أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

المال كسلاح

من كان يظن أن قرارا يُتخذ في غرفة مغلقة بوزارة الخزانة الأمريكية يمكن أن يكون أشد فتكاً من سرب طائرات مقاتلة، سيجد في كتاب أولريكه هيرمان الجديد( المال كسلاح: كيف يقرر الاقتصاد الحرب والسلام Geld als Waffe: Wie die Wirtschaft über (Krieg und Frieden entscheidet ما يقلب تصوراته رأساً على عقب. الكاتبة الصحفية الاقتصادية في صحيفة “تاز” الألمانية، تقدم أطروحة  تقول إننا دخلنا عصراً أصبح فيه المال هو السلاح الأول، وإن الحروب لم تعد تُحسم فقط على الجبهات، بل في أنظمة الدفع، وأسواق أشباه الموصلات، ومستودعات الغاز، وغرف مقاصة الدولار.

عنوان الكتاب “Geld als Waffe” أو “المال كسلاح” ليس استعارة أدبية. هيرمان تتعامل معه بحرفية. فمنذ أن قررت الولايات المتحدة في السبعينيات ربط العالم بالدولار كنظام تنفس إجباري، تحولت العملة الأمريكية من مجرد وحدة تبادل إلى بنية تحتية قسرية. كل دولار يدور في العالم، حتى لو كان بين شركة ألمانية وشركة برازيلية، يمر في لحظة ما عبر بنك أمريكي. وهذه اللحظة هي نقطة الاختناق التي حولتها واشنطن إلى سلاح. هذا هو جوهر ما تسميه هيرمان “التسليح المالي”.

تبدأ هيرمان سردها من حيث لا يتوقع القارئ، لا تبدأ من وول ستريت، بل من أثينا القديمة. فعقوبة “ميغارا” التي فرضتها أثينا في عام 432 قبل الميلاد، بمنع مدينة ميغارا من دخول أسواقها وموانئها، كانت أول عقوبة اقتصادية موثقة، وكانت سبباً مباشراً في اندلاع الحرب البيلوبونيسية. هذه اللعبة القديمة – خنق الخصم اقتصادياً ليتغير سلوكه السياسي – تكررت عبر التاريخ، من الحصار القاري الذي فرضه نابليون على بريطانيا، إلى العقوبات البريطانية على ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. لكن الفارق، كما تؤكد هيرمان، أن ما كان في الماضي حصاراً بحرياً يحتاج أساطيل، أصبح اليوم ضغطة زر في نظام سويفت.

القسم الأكثر إضاءة في هذه البداية هو تفكيكها لأسطورة “العولمة البريئة”. نحن تعلمنا في كليات الاقتصاد أن العولمة هي شبكة من التبادل الطوعي الذي يعود بالنفع على الجميع. هيرمان تكشف أن هذه الشبكة بُنيت عمداً بهيكل هرمي. الولايات المتحدة بعد 1945 لم تكن تريد فقط إعادة إعمار أوروبا بمشروع مارشال، بل كانت تريد تأمين تفوق هيكلي لا يمكن الفكاك منه. صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، ونظام سويفت الذي تأسس عام 1973 في بروكسل لكنه يخضع فعلياً للقانون البلجيكي والأمريكي معاً، كلها أدوات خلقت ترابطاً لا مفر منه. وحين جاء ريتشارد نيكسون وألغى ربط الدولار بالذهب في 1971، لم يكن يدمر نظام بريتون وودز، بل كان يحرر الدولار من أي قيد، ليصبح السلاح المطلق. فلم يعد هناك حاجة لامتلاك الذهب لتطبع النقود التي يشتري بها العالم النفط.

وتقدم هيرمان هنا رقماً يلخص كل شيء: حتى اليوم، رغم كل الحديث عن صعود اليوان، لا يزال 88% من كل تعاملات الصرف الأجنبي في العالم تتم بالدولار في أحد طرفيها، و59% من الاحتياطيات العالمية مقومة بالدولار. هذا ليس هيمنة اقتصادية، هذه هي البنية التحتية للعالم. ومن يسيطر على البنية التحتية يستطيع أن يقطع الكهرباء عن أي منزل لا يعجبه.

الكاتبة  تحكي كيف أن موظفاً بسيطاً في بنك “بي إن بي باريبا” الفرنسي اضطر عام 2014 لدفع غرامة 9 مليارات دولار لأنه حول أموالاً لشركات سودانية وإيرانية، رغم أن القانون الفرنسي لم يمنعه. السبب؟ لأنه استخدم الدولار. وبمجرد أن تستخدم الدولار، تصبح خاضعاً للقاضي في مانهاتن. هذه هي لحظة الإدراك التي تريد هيرمان أن يصل إليها القارئ العربي والأوروبي على حد سواء: العقوبات الأمريكية ليست قراراً خارجياً يمكن تجاهله، بل هي قانون داخلي أمريكي يطبق خارج الحدود بفضل الدولار.

الكتاب، الصادر في مطلع عام 2025 عن دار “بيبر” الألمانية ، يتقاطع مع لحظة تاريخية . فهو كُتب بينما  حرب أوكرانيا تشتعل، وبينما  أوروبا تكتشف فجأة أن اعتمادها على الغاز الروسي الرخيص لم يكن قراراً اقتصادياً فحسب، بل كان مقامرة أمنية. وهنا تبرع هيرمان في ربط الاقتصاد بالجغرافيا السياسية بطريقة لا يفعلها الاقتصاديون التقليديون.

هي لا تدافع عن العقوبات كأداة أخلاقية. بل على العكس، تخصص فصلاً كاملاً لتفكيك فعاليتها. تستند إلى دراسات أكاديمية ضخمة تشير إلى أن 65% من العقوبات تفشل في تحقيق أهدافها المعلنة. لماذا؟ لأن الدول المستهدفة تتعلم التكيف. إيران طورت اقتصاد مقاومة. روسيا حولت تجارتها إلى الصين والهند. حتى كوبا صمدت لستين عاماً. لكن هيرمان تقول إن السؤال الخطأ هو: هل تغير العقوبات سلوك النظام؟ السؤال الصحيح هو: هل تمنعه من شن الحرب؟ وهنا تكمن قوتها كسلاح ردع وتآكل، لا كسلاح إقناع.

في الفصول الأولى، تمهد هيرمان لفكرتها المركزية التي ستتكرر لاحقاً: الاقتصاد لم يعد مجالاً منفصلاً عن الحرب، بل أصبح هو الحرب نفسها. وتستشهد بمقولة وزير الخزانة الأمريكي الأسبق هنري بولسون: “إذا كنت تريد أن تجعل بلداً يركع، فلا ترسل فرقة مدرعات، بل اقطع عنه الدولار”. هذا التحول لم يحدث صدفة. هو نتاج تراجع القوة العسكرية المباشرة كأداة مقبولة سياسياً بعد حرب العراق، وصعود أدوات أقل كلفة بشرية وأكثر قابلية للإنكار.

أولريكه هيرمان، التي اشتهرت بكتابها السابق “نهاية الرأسمالية” الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعاً في ألمانيا، تملك ميزة نادرة: هي يسارية تفهم الرأسمالية، وألمانية تفهم عقدة بلدها. ألمانيا التي بنت نموذجها الاقتصادي على ثلاثة ركائز: الطاقة الرخيصة من روسيا، والأسواق المفتوحة في الصين، والمظلة الأمنية من أمريكا. وجاءت حرب أوكرانيا لتسقط الركائز الثلاث دفعة واحدة. هذا هو السياق الضمني الذي تكتب منه. الكتاب ليس موجهاً للأمريكيين المنتصرين، بل للأوروبيين المرتبكين الذين اكتشفوا أن السلام الذي عاشوه كان مدعوماً بغاز رخيص ودولار قوي.

الفصل الذي تفتحه أولريكه هيرمان بعد ذلك هو بمثابة دخول إلى غرفة المحركات في الطابق السفلي لوزارة الخزانة الأمريكية، تلك الغرفة التي لا يدخلها الصحفيون عادة. هناك، في مبنى قديم يبدو مملاً من الخارج في واشنطن، يوجد مكتب صغير اسمه “أوفاك” – مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. هذا المكتب الذي لا يتجاوز عدد موظفيه بضع مئات، يمتلك سلطة تفوق في كثير من الأحيان سلطة مجلس الأمن الدولي. كيف؟ الجواب يكمن في ثلاث كلمات اخترعتها أمريكا وحولتها إلى قانون كوني: الدولار، سويفت، والعقوبات الثانوية.

تشرح هيرمان أن قوة أمريكا ليست في أنها تمنعك من التجارة معها، بل في أنها تمنعك من التجارة مع أي أحد آخر. هذا هو جوهر العقوبة الثانوية. العقوبة الأولية بسيطة ومفهومة: شركة أمريكية ممنوعة من التعامل مع إيران. لكن العقوبة الثانوية تقول: شركة فرنسية أو هندية أو مصرية، حتى لو لم تطأ قدمها الولايات المتحدة يوماً، إذا تعاملت مع إيران بالدولار، فستُعاقب هي نفسها في أمريكا. سيتم تجميد أصولها هناك، ومنعها من السوق الأمريكية، وقطعها عن الدولار. وبما أن لا شركة عالمية كبرى تستطيع العيش بدون الدولار، فإن الجميع يلتزم. ليس حباً في أمريكا، بل خوفاً منها.

وتقدم هيرمان مثالاً  عن كيفية عمل هذا السلاح في الواقع. عام 2018، عندما انسحب دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران، لم يكن يحتاج إلى موافقة أوروبا. أوروبا كانت تريد الاستمرار في الاتفاق، وأنشأت خصيصاً آلية مالية أسمتها “إنستكس” للالتفاف على الدولار والمتاجرة مع إيران باليورو. كانت الفكرة طموحة: مقايضة بدون دولارات. النتيجة؟ لم تنفذ عملية واحدة ذات قيمة. لماذا؟ لأن أي شركة أوروبية كبرى – سيمنز، توتال، رينو – حسبت الأمر ببساطة: السوق الإيرانية تساوي 80 مليون مستهلك، والسوق الأمريكية تساوي 330 مليون مستهلك مع نظام مالي لا بديل عنه. فاختارت أمريكا. “إنستكس” ماتت قبل أن تولد، ليس بسبب فشل تقني، بل بسبب الرعب.

وهنا تدخل هيرمان إلى الجزء الأكثر تقنية وإثارة: نظام سويفت. نحن نسمع عن سويفت كأنه بريد إلكتروني للبنوك. لكنه في الحقيقة الجهاز العصبي للرأسمالية العالمية. كل يوم تمر عبره 42 مليون رسالة تحويل، بقيمة تزيد عن 5 تريليونات دولار. يوجد مقره في بلدة لا هولب البلجيكية، ويخضع للقانون البلجيكي والأوروبي. نظرياً، الأوروبيون يسيطرون عليه. عملياً، تروي هيرمان كيف أن وكالة الأمن القومي الأمريكية اخترقته بعد 11 سبتمبر، وكيف أن أي تهديد أمريكي بفرض عقوبات على سويفت نفسه كفيل بجعله يطرد أي دولة تريدها واشنطن. وهذا ما حدث مع إيران في 2012، ومع بعض البنوك الروسية في 2022. طرد روسيا من سويفت قُدم في الإعلام كقرار أوروبي شجاع، لكن هيرمان تكشف أن القرار كان أمريكياً بامتياز، وأن الأوروبيين ترددوا أسابيع لأنهم يعرفون أن قطع سويفت عن روسيا يعني قطع أموالهم هم أيضاً عن غازهم.

القوة الحقيقية للدولار، كما تشرحها الكاتبة، لا تكمن فقط في كونه عملة احتياط، بل في كونه عملة الفواتير. حتى عندما تبيع السعودية النفط لليابان، الفاتورة بالدولار. وحتى عندما تبيع ألمانيا سيارات للصين، عقود التحوط بالدولار. هذا يخلق طلباً هيكلياً لا ينتهي على الدولار، ويسمح لأمريكا بأن تطبع نقوداً لتمويل عجزها دون أن ينهار اقتصادها. وهذا ما يسميه الفرنسيون “الامتياز الباهظ”. لكن هيرمان تقلب المصطلح وتقول إنه ليس امتيازاً اقتصادياً فحسب، بل هو امتياز عسكري. فأمريكا تستطيع أن تفرض عقوبات دون أن تدفع ثمنها تقريباً، لأن تكلفة طباعة الدولار صفر، بينما تكلفة تحمل العقوبة على الطرف الآخر هي انهيار عملته وتضخم جامح.

السؤال الذي يطرحه كل سياسي في برلين وبكين وموسكو منذ عشرين عاماً هو: لماذا لا نبني بديلاً؟ وهنا تقدم هيرمان واحداً من أكثر فصول الكتاب واقعية وإحباطاً في آن واحد. فشلت أوروبا، وفشلت الصين، وفشلت روسيا، وستفشل أي محاولة قريبة لسبب بنيوي تشرحه بدقة.

أوروبا حاولت. اليورو كان يفترض أن يكون منافساً للدولار. لكن اليورو، كما تقول هيرمان، عملة بلا دولة. لا يوجد وزير مالية أوروبي واحد، ولا سندات دين أوروبية موحدة بالحجم الكافي، ولا سوق رأسمال أوروبي عميق. عندما تشتري الصين سندات أمريكية، تشتري أماناً مطلقاً لأن خلفها بنك مركزي يطبع بلا حدود وخزانة تدعمها قوة عسكرية. عندما تشتري سندات إيطالية باليورو، فأنت تشتري مخاطرة سياسية. لذلك، رغم أن منطقة اليورو تساوي أمريكا حجماً، فإن حصة اليورو في الاحتياطيات العالمية لا تتجاوز 20% وتتراجع، بينما الدولار مستقر.

الصين حاولت بجدية أكبر. أطلقت نظام “سيبس” الخاص بها كبديل لسويفت، ودفعت باتجاه تدويل اليوان، وأبرمت اتفاقيات مقايضة بالعملات المحلية مع عشرات الدول. لكن هيرمان تذهب إلى بكين وتتحدث مع مصرفيين صينيين يهمسون لها بالحقيقة: الحزب الشيوعي نفسه لا يريد يواناً قوياً وحراً. لأن يوان حر يعني إمكانية خروج رؤوس الأموال من الصين بحرية، ويعني فقدان السيطرة على سعر الصرف الذي هو أساس النموذج الصناعي الصيني. الصين تريد فوائد الدولار دون أن تدفع ثمن حرية رأس المال. وهذا مستحيل. لذلك بقي اليوان، رغم كل الدعاية، لا يشكل أكثر من 3% من المدفوعات العالمية. الصين تريد أن يكون اليوان سلاحاً، لكنها تخاف من أن يكون عملة.

أما روسيا، فقصتها هي الأكثر دلالة على وهم البديل. منذ عقوبات 2014، حاولت موسكو بناء حصن مالي: خفضت حيازتها للدولار، وزادت الذهب، وربطت نظامها المالي “إس بي إف إس” بالنظام الصيني. واعتقد الكرملين أنه محصن. وجاء فبراير 2022 ليكشف الحقيقة المرة التي تشرحها هيرمان بالأرقام. نصف احتياطيات البنك المركزي الروسي – حوالي 300 مليار دولار – كانت موجودة في بنوك غربية وتم تجميدها بضربة واحدة. روسيا اكتشفت أن احتياطياتها ليست في موسكو، بل هي مجرد أرقام في كمبيوتر في بروكسل وفرانكفورت. لا يمكنك أن تتحصن من الدولار وأنت تحتفظ بثروتك بالدولار واليورو.

تقول هيرمان  بخلاصة: الحياد في حرب الدولار مستحيل. كل دولة تظن أنها تستطيع أن تتعامل مع الجميع، أن تشتري سلاحاً من أمريكا ونفطاً من روسيا وتكنولوجيا من الصين، ستكتشف أن عليها أن تختار نظام الدفع. ونظام الدفع يحدد معسكرك. المال ليس محايداً. لم يعد كذلك منذ 1971. ومن يظن أن بإمكانه فصل الاقتصاد عن السياسة، يعيش في عالم لم يعد موجوداً.

في الساعة الخامسة صباحاً من يوم الرابع والعشرين من فبراير 2022، عندما عبرت الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية، كان هناك سباق آخر بدأ في نفس اللحظة في غرف مغلقة في واشنطن وبروكسل وبرلين. سباق لصياغة ما سمي حينها “أم العقوبات”. كانت الفكرة السائدة، والتي روج لها الإعلام الغربي بحماس، أن روسيا ستنهار اقتصادياً خلال أسابيع، وأن الروبل سيتحول إلى ورق تواليت، وأن بوتين سيجد نفسه أمام طوابير خبز في موسكو. أولريكه هيرمان تخصص الفصل الأطول والأكثر تفصيلاً في كتابها لهذه اللحظة تحديداً، ليس لأنها تحب الدراما، بل لأنها تعتبر أن التجربة الروسية هي المختبر الأكبر في التاريخ لفكرة المال كسلاح، وهي التجربة التي كشفت في آن واحد قوة هذا السلاح وحدوده القاتلة.

في البداية، بدا أن السلاح يعمل بكفاءة مرعبة. تم تجميد 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي، وهو قرار تصفه هيرمان بأنه “القنبلة النووية المالية”. لأول مرة في التاريخ، يتم مصادرة احتياطيات دولة كبرى من مجموعة السبع. طُردت سبعة بنوك روسية من نظام سويفت، وفُرض حظر على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، ومنع التأمين على ناقلات النفط الروسية. النتيجة الفورية كانت انهيار الروبل من 75 روبل للدولار إلى 135 روبل في أسبوع واحد. بدت موسكو وكأنها على وشك الانهيار. لكن ما حدث بعد ذلك هو ما يهم هيرمان.

روسيا لم تنهر. بل قامت بما تسميه الكاتبة “اقتصاد الحرب البدائي”. رفع البنك المركزي الروسي سعر الفائدة إلى 20%، وفرض قيوداً صارمة على خروج رأس المال، وأجبر الشركات المصدرة على بيع 80% من عائداتها من العملة الصعبة. عاد الروبل ليصبح أقوى مما كان عليه قبل الحرب. الإعلام الغربي سخر من ذلك واعتبره تلاعباً مصطنعاً، لكن هيرمان تقول إن السخرية كانت في غير محلها. الروبل لم يعد عملة قابلة للتحويل الحر، بل أصبح عملة حرب. قوته لا تعكس صحة الاقتصاد، بل تعكس أن روسيا لم تعد تستورد شيئاً من الغرب، فلم تعد بحاجة للدولار. وهذا هو الدرس الأول: العقوبات التي تمنع الاستيراد تقوي العملة على المدى القصير، لأنك لا تنفق دولاراتك.

لكن القصة الحقيقية لم تكن في العملة، بل في النفط والغاز. وهنا تقلب هيرمان الطاولة على الرواية الأوروبية. أوروبا فرضت عقوبات على روسيا لتعاقبها، لكنها اكتشفت أن روسيا هي التي تملك سلاحاً مضاداً أشد فتكاً: الغاز. ألمانيا، التي بنت هيرمان كتابها من منظورها، هي المثال الأوضح. النموذج الألماني الذي كان يُدرس في الجامعات كمثال للنجاح، كان يقوم على معادلة بسيطة وخطيرة: استيراد غاز روسي رخيص جداً، وتحويله إلى منتجات كيماوية وصناعية باهظة الثمن، وبيعها للصين. عندما قطعت روسيا الغاز، لم تنقطع التدفئة عن المنازل الألمانية فحسب، بل انقطع الأكسجين عن المصانع. شركة “باسف” العملاقة للكيماويات، التي كانت تستهلك وحدها غازاً أكثر من دولة سويسرا، اضطرت لإغلاق مصانع وإعلان أنها لن تستثمر في ألمانيا مجدداً. هيرمان تنقل عن اقتصادي ألماني قوله: “لقد فرضنا عقوبات على روسيا، فعاقبنا أنفسنا”.

وهنا تصل الكاتبة إلى تحليلها ل “سقف سعر النفط” التي فرضتها مجموعة السبع في ديسمبر 2022. الفكرة كانت ذكية نظرياً: منع روسيا من بيع النفط بأكثر من 60 دولاراً للبرميل، عبر منع التأمين الغربي على أي ناقلة تبيع بسعر أعلى. هيرمان تشرح كيف أن هذه الآلية كانت انتصاراً قانونياً وفشلاً اقتصادياً. فروسيا ببساطة بنت أسطول ظل من 600 ناقلة قديمة تشتريها من اليونان، وأمنت عليها في موسكو، وباعت نفطها للهند والصين بخصم، لكن بسعر ظل دائماً فوق السقف. الهند، التي كانت تستورد 1% من نفطها من روسيا قبل الحرب، أصبحت تستورد 40% منه، وتكرره وتبيعه لأوروبا كمنتج هندي. النفط الروسي لم يختف من السوق، بل غير جواز سفره. والنتيجة أن روسيا في عام 2023 حققت فائضاً تجارياً قياسياً، بينما دفعت ألمانيا 100 مليار يورو إضافية كفاتورة طاقة.

إذن هل فشلت العقوبات؟ هيرمان ترفض هذا التبسيط. وتقول إن السؤال عن الفشل والنجاح يجب أن يُقاس بمقياس مختلف: هل منعت العقوبات آلة الحرب الروسية؟ هنا تأتي إجابتها المعقدة. على المدى القصير، لا. روسيا استطاعت تمويل الحرب لأن أسعار الطاقة ارتفعت بسبب العقوبات نفسها. لكن على المدى المتوسط والطويل، العقوبات تعمل كسم بطيء. تمنع هيرمان بالأرقام: إنتاج السيارات في روسيا انهار بنسبة 67% في عام 2022 لأنها لا تستطيع استيراد رقائق إلكترونية. شركة “أفتوفاز” التي تصنع سيارات لادا، اضطرت لإنتاج سيارات بدون وسائد هوائية ونظام ABS. صناعة الطيران الروسية تآكلت لأنها لا تستطيع استيراد قطع غيار بوينغ وإيرباص. الدبابات الروسية التي يتم تدميرها في أوكرانيا يتم تعويضها بدبابات قديمة من الستينيات يتم إخراجها من المخازن، لأن المصانع لا تستطيع إنتاج دبابات حديثة بدون مكونات غربية.

السلاح المالي، كما تراه هيرمان، لا يقتل فوراً، بل يسبب فقراً تكنولوجياً مزمناً. روسيا تحولت من اقتصاد صناعي إلى ما تسميه “محطة وقود مع صواريخ”. تستطيع بيع النفط والغاز، لكنها لا تستطيع بناء المستقبل. وهذا هو الهدف الحقيقي للعقوبات الغربية، ليس إسقاط بوتين غداً، بل حرمان روسيا من أن تكون قوة عظمى بعد عشر سنوات.

لكن الثمن الذي دفعته أوروبا، وخاصة ألمانيا، كان هائلاً. هيرمان، لا تخفي غضبها من الطريقة التي تعاملت بها الحكومة الألمانية مع الأزمة. تقول إن برلين كانت تعرف منذ 2014 أن اعتمادها على روسيا خطر، لكنها استمرأت الرخاء الرخيص. وعندما جاءت لحظة الحقيقة، تم تحميل العبء على المواطن العادي عبر التضخم، بينما حققت شركات الطاقة الأمريكية أرباحاً خيالية ببيع الغاز المسال لأوروبا بأربعة أضعاف سعره في أمريكا. السلاح المالي، عندما يُستخدم ضد مورد رئيسي، يرتد على من يستخدمه إذا لم يكن لديه بديل جاهز. وأوروبا لم يكن لديها بديل.

تختم هيرمان هذا الفصل بخلاصة أن العقوبات لم تعد أداة لتغيير النظام، بل أداة لإدارة الصراع. أمريكا لم تعد تريد أن تغير سلوك روسيا، بل تريد أن تستنزفها ببطء، مع إبقاء النفط الروسي في السوق حتى لا يرتفع السعر العالمي ويضر بأمريكا نفسها. إنه توازن دقيق ومريب بين العقاب والاحتواء، توازن يدار من مكاتب أوفاك وليس من وزارات الدفاع.

إذا كانت روسيا هي المختبر الذي اختبر فيه الغرب سلاح المال، فإن الصين هي الهدف الحقيقي الذي صُنع هذا السلاح من أجله. هذا هو التحول المحوري الذي تفرضه أولريكه هيرمان في منتصف كتابها، وتنقل القارئ معها من حقول غاز سيبيريا إلى غرف نظيفة معقمة في تايوان، حيث يُصنع الشيء الأكثر أهمية في العالم اليوم: أشباه الموصلات. من يفهم حرب الرقائق، يفهم لماذا تعتبر واشنطن أن معركتها مع موسكو مجرد بروفة، وأن المعركة الفاصلة مع بكين قد بدأت بالفعل دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

تبدأ هيرمان الفصل الصيني بصورة تبدو بعيدة عن الاقتصاد: خطاب شي جين بينغ في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في أكتوبر 2022. الرجل الذي حصل على ولاية ثالثة غير مسبوقة لم يتحدث عن الشيوعية، بل تحدث عن كلمة واحدة تكررت 32 مرة: “الأمن”. أمن غذائي، أمن طاقة، أمن تكنولوجي. لماذا يهتم زعيم دولة تصدّر للعالم كله بالأمن؟ لأن شي، كما تشرح هيرمان بعمق، فهم الدرس الروسي قبل أن يحدث. فهم أن الاندماج في العولمة التي تقودها أمريكا هو نقطة ضعف قاتلة. وأن الصين التي تستورد 80% من رقائقها المتقدمة من الخارج، يمكن خنقها في ليلة واحدة بقرار من أوفاك، تماماً كما خُنقت روسيا.

وهنا تعود هيرمان إلى جذور المشروع الصيني الذي أقلق أمريكا أكثر من أي جيش: “صُنع في الصين 2025”. الخطة التي أعلنتها بكين عام 2015 لم تكن مجرد خطة صناعية، بل كانت إعلان استقلال. هدفها أن تنتقل الصين من مصنع العالم الرخيص الذي يجمع الآيفون، إلى مخترع العالم الذي يصنع الآيفون نفسه. عشر قطاعات حددتها الخطة، من الروبوتات إلى السيارات الكهربائية إلى الطائرات، لكن قطاعاً واحداً كان قلبها النابض: أشباه الموصلات. الصين تنفق 150 مليار دولار كدعم مباشر لصناعة الرقائق، لأنها تعرف أن من لا يصنع الرقائق، لا يصنع المستقبل.

تروي هيرمان كيف أن واشنطن استيقظت متأخرة لكن بعنف. ففي عام 2018، عندما فرضت أمريكا عقوبات على شركة “زد تي إي” الصينية ومنعتها من شراء رقائق كوالكوم الأمريكية، انهارت الشركة في أسبوع. كانت تلك لحظة الصدمة في بكين. أدركوا أن شركاتهم العملاقة مجرد أجساد ضخمة بلا عقل، والعقل موجود في كاليفورنيا وتايوان. ومن هنا بدأت حرب الرقائق الحقيقية.

الفصل الأكثر إثارة في الكتاب هو وصفها التفصيلي لكيفية عمل آلة الخنق الأمريكية الجديدة. أمريكا لا تملك مصانع رقائق متقدمة كثيرة، لكنها تملك شيئاً أهم: أدوات صنع الرقائق. هناك ثلاث شركات في العالم فقط تستطيع صنع آلات الطباعة الليثوغرافية المتقدمة التي تطبع دوائر بحجم بضعة نانومترات: شركة ASML الهولندية. وهذه الشركة، رغم أنها هولندية، تستخدم براءات اختراع أمريكية ومكونات أمريكية. فأصدرت واشنطن قانوناً يمنع ASML من بيع أحدث آلاتها للصين. ليس لأن الآلة أمريكية، بل لأن فيها قطعة أمريكية. هذا هو منطق العقوبات الثانوية في نسخته التكنولوجية: إذا كان في منتجك 10% تكنولوجيا أمريكية، فأنت خاضع لأمريكا.

وتشرح هيرمان كيف تحولت هذه الحرب من رقائق إلى منظومة كاملة. في أكتوبر 2022، أصدرت إدارة بايدن ما تسميه الكاتبة “أقسى عقوبات تكنولوجية في التاريخ”. لم تمنع فقط تصدير الرقائق المتقدمة للصين، بل منعت أي مواطن أمريكي أو مقيم من العمل في مصانع رقائق صينية. بين ليلة وضحاها، استقال مئات المهندسين الأمريكيين والصينيين الحاملين للغرين كارد من شركات صينية، وتوقفت مشاريع. الهدف لم يعد إبطاء الصين، بل كسر ركبتيها.

لماذا كل هذا الرعب من الرقائق؟ تجيب هيرمان بقصة شركة واحدة: هواوي. عام 2019، كانت هواوي على وشك أن تصبح أكبر شركة هواتف في العالم، متفوقة على سامسونغ وآبل. وكانت تبني شبكات الجيل الخامس في 170 دولة. بالنسبة لواشنطن، هذا لم يكن منافسة تجارية، بل تهديد أمن قومي وجودي. فمن يسيطر على شبكات الجيل الخامس، يسيطر على بيانات العالم. ففرضت أمريكا حظراً كاملاً على هواوي، ومنعت أي مصنع في العالم يستخدم تكنولوجيا أمريكية من صنع رقائق لها. شركة TSMC التايوانية، التي كانت تصنع كل رقائق هواوي المتقدمة، اضطرت لقطع العلاقة فوراً. هواوي لم تمت، لكنها تراجعت خمس سنوات إلى الوراء، واضطرت لبيع علامتها التجارية “أونور” لتنجو.

وهنا تصل هيرمان إلى جوهر المعضلة الصينية ، الصين قوية جداً وضعيفة جداً في نفس الوقت. قوية لأنها تسيطر على 60% من إنتاج العالم من المعادن النادرة التي تدخل في كل شيء، من البطاريات إلى الصواريخ، ولأنها أكبر سوق للسيارات الكهربائية، ولأنها تملك سلاسل إمداد لا يمكن الاستغناء عنها. لكنها ضعيفة جداً لأنها لا تستطيع صنع آلة واحدة متقدمة بدون الغرب. وهذا الضعف هو ما تستهدفه أمريكا.

تايوان هي عقدة هذه الحرب. تشرح هيرمان أن جزيرة صغيرة مساحتها أصغر من سيناء، تنتج 92% من رقائق العالم الأكثر تقدماً (أقل من 7 نانومتر). شركة TSMC وحدها تنتج رقائق آبل وإنفيديا وكوالكوم. العالم كله رهينة لمصنع واحد في مدينة هسينشو التايوانية. ولذلك، فإن الحرب على تايوان ليست حرباً على الديمقراطية كما يصورها الإعلام، بل هي حرب على المصنع. أمريكا لا تدافع عن تايوان حباً في تايوان، بل لأنها إذا سقطت في يد الصين، فإن الصين ستمتلك مفتاح التكنولوجيا العالمية. والصين لا تريد غزو تايوان فقط لاستعادة أرض تعتبرها جزءاً منها، بل لأنها تريد المصنع.

هيرمان تنقل عن مسؤول أمريكي قوله بصراحة : “نحن لا نريد أن ندمر الصين، نريد فقط أن نبقيها متأخرة عنا بجيلين تكنولوجياً”. هذه هي استراتيجية الاحتواء الجديدة. لم تعد أمريكا تريد تغيير النظام الصيني، بل تريد تجميده. تريده مصنعاً رخيصاً للسلع البسيطة، لكن ليس مختبراً ينافسها في الذكاء الاصطناعي والحواسيب الكمومية.

وتختم الكاتبة هذا الفصل بسؤال يخص أوروبا والعالم العربي مباشرة: ماذا سيحدث عندما تُجبر كل دول العالم على الاختيار؟ فأمريكا بدأت تطلب من حلفائها بوضوح: إما أن تكونوا معنا في حرب الرقائق، أو أنتم ضدنا. هولندا منعت ASML، ألمانيا منعت بيع مصنع رقائق لشركة صينية، وحتى دول الخليج التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي، طُلب منها عدم استخدام رقائق هواوي. العالم الذي كان يتحدث عن “عدم الانحياز” يجد نفسه أمام انقسام تكنولوجي لا يمكن الحياد فيه. إما نظام تشغيل أمريكي، أو نظام تشغيل صيني.

نصل الآن إلى الفصل الذي ينتظره كل قارئ قرأ عناوين الصحف في العامين الماضيين: “الدولار يحتضر، البريكس قادم، اليوان سيحل محله، العالم يتخلى عن أمريكا”. هذه العناوين التي تملأ قنوات يوتيوب وصفحات فيسبوك، تفككها أولريكه هيرمان في الفصل الأخير من كتابها وخلاصتها، هي أن سلاح المال الأمريكي لا يمكن نزع فتيله بسهولة، وأن كل الحديث عن نهاية الدولار هو وهم مريح أكثر منه حقيقة اقتصادية، وأن العالم لا يتجه نحو عملة جديدة، بل نحو عالم منقسم نقدياً وتكنولوجياً سيكون أكثر فقراً وخطراً للجميع.

تبدأ هيرمان من الوهم الأكبر: مجموعة البريكس. فكرة أن البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ومعها الآن مصر والسعودية وإيران، يمكن أن تنشئ عملة موحدة تنافس الدولار. تشرح الكاتبة لماذا هذه الفكرة مستحيلة اقتصادياً قبل أن تكون مستحيلة سياسياً. العملة الموحدة تحتاج إلى ثقة موحدة، وبنك مركزي موحد، وسوق سندات موحدة، وحرية حركة رأس مال. منطقة اليورو، التي تتشابه دولها ثقافياً وسياسياً وتملك برلماناً موحداً، فشلت في خلق سوق سندات موحدة بعد 25 عاماً. فكيف لدول لا تثق ببعضها، بينها حروب حدودية كالصين والهند، واقتصادات متناقضة كالسعودية والبرازيل، أن تخلق عملة؟ ما يجمع البريكس هو كرهها للدولار، وليس حبها لبعضها. والكره لا يصنع عملة.

ثم تنتقل إلى اليوان. وهنا تقدم هيرمان تحليلاً هو الأكثر إقناعاً في الكتاب كله. لماذا لا يمكن لليوان أن يحل محل الدولار حتى لو أرادت الصين ذلك؟ لأن الصين نفسها لا تريد ذلك. الدولار قوي لأنه حر. يمكنك أن تشتري به أي شيء، وأن تخرجه من أمريكا في أي لحظة، وأن تقاضي الحكومة الأمريكية في محكمة أمريكية إذا صادرت أموالك. اليوان ليس كذلك. هو عملة مسيطر عليها بالكامل. الحكومة الصينية تحدد سعره كل صباح، وتمنع خروج أكثر من 50 ألف دولار سنوياً لأي مواطن، وتسجن من يتلاعب به. لا مستثمر عالمي عاقل سيضع احتياطياته التي هي أمان شعبه في عملة لا يستطيع إخراجها عندما يريد. الصين تريد فوائد أن تكون عملة احتياط – أن تطبع نقوداً ويشتريها العالم – دون أن تدفع الثمن: حرية رأس المال، وسيادة القانون، واستقلالية البنك المركزي. وهذا، كما تقول هيرمان، مثل أن تريد أن تسبح دون أن تبتل.

وتضيف رقماً ينهي الجدل: حصة اليوان في المدفوعات العالمية عبر سويفت لا تتجاوز 4.5%، حتى بعد كل الدعاية. بل إن حصة اليورو تتراجع أيضاً. الدولار لا يزال يهيمن على 58% من الاحتياطيات، وهو رقم مستقر منذ 20 عاماً. لماذا؟ لأن الأزمات تزيد الطلب على الدولار، لا تنقصه. عندما اندلعت حرب أوكرانيا، لم يهرب العالم إلى اليوان، بل هرب إلى الدولار. وعندما انهار بنك سيليكون فالي، هرب العالم إلى سندات الخزانة الأمريكية. الدولار هو الملاذ الآمن لأنه وراءه جيش يحميه وقضاء يحمي الملكية.

ماذا عن الذهب والبيتكوين؟ هيرمان تخصص صفحات ساخرة لهما. الذهب، الذي تشتريه روسيا والصين بكثافة، لا يصلح كنظام دفع. لا يمكنك أن تدفع ثمن شحنة نفط بسبيكة ذهب يجب أن تنقلها بطائرة. والذهب نفسه مسعر بالدولار. أما البيتكوين، فتعتبره الكاتبة “أداة مضاربة للمراهقين الماليين”، لا عملة. فسعره يتقلب 10% في يوم واحد، ولا يوجد بنك مركزي يضمنه، واستهلاكه للكهرباء يجعله غير قابل للاستخدام كعملة عالمية. لا يمكنك أن تبني نظاماً مالياً عالمياً على شيء يستهلك كهرباء أكثر من دولة الأرجنتين.

إذن ما هو المستقبل الذي ترسمه هيرمان؟ ليس نهاية الدولار، بل انقسام العالم إلى كتلتين. كتلة دولارية تقودها أمريكا وأوروبا واليابان، وكتلة يوانية غير رسمية تقودها الصين وروسيا وإيران، تتعامل بالمقايضة والعملات المحلية والذهب، لكنها ستظل صغيرة وغير فعالة. وتسمي هذا “نهاية العولمة كما عرفناها”. العولمة التي كانت تقول إن التجارة تجلب السلام، انتهت. الآن التجارة نفسها أصبحت ساحة حرب. الشركات الألمانية التي كانت تفتخر بأنها تصنع في الصين للعالم، الآن مجبرة على بناء مصنعين: واحد للغرب، وواحد للصين، لأن أمريكا تمنعها من تصدير تكنولوجيا معينة للصين. التكلفة ستتضاعف، والكفاءة ستنخفض، والتضخم سيبقى.

وهنا تصل هيرمان إلى نقدها الأخلاقي والسياسي الأهم، وهو ما يجعل كتابها أكثر من مجرد كتاب اقتصاد. سلاح المال فعال، لكنه غير ديمقراطي وغير عادل. فالعقوبات لا تؤذي بوتين وشي، بل تؤذي المواطن العادي في طهران وموسكو ، بينما النخب تجد دائماً طريقاً للالتفاف. كما أن سلاح الدولار يعطي أمريكا قوة لم يمنحها لها أحد، قوة تسمح لها بأن تفرض قوانينها على العالم دون المرور بالأمم المتحدة. العالم الذي تحكمه أوفاك ليس عالماً متعدد الأقطاب، بل عالم أحادي القطب بغطاء مالي.

الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى