يكسر السلاح نفسه.
السبب الثاني هو “هبة الأعداء الرديئين”، كما يسميها هانسون. فحركة الإلغاء، في حماستها، بالغت في تقدير نفسها وقللت من ذكاء خصمها. لقد اعتقدت أن حظر ترامب سينهي حركة ماجا، بينما في الواقع حولته من سياسي يومي يغرد كل ساعة إلى رمز غائب، إلى شهيد صامت. الغياب، كما يقول هانسون مستشهداً بنابليون في منفاه، يضخم الأسطورة. وعندما أُجبر ترامب على الصمت، بدأ أنصاره يملأون الفراغ برواياتهم الخاصة، وتحول من رئيس مثير للجدل إلى فكرة. والفكرة، كما نعلم، أصعب في القتل من الشخص.
أما السبب الثالث، وهو الأهم سياسياً، فهو أن الثورة التي ألغت ترامب لم تتوقف عند إلغائه، بل واصلت ثورتها في المجتمع نفسه، فقدمت لترامب أفضل دعاية انتخابية مجانية. ففي الوقت الذي كان فيه ترامب صامتاً في مارالاغو، كان الأمريكيون يرون حدوداً مفتوحة يدخل منها عشرة إلى اثني عشر مليون مهاجر غير شرعي، وتضخماً يلتهم رواتبهم، وجريمة ترتفع في المدن الكبرى مع سياسات “لا كفالة نقدية”، وأطفالاً يُعلمون نظريات عرقية في المدارس، وانسحاباً مذلاً من كابول. هانسون يكتب جملة لاذعة في هذا السياق: “لقد أرادوا أن يجعلوا الناس ينسون ترامب، لكنهم جعلوهم يتذكرون رئاسته كل يوم عندما يذهبون إلى محطة الوقود أو السوبرماركت”.
وهنا يصل هانسون إلى خلاصته المركزية في هذا القسم: أن محاولة محو ترامب كانت في جوهرها محاولة لمحو سؤال طرحه ترامب على أمريكا: هل أنتم أفضل حالاً مما كنتم عليه قبل أربع سنوات؟ وهو السؤال الذي استعاره ترامب نفسه من رونالد ريغان في مناظرته الشهيرة مع جيمي كارتر عام 1980. وعندما حاولت المؤسسات منع ترامب من طرح السؤال، أجاب الواقع نفسه نيابة عنه. فالناخب الذي كان يكره تغريدات ترامب الفظة في 2020، وجد نفسه في 2023 يكره فاتورة البقالة أكثر.
ينهي هانسون هذا الجزء بمفارقة تاريخية ذكية. فهو يذكر أن المرة الوحيدة في التاريخ الأمريكي التي ترشح فيها رئيسان سابقان لولاية واحدة ضد بعضهما كانت عام 1892، عندما عاد غروفر كليفلاند بعد أربع سنوات في الظل ليهزم بنجامين هاريسون. كليفلاند عاد لأن الناخبين قارنوا بين فترتيه وفترة خصمه، ووجدوا أن الماضي القريب أفضل من الحاضر. ترامب، في قراءة هانسون، لم يكن بحاجة إلى أن يكون محبوباً، كان يكفي أن يكون الماضي الذي يمثله أقل سوءاً من الحاضر الذي يعيشه الناس. وهذه هي بذرة الثورة المضادة: ليست حباً في ترامب، بل رفضاً لما جاء بعده.
يصل فيكتور ديفيس هانسون في منتصف كتابه “الثورة المضادة” إلى الفصل الذي يعتبره كثير من القراء الأكثر إثارة والأكثر توثيقاً، وهو الفصل الذي يطلق عليه “القانون كسلاح”. فبعد أن فشلت محاولة المحو الاجتماعي والرقمي في إسكات دونالد ترامب، انتقلت المعركة إلى ساحة أكثر خطورة وأكثر قدماً في التاريخ الأمريكي: ساحة المحاكم. وهنا، كما يكتب هانسون بلهجة المؤرخ الذي رأى هذا الفيلم من قبل في روما وأثينا، لم يعد الأمر يتعلق بمنع رجل من التغريد، بل بمنعه من الترشح، فإن لم يمكن منعه من الترشح، فبمنعه من الحركة، فإن لم يمكن منعه من الحركة، فبتجريده من ماله، وإن فشل كل ذلك، فسجنه.
يبدأ هانسون بسرد زمني دقيق يكشف ما يسميه “التزامن المستحيل”. فبين مارس 2023 وأغسطس 2023، أي خلال خمسة أشهر فقط، وُجهت إلى ترامب أربع لوائح اتهام جنائية، تضم 91 تهمة جنائية، في أربع ولايات قضائية مختلفة، من قبل أربع جهات ادعاء مختلفة، اثنتان منها فيدرالية يشرف عليها مستشار خاص عينته وزارة العدل، واثنتان محليتان. ويقول هانسون إن أي طالب قانون في السنة الأولى يعرف أن هذا التزامن لا يمكن أن يكون صدفة قضائية، بل هو قرار سياسي منسق. فترامب، الذي عاش 76 عاماً دون أن توجه إليه تهمة جنائية واحدة، أصبح فجأة أكثر مجرم متهم في تاريخ الرئاسة الأمريكية، وبالتزامن تماماً مع إعلانه الترشح لولاية ثانية.
القضية الأولى، قضية نيويورك التي قادها المدعي العام لمنهاتن ألفين براغ، حول دفع أموال لنجمة أفلام إباحية. هانسون يذكر أن براغ نفسه كان قد رفض هذه القضية في البداية لضعفها، وأن زميله السابق مارك بوميرانز استقال احتجاجاً على رفضها. لكن مع اقتراب الانتخابات التمهيدية، أعيد إحياؤها. التهمة: تزوير سجلات تجارية لإخفاء جريمة أخرى لم يسمها الادعاء بوضوح حتى المحاكمة. وهانسون يسخر بمرارة من أن القانون في نيويورك، الذي يطبق على عتاة الجريمة بسياسة “لا كفالة” ويتركهم يخرجون في نفس اليوم، أصبح فجأة صارماً مع مخالفة دفاتر من الدرجة الأولى يعود تاريخها لعام 2016. والمحاكمة، كما يصفها، جرت أمام قاضٍ تبرعت ابنته لحملة بايدن، وفي مدينة صوت 87% من سكانها ضد ترامب، ومع تعليمات هيئة محلفين وصفها كثير من القانونيين بأنها غير مسبوقة.
القضية الثانية، قضية الوثائق السرية في مارالاغو التي قادها جاك سميث. وهنا يقدم هانسون مقارنة لا تخلو من قسوة: جو بايدن نفسه احتفظ بوثائق سرية في مرآب منزله في ويلمنغتون وفي مكتبه في بنسلفانيا لسنوات، ونقلها وهو سيناتور لا يملك حق رفع السرية، بينما ترامب كرئيس يملك هذا الحق. المحقق الخاص روبرت هور كتب في تقريره أن بايدن “رجل مسن ضعيف الذاكرة حس النية” ولا يستحق المحاكمة. أما ترامب، فاقتحم مكتب التحقيقات الفيدرالي منزله في مشهد لم يحدث لرئيس سابق في التاريخ، وصورت الوثائق الملقاة على الأرض كأنها عملية لضبط مخدرات. هانسون يرى أن الرسالة لم تكن قانونية بل بصرية: أردنا أن نريكم الرئيس السابق كمجرم.
القضيتان الثالثة والرابعة، قضيتا التدخل في انتخابات 2020، واحدة فيدرالية في واشنطن والأخرى في مقاطعة فولتون بجورجيا بقيادة فاني ويليس. وهانسون يخصص صفحات طويلة لفاني ويليس، ليس من باب التشفي، بل ليكشف كيف أن الادعاء الذي أراد محاكمة ترامب بتهمة استغلال المنصب، سقط هو نفسه في تضارب مصالح فاضح عندما عينت عشيقها كمدعٍ خاص بأجر 650 ألف دولار. أما القضية الفيدرالية، فيصفها هانسون بأنها محاولة لتجريم الخطاب السياسي نفسه: ترامب شكك في نتائج الانتخابات، وهو فعل قام به آل جور في 2000 وهيلاري كلينتون في 2016 وستايسي أبرامز في جورجيا لسنوات، لكنه أصبح فجأة “مؤامرة للاحتيال على الولايات المتحدة”.
ثم ينتقل هانسون إلى الحرب المدنية، التي لا تقل ضراوة. قضية إي جان كارول التي حكمت فيها هيئة محلفين بأن ترامب مسؤول عن اعتداء جنسي مزعوم وقع في تسعينيات القرن الماضي في غرفة قياس ملابس في متجر بيرغدورف، دون تاريخ محدد، دون شهود، دون تقرير شرطة. الغرامة: 83 مليون دولار. ثم قضية المدعية العامة لنيويورك ليتيشا جيمس، التي ترشحت لمنصبها بوعد انتخابي واحد: “سألاحق ترامب”. اتهمته بتضخيم قيمة أصوله للحصول على قروض، رغم أن البنوك نفسها شهدت أنها ربحت من القروض ولم تشتك، ورغم أن تقييم العقارات في نيويورك مسألة تقديرية يقوم بها كل مطور. الحكم: 355 مليون دولار وغرامات أخرى تصل إلى نصف مليار. هانسون يكتب جملة تلخص كل شيء: “في نيويورك عام 2024، أصبحت جريمة أن تكون غنياً ومشهوراً وجمهورياً في نفس الوقت”.
لكن هانسون لا يكمن في سرد القضايا، بل في تحليل أثرها العكسي. فهو يعود إلى مبدأ قانوني قديم: “إذا أردت أن تطلق النار على الملك، فلا تخطئ”. واليسار، في نظره، أطلق النار أربع مرات وأخطأ أربع مرات. فكل لائحة اتهام، بدلاً من أن تضعف ترامب، كانت ترفع استطلاعاته. وها هو يورد الأرقام: بعد مداهمة مارالاغو في 8 أغسطس 2022، ارتفعت تبرعات ترامب في 24 ساعة إلى 4.8 مليون دولار. بعد لائحة اتهام براغ في 30 مارس 2023، جمع 15 مليون دولار في ثلاثة أيام. بعد التقاط صورته الجنائية الشهيرة في سجن فولتون، وهي الصورة التي أرادوا إذلاله بها، حولها إلى أيقونة، وطبعت على القمصان والأكواب، وجمعت 20 مليون دولار، وتحولت إلى رمز للمقاومة.
لماذا؟ يجيب هانسون بتحليل طبقي ونفسي . فالناخب الأمريكي العادي، خاصة في الوسط والجنوب، لا يقرأ القانون كما يقرأه أستاذ في هارفارد. إنه يراه كأداة انتقائية. وهو يرى أن هيلاري كلينتون دمرت 33 ألف بريد إلكتروني تحت الاستدعاء ولم تُتهم، وأن بايدن احتفظ بوثائق سرية في مرآبه ولم يُتهم، وأن ابن بايدن هانتر حصل على ملايين من أوكرانيا والصين وتاجر بسلاح غير مرخص ولم يسجن إلا بعد ضغط شعبي. ثم يرى ترامب يُحاكم على تقييم عقاري. في هذه اللحظة، لا يعود الأمر قانوناً، بل يصبح اضطهاداً واضحاً، والاضطهاد، في الثقافة الأمريكية الشعبية، يصنع الأبطال.
ويختم: أن القانون عندما يُستخدم كسلاح سياسي، فإنه يفقد هيبته إلى الأبد. فالديمقراطيون الذين احتفلوا بمحاكمة ترامب في 2023، هم أنفسهم الذين سيصرخون في 2025 عندما يستخدم ترامب وزارة العدل نفسها لمحاسبة خصومه. لقد فتحوا صندوق باندورا، كما يقول، وكانوا يعتقدون أن الصندوق سيُغلق بعد استخدامهم له. لكن التاريخ لا يعرف صندوقاً كهذا يُفتح ويُغلق بإرادة طرف واحد. وهكذا، فإن الثورة التي أرادت استخدام القانون لدفن ترامب، هي التي علمت الثورة المضادة كيف تستخدم القانون نفسه للعودة.
في الفصل الأكثر مفارقة في كتاب “الثورة المضادة”، يطرح فيكتور ديفيس هانسون سؤالاً يبدو للوهلة الأولى ساخراً: كيف استطاع ملياردير نيويوركي يملك طائرة خاصة ويعيش في برج مذهب أن يصبح أكثر زعيم عمالي شعبية في تاريخ أمريكا الحديث؟ والإجابة، كما يقدمها هانسون، ليست في ترامب نفسه بقدر ما هي في خصومه الذين حولوه، دون أن يدروا، من رمز للرأسمالية المتوحشة إلى رمز للطبقة الكادحة.
يعود هانسون إلى عام 2016 ليذكرنا بأن خريطة ترامب الانتخابية كانت استثناءً. فقد فاز بأصوات البيض من غير حملة الشهادات الجامعية، لكنه خسر الأقليات بفارق كبير. أما في 2024، كما يوثق بالأرقام، فقد حدث انقلاب ديموغرافي لم يتوقعه أحد. ارتفعت نسبة تأييد ترامب بين الناخبين اللاتينيين من 32% عام 2020 إلى 46% عام 2024، وبين السود من 12% إلى 22%، وهي أرقام لم يحققها أي جمهوري منذ ريتشارد نيكسون. بل إن مقاطعات على طول حدود تكساس مع المكسيك، كانت تصوت ديمقراطياً بنسبة 80% لعقود، صوتت لترامب لأول مرة. ما الذي حدث؟
هانسون يجيب بما يسميه “سياسة المطبخ ضد سياسة الفصل الدراسي”. فاليسار الأمريكي، في سنوات بايدن، ركز على قضايا هووية وثقافية تهم خريجي الجامعات في المدن الساحلية: الضمائر الجندرية، وإعادة تسمية الشوارع، وتغير المناخ كأيديولوجيا، والاعتذار عن التاريخ. بينما الطبقة العاملة، بما فيها الطبقة العاملة الملونة، كانت تفكر في شيء واحد: المعيشة. وهنا يعود هانسون إلى جذوره كمزارع. فهو يكتب أن العامل المكسيكي في حقول كاليفورنيا أو في ورشة إصلاح سيارات في أوهايو، لا يهتم إن كان ترامب يغرد بأسلوب فظ، بل يهتم إن كان سيستطيع دفع إيجار منزله، وإن كانت مدرسة ابنه آمنة، وإن كانت حدود بلاده محمية. وعندما فتحت إدارة بايدن الحدود ودخل أكثر من عشرة ملايين مهاجر غير شرعي، كان أول من تضرر هم المهاجرون الشرعيون أنفسهم، الذين وجدوا أجورهم تنخفض ومنافسة غير عادلة على السكن والخدمات.
ويقدم هانسون تحليلاً طبقياً لما يسميه “خيانة الديمقراطيين التاريخية”. فالحزب الديمقراطي، الذي كان في عهد فرانكلين روزفلت وجون كينيدي حزب العمال والمهاجرين، تحول تدريجياً إلى حزب النخبة المتعلمة. في انتخابات 2024، صوتت الأسر التي دخلها أكثر من 100 ألف دولار للديمقراطيين بنسبة 56%، بينما صوتت الأسر التي دخلها أقل من 50 ألف دولار للجمهوريين بنسبة 54%. هذا انقلاب تاريخي. فالحزب الذي كان يدافع عن نقابات عمال السيارات أصبح يدافع عن سيارات تسلا الكهربائية التي لا يستطيع عمال السيارات شراءها، والحزب الذي كان يدافع عن أمن الحدود لحماية أجور العمال أصبح يدافع عن حدود مفتوحة بدعوى الإنسانية، بينما يبني أسواراً حول منازل نخبته في مارثا فينيارد.
وهنا يأتي دور المحاكمات في تعميق هذا التحول. فهانسون يجادل بأن كل مرة ظهر فيها ترامب في قاعة محكمة في مانهاتن محاطاً بمحامين يرتدون بدلات باهظة وقضاة من النخبة، كان الناخب العادي يرى نفسه. فالعامل الذي تلقى مخالفة سرعة ويخشى أن يخسر رخصته، والسباك الذي يواجه دعوى ضريبية صغيرة، والشاب الأسود الذي تم توقيفه بشكل غير عادل، كل هؤلاء رأوا في مشهد ترامب انعكاساً لما يواجهونه يومياً مع دولة بيروقراطية لا ترحم الضعيف لكنها تسامح القوي. الصورة الجنائية الشهيرة لترامب في سجن مقاطعة فولتون، والتي أراد الديمقراطيون أن تكون وصمة عار، تحولت في أحياء برونكس وديترويت وشرق لوس أنجلوس إلى رمز للتحدي. هانسون ينقل شهادة مثيرة لناخب أسود في فيلادلفيا قال: “لقد التقطوا له صورة كما يلتقطون لنا، الآن فهمت أنه واحد منا”.
ثم يتناول هانسون ظاهرة “الملياردير المضاد للمليارديرات”، وهي ظاهرة يراها مفتاحاً لفهم ترامب. فالناخبون لم يعودوا يكرهون الأغنياء بشكل عام، بل يكرهون فئة معينة من الأغنياء: أغنياء التكنولوجيا والمال والإعلام الذين يجنون ثرواتهم من المضاربة والرقابة ويعظون الناس عن الفضيلة. إيلون ماسك، الذي كان يكرهه اليسار في 2022، أصبح بطلاً في 2024 عندما اشترى تويتر وأعاد ترامب، ليس لأنه أصبح محافظاً، بل لأنه كسر احتكار النخبة للكلام. ترامب، بثرائه الفج وبرجه المذهب، بدا أكثر صدقاً من ملياردير وادي السيليكون الذي يتحدث عن الفقراء من على يخت. فترامب لا يعتذر عن ثرائه، ولا يدعي أنه منقذ الكوكب، بل يقول: “أنا غني، وأريدكم أن تصبحوا أغنياء أيضاً”. وهذه الرسالة، البسيطة والمباشرة، وجدت صدى لدى طبقة وسطى سئمت من الوعظ الأخلاقي.
ويخصص هانسون فصلاً كاملاً لتحول الرجال الشباب، خاصة من الأقليات، نحو ترامب. فهو يرى أن الثورة الثقافية التي قللت من قيمة الرجولة التقليدية، وصورت الرجل العامل ككائن سام، وربطت النجاح بالشهادة الجامعية والعمل المكتبي، خلقت فراغاً هائلاً. الشاب الذي لا يريد الذهاب إلى الجامعة، ويحب العمل بيديه، ويحب الصيد والرياضة والسيارات، لم يعد يجد له مكاناً في خطاب الحزب الديمقراطي، بل وجد نفسه متهماً بالذكورية السامة. ترامب، بخطابه عن عمال المناجم ورجال الشرطة وسائقي الشاحنات، وبظهوره مع مقاتلي الفنون القتالية ونجوم المصارعة، قدم له بديلاً. وهنا يستشهد هانسون ببيانات التصويت: فئة الرجال من 18 إلى 29 عاماً، التي كانت تصوت ديمقراطياً بفارق 15 نقطة في 2020، انقسمت بالتساوي في 2024، وبين الرجال اللاتينيين الشباب فاز ترامب بفارق 10 نقاط.
أما اللحظة الأكثر رمزية في هذا التحول، في نظر هانسون، فهي محاولة الاغتيال في بتلر، بنسلفانيا، في 13 يوليو 2024. الرصاصة التي مرت بجانب أذن ترامب، ووقوفه والدم يسيل على وجهه رافعاً قبضته صارخاً “قاتلوا، قاتلوا، قاتلوا”، حولته من سياسي إلى أسطورة حية. هانسون، كمؤرخ عسكري، يقارن هذه اللحظة بلحظات تاريخية أخرى: قيصر بعد عبوره الروبيكون، أو تشرشل بعد قصف لندن. فالشجاعة الجسدية، في الثقافة الشعبية الأمريكية، لا تزال هي العملة الأعلى قيمة. وفي تلك اللحظة، كما يكتب، لم يعد ترامب مرشحاً جمهورياً، بل أصبح رجلاً نجا من الموت وواصل القتال، وهو سرد يتجاوز السياسة إلى الأسطورة. والدليل أن استطلاعات الرأي بعد الحادثة أظهرت أن حتى ناخبين كانوا يكرهونه بدأوا يحترمونه.
هانسون يقول إن الثورة المضادة لم تكن حركة أيديولوجية منظمة، بل كانت رد فعل عفوي لملايين الأمريكيين الذين شعروا أن بلادهم تُسلب منهم، وأن الرجل الوحيد الذي وقف في وجه من يسلبها هو نفسه الرجل الذي حاولوا سجنه وإفلاسه وإسكاته. وكلما زادوا من اضطهاده، زادوا من إقناعهم بأنه هو من يمثلهم، لأنه الوحيد الذي يعاني كما يعانون، وإن كان ببدلة أغلى.
يصل فيكتور ديفيس هانسون في الفصول الأخيرة من كتابه “الثورة المضادة” إلى اللحظة التي كتب من أجلها الكتاب كله: العشرون من يناير 2025. دونالد ترامب، الذي كان قبل أربع سنوات مطروداً من تويتر ومفلساً سياسياً ومطلوباً في أربع محاكم، يضع يده على الإنجيل ويؤدي اليمين كرئيس سابع وأربعين للولايات المتحدة، ليس كعودة عادية، بل كأول رئيس منذ غروفر كليفلاند في 1892 يعود بعد هزيمة، وكأول رئيس في التاريخ يُنتخب بعد إدانة جنائية وصورة جنائية وتجريده من حساباته البنكية. هانسون لا يصف هذا كفوز انتخابي، بل كـ”ثورة مضادة مكتملة”، وهي العبارة التي تعطي الكتاب عنوانه.
ويصور هانسون المئة يوم الأولى من الولاية الثانية ليس كإدارة، بل كعملية تفكيك ممنهجة للثورة الأولى. فترامب الذي تعلم من أخطاء 2017، حين عين جنرالات ومديرين تنفيذيين قاومو أجندته من الداخل، جاء في 2025 بفريق من الموالين الأيديولوجيين بالكامل: جي دي فانس نائباً للرئيس، ومجموعة من الشباب المقاتلين في الكونغرس، وخلف الكواليس إيلون ماسك على رأس ما يسمى “إدارة كفاءة الحكومة” أو DOGE. هانسون يرى في DOGE أهم رمز للثورة المضادة. فماسك، أغنى رجل في العالم، لم يأت ليبني صواريخ جديدة، بل ليهدم البيروقراطية القديمة. إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وتقليص وزارة التعليم، وطرد آلاف الموظفين الفيدراليين الذين كانوا، في نظر هانسون، يشكلون “الدولة الإدارية الدائمة” التي حكمت أمريكا من وراء الستار منذ عهد أوباما، كل ذلك لم يكن توفيراً للمال بقدر ما كان استعادة للسيادة المنتخبة على حساب السيادة المعينة.
وفي السياسة الخارجية، يقدم هانسون ترامب الثاني كرئيس متناقض ظاهرياً لكنه متماسك في جوهره: صقري ومسالم في آن واحد. فهو يوسع الترسانة النووية ويعلن عن مشروع “القبة الذهبية” أو Golden Dome، نسخة أمريكية من القبة الحديدية الإسرائيلية بتكلفة أولية 25 مليار دولار ونهائية قد تصل إلى 500 مليار، وهو مشروع يراه هانسون إعادة إحياء لرؤية ريغان لحرب النجوم، لكنه في نفس الوقت يدعو روسيا والصين علناً إلى نزع السلاح النووي، لأنه يدرك أن الصين تضيف مئة رأس نووي سنوياً وستصل إلى 600 رأس بحلول نهاية 2025. وهو يقصف المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان في يونيو 2025 بقاذفات B-2 وقنابل خارقة للتحصينات، ثم يعلن أنه يريد سلاماً دائماً في الشرق الأوسط مبنياً على اتفاقيات أبراهام وتجريد حماس وحزب الله والحوثيين من الدعم الإيراني. هانسون يصف هذه السياسة بأنها “السلام عبر القوة، لا عبر الاعتذار”، وهي عقيدة جاكسونية قديمة ترى أن أمريكا لا يجب أن تخوض حروباً أبدية على الأرض، لكن يجب أن تكون قوتها ساحقة لدرجة أن لا أحد يجرؤ على تحديها.
بل إن هانسون يذهب أبعد ليكشف عن خيال ترامب الجيوسياسي الذي سخر منه الإعلام: قناة بنما وغرينلاند. فترامب، كما يوثق الكتاب، لم يكن يمزح حين هدد باستعادة قناة بنما إذا استمرت بنما في منح امتيازاتها للصين، ولم يكن يهذي حين تحدث عن شراء غرينلاند. ففي نظره، ومع ذوبان الجليد وفتح الممر الشمالي الغربي، أصبحت غرينلاند، التي تبعد عن نيويورك مسافة أقرب من كوبنهاغن، ساحة صراع استراتيجية بين أمريكا والصين وروسيا، وأن الدنمارك التي لا تستطيع الدفاع عنها لا تملك حق رفض عرض أمريكي لحمايتها. هانسون يرى في هذه التحركات ليست نزوات إمبريالية، بل عودة إلى منطق القرن التاسع عشر حيث القوة تسبق القانون، وهو منطق يفهمه الصينيون والروس جيداً، بينما لا يفهمه الأوروبيون الذين اعتادوا على الحماية الأمريكية المجانية.
يختم هانسون كتابه بجملة تعود إلى بدايته كمزارع: “الثورات تأكل أبناءها، لكن الثورات المضادة تزرع حقولها”. وهو يقصد أن الثورة التقدمية التي أرادت إعادة تعريف أمريكا بالقوة، بالقانون، بالإلغاء، بالتعليم، قد نجحت في السيطرة على المؤسسات، لكنها فشلت في إقناع الناس. والثورة المضادة التي قادها ترامب، رغم فظاظتها وعدم اكتمالها، نجحت لأنها لم تعد الناس بجنة جديدة، بل وعدتهم بإعادة ما سُلب منهم: حدود، وظائف، مدارس آمنة، وقدرة على قول ما يفكرون فيه دون خوف.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




