أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

أفريقيا: لماذا يخطئ الاقتصاديون في فهمها؟

في عام 2000، نشرت مجلة “ذا إيكونوميست” على غلافها صورة مقاتل أفريقي يحمل مدفعا رشاشا، وتحتها عنوان من كلمتين لا يزال يطارد القارة حتى اليوم: “القارة اليائسة”. بعد أحد عشر عاما فقط، نشرت المجلة نفسها غلافا آخر يقول “أفريقيا تنهض”. بين هذين الغلافين لا تقع معجزة اقتصادية بقدر ما يقع انقلاب في السردية، وهذا بالضبط ما يلتقطه الاقتصادي والمؤرخ الاقتصادي النرويجي مورتن يرڤن في كتابه: “أفريقيا: لماذا يخطئ الاقتصاديون في فهمها؟ ?Africa: Why Economists Get It Wrong” الصادر ضمن سلسلة “حجج أفريقية” عن دار Zed Books في لندن عام 2015.

هذا ليس كتابا عن أفريقيا بقدر ما هو كتاب عن كيفية الكتابة عن أفريقيا. يرڤن، الأستاذ المساعد الذي قضى سنوات في  أرشيفات الناتج المحلي الإجمالي في زامبيا وغانا ومالاوي، لا يأتي ليخبرنا أن أفريقيا بخير أو أنها ليست بخير، بل ليخبرنا أن أدواتنا لقياس “البخير” و”السوء” معطوبة من الأساس، وأن الاقتصاديين حين حاولوا تفسير تخلف القارة، صنعوا رواية متماسكة من أرقام غير متماسكة.

يبدأ يرڤن من حيث يبدأ الجميع: حقيقة أن أفريقيا، جنوب الصحراء تحديدا، كانت أفقر منطقة في العالم في الفترة من 1960 إلى 2000 إذا نظرنا إلى متوسط نمو نصيب الفرد. هذه تبدو كحقيقة بديهية لا تحتاج إلى إثبات. لكن يرڤن يضع يده على أول جرح: كيف حسبنا هذا المتوسط؟ وكيف تحولت أربعون سنة من تقلبات عنيفة إلى رقم واحد ثابت أطلق عليه “الفشل المزمن”؟

في الفصل الأول الذي يحمل عنوان “سوء فهم النمو في أفريقيا”، يعود المؤلف إلى المختبر الذي صنعت فيه هذه الحقيقة: أدبيات الانحدار الاقتصادي القياسي، أو ما يسميه “Growth Regressions”. في الثمانينيات والتسعينيات، ومع توفر قواعد بيانات دولية مثل Penn World Tables وWorld Development Indicators، انهمك جيل من الاقتصاديين في تشغيل معادلات ضخمة تربط بين معدل النمو وعشرات المتغيرات: الانفتاح التجاري، التضخم، سعر الصرف، حجم الحكومة، الفساد، الحروب الأهلية، التنوع الإثني. الفكرة كانت بسيطة: نضع أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في نفس المعادلة، ونرى ما الذي يجعل أفريقيا مختلفة.

النتيجة التي خرجت كانت وصفة جاهزة للوم. الاقتصاديون وجدوا أن أفريقيا تنمو أقل بسبب سياسات “سيئة”، والسياسات السيئة ناتجة عن “حكم سيئ”، والحكم السيئ ناتج عن “رأس مال اجتماعي منخفض” و”مؤسسات ضعيفة” و”تنوع إثني مفرط”. قائمة اتهامات طويلة بدأت تظهر في أوراق كولير وغونينغ وماورو وتمبل وإيسترلي وليفين. في ورقة شهيرة عام 1999، جمع كولير وغونينغ كل ما هو خاطئ في أفريقيا حسب الأدبيات: الفساد المنتشر، البيروقراطية غير الكفؤة، عدم القدرة على إنفاذ العقود، الحروب الأهلية، التجزئة الإثنية، التخلف الاجتماعي، وعدم المساواة. كلها وضعت في جدول واحد وكأنها قياسات موضوعية لنفس الظاهرة.

هنا يتدخل يرڤن بمشرط المؤرخ. أولا، هذه القياسات ليست محايدة ولا تاريخية. مؤشرات الفساد والبيروقراطية التي استخدمها ماورو عام 1995 مثلا، مبنية على مسح أجري عام 1982 لعشر دول أفريقية فقط، من بينها نيجيريا وزائير والكاميرون، وهي حالات متطرفة لا تمثل القارة. ثانيا، والأهم، هذه المؤشرات جُمعت في النصف الثاني من فترة التحليل نفسها. فكيف يمكن أن نفسر فشل النمو بين 1960 و2000 بمستوى الفساد في 1985؟ هذا خلط بين النتيجة والسبب، أو ما يسميه الاقتصاديون “مشكلة التجانس الداخلي” endogeneity. نحن نفسر النتيجة بتأثيرها.

والأخطر من ذلك، كما يوضح يرڤن، هو أن هذه الأدبيات تجاهلت الزمن تماما. عندما نأخذ متوسط النمو لأربعين سنة، فإننا نمحو قصتين مختلفتين تماما. في الواقع، أفريقيا لم تكن في ركود دائم. كانت هناك طفرة قوية في الستينيات والسبعينيات، مدفوعة بارتفاع أسعار السلع الأولية والاستثمار العام الضخم بعد الاستقلال، ثم انهيار حاد في الثمانينيات وأوائل التسعينيات مع أزمة الديون وبرامج التكيف ، ثم عودة للنمو في أواخر التسعينيات. من خلال تحويل هذه الدورة المتقلبة إلى متوسط سلبي واحد، خلق الاقتصاديون صورة “الركود المزمن” التي تتطلب تفسيرا جذريا وأبديا، وكأن هناك خللا في شخصية القارة.

هذا الخلل، كما لاحظت مجلة الإيكونوميست في عام 2000 وهي تسأل “هل لدى أفريقيا خلل في الشخصية؟”، وجد له الاقتصاديون اسما أكاديميا: نقص رأس المال الاجتماعي. فجأة أصبح التنوع الإثني الذي كان ينظر إليه سابقا كثروة ثقافية، متغيرا إحصائيا يفسر الفشل. أصبح عدم المساواة والانقسام القبلي هو “الخطيئة الأصلية” التي تفسر كل شيء. يرڤن يسمي هذا “الجيل الثاني من أدبيات النمو”، حيث لم يعد السؤال هو: هل السياسات الاقتصادية الخاطئة تسبب بطء النمو؟ بل أصبح: لماذا تختار أفريقيا سياسات خاطئة؟ والجواب الجاهز: لأن تاريخها ومجتمعها يجعلانها عاجزة عن اختيار الصواب.

وهنا يكمن المأزق المنطقي الذي يقف الكتاب عليه. إذا كانت الظروف الأولية السيئة هي التي تفسر الفشل، فكيف نفسر النمو في الستينيات؟ هل اختفت الظروف الأولية ثم عادت؟ يرڤن يقول إن هذا التفسير الثابت لا يستطيع تفسير التغير. التمثيل السياسي لمجموعة إثنية معينة لم يكن مشكلة حتى انهارت أسعار البن، وندرة الأراضي لم تكن صراعا حتى فشل المطر. الظروف الأولية لا تعمل بمعزل عن الصدمات الخارجية والسياسات المتغيرة. لكن نماذج الانحدار المقطعية لا تملك مكانا للزمن ولا للسياق المحلي.

لذلك يدعو يرڤن إلى ما يسميه “قفزة إيمان” قام بها الاقتصاديون. قفزة من ملاحظات مقطعية في زمن معين إلى حكم أبدي عبر الزمن والمكان. قفزة تتجاهل حقيقتين أساسيتين: أولا، أن فشل التكيف الهيكلي Structural Adjustment في إعادة النمو بسرعة يعود في جزء كبير منه إلى أهمية العوامل الخارجية التي تم التقليل من شأنها، وثانيا، أن كل اقتصاد أفريقي له قيوده وخصائصه التي تجعل الإصلاحات المصممة بشكل موحد تفشل عند التطبيق.

الكتاب لا يقدم إجابة بديلة عن سبب نمو أفريقيا أو عدم نموها، بل يهدم الأرضية التي بنيت عليها الإجابات السابقة. إنه يذكرنا بأن أفريقيا التي نتحدث عنها في النماذج ليست أفريقيا التي عاشت النمو والانهيار، بل أفريقيا مصغرة ومجمعة ومبسطة لتتناسب مع جدول إكسل.

إذا كان الفصل الأول من كتاب مورتن يرڤن قد هدم فكرة “الفشل المزمن” من خلال إظهار أن الاقتصاديين حولوا أربعين عاما من التقلبات العنيفة إلى متوسط حسابي بائس، فإن الفصل الثاني يهدم محاولة أحدث وأكثر أناقة لإنقاذ نفس السردية: نظرية أن أفريقيا فقيرة لأن التاريخ جعلها فقيرة.

في مطلع الألفية الجديدة، وبعد أن استنفدت أدبيات انحدارات النمو قدرتها على الإقناع، انتقلت الأنظار من السياسات السيئة إلى الجذور العميقة. لم يعد السؤال لماذا تنمو أفريقيا ببطء، بل لماذا هي فقيرة أصلا. وظهر مفهوم ساحر اسمه “التبعية للمسار” path dependency. الفكرة، كما يشرحها يرڤن، تقول إن حدثا تاريخيا واحدا، أو حزمة من الظروف الأولية، تضع الاقتصاد على سكة حديدية لا يمكنه مغادرتها. نرى النتيجة اليوم في أرقام الناتج المحلي للفرد، لكن السبب الحقيقي كامن هناك، في الماضي البعيد.

ولإثبات ذلك، انطلقت موجة من الأبحاث المبهرة. ساكس وبلوم قالا إن الجغرافيا هي القدر: البيئة المدارية الموبوءة بالملاريا. ناثان نان قال إن تجارة الرقيق عبر الأطلسي هي التي دمرت المؤسسات. أسيموغلو وجونسون وروبنسون قالوا إن الاستعمار هو الأصل: حيث استوطن الأوروبيون وأنشأوا مؤسسات تحمي الملكية، نما الاقتصاد، وحيث لم يستوطنوا واكتفوا بنهب الموارد عبر مؤسسات استخراجية، بقي الفقر. كل هذه الأطروحات بدت تاريخية أخيرا، وبدت كأنها تعطي وزنا للتاريخ بعد أن تجاهله الاقتصاديون طويلا. لكن يرڤن يسأل بهدوء: أي تاريخ؟ وكيف نقيسه؟

في فصل لا يحتاج إلى فلسفة بل إلى جدول حسابي بسيط. يأخذ يرڤن ثلاث قواعد بيانات دولية يعتبرها الاقتصاديون مسلمات: بيانات أنغوس ماديسون التاريخية، وبيانات البنك الدولي World Development Indicators، وبيانات Penn World Tables الشهيرة. ويطرح سؤالا بدائيا: من هي أفقر دولة في أفريقيا عام 2000؟ ومن هي أغنى دولة؟

 حسب بيانات ماديسون، أفقر دولة هي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحسب البنك الدولي هي أيضا الكونغو، لكن حسب Penn World Tables هي أيضا الكونغو، هنا اتفقوا. لكن انظر إلى الترتيب التالي. سيراليون هي ثاني أفقر دولة عند ماديسون، لكنها رقم 3 عند البنك الدولي ورقم 2 عند بنسلفانيا؟ لا. سيراليون عند ماديسون في المرتبة 2، عند البنك الدولي في المرتبة 4، عند بنسلفانيا في المرتبة 3. تشاد عند ماديسون هي الثالثة من الأسفل، لكنها عند البنك الدولي في المرتبة 11، وعند بنسلفانيا في المرتبة 10. غينيا بيساو عند ماديسون في المرتبة 7، لكنها عند بنسلفانيا في المرتبة 5، وعند البنك الدولي في المرتبة 9.

يواصل يرڤن الاختبار على 45 دولة أفريقية. النتيجة أن متوسط الاختلاف في الترتيب بين قاعدة وأخرى هو سبع مراتب. سبع مراتب في قارة فيها 45 دولة، أي أنك لا تستطيع أن تقول بثقة ما إذا كانت كينيا هي سادس أفقر دولة أو ثامن أغنى دولة. حسب بيانات ماديسون، نصيب الفرد في كينيا 535 دولارا، وهو ما يضعها في الوسط، لكن مع هامش خطأ 30 بالمئة صعودا وهبوطا، وهو هامش واقعي جدا لأن غانا مثلا ضاعفت ناتجها المحلي بين ليلة وضحاها في عام 2010 عندما راجعت طريقة حسابه، فإن كينيا يمكن أن تكون في أي مكان بين الأفقر والأغنى. ولهذا يقترح يرڤن تقسيما أكثر صدقا: لا يوجد 45 مستوى متمايزا من الدخل في أفريقيا، بل ثلاث مجموعات فقط: منخفض ومتوسط ومرتفع، وداخل كل مجموعة الفروق عشوائية.

ما معنى ذلك؟ معناه أن المتغير التابع الذي نحاول تفسيره، وهو نصيب الفرد من الناتج المحلي في عام 2000، ليس رقما صلبا بل نطاق متأرجح. فكيف يمكن أن نبني عليه نظرية تقول إن تجارة الرقيق قبل 200 سنة تفسر الفرق بين غانا وكينيا بدقة، إذا كنا لا نعرف أصلا أيهما أغنى من الآخر؟ إن الانحدارات التي تربط بين عدد الرقيق المصدر من منطقة ما وبين دخلها اليوم، تتعامل مع الفروق بين الدول وكأنها حقيقة اقتصادية عميقة، بينما هي في كثير من الحالات مجرد خطأ في التسجيل.

ثم ينتقل يرڤن إلى الاختبار الزمني. إذا كانت التبعية للمسار صحيحة، فيجب أن يكون ترتيب الدول مستقرا عبر الزمن، لأن التاريخ لا يتغير. فيأخذ بيانات البنك الدولي من 1960 إلى 2001 ويرتب الدول كل عام. فيجد أن الترتيب متقلب بعنف. بتسوانا وليسوتو كانتا من أفقر الدول عند الاستقلال، وأصبحتا من الأغنى بسرعة. ليبيريا كانت غنية وأصبحت فقيرة. زامبيا والسنغال سارتا في نفس الاتجاه الهبوطي لكن بشكل أقل دراماتيكية. زيمبابوي وموريتانيا كانتا قريبتين من المراكز العشرة الأولى ثم تراجعتا. الكاميرون، وهي دولة متوسطة الدخل في 1960، أصبحت غنية منذ أواخر السبعينيات. بمعنى آخر، لا يوجد “قدر” جغرافي أو تاريخي يفسر كل هذا التأرجح. ما يفسره هو الصدمات: صدمة أسعار النحاس لزامبيا، صدمة النفط لنيجيريا، صدمة الجفاف لمنطقة الساحل.

يرڤن لا ينكر أن التاريخ مهم، بل يسأل: أي تاريخ يهم؟ هنا يستعير من المؤرخ أنتوني هوبكنز مقولة ذكية: مقارنة الموارد الطبيعية والمناخات المختلفة في أنحاء العالم لاستنتاج ما إذا كانت تعيق أو تحفز التقدم الاقتصادي هي تمرين مغر لكنه غير مثمر، مثل محاولة تحديد ما إذا كانت الحياة أصعب على البطريق في القطب الجنوبي أو الجمل في الصحراء. المشكلة ليست في الجغرافيا بحد ذاتها، بل في نوع التكنولوجيا والاستثمار في رأس المال البشري والمادي الذي يلائم هذه الجغرافيا. عندما نفشل في مراعاة هذا السياق المحلي، نرتكب ما يسميه بوميرانز “خطأ المقارنة غير المتبادلة”، حيث نعتبر الغرب هو المعيار دائما، وكل انحراف عنه هو انحراف سلبي.

والأهم من ذلك، أن نظريات التبعية للمسار تفترض أن المؤسسات التي خلفها الاستعمار أو تجارة الرقيق استمرت بلا تغيير حتى عام 2000. وهذا يتجاهل ما أظهره روبرت بيتس في دراسته الكلاسيكية عام 1981: أن مجالس التسويق الاستعمارية، وهي مؤسسة استعمارية بامتياز، استخدمت بعد الاستقلال بطرق مختلفة تماما حسب الاقتصاد السياسي لكل دولة. بعض الدول استخدمتها لدعم صادراتها الزراعية، وبعضها استخدمتها لمعاقبة المزارعين. المسار انكسر، وتغير، وأعيد تشكيله. بل إن التكيف نفسه في الثمانينيات كان إصلاحا مؤسسيا هائلا كسر الكثير من المسارات القديمة. لذلك، كما يقول يرڤن، فإن مفارقة حجج التبعية للمسار هي أنها دائما ما تنتهي بأنها ذات صلاحية زمنية محدودة.

يقول يرڤن : حتى لو كان هناك قليل من التباين في الدخل بين 30 دولة أفريقية يحتاج إلى تفسير، فإن الفرق في الترتيب بينها قد يكون مجرد خطأ في القياس أو تقلب مؤقت وليس فرقا اقتصاديا جوهريا، بل إن أقل من عشر دول يمكن تمييزها بثقة على أنها أغنى من البقية، ومعظمها إما جنوب أفريقيا، أو جزر صغيرة، أو دول غنية بالموارد وقليلة السكان. ومع ذلك، وبالرغم من كل عدم اليقين هذا حول المتغير التابع، استمرت الرحلة للعثور على سبب جذري واحد يفسر كل شيء.

في نوفمبر من عام 2010، استيقظت غانا لتجد نفسها أغنى بنسبة 60 بالمئة عما كانت عليه في اليوم السابق. لم تكتشف حقل نفط جديد، ولم تضاعف محصول الكاكاو بين ليلة وضحاها، ولم يهبط عليها استثمار أجنبي بعشرات المليارات. كل ما حدث أن مكتب الإحصاء الغاني قرر تحديث سنة الأساس التي يحسب بها الناتج المحلي الإجمالي. كانت السنة القديمة تعود إلى عام 1993، وكانت لا تحسب قطاعات كاملة نمت في الألفية الجديدة: خدمات الهاتف المحمول، التحويلات المالية، صناعة الأفلام النيجيرية التي تستهلك في أكرا، البنوك الخاصة. عندما تم إدراجها، قفز الناتج من 25 مليار دولار إلى 40 مليارا، وانتقلت غانا فورا من خانة الدول منخفضة الدخل إلى متوسطة الدخل، وتبخرت كل التوقعات والنماذج التي كانت تتحدث عن فقرها المدقع.

غانا لم تكن استثناء. بعدها بعامين، فعلت نيجيريا الشيء نفسه، فارتفع ناتجها بنسبة 89 بالمئة وأصبحت أكبر اقتصاد في القارة متجاوزة جنوب أفريقيا. تنزانيا وزامبيا وكينيا وأوغندا فعلت الشيء نفسه بدرجات متفاوتة. هذه ليست نكتة إحصائية، بل هي القلب النابض لحجة مورتن يرڤن في الفصل الثالث من كتابه، الفصل الذي يحمل عنوانا استفزازيا ومقصودا: “حقائق أم خيالات؟”.

يرڤن، الذي بدأ حياته الأكاديمية كباحث أرشيفي في مكاتب الإحصاء الأفريقية، يطلب منا أن نتوقف عن معاملة أرقام الناتج المحلي الإجمالي كحقائق طبيعية مثل درجة الحرارة، وأن نبدأ في النظر إليها كمنتجات بشرية، مصنوعة بأيدي موظفين قليلي التدريب، بميزانيات شحيحة، تحت ضغط سياسي، وفي ظروف تكون فيها الاقتصادات غير رسمية بطبيعتها.

القصة تبدأ بعد الاستقلال مباشرة. في الستينيات، كانت الدول الأفريقية الجديدة تحتاج إلى ناتج محلي إجمالي لسببين: داخلي لإثبات أن الاستقلال يصنع التنمية، وخارجي للحصول على قروض البنك الدولي. لكن لم يكن لديها القدرة على إجرائه. كان الإحصاء يعتمد على تقدير إنتاج الكفاف، وتخمين ما يزرعه الفلاح ولا يسجله، وافتراض أن ما يباع في السوق هو جزء صغير من الحقيقة. كانت هناك معادلات تقول: إذا كان لدينا سجل لاستيراد الأسمدة، فلنفترض أن الإنتاج الزراعي كذا. إذا كان لدينا سجل لاستهلاك الكهرباء، فلنفترض أن الإنتاج الصناعي كذا. هذه طرق معقولة في غياب البيانات، لكنها تصبح خيالية عندما تبقى سارية لثلاثين سنة دون تحديث.

ثم جاءت الثمانينيات، سنوات الانهيار. لم يكن الانهيار اقتصاديا فقط، بل كان انهيارا إحصائيا. مع برامج التكيف  وتقليص الإنفاق الحكومي، تم تقليص ميزانيات مكاتب الإحصاء. كثير من المسوح الميدانية توقفت. أصبح تقدير النمو يعتمد على نموذج بسيط: نأخذ الرقم القديم ونطبق عليه معدل تضخم ونمو سكاني مفترض. وهكذا، ظلت دول كثيرة تنشر أرقام نمو سالبة لسنة بعد سنة، لأن النموذج كان يفترض أنها تنهار، حتى لو كان الواقع في السوق أكثر تعقيدا. يرڤن يروي كيف أن أحد الإحصائيين في زامبيا أخبره أنهم كانوا يعدلون الأرقام يدويا لتتماشى مع توقعات صندوق النقد الدولي، لأنهم إذا نشروا رقما مختلفا سيتم اتهامهم بعدم المصداقية.

النتيجة أن قواعد البيانات الدولية الكبرى التي بنيت عليها كل نظريات الفشل الأفريقي، هي تجميع لأرقام غير قابلة للمقارنة. صندوق النقد والبنك الدولي يأخذان الأرقام من الحكومات كما هي، ويضعانها في جدول واحد، وينشرانها للباحثين. ماديسون يأخذها ويحاول إسقاطها تاريخيا إلى الخلف حتى عام 1820 باستخدام افتراضات نمو ثابتة. Penn World Tables تحاول تعديلها حسب القوة الشرائية باستخدام سلة أسعار قد لا تكون متاحة. ولهذا تختلف ترتيب الدول كما رأينا في الدفعة السابقة. ليس لأن الاقتصاد مختلف، بل لأن طريقة التجميع مختلفة.

يرڤن يقدم مثالا عمليا لا ينسى من عمله الميداني في مالاوي. في عام 2005، كان الناتج الزراعي الرسمي يظهر تراجعا، بينما كانت أسواق الذرة في ليلونغوي ممتلئة. السبب أن المسح الزراعي كان يغطي فقط المزارع المسجلة، بينما كان معظم الإنتاج يأتي من مزارع صغيرة غير مسجلة تزرع الذرة الهجينة الجديدة. عندما تم تصحيح المسح لاحقا، ارتفع الإنتاج بنحو 40 بالمئة. هذا ليس خطأ بسيطا، بل هو فجوة بين الاقتصاد الرسمي الذي يقيسه الإحصائيون، والاقتصاد الحقيقي الذي يعيشه الناس.

وهنا يصل يرڤن إلى نقطته الأخلاقية والمنهجية. ليس من الخطأ أن تكون البيانات ضعيفة، الخطأ أن نتعامل معها كقوية. الاقتصاديون الذين استخدموا هذه البيانات في انحدارات معقدة، وضعوا لها علامات نجوم تدل على الدلالة الإحصائية، وكتبوا توصيات سياسية حازمة بناء عليها، تجاهلوا أن هامش الخطأ في البيانات الأصلية أكبر من التأثير الذي يدعون قياسه. إن القول إن “زيادة نقطة واحدة في مؤشر الفساد تؤدي إلى انخفاض 0.2 بالمئة في النمو” هو وهم دقة، عندما يكون النمو نفسه مقاسا بخطأ يصل إلى 3 بالمئة.

لهذا، يقترح يرڤن عكس ما يفعله الجميع. بدلا من البحث عن سبب واحد عميق يفسر الفقر، يجب أن نعود إلى دراسة النمو نفسه كظاهرة متقطعة ومتكررة. فأفريقيا لم تكن راكدة، بل كانت تنمو وتتراجع بشكل حاد. نمو الستينيات والسبعينيات لم يكن وهما، رغم ضعف البيانات، وكان مدفوعا بثلاثة محركات واضحة: ارتفاع أسعار السلع الأولية عالميا، استثمارات ضخمة للدولة في البنية التحتية والتعليم، وتوسع في زراعة الكفاف المدفوعة بمحاصيل جديدة. وانهيار الثمانينيات لم يكن بسبب فساد أبدي، بل بسبب انهيار تلك المحركات الثلاثة معا: انهيار أسعار السلع، أزمة ديون جعلت الاستثمار مستحيلا، وجفاف مدمر.

عندما نفهم النمو بهذه الطريقة، كحادثة متكررة مرتبطة بالسوق العالمية وبالسياسة المحلية، وليس كحالة مزمنة مرتبطة بالجينات الثقافية، تتغير أسئلتنا تماما. لم نعد نسأل “لماذا تفشل أفريقيا؟” بل نسأل “لماذا نجحت غانا في 1965 وفشلت في 1983؟ ولماذا نجحت بتسوانا في الحالتين؟”.

هناك حكاية يحبها الاقتصاديون كثيرا اسمها “لعنة الموارد”. تقول إن البلدان التي تملك نفطا أو ماسا أو نحاسا محكوم عليها بالفشل، لأن النخبة السياسية تصبح كسولة، تكتفي بتحصيل الريع، لا تبني مؤسسات، وتغرق في الفساد. أفريقيا تبدو المثال المثالي لهذه اللعنة. لكن مورتن يرڤن في الفصل الثالث من كتابه يقلب الطاولة بسؤال بسيط: إذا كانت لعنة الموارد تفسر الفشل، فلماذا نجحت بتسوانا وهي أغنى دولة في أفريقيا بالماس، وفشلت زامبيا وهي غنية بالنحاس، في نفس الفترة؟

الجواب ليس في الموارد بل في الأسعار. بتسوانا وزامبيا كانتا على مسار متشابه في الستينيات والسبعينيات. كلاهما يعتمد على معدن واحد. لكن في منتصف السبعينيات، انهار سعر النحاس في السوق العالمية، وهو ما يعني أن دخل زامبيا من العملة الصعبة تبخر، بينما ظل سعر الماس مستقرا، فحافظت بتسوانا على قدرتها على الاستيراد والاستثمار. لم تكن بتسوانا أكثر حكمة مؤسسية بطبيعتها، بل كانت أكثر حظا في بورصة لندن للمعادن. دراسة دييتون عام 1999 التي استشهد بها يرڤن، وجدت أنه لا يوجد دليل عام على أن الدول الأفريقية تعاني عندما ترتفع أسعار السلع، بل هي تعاني عندما تنخفض. هذه ليست لعنة وفرة، بل هي هشاشة أمام الصدمات.

هذه الهشاشة هي قلب ما يسميه يرڤن “النمو المتكرر”. فهو لا ينظر إلى النمو الأفريقي كخط مستقيم صاعد أو هابط، بل كدورة تتكرر عبر قرن ونصف. ولكي يثبت ذلك، يعود إلى ما قبل الاستقلال بكثير. يقدر أن حصة القطاع الخارجي من الاقتصاد الكلي كانت حوالي 10 بالمئة في منتصف القرن التاسع عشر، ثم تضاعفت إلى 20 بالمئة في ساحل الذهب في تسعينيات القرن التاسع عشر، و15 بالمئة في نيجيريا عند مطلع القرن، ثم قفزت إلى 40 بالمئة عشية الحرب العالمية الأولى، ووصلت إلى 50 بالمئة عند الاستقلال. بمعنى آخر، اندماج أفريقيا في الاقتصاد العالمي ليس ظاهرة جديدة بدأت مع العولمة، بل هو مسار طويل بدأ مع تجارة زيت النخيل والكاكاو.

ما يميز فترة الستينيات والسبعينيات، وفقا لبيانات البنك الدولي التي يحللها يرڤن، هو أنها كانت الفترة الوحيدة التي نما فيها الاقتصاد المحلي أسرع من القطاع الخارجي. حصة التجارة من الناتج المحلي كانت 50 بالمئة عام 1960، وانخفضت قليلا حتى عام 1974 رغم النمو المرتفع، أي أن الأسواق الداخلية كانت تتوسع. ثم تأتي صدمة النفط في 1973-1974 و1979-1981، فترتفع حصة التجارة مؤقتا، ليس لأن الصادرات ازدهرت بل لأن فاتورة الواردات النفطية تضخمت. أما من 1990 إلى 2010، فحدث تحول تاريخي: تضاعف الناتج الكلي لأفريقيا جنوب الصحراء، لكن حصة التجارة قفزت من 50 إلى 75 بالمئة. هذا يعني أن نمو التجارة كان حوالي 6 بالمئة سنويا، بينما نمو الناتج كان 3 بالمئة فقط. النمو الأخير إذن، نمو معتمد على الخارج بامتياز، وهذا يجعله أكثر هشاشة مما يبدو، لكنه أيضا أكثر تنوعا جغرافيا، لأن الطلب اليوم لم يعد يأتي من الغرب فقط، بل من الصين والهند، كما توثق دراسات ألدن وبراوتيغام.

وهنا يدخل العامل السياسي، أو ما يسميه المؤرخ فريدريك كوبر “دولة البوابة” gatekeeper state. الفكرة أن الدولة الأفريقية الاستعمارية وما بعد الاستعمارية بنيت أساسا لتحصيل الضرائب على الصادرات والواردات عند البوابة، عند الميناء، وليس لتحصيل ضرائب داخلية من المواطنين. هذا يفسر لماذا تبدو الدولة ضعيفة داخليا لكنها شرسة عند المنفذ الجمركي. ويضيف جان فرانسوا بايار أن هذه “الانفتاحية المفرطة” extraversion بدأت مع تجارة الرقيق نفسها، حيث كانت النخب تبيع البشر مقابل سلع خارجية.

يرڤن لا يرفض فكرة دولة البوابة، بل يضعها في سياقها التاريخي. يقول إن تصوير الدولة الأفريقية كفاشلة وغير كفؤة جاء من خطأين في المقارنة. الخطأ الأول زمني: تم الحكم على الدولة بناء على أدائها في أسوأ فترة في تاريخها الحديث، وهي فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات، عندما كانت في خضم أعمق ركود وأزمة ديون في القرن العشرين، ومع برامج تكيف  فرضت عليها تقليص الإنفاق. أن تحكم على كفاءة سائق وهو يقود في عاصفة ثلجية ليس عادلا.

الخطأ الثاني معياري: تمت مقارنة الدولة الأفريقية الفعلية بدولة مثالية خيالية، دولة تعمل بكفاءة تامة وتحمي الملكية وتنفذ العقود بلا فساد. وبطبيعة الحال، أي دولة في العالم، بما فيها الولايات المتحدة، ستفشل في هذه المقارنة. لكن هذا لا يخبرنا شيئا عن مدى خطورة التقصير في الأداء الاقتصادي.

بل إن الأدلة، كما يقول يرڤن، تظهر أن دولا يمكن وصفها بأن حوكمتها “سيئة” حققت نموا في فترات معينة، مثل أفريقيا في الستينيات والصين في التسعينيات. و”الحوكمة الجيدة” قد تكون نتيجة للتنمية وليست شرطا مسبقا لها. ما حدث من 1979 إلى أواخر التسعينيات لم يكن فخا ثابتا، بل كان حلقة مفرغة: تدهور اقتصادي أدى إلى تدهور سياسي، وتدهور سياسي أدى إلى مزيد من التدهور الاقتصادي، لكن الحلقات المفرغة، على عكس الأفخاخ، يمكن كسرها، وهذا ما حدث فعلا بعد عام 1995.

وماذا عن إصلاحات التكيف؟ يرڤن يرى أنها كسرت جزءا من المشكلة وخلقت جزءا آخر. هي حررت الأسواق التي كانت تدار بأسعار مصطنعة تشجع السوق السوداء وتدفع المزارعين للتوقف عن الإنتاج، وهذا كان ضروريا. لكنها في نفس الوقت حرمت الدولة من مصدر دخلها الرئيسي: الضرائب على الصادرات الزراعية والرسوم الجمركية. والنتيجة أن الدولة أصبحت أقل قدرة على تحصيل الضرائب وأكثر اعتمادا على المساعدات الخارجية لتمويل ميزانيتها، كما توثق دراسة غو وبايج عام 2008. اليوم، تحاول الدول الأفريقية تعويض ذلك عبر ضريبة القيمة المضافة على قطاع الخدمات الصغير والمتوسط، وهو تقدم حقيقي، لكنه يواجه معضلة قديمة: غالبية المواطنين يعملون في الزراعة والخدمات غير الرسمية، وفرض ضرائب عليهم قد يخنق النمو الذي تحاول الدولة حمايته. وإذا كانت الدولة صغيرة وضعيفة أمام الشركات الأجنبية، فإنها تجد نفسها أمام خيار صعب بين أن تكون تنافسية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وبين أن تفرض ضرائب تمول بها المدارس والمستشفيات.

في نهاية هذا التحليل، يصل يرڤن إلى ما يمكن أن نسميه تواضع الاقتصادي. فبعد عقود من البحث عن علاج سحري واحد، من التحديث إلى التكيف  إلى الحوكمة الجيدة إلى الدفعة الكبيرة، يبدو أن العوامل الأساسية للإنتاج، وهي العمل ورأس المال والتكنولوجيا، هي التي تستحق العودة إليها. أفريقيا كانت تاريخيا قارة تعاني من ندرة العمالة وارتفاع تكلفتها، كما وثق أوستن، وهذا ما جعل التصنيع كثيف العمالة مستحيلا في السبعينيات والثمانينيات، عندما كانت آسيا تنهض به. لكن اليوم تضاعف سكان أفريقيا أربع مرات منذ 1960 من 280 مليونا إلى أكثر من مليار، وهذا يخلق تحديا حضريا هائلا، لكنه يخلق أيضا فرصة سوق محلي ووفورات حجم، وما يسميه البعض “العائد الديموغرافي”، بشرط أن يتم الاستثمار في رأس المال البشري.

والمفارقة التي يبرزها سيندر أن هذا الاستثمار حدث فعلا. رغم النمو السلبي في الثمانينيات، استمرت معدلات التعليم ومتوسط العمر المتوقع في التحسن، حتى في ظل برامج التكيف التي قلصت الإنفاق الاجتماعي. بتسوانا التي كان لديها 22 خريجا جامعيا فقط عند الاستقلال، أصبح لديها أكثر من 30 ألفا عام 2005. أفريقيا اليوم تملك رأس مال بشري لم تكن تملكه من قبل.

في الجدول الذي يضعه مورتن يرڤن في الصفحة 110 من كتابه، تبدو القارة كلها وكأنها تغير مقاسها في غرفة قياس واحدة. بتسوانا ناقص 10 بالمئة، بوروندي زائد 40.3 بالمئة، الرأس الأخضر زائد 13.7، تشاد زائد 6.6، جمهورية الكونغو الديمقراطية زائد 66.4 بالمئة، مصر زائد 8.9، إثيوبيا ناقص واحد بالمئة، غانا زائد 62.8 بالمئة، ليسوتو ناقص 4.4، المغرب زائد 11.7، النيجر زائد 2.5، رواندا زائد 10، سيراليون زائد 25.6، جنوب أفريقيا زائد 13.7، تنزانيا زائد 10، تونس زائد 9.8، أوغندا زائد 10.5 بالمئة. هذه ليست توقعات نمو، بل هي نتيجة تغيير سنة الأساس التي يحسب بها الناتج المحلي الإجمالي. كل دولة كانت ترتدي بدلة قديمة مفصلة في الثمانينيات أو التسعينيات، وعندما قررت أن تفصل بدلة جديدة، اكتشفت أنها أطول أو أقصر مما كانت تظن.

هذا الجدول، المأخوذ عن كيريجييرا 2013، هو خلاصة ما يسميه يرڤن “مأساة أفريقيا الإحصائية”. المأساة ليست أن الأرقام خاطئة، بل أننا نتظاهر بأنها صحيحة. وأن المؤسسات الدولية تنشرها وكأنها قابلة للمقارنة، وأن الباحثين يبنون عليها نظريات عن الفقر والفساد والفشل، وأن الصحفيين يلتقطونها ليكتبوا عناوين مثل “القارة اليائسة” و”أفريقيا تنهض” وكأن القارة نفسها هي التي تغيرت، بينما الذي تغير هو المسطرة.

يرڤن يشرح آلية الخداع ببساطة قاسية. في الستينيات والسبعينيات، كان القطاع الرسمي كبيرا نسبيا، والدولة كانت قوية بما يكفي لتسجيل ما يحدث. لذلك كانت الأرقام، رغم ضعفها، تعكس جزءا كبيرا من الاقتصاد. في الثمانينيات، انهار القطاع الرسمي، وتقلصت قدرة الدولة على التسجيل، لكن الافتراض ظل أن القطاع غير الرسمي ينهار معه. لذلك بدت الأرقام كأنها تسجل انهيارا مبالغا فيه. أما اليوم فالافتراض انقلب: الدولة تفترض أن القطاع غير الرسمي ينمو مع القطاع الرسمي، فتضيف قليلا من النمو هنا وهناك لتنعيم خط الاتجاه. النتيجة أن ما نراه كتسارع للنمو منذ التسعينيات هو في جزء كبير منه “نمو إحصائي”، أي نمو ناتج عن إضافة أجزاء كانت موجودة دائما لكنها لم تكن محسوبة.

والأمثلة التي يسوقها الكتاب تجعل هذا مجسدا. غانا في 2006 أدخلت لأول مرة بيانات عن قطاع خدمات صغير ومتوسط الحجم مدفوع بضريبة القيمة المضافة، لكنها بعد 2006 لا تملك أي معلومات جديدة عن القطاع غير الرسمي نفسه. نمو هذا القطاع اليوم يقاس عبر بيانات الضريبة التي بطبيعتها لا تشمل غير الرسمي. في جنوب السودان، البلد الوليد، توقع صندوق النقد في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي 2012 أن يكون أسرع اقتصاد نموا في 2013 بنسبة 69.62 بالمئة، وبعد أن كان أبطأ اقتصاد في 2012 بنسبة ناقص 54.98 بالمئة. الرقمان يبدوان جنونيين، لكنهما صحيحان تقريبا، لأن النمو كله مرتبط بتدفق النفط الذي توقف ثم عاد. بمعنى آخر، ما نسميه نموا وطنيا هو في كثير من الحالات مجرد تغير في قطاع خارجي واحد.

أمام هذه الفوضى، حاول الاقتصاديون اختراع بدائل ذكية. يرڤن يستعرضها بلا رحمة. هناك محاولة ألوين يونغ في 2012 الذي ترك الناتج المحلي جانبا وبنى حسابات بديلة من بيانات الأصول في المسوح الديموغرافية والصحية، ليجد أن استهلاك الأسر الحقيقي في أفريقيا جنوب الصحراء ينمو بين 3.4 و3.7 بالمئة سنويا، أي ثلاثة إلى أربعة أضعاف الرقم الرسمي 0.9 إلى 1.1 بالمئة. النتيجة مثيرة، لكن يرڤن يلاحظ أن عينة يونغ متحيزة لأنها تشمل فقط البلدان الهادئة نسبيا التي تسمح بإجراء مسوح صحية، وأن تراكم الأصول ليس هو نفسه تدفق السلع والخدمات الذي يقيسه الناتج المحلي. أن تملك تلفازا لا يعني أنك تنتج أكثر.

هناك محاولة ميغيل ورفاقه في 2004 الذين اقترحوا استخدام بيانات هطول الأمطار كأداة لتصحيح أخطاء القياس، على اعتبار أن المطر يفسر النمو الزراعي وبالتالي مستوى المعيشة. لكنهم لم يعرفوا أن مكاتب الإحصاء نفسها تستخدم بيانات المطر لتقدير النمو الزراعي أصلا. فهم إذن يصححون الخطأ بنفس الخطأ الذي أنتجه.

وهناك موضة استخدام الأضواء الليلية من الفضاء لقياس النمو، كما في دراسات هندرسون وآخرين 2012، وتشين ونوردهاوس 2010. الفكرة رومانسية: كلما ازدادت الأضواء في الليل، ازداد النمو. لكن يرڤن يسأل: هل يمكن أن نطلب من محافظ بنك مركزي أو وزير مالية أن يحكم السياسة النقدية بناء على صور الأقمار الصناعية؟ وهل ستحكم الأمم المتحدة على الفقر بناء على الإضاءة؟ المشكلة الأعمق أن هذه الحلول المدرسية تتجاوز المشكلة الحقيقية: أن جمع البيانات من خلال المسوح والسجلات الإدارية هو مهمة حوكمة وتخصيص موارد. لا يمكن إصلاحها ببديل إحصائي من الخارج.

المأساة تبلغ ذروتها في فصل الفقر. يرڤن يأخذ دراسة شهيرة لسالا-إي-مارتن وبينكوفسكي 2010 التي ادعت أن الفقر في أفريقيا ينخفض أسرع مما نظن وأنه ينخفض باطراد منذ 1995. كيف توصلا إلى ذلك؟ لم يكن لديهما بيانات فقر سنوية لكل الدول، فأخذا بيانات النمو من Penn World Tables ودمجاها مع بيانات عدم المساواة من قاعدة بيانات UNU-WIDER. يقولان إنهما نظرا في 118 مسحا لـ 48 دولة، وهو رقم يبدو كبيرا، لكنه يعني في المتوسط نقطتين فقط لكل دولة على مدى 36 عاما من 1970 إلى 2006. من أصل 1728 مشاهدة سنوية يجب أن تكون متوفرة (48 دولة في 36 سنة)، هناك 1610 مشاهدات مفقودة. والأدهى أن قاعدتهما لا تحتوي على أي بيانات عن الفقر بعد 2004، فالقول إن الفقر انخفض بعد ذلك هو مجرد تخمين.

ما الحل إذن؟ يرڤن  يقول إننا قضينا ستين عاما نبحث عن علاج واحد لأفريقيا، من نظرية التحديث إلى التكيف إلى الحوكمة إلى الدفعة الكبيرة، وكلها فشلت لأنها تعاملت مع أفريقيا كوحدة واحدة. الحل الذي يقترحه هو العودة إلى الأساسيات التي يعرفها كل طالب اقتصاد في السنة الأولى: العمل ورأس المال والتكنولوجيا، لكن بفهم تاريخي ومحلي.

أفريقيا كانت قارة نادرة العمالة غزيرة الأراضي، وهذا جعل الزراعة غير المروية غير منتجة والعمل مكلفا. اليوم، مع تضاعف السكان أربع مرات، أصبحت قارة وفيرة العمالة، وهذا يفتح باب التصنيع كثيف العمل الذي كان مستحيلا في الثمانينيات. أفريقيا كانت تفتقر إلى رأس المال البشري، لكن بتسوانا التي كان لديها 22 خريجا جامعيا فقط عند الاستقلال أصبح لديها 30 ألفا في 2005، وهذا تحسن هائل رغم كل شيء. أفريقيا تعاني من تكنولوجيا زراعية لا تناسب بيئتها، وهذا يحتاج إلى استثمار محلي لا إلى استيراد بذور آسيا.

والأهم، كما يختم يرڤن، أن الاقتصاد ليس حالة بل عملية. النمو يتكرر وينهار ويعود. والنجاح والفشل ليسا قدرا تاريخيا بل نتيجة تفاعل بين صدمات خارجية وسياسات داخلية وفرص إنتاجية. على الاقتصاديين أن يتوقفوا عن سؤال “لماذا تفشل أفريقيا؟” وأن يبدأوا بسؤال أكثر تواضعا ودقة: “كيف نما قطاع الكاكاو في غانا بين 1965 و1975؟ وكيف انهار بين 1975 و1983؟ وما الذي تغير في سياسة التسعير؟ وما الذي حدث لسعر الكاكاو العالمي؟”.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى