أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

فجر الدم: كيف صنعت الحرب العالمية الثانية آسيا

هذه ليست مراجعة لكتاب عن الحرب العالمية الثانية كما عرفناها في الكتب المدرسية الأوروبية. هذا كتاب يعيد رسم الخريطة الذهنية للحرب نفسها. عندما نقول الحرب العالمية الثانية، يقفز إلى الذهن مشهد إنزال نورماندي، ومعركة ستالينغراد، وقصف لندن. أما آسيا، فتبدو في هذا السرد الغربي مجرد هامش بعيد، مسرح ثانوي انتهى بقنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي. هنا يأتي كتاب هانز فان دي فين، المؤرخ الهولندي الأصل وأستاذ التاريخ الصيني الحديث في جامعة كامبريدج، ليقلب هذه الصورة رأساً على عقب. كتابه “فجر الدم: الحرب العالمية الثانية وصناعة آسيا الحديثة” – Blood Dawn: World War II and the Making of Modern Asia – لا يعتبر الحرب في آسيا جزءاً من الحرب العالمية، بل يعتبر الحرب العالمية نفسها جزءاً من تحول آسيوي ضخم بدأ قبلها بسنوات ولم ينتهِ باستسلام اليابان.

فان دي فين ليس مؤرخاً عابراً لهذه المنطقة. هو صاحب كتاب “الصين في حالة حرب” الذي أعاد الاعتبار لدور الصين القومية في الحرب، وله عقود من البحث في الأرشيفات الصينية والبريطانية والأمريكية والهولندية. هذه المرة يوسع عدسته إلى أقصى حد ممكن. فكتابه ليس عن الصين وحدها، ولا عن اليابان وحدها، بل عن قارة كاملة دخلت إلى أتون الحرب وهي مستعمرة، وخرجت منها وهي قارة دول قومية حديثة. هذه هي أطروحته المركزية التي يبني عليها ما يقارب أربعمائة صفحة من السرد التاريخي الكثيف: الحرب العالمية الثانية كانت في جوهرها حرب نهاية الإمبراطوريات الأوروبية في آسيا وبداية ولادة آسيا التي نعرفها اليوم.

يبدأ الكتاب من نقطة يغفلها التاريخ الغربي عمداً: الحرب في آسيا لم تبدأ في الأول من سبتمبر 1939 بغزو بولندا، بل بدأت في الثامن عشر من سبتمبر 1931 عندما فجر الجيش الياباني سكة حديد في منشوريا كذريعة لاحتلالها، ثم في السابع من يوليو 1937 بحادثة جسر ماركو بولو التي أشعلت حرباً شاملة بين اليابان والصين استمرت ثماني سنوات. بالنسبة لعشرات الملايين من الصينيين، لم تكن الحرب العالمية الثانية حدثاً أوروبياً انتقل إليهم، بل كانت واقعهم اليومي لسنوات طويلة قبل أن يسمع جندي أمريكي واحد طلقة في أوروبا. هذه النقطة الزمنية ليست تفصيلاً أكاديمياً، بل هي إعادة تأطير أخلاقي. فإذا كانت الصين تقاتل وحدها وتخسر ملايين الأرواح بينما كانت بريطانيا والولايات المتحدة لا تزالان تتفاوضان مع طوكيو، فإن رواية “الحلفاء يدافعون عن الحرية” تبدو أكثر تعقيداً.

المنهج الذي يتبعه فان دي فين هو ما يمنح الكتاب قوته . هو لا يكتب تاريخ جنرالات وخرائط سهام فقط، بل يكتب تاريخ شعوب وجدت نفسها فجأة مطالبة بأن تختار. هل تتحالف مع المستعمر الأوروبي الذي اضطهدك لقرن ضد المحتل الياباني الجديد الذي يعدك بآسيا للآسيويين؟ هذا هو السؤال الذي وضعه الغزو الياباني أمام الهنود والبورميين والإندونيسيين والفيتناميين والفلبينيين. اليابانيون دخلوا بشعار “مجال الازدهار المشترك لشرق آسيا الكبرى”، وهو شعار دعائي بامتياز، لكنه لامس وتراً حقيقياً: الرغبة العارمة في التخلص من الرجل الأبيض. ولهذا السبب، يشرح فان دي فين، استُقبل الجنود اليابانيون في البداية كمحررين في جاكرتا ورانغون، قبل أن يكتشف الناس أن الوحش الجديد أكثر قسوة من القديم.

 فان دي فين لا يصور الآسيويين كضحايا سلبيين ينتظرون ما ستقرره لندن وواشنطن وطوكيو. بل يصورهم كفاعلين استراتيجيين بامتياز. الزعيم الصيني تشيانغ كاي شيك، الذي صورته الأدبيات الأمريكية غالباً كجنرال فاسد وغير كفء، يظهر هنا كسياسي يخوض معركة بقاء وجودي لدولة ممزقة، يحاول أن يجعل الصين شريكاً مساوياً للحلفاء وليس مجرد ساحة معركة. سوكارنو في إندونيسيا، وأونغ سان في بورما، وهو تشي منه في فيتنام، كلهم استخدموا الفوضى التي خلقتها الحرب لتسليح شعوبهم، وبناء جيوشهم الأولى، وتدريب كوادرهم السياسية. الحرب كانت مدرسة الثورة. الجيوش التي أنشأها اليابانيون لخدمتهم، مثل جيش الدفاع الوطني الإندونيسي وجيش بورما المستقل، هي نفسها الجيوش التي حاربت هولندا وبريطانيا بعد 1945 من أجل الاستقلال.

 فان دي فين يوثق كيف أن الإمبراطورية البريطانية حاربت في آسيا ليس دفاعاً عن الديمقراطية، بل دفاعاً عن إمبراطوريتها. قرار تشرشل الشهير “لم أصبح وزيراً أول للملك لأشرف على تصفية الإمبراطورية البريطانية” لم يكن خطاباً بل سياسة. وهذا ما يفسر الكارثة الأخلاقية لمجاعة البنغال في 1943 التي قتلت ثلاثة ملايين هندي بينما كانت لندن تصدر الحبوب من الهند لدعم المجهود الحربي، ورفضت إرسال المساعدات. وهو ما يفسر أيضاً لماذا فشلت مهمة كريبس، ولماذا اعتبرت لندن مطالبة الكونغرس الهندي بالاستقلال خيانة في وقت الحرب. في المقابل، كانت الولايات المتحدة مترددة، ممزقة بين حاجتها لبريطانيا كحليف في أوروبا، وخطابها المناهض للاستعمار الذي روج له روزفلت وخاصة مبعوثه وندل ويلكي في كتابه الأكثر مبيعاً “عالم واحد”.

بهذا المعنى، فإن كتاب “فجر الدم” ليس مجرد تاريخ عسكري، بل هو تشريح لحظة انهيار نظام عالمي عمره أربعة قرون. النظام الذي بني على فكرة أن أوروبا تحكم وآسيا تُحكم. الحرب العالمية الثانية لم تدمر هذا النظام بالصدفة، بل نسفته من الداخل. عندما سقطت سنغافورة في فبراير 1942، وهي القلعة التي قيل إنها لا تسقط، وعندما استسلم 80 ألف جندي بريطاني وأسترالي وهندي لجيش ياباني أصغر عدداً، فإن أسطورة التفوق الأبيض التي كانت العمود الفقري للاستعمار قد تحطمت إلى الأبد في عيون كل آسيوي. حتى لو عادت بريطانيا وهولندا وفرنسا بعد الحرب، فإنها عادت كأشباح بلا هيبة. وهذا هو الفجر الدامي الذي يعنيه العنوان: فجر لم يولد بسلام، بل بدم ملايين القتلى في المعارك والمجاعات ومعسكرات العمل القسري، ولكنه كان فجراً حقيقياً لعالم جديد.

لو أردت أن تفهم لماذا انتهت الحرب العالمية الثانية بآسيا الحديثة، فعليك أن تبدأ بفهم لغز اليابان، وهو اللغز الذي يخصص له هانز فان دي فين ثلث كتابه تقريباً ببراعة صحفي استقصائي يفكك بنية عصابة. فاليابان التي دخلت الحرب في ديسمبر 1941 بقصف بيرل هاربر لم تكن قوة إمبريالية تقليدية مثل بريطانيا أو فرنسا. كانت إمبراطورية مصابة ببارانويا تاريخية عميقة. فان دي فين يعود بنا إلى عام 1853، عندما دخلت السفن السوداء الأمريكية بقيادة الكومودور بيري إلى خليج طوكيو وأجبرت اليابان على فتح موانئها. تلك اللحظة، لحظة الإذلال، هي التي صنعت اليابان الحديثة. النخبة اليابانية قررت أن الطريقة الوحيدة لعدم استعمارها هي أن تصبح مستعمرة هي نفسها. شعار إصلاح ميجي الشهير “دولة غنية، جيش قوي” لم يكن طموحاً تنموياً، بل كان خطة بقاء.

ومن هنا، يشرح الكتاب، نشأ التناقض المأساوي. فاليابان تعلمت من الغرب كل شيء، من البوارج إلى الدساتير، لكنها تعلمت الدرس الخطأ. اعتقدت أن القوة العظمى يجب أن تمتلك مستعمرات. ولذلك، بينما كانت تخلع الكيمونو وترتدي البدلة العسكرية البروسية، كانت تسحق كوريا وتطمع في منشوريا. بحلول ثلاثينيات القرن العشرين، تحول هذا القلق الوجودي إلى سرطان عسكري. الجيش الياباني لم يعد أداة للدولة، بل أصبح هو الدولة. الضباط الشبان المتطرفون اغتالوا رؤساء وزراء، وفرضوا حروباً دون إذن من طوكيو، وصنعوا إيديولوجية خليطة من الشنتوية الإمبراطورية والفاشية الأوروبية والشعور بالتفوق العنصري على باقي الآسيويين. كانوا يرون أنفسهم محرري آسيا من الاستعمار الأبيض، لكنهم في الوقت نفسه يرون الصينيين والماليزيين والإندونيسيين كأجناس أدنى تحتاج إلى تأديب ياباني.

هذه الازدواجية هي التي تفسر الوحشية التي يوثقها فان دي فين دون الوقوع في فخ الاستشراق. فالجيش الياباني لم يكن وحشياً لأنه “آسيوي”، بل لأنه جيش إمبراطوري مفلس لوجستياً ومسموم إيديولوجياً. عندما غزا الصين، لم يكن لديه ما يكفي من الطعام أو الدواء أو حتى الذخيرة لحرب طويلة، فكانت سياسته الرسمية هي “العيش من الأرض”، وهو تعبير مهذب عن النهب المنظم والمجاعة المتعمدة. وعندما واجه مقاومة صينية شرسة، لم يفهمها، فاعتبر أن كل مدني هو مقاوم محتمل، فكانت مجزرة نانجينغ في ديسمبر 1937، التي يصفها الكتاب ليس كحادثة شاذة، بل كمنطق طبيعي لآلة عسكرية تعتبر الرحمة ضعفاً.

وهنا نصل إلى قلب الكتاب النابض، والذي يمثل انقلابه الحقيقي على الرواية الغربية: الصين. في الكتب الغربية، تظهر الصين كعبء على الحلفاء، كحليف فاسد يطلب المال والسلاح ولا يقاتل. فان دي فين يدمر هذه الصورة بالوثائق. الأرقام وحدها صادمة. الجيش الياباني حشد أكثر من مليون جندي في الصين طوال الحرب، وفي بعض الفترات وصل العدد إلى مليوني جندي. هؤلاء لم يكونوا جنوداً ثانويين، بل كانوا أفضل فرق اليابان وأكثرها تدريباً. لولا المستنقع الصيني، لكان بوسع اليابان غزو الهند وأستراليا بسهولة. الصين كانت مقبرة اليابان الحقيقية، تماماً كما كان الاتحاد السوفيتي مقبرة ألمانيا.

لكن كيف قاتلت الصين؟ هنا يبرع فان دي فين في رسم لوحة تشونغتشينغ، العاصمة المؤقتة المليئة بالملاجئ والبعوض والقصف الياباني اليومي. تشيانغ كاي شيك، الذي اعتدنا رؤيته في الصور الأمريكية يبتسم بجانب روزفلت، يظهر هنا كرجل يخوض حرباً مستحيلة. جيشه بلا صناعة حربية، فكل مصنع نُقل على ظهور الرجال آلاف الكيلومترات إلى الداخل. جنوده حفاة، يأكلون الأرز مرة في اليوم، ويموتون بالملاريا أكثر مما يموتون بالرصاص. ومع ذلك، صمد. استراتيجيته كانت بسيطة وعبقرية: المساحة مقابل الزمن. لا تستسلم، لا تنتصر، بل استمر في القتال حتى تنهار اليابان اقتصادياً. وهذا ما حدث. الحرب في الصين استنزفت الاقتصاد الياباني تماماً وجعلت قرار ضرب بيرل هاربر حتمياً للحصول على نفط إندونيسيا.

والأهم، يوضح الكتاب، أن قرارات اتخذت في كهوف تشونغتشينغ هي التي صنعت نيودلهي وجاكرتا. فعندما أصر تشيانغ على أن تحضر الصين كقوة عظمى منتصرة في مؤتمرات الحلفاء، وعندما أصر على حضوره مؤتمر القاهرة في 1943 مع روزفلت وتشرشل، فإنه كان يطالب بأن تكون آسيا شريكاً، لا غنيمة. روزفلت، رغم كل تردده، فهم هذه الرسالة. هو كان يريد تفكيك الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والهولندية بعد الحرب، ليس حباً في آسيا، بل لأن السوق الأمريكية تريد أسواقاً مفتوحة، لا أسواقاً مغلقة بإمبراطوريات. تشيانغ، بعناده، أعطى روزفلت الذريعة الأخلاقية. عندما يقول الصينيون إنهم يقاتلون من أجل الاستقلال، يصبح من الصعب على تشرشل أن يقول إنه يقاتل من أجل بقاء الإمبراطورية.

وفي خضم هذا الصراع الكبير، كان هناك صراع آخر أشد قسوة يدور في الظل: الحرب الأهلية الصينية. فان دي فين، وهو خبير في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني، يكشف كيف استغل ماو تسي تونغ الحرب ضد اليابان لبناء دولته داخل الدولة. بينما كان الجيش الوطني يخوض معارك كبرى مثل معركة شنغهاي التي استمرت ثلاثة أشهر وقتل فيها 200 ألف جندي صيني، كان الشيوعيون ينسحبون إلى الريف، ويبنون قواعد شعبية، ويطبقون إصلاحاً زراعياً جذرياً. اليابانيون، بوحشيتهم، كانوا أفضل مجند للحزب الشيوعي. كل قرية أحرقها اليابانيون كانت تنضم للشيوعيين. هنا تكمن المفارقة التي يجيد فان دي فين صياغتها بأسلوب روائي: اليابان أرادت سحق القومية الصينية، فخلقت قوميتين مسلحتين بدلاً من واحدة، واحدة في تشونغتشينغ وواحدة في يانآن، وكانتا ستتصارعان حتى 1949 لتحدد مصير ربع البشرية.

ما يفعله الكتاب في هذه الدفعة هو أنه يحول الحرب من خريطة سهام تتحرك بين الجزر إلى شبكة من القرارات البشرية المترابطة. قرار ضابط ياباني متطرف في منشوريا أدى إلى مجاعة في البنغال. قرار تشيانغ بعدم الاستسلام في ووهان أدى إلى تأخير غزو بورما، وهذا التأخير سمح لأونغ سان، أب الزعيمة أونغ سان سو تشي، بأن يبني جيش استقلال بورما بمساعدة يابانية، وهو الجيش الذي سينقلب لاحقاً على اليابان ثم على بريطانيا. لا شيء في آسيا كان معزولاً.

إذا كانت الصين هي الجبهة التي استنزفت اليابان عسكرياً، فإن جنوب شرق آسيا هو المسرح الذي قتلها سياسياً. هذه هي الفكرة المحورية التي يطورها هانز فان دي فين في الفصول الوسطى من كتابه، وهي فصول كثيفة كأدغال بورما نفسها، مليئة بالأسماء والوجوه التي غيبها التاريخ الأوروبي عمداً. فالحرب في هذه المنطقة لم تكن حرب جزر ومطارات كما تصورها أفلام هوليوود عن المحيط الهادئ، بل كانت حرب ولاءات. كان على كل فلاح فيتنامي وكل طالب هندي وكل موظف إندونيسي أن يجيب على سؤال مستحيل: هل عدوي هو الرجل الأبيض الذي يحكمني منذ ولدت، أم الرجل الأصفر القادم من وراء البحار ببندقيته وخطاب تحريره؟

يبدأ فان دي فين من الهند، لأن الهند كانت هي حجر الزاوية في الإمبراطورية البريطانية ومركز ثقلها في آسيا. عندما دخلت بريطانيا الحرب في 1939، أعلنت أن الهند في حالة حرب أيضاً دون استشارة أي هندي واحد. كانت تلك اللحظة، في رأي فان دي فين، هي اللحظة التي بدأ فيها العد التنازلي لنهاية الراج البريطاني. الكونغرس الوطني الهندي بقيادة نهرو وغاندي كان مستعداً لدعم بريطانيا، لكن بشرط واحد واضح: الاستقلال بعد الحرب. تشرشل رفض حتى مناقشة الأمر. فجاءت بعثة كريبس في 1942، التي وصفها غاندي بأنها “شيك مؤجل على بنك مفلس”. وفشلت. ثم جاءت حركة “اخرجوا من الهند” في أغسطس 1942، فاعتقل البريطانيون كل قيادة الكونغرس في ليلة واحدة ووضعوهم في السجون حتى نهاية الحرب.

هنا يفتح الكتاب نافذة على شخصية ظلمها التاريخ كثيراً: سوبهاس تشاندرا بوز. بوز، الذي كان منافساً لنهرو على زعامة الهند، لم يؤمن بالمقاومة السلمية. هرب من الإقامة الجبرية، وذهب إلى برلين ثم إلى طوكيو، وأسس جيش الهند الوطني من أسرى الحرب الهنود الذين أسرهم اليابانيون في سنغافورة. فان دي فين لا يصوره كخائن متعاون، بل كقومي راديكالي استخدم منطق العدو عدوي صديقي. جيش بوز لم ينتصر عسكرياً، وقد انهار في أدغال إيمفال وكوهيما على حدود الهند وبورما في معركة تعتبر من أشرس معارك الحرب، لكنه انتصر سياسياً. فعندما حاكمت بريطانيا ضباط جيش الهند الوطني بعد الحرب بتهمة الخيانة، انتفضت الهند كلها، حتى الجنود الهنود في الجيش البريطاني نفسه. المحاكمة التي أرادت بريطانيا أن تكون عبرة، تحولت إلى جنازة لشرعيتها. الجنود الهنود الذين كانوا عماد الإمبراطورية، من البنجابيين والسيخ، بدأوا يسألون أنفسهم لماذا يقاتلون من أجل ملك بعيد بينما إخوتهم يقاتلون من أجل علم الهند.

ومن الهند ينتقل بنا السرد إلى بورما، التي يقدمها فان دي فين كنموذج مصغر لكل آسيا. بورما كانت مستعمرة بريطانية يحكمها البورميون . زعيمها الشاب أونغ سان، والد أونغ سان سو تشي، كان طالباً ثورياً أسس “رفاق الدم الثلاثين” وتدرب على يد اليابانيين. عندما غزت اليابان بورما في 1942، دخل جيش أونغ سان معها كمحرر. لكن سرعان ما اكتشف البورميون أن اليابان تريد الأرز والنفط والخشب، وأن جنودها يتصرفون بقسوة لا تقل عن البريطانيين. وهنا تكمن عبقرية أونغ سان التي يبرزها الكتاب. في عام 1944، بينما كانت اليابان لا تزال قوية، اتصل سراً بالبريطانيين وعرض الانقلاب على اليابانيين مقابل وعد بالاستقلال. البريطانيون وافقوا. وفي مارس 1945، انقلب جيش بورما الوطني على اليابانيين وبدأ يقاتلهم. هذه المناورة المزدوجة هي التي جعلت أونغ سان بطلاً قومياً لا يمكن لبريطانيا أن تتجاهله بعد الحرب، حتى بعد اغتياله في 1947. بورما لم تحصل على استقلالها لأن لندن قررت أن تكون كريمة، بل لأنها بنت جيشاً في قلب الحرب لم يعد أحد قادراً على نزع سلاحه.

القصة نفسها، لكن بزخم أكبر وأكثر دموية، تكررت في إندونيسيا. فان دي فين يخصص صفحات مؤثرة لجاوة وسومطرة، حيث كان الهولنديون يحكمون إمبراطورية من 70 مليون نسمة ببضعة آلاف من الموظفين. عندما سقطت جزر الهند الشرقية الهولندية في أيدي اليابانيين في 1942، انهارت أسطورة التفوق الأبيض الهولندي إلى الأبد. اليابانيون احتاجوا إلى إدارة محلية، فأطلقوا سراح زعيمين كان الهولنديون قد سجنوهما: أحمد سوكارنو ومحمد حتا. سوكارنو، الخطيب المفوه الذي كان يجيد مخاطبة الجماهير، تعاون مع اليابانيين. وهنا يرفض فان دي فين الحكم الأخلاقي السهل. سوكارنو لم يكن عميلاً، كان انتهازياً وطنياً بامتياز. استخدم اليابانيين لينشئ شبكة من المنظمات الشبابية، وليدرب عشرات الآلاف من الشباب الإندونيسي في منظمة “بيمبيلا” شبه العسكرية، وليبث خطاب الاستقلال في كل قرية عبر الراديو. اليابانيون كانوا يظنون أنهم يبنون جيشاً يخدمهم، بينما كان سوكارنو يبني جيشاً سيحاربهم ثم سيحارب الهولنديين. وعندما استسلمت اليابان في 15 أغسطس 1945، لم ينتظر سوكارنو وحتا إذن أحد. بعد يومين فقط، في 17 أغسطس، أعلنا استقلال إندونيسيا في جاكرتا. عندما عاد الهولنديون بعد أسابيع بمساعدة بريطانية ليستعيدوا مستعمرتهم، وجدوا جمهورية قائمة وجيشاً مستعداً. الحرب التي تلت ذلك، والتي استمرت أربع سنوات وقتل فيها مئات الآلاف، كانت أول حرب تحرير وطني كبرى بعد الحرب العالمية الثانية، وقد بدأت من رحم الاحتلال الياباني.

أما فيتنام، فالقصة أكثر تعقيداً ودهاءً. هو تشي منه، الرجل النحيل الذي عاش في كهوف الحدود الصينية الفيتنامية، فهم قواعد اللعبة أفضل من الجميع. فان دي فين يوضح كيف أن فيتنام لم تكن تحارب اليابان فقط، بل كانت تحارب فرنسا فيشي التي سلمت الهند الصينية لليابان دون قتال. هو تشي منه بنى “الفيت منه” كجبهة وطنية عريضة، وحصل على سلاح أمريكي من مكتب الخدمات الاستراتيجية، سلف وكالة الاستخبارات المركزية، لأن الأمريكيين كانوا يكرهون الفرنسيين ويريدون معلومات عن اليابانيين. في ليلة استسلام اليابان، كانت قوات هو تشي منه هي الوحيدة المنظمة في هانوي. فدخلت المدينة وأعلنت استقلال فيتنام الديمقراطية في 2 سبتمبر 1945، مقتبسة فقرات كاملة من إعلان الاستقلال الأمريكي في خطابها، في رسالة ذكية لواشنطن. فرنسا، التي عادت مدججة بالسلاح، لم تفهم أن العالم تغير، فبدأت حرباً استمرت تسع سنوات وانتهت بهزيمتها في ديان بيان فو، وهي الهزيمة التي مهدت لكل حروب أمريكا اللاحقة.

ما يربط كل هذه الخيوط الجنوبية هو رقم واحد يضعه فان دي فين في بداية فصل التعبئة العسكرية ولا يفارق ذهن القارئ بعدها: نسبة القتلى المدنيين إلى العسكريين كانت أعلى في آسيا منها في أوروبا بمراحل. في الصين وحدها مات عشرون مليون مدني. في إندونيسيا بين ثلاثة وأربعة ملايين، معظمهم بسبب سياسة اليابان في مصادرة الأرز. في الهند ثلاثة ملايين في مجاعة البنغال وحدها. هذه الأرقام ليست حواشي، بل هي جوهر الحجة. لأن هذه المجاعات وهذه التعبئات القسرية للعمالة هي التي كسرت ظهر الريف الآسيوي، وهو الريف الذي كان أساس الحكم الاستعماري. عندما لا يستطيع المستعمر أن يطعمك، بل يأخذ طعامك لجنوده، فإنه يفقد آخر مبررات وجوده.

حتى هذه اللحظة من كتاب “فجر الدم”، يبدو أن الحرب في آسيا هي قصة شعوب تنهض ضد مستعمرين، لكن هانز فان دي فين يقلب الطاولة في الفصل الأكثر برودة ودهاءً في الكتاب، حيث يكشف أن مصير هذه الشعوب لم يكن يُكتب في غابات بورما أو شوارع جاكرتا فقط، بل كان يُكتب أيضاً بقلم رصاص على خرائط في غرف مغلقة في القاهرة وطهران ويالطا وبوتسدام، حيث جلس ثلاثة أو أربعة رجال بيض وقرروا من يحيا ومن يموت في قارة لا يعرفون عنها شيئاً. هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الكتاب من تاريخ اجتماعي إلى تاريخ دبلوماسي بامتياز، ويظهر فان دي فين كأستاذ كامبريدج الذي يتقن قراءة ما بين سطور البرقيات المشفرة.

القصة تبدأ في القاهرة في نوفمبر 1943. تشيانغ كاي شيك وصل إلى المؤتمر وهو يحمل حلماً كبيراً: أن تعامل الصين كقوة عظمى رابعة، وأن تستعيد منشوريا وتايوان، وأن تضمن استقلال كوريا. روزفلت، الذي كان يحتاج الصين لإبقاء اليابان مشغولة، وافقه ظاهرياً. لكن تشرشل، الذي كان يجلس بجانبهما ويدخن سيجاره، كان يرى كل هذا هراءً. بالنسبة لتشرشل، كانت آسيا مجرد امتداد للهند، والهند ملكية بريطانية. ما يوثقه فان دي فين من الأرشيف البريطاني يظهر أن تشرشل كان يكتب في هامش التقارير “الصين ليست قوة عظمى، بل هي فوضى جغرافية”. كان هدفه الوحيد في القاهرة هو ضمان عودة هونغ كونغ ومالايا وبورما إلى التاج البريطاني. روزفلت من جهته كان يلعب لعبة أخرى. هو لم يكن معادياً للاستعمار حباً في الحرية، بل لأن الرأسمالية الأمريكية تريد أسواقاً مفتوحة. الإمبراطورية البريطانية بنظامها التفضيلي كانت تغلق الأسواق في وجه البضائع الأمريكية. ولذلك كان يريد تفكيكها بهدوء.

لكن الزلزال الحقيقي حدث في يالطا في فبراير 1945. هنا يكمن أحد أكثر الاكتشافات إثارة في الكتاب. نحن نعرف يالطا كالمكان الذي قسمت فيه أوروبا بين ستالين وروزفلت وتشرشل. لكن فان دي فين يكشف أن يالطا هي أيضاً المكان الذي بيعت فيه آسيا. روزفلت كان يائساً لدخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان، لأن تقديرات البنتاغون كانت تتوقع مقتل نصف مليون جندي أمريكي في غزو اليابان. ستالين قال موافق، لكن بثمن. الثمن كان منغوليا الخارجية، التي كانت جزءاً من الصين، وجزر الكوريل، ونصف سكك حديد منشوريا، وميناء بورت آرثر. روزفلت وافق، دون أن يستشير تشيانغ كاي شيك، الحليف الصيني الذي كان يقاتل منذ 1931. عندما علم تشيانغ بالصفقة بعد أسابيع، كان عليه أن يبتلعها. هذه الصفقة هي التي صنعت منغوليا الحديثة كدولة مستقلة واقعة في الفلك السوفيتي، وقطعتها إلى الأبد عن العالم الصيني. وهي الصفقة التي لا تزال بكين تعتبرها جرحاً مفتوحاً حتى اليوم.

والأخطر من منغوليا كان قرار كوريا. فان دي فين يخصص فصلاً كاملاً لشرح كيف ولدت الحرب الكورية قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية. في مؤتمر القاهرة، وعد الحلفاء باستقلال كوريا “في الوقت المناسب”. هذه العبارة المبهمة كانت كارثة. لا أحد حدد كيف ومتى ومن سيحكم. في يالطا، اتفق روزفلت وستالين على أن كوريا يجب أن تكون تحت وصاية دولية لعدة سنوات. لكن عندما انهارت اليابان فجأة في أغسطس 1945 بعد القنبلتين الذريتين، لم يكن هناك وقت للوصاية. الأمريكيون والسوفييت كانوا يتسابقون لمن يقبل استسلام اليابانيين في كوريا. ضابطان أمريكيان شابان، أحدهما هو دين راسك الذي سيصبح وزير خارجية أمريكا لاحقاً، نظرا إلى خريطة في مبنى وزارة الحرب في واشنطن في منتصف الليل، ورسما خطاً عند خط العرض 38 كخط تقسيم مؤقت لتسلم القوات. خط عشوائي رسم في ثلاثين ثانية هو الذي قسم عائلة كورية واحدة إلى نصفين لثمانين عاماً، وهو الذي أنتج دولتين أحدهما نووية وإحدى أخطر بؤر الحرب في العالم. فان دي فين يصر على هذه النقطة ببراعة صحفية: الحدود في آسيا الحديثة لم ترسم بدماء الشعوب فقط، بل بقلم رصاص أمريكي مرتجف في منتصف الليل.

وهنا يصل الكتاب إلى أطروحته الأكثر جرأة، وهي أن الحرب الباردة لم تبدأ في برلين في 1947، بل بدأت في آسيا في 1945. فبينما كان العالم يحتفل بالسلام في أوروبا، كانت الحرب تستمر وتشتعل في آسيا. في إندونيسيا، وصلت القوات البريطانية في سبتمبر 1945، ليس لنزع سلاح اليابانيين كما قيل، بل لإعادة تسليحهم أحياناً لمحاربة الإندونيسيين، ولتسهيل عودة الهولنديين. في فيتنام، وصلت القوات البريطانية إلى الجنوب وسلمت السلطة للفرنسيين، بينما دخلت القوات الصينية الوطنية إلى الشمال ونهبت هانوي. في الصين نفسها، بدأت أمريكا فوراً بنقل مئات الآلاف من الجنود الوطنيين جواً إلى منشوريا لاحتلالها قبل وصول الشيوعيين، بينما كان السوفييت ينهبون المصانع اليابانية هناك ويسلمون الأسلحة لماو تسي تونغ. الحرب العالمية الثانية لم تنته في آسيا، بل تحولت مباشرة إلى حرب أهلية صينية وحربين استعماريتين في إندونيسيا والهند الصينية.

فان دي فين يوثق كيف أن نفس الضباط ونفس الطائرات ونفس السجون استخدمت بلا انقطاع. الجنرال البريطاني الذي قاتل اليابانيين في بورما هو نفسه الذي حاول سحق الثورة الإندونيسية. الطيارون الأمريكيون الذين كانوا ينقلون المساعدات لتشونغتشينغ أصبحوا ينقلون الجنود الفرنسيين إلى سايغون. وحتى الخطاب نفسه لم يتغير. فالفرنسيون والهولنديون والبريطانيون عادوا إلى آسيا في 1945 وهم يرفعون نفس راية 1939: نحن نحارب الفاشية اليابانية، والآن نحارب الفوضى والشيوعية. لكن الشعوب الآسيوية التي كانت قد ذاقت طعم التعبئة والسلاح والتنظيم خلال الاحتلال الياباني لم تعد تقبل بهذا الخطاب. وهذا هو ما يسميه فان دي فين “التعبئة المستحيلة العكس”. فاليابان عندما احتلت آسيا، اضطرت لتعبئة ملايين الآسيويين كعمال وجنود وموظفي دعاية وشرطة. هذه الملايين، بعد أن تعلمت كيف تنظم وكيف تحمل السلاح وكيف تكره سلطة أجنبية، لم يكن من الممكن إعادتها إلى حقول الأرز وطلب منها أن تطيع المستعمر الأبيض مرة أخرى.

الولايات المتحدة وجدت نفسها في قلب هذا التناقض. روزفلت مات في أبريل 1945، وجاء ترومان الذي لم يكن يملك رؤية عالمية. فجأة، أصبح العدو هو الشيوعية وليس الاستعمار. ولذلك، يشرح الكتاب كيف انقلبت أمريكا من داعم للاستقلال إلى داعم للإمبراطوريات. أمريكا مولت 80 بالمئة من تكاليف حرب فرنسا في فيتنام، وضغطت على هولندا في البداية ثم تخلت عن الإندونيسيين، ودعمت تشيانغ كاي شيك حتى النهاية رغم فساده، لأنها رأت أن ماو هو الخطر الأكبر. هذه هي اللحظة التي ولدت فيها أمريكا كقوة آسيوية، ليس كقوة تحرير كما أراد روزفلت، بل كقوة إمبراطورية جديدة تحاول ملء الفراغ الذي تركته أوروبا. القواعد الأمريكية التي بنيت في الفلبين وأوكيناوا واليابان في 1945 هي نفسها التي تنطلق منها الطائرات اليوم.

عندما نصل إلى الصفحات الأخيرة من كتاب هانز فان دي فين، نشعر أننا لا ننهي كتاب تاريخ عن حرب انتهت في 1945، بل نفتح نافذة على نشرة أخبار اليوم. هذه هي الضربة الصحفية الأخيرة التي يوجهها المؤلف، والتي تجعل من كتابه الذي يزيد على ثلاثمائة صفحة ليس مجرد مرجع أكاديمي، بل دليل لفهم لماذا تبدو خريطة آسيا اليوم كما هي: متوترة، مسلحة حتى الأسنان، غاضبة، ومليئة بجراح لم تلتئم. ففجر الدم لم يكن شفقاً عابراً، بل كان شروقاً طويلاً وبطيئاً، ولا يزال ضوؤه الأحمر يصبغ كل شيء.

يبدأ فان دي فين خلاصته من حقيقة بسيطة لكنها ثورية في تاريخ الحروب: الحروب العادية تدمر الدول، لكن الحرب العالمية الثانية في آسيا بنت الدول. في أوروبا، دمرت الحرب المصانع والمدن، لكنها أبقت على فكرة الدولة القومية نفسها. في آسيا حدث العكس. المصانع كانت قليلة أصلاً لتدمر، لكن الحرب دمرت فكرة أن الدولة يمكن أن تكون إمبراطورية يحكمها رجل أبيض من لندن أو باريس أو لاهاي. وفي الفراغ الذي تركته، اضطرت الشعوب أن تخترع الدولة الحديثة من الصفر، وتحت النار.

كيف حدث ذلك؟ هنا يعود فان دي فين إلى أطروحته التي لمح لها طوال الكتاب ويصيغها الآن بوضوح جارح. اليابان، باحتلالها، قامت بثلاثة أشياء لم تقصدها، لكنها كانت كافية لصناعة آسيا الحديثة. أولاً، دمرت البيروقراطية الاستعمارية. الموظف الهولندي والبريطاني والفرنسي هرب أو سجن، وحل محله إندونيسي أو بورمي أو فيتنامي تعلم كيف يدير سكة حديد أو ميناء أو وزارة. ثانياً، سلحت الريف. لأول مرة في تاريخ الاستعمار، أصبح لدى الفلاح في جاوة أو في دلتا ميكونغ بندقية وتدريب عسكري، وانتماء إلى ميليشيا. فان دي فين يعتبر هذا التحول، أي إعطاء الريف أهمية عسكرية وسياسية، تحولاً لا يقل أهمية عن اختراع القنبلة الذرية. فالجيوش الأوروبية كانت تهزم الجيوش الآسيوية لأنها تسيطر على المدن. أما الجيوش اليابانية ثم جيوش التحرير الوطني فكانت تسيطر على الريف، ومن يسيطر على الريف في آسيا يسيطر على القارة. ثالثاً، خلقت شرعية جديدة. بعد أن رأى الناس أن الرجل الأبيض يمكن أن يهزم ويذل ويساق إلى معسكرات الاعتقال، لم يعد من الممكن إقناعهم بأنه متفوق حضارياً. الشرعية الجديدة لم تعد تأتي من لندن، بل من الدم. من مات أكثر، من قاتل أكثر، هو من يستحق أن يحكم.

ومن هذه النقاط الثلاث ولدت آسيا التي نعرفها. خذ الصين. الرواية الرسمية اليوم في بكين تقول إن الحزب الشيوعي وحّد الصين وقادها للنصر على اليابان. فان دي فين يفكك هذه الأسطورة باحترام لكن بحزم. الحقيقة أن الحرب الأهلية والحرب ضد اليابان كانتا حرباً واحدة. الشيوعيون انتصروا ليس لأنهم قاتلوا اليابان أكثر من القوميين، بل لأنهم فهموا درس الريف. بينما كان تشيانغ كاي شيك يحاول بناء جيش نظامي على الطراز الأمريكي يعتمد على المدن والطرق، كان ماو يبني جيش فلاحين يعتمد على القرى والأنفاق والدعم الشعبي. الإصلاح الزراعي الذي وزع الأرض على الفلاحين لم يكن إيديولوجية شيوعية مستوردة من موسكو، بل كان سلاح حرب. الفلاح الذي حصل على أرض سيدافع عنها حتى الموت ضد عودة الملاك القدامى الذين يمثلهم القوميون. عندما انتهت الحرب العالمية الثانية في أغسطس 1945، لم تبدأ الحرب الأهلية، بل استمرت بوتيرة أعلى. انتصار 1949 لم يكن بداية الصين الحديثة، بل كان نهايتها الطبيعية بعد أربعة عشر عاماً من الحرب المتواصلة.

خذ الهند. فان دي فين يجادل بأن تقسيم الهند في 1947 إلى الهند وباكستان لم يكن نتيجة حتمية للخلاف الهندوسي الإسلامي، بل كان نتيجة مباشرة للحرب. الحرب جعلت بريطانيا مفلسة وغير قادرة على حكم الهند، وجعلت الجيش الهندي الذي كان أداة الإمبراطورية جيشاً مسيساً ومقسماً. والخوف من تكرار تجربة جيش الهند الوطني بقيادة سوبهاس تشاندرا بوز، أي جيش هندي يتمرد على بريطانيا، هو ما دفع لندن للتعجيل بالرحيل حتى لو كان الثمن تقسيماً دموياً. الكشمير، الجرح المفتوح حتى اليوم، هو ابن مباشر لهذا الاستعجال. أمير كشمير الهندوسي الذي يحكم أغلبية مسلمة، وقرر الانضمام للهند في اللحظة الأخيرة، كان يتصرف في فراغ خلفته الحرب، فراغ لم يكن موجوداً قبل 1939.

والقصة نفسها في كوريا وفيتنام. خط العرض 38 في كوريا لم يكن ليوجد لولا قرار يالطا بدخول السوفييت الحرب. وفيتنام لم تكن لتنقسم عند خط العرض 17 لولا أن روزفلت مات وجاء ترومان ليقرر أن فرنسا حليف ضد الشيوعية. فان دي فين يربط ببراعة بين هذه التقسيمات العشوائية وبين بحر الصين الجنوبي اليوم. فعندما استسلمت اليابان، تركت وراءها خرائط متنازع عليها لجزر باراسيل وسبراتلي، خرائط كانت اليابان قد رسمتها لتبرير احتلالها. الصين الوطنية بقيادة تشيانغ هي التي رسمت لأول مرة ما يعرف اليوم بخريطة الخطوط التسع، وهي الخريطة التي تطالب بها بكين اليوم بكل الجزر. الصراع الحالي في بحر الصين الجنوبي ليس صراعاً على النفط، بل هو صراع على إرث الحرب العالمية الثانية الذي لم يتم تسويته أبداً بمعاهدة سلام شاملة في آسيا، على عكس أوروبا التي حسمت حدودها في مؤتمر بوتسدام.

أما تايوان، فهي الخلاصة الأكثر مأساوية لفجر الدم. الجزيرة التي كانت مستعمرة يابانية لخمسين عاماً، عادت إلى الصين في 1945، ثم أصبحت ملجأً لمليوني جندي وموظف قومي هربوا من ماو في 1949. سكان تايوان الأصليون الذين عانوا من الاستعمار الياباني، وجدوا أنفسهم تحت حكم عسكري قومي جديد فرض الأحكام العرفية لثمانية وثلاثين عاماً. الديمقراطية التايوانية المزدهرة اليوم، بكل توترها الحالي مع بكين، هي وليدة مباشرة لذلك التراكم من الاستعمارات والحروب.

في خاتمة الكتاب، يطرح فان دي فين سؤالاً : لماذا لا نتذكر هذا؟ لماذا لا تزال الحرب العالمية الثانية في آسيا حرباً منسية في الغرب؟ إجابته ليست أكاديمية، بل سياسية. لأن تذكرها يعني تذكر أن الحلفاء لم يكونوا كلهم أبطالاً. يعني تذكر مجاعة البنغال التي تسبب فيها تشرشل، ومجاعة هينان في الصين التي تسبب فيها فساد تشيانغ وتجاهل الأمريكيين، والقصف الأمريكي العشوائي لطوكيو الذي قتل مائة ألف مدني في ليلة واحدة قبل هيروشيما. ويعني أيضاً تذكر أن الشعوب التي نسميها اليوم “العالم الثالث” لم تعط استقلالها كهدية، بل انتزعته بدمها في حرب استمرت من 1931 إلى 1949 على الأقل، وربما حتى 1975 مع سقوط سايغون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى