أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ديانة بلا غفران:كيف خنقت “ثقافة الإلغاء” الروح الإنسانية؟

مراجعة كتاب: نهاية الوكيزم (Das Ende des Wokeismus)

في غضون سنوات قليلة، شهدت الحياة العامة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تحولاً جذرياً وعميقاً لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير طفيف في العادات والتقاليد، بل كان بمنزلة زلزال ثقافي واجتماعي أدى إلى فرض سياسة لغوية جديدة تماماً. في كتابه التحليلي العميق والمثير للاهتمام، “نهاية الوكيزم” (Das Ende des Wokeismus)، الصادر في عام 2024 عن دار النشر “كونيغسهاوزن ونويمان” (Königshausen & Neumann)، يأخذنا أستاذ الفلسفة في جامعة بازل وجامعة العلوم التطبيقية في شمال غرب سويسرا، أندرياس برينر، في رحلة تحليلية لهذه الظاهرة التي اجتاحت المجتمعات الغربية. من خلال قلم فلسفي حاد ورؤية نقدية متفحصة، يسعى برينر إلى تفكيك الخيوط المعقدة التي تتكون منها حركة “الوكيزم” أو ثقافة اليقظة، محاولاً فهم جذورها، آلياتها، ومآلاتها، واضعاً إياها تحت مجهر الفحص الدقيق بعيداً عن الانفعالات السطحية.

يبدأ برينر تحليله بتسليط الضوء على السياسة اللغوية المستحدثة التي أصدرت قواعد جديدة صارمة للتحدث، بل وفرضت محظورات غير مسبوقة على التعبير والثقافة. يوضح المؤلف كيف أصبح من غير اللائق، بل والمستهجن، استخدام كلمات كانت تعتبر طبيعية وبديهية حتى وقت قريب. على سبيل المثال، يشير برينر إلى أن استخدام كلمة “أم” أصبح محفوفاً بالمخاطر، وبات من الأسلم والأكثر تماشياً مع العصر استخدام مصطلح “شخص يلد” لتجنب الوقوع في فخ المخالفة اللغوية. يمتد هذا التحريم اللغوي ليشمل مفاهيم بيولوجية راسخة؛ فقد بات من المحظور الحديث عن وجود جنسين فقط، في حين أصبح من الواجب والمفروض الحديث عن أجناس متعددة أو جنس مائع يتغير ويتشكل بحرية.

لا تتوقف هذه المحظورات عند حدود اللغة، بل تتجاوزها لتشمل استهلاك الثقافة والفن. يذكر الكتاب أنه أصبح من الممنوع الاستمتاع بأعمال أدبية وموسيقية معينة، مثل أعمال الكاتب كارل ماي أو بعض المقطوعات الموسيقية للمؤلف هاندل، بناءً على أحكام أخلاقية بأثر رجعي. وتصل هذه المطالبات إلى تغيير أسماء الشوارع، حيث يُتوقع ممن يسكن في شارع يحمل اسم “شارع المور” (Mohrenstraße) أن يشارك بحماس في حملات لتغيير اسم الشارع أو على الأقل تغطية اللافتات، تكفيراً عن ذنوب تاريخية لم يرتكبها.

من أبرز الظواهر التي يحللها الكتاب بدقة هي ما يُعرف بـ “ثقافة الإلغاء” (Cancel Culture). يشبه برينر هذه الثقافة بلوحات الإعلانات في المطارات، حيث كانت مصطلحات الإلغاء مقصورة على الرحلات الجوية، لكنها اليوم باتت تحكم وتنظم حياة الأشخاص الذين بقوا على الأرض. تماماً كما تختفي رحلة جوية فجأة من على شاشة العرض، تختفي عناوين المحاضرات بشكل مفاجئ من برامج الفعاليات الثقافية والأكاديمية. وعندما يتجرأ شخص ما على السؤال عن سبب هذا الاختفاء، فإنه يُجابه بالكلمة القوية والقاطعة: “أُلغي” (gecancelt).

الأمر لا يقتصر على إلغاء العناوين والفعاليات، بل يتعداه إلى إلغاء البشر أنفسهم. يوضح برينر أن شطب الأشخاص من برامج الفعاليات غالباً ما يتبعه محوهم من مجالات أخرى متعددة في الحياة العامة والمهنية. ونتيجة لذلك، فقد العديد من الأشخاص في السنوات الأخيرة مصادر رزقهم وأسس حياتهم المهنية؛ فالباحثون والعلماء الذين عبروا عن مواقف لا تتوافق مع توجهات حركة المتحولين جنسياً فقدوا وظائفهم في الجامعات. وبالمثل، فَقَد موسيقيون فرصهم في الأداء وتقديم فنهم لمجرد أن تسريحة شعرهم اعتُبرت “مستحيلة” أو غير لائقة وفقاً للمعايير الجديدة، مما يُعد تجسيداً لما يسمى بـ “الاستيلاء الثقافي”. النقطة الأكثر إثارة للقلق والتي يؤكد عليها برينر هي أن هذه الإقصاءات لا تحدث في أنظمة ديكتاتورية قمعية أو في دول دينية معلنة، بل تجري أحداثها في قلب الديمقراطيات الغربية العريقة.

إن ما كان يُعتبر حتى وقت قريب “رقابة” قمعية تقيد الحريات، أصبح اليوم يُعتبر في ظل هذه الثقافة علامة على السلوك السليم ودليلاً على النزاهة الأخلاقية. يرى الكاتب أن أي شخص يرغب في تجنب النبذ الاجتماعي وتدمير سمعته يجب عليه أن يصغي بتركيز شديد لمعرفة ما هو مناسب لقوله، وعليه قبل كل شيء أن يتجنب بدقة متناهية كل ما تحرمه وتدينُه هذه الثقافة الجديدة. بعبارة أخرى وبسيطة: يجب على المرء في ظل هذه الثقافة الجديدة أن يكون “مستيقظاً” أو “ووك” (woke).

لكن برينر يرى أن تحقيق هذا الالتزام هو أسهل في القول منه في الفعل. فمشكلة مفهوم الوكيزم وتحديه الأكبر يكمنان في أنه يعمل ضمن مجتمع يتسم بديناميكية عالية ومتقلبة، حيث لا يدرك المرء في كثير من الأحيان ما هو مسموح أو “ووك” إلا بعد فوات الأوان. حتى الشخص الذي يحاول بكل طاعته واستعداده أن يلتزم بالقواعد وألا يمنح النظام اللغوي الجديد أي مبرر للغضب، يمكن أن يجد نفسه فجأة في مواجهة غضب الوكيزم ومقصلة الإلغاء.

يشير الكتاب إلى بعض القواعد الأساسية التي يجب مراعاتها للبقاء مؤقتاً في الجانب الآمن. على سبيل المثال، أصبح المعيار الجديد يقضي بعدم ذكر كلمات مثل “أوروبا” أو “أبيض” (في إشارة إلى لون البشرة) إلا مصحوبة بتحفظ أخلاقي وتلميح بالذنب. وفي مفارقة تاريخية، يلاحظ برينر أنه في حين كان يُعتبر من الخطأ الأخلاقي والعيب التركيز على لون بشرة المتحدث أو الكاتب، فقد أصبح هذا الأمر في ثقافة الوكيزم يعتبر واجباً ومطلباً أساسياً. إضافة إلى ذلك، فإن مفهوم “التنوير” (Aufklärung) بات من المصطلحات التي تُستخدم اليوم بازدراء وتحقير. لقد أصبح التنوير ورواده يُعتبرون الآن سبباً ومحركاً للاستغلال والقمع، فضلاً عن كونهم مؤسسين لنزعة فردية إجرامية ومدانة.

وللتحرر من هذه الثقافة التي تم تصنيفها كتعاليم كاذبة، توصي حركة الوكيزم بتوجيه الولاء والانتماء نحو الكيانات الجماعية بدلاً من الأفراد. فالشخص الذي يعتبر نفسه منتمياً إلى مجموعات معترف بها من قبل الوكيزم كـ “ضحايا” لا شائبة عليهم، يجد نفسه في الجانب الآمن والجيد في عالم سياسات الهوية المستيقظة. وهذا يمثل قطيعة تامة وكسراً جذرياً مع التقاليد الغربية السابقة: فالمعيار الأول لتقييم الإنسان لم يعد أفعاله الفردية أو إنجازاته الشخصية، بل أصله وانتماؤه. ولهذا السبب، تعتبر بعض الهويات أو “القبائل” مدانة ومذنبة منذ البداية؛ فكل من هو “أوروبي” و”أبيض” و”رجل”، يُصنف تلقائياً ضمن جماعة “الجناة”. وإذا لم يختر هذا الشخص الصمت المطبق، فعليه ألا يتحدث إلا بصيغة النقد الذاتي وجلد الذات وإعلان التوبة عن ذنب لم يقترفه شخصياً.

وبما أن هؤلاء الأفراد لا يزالون متواجدين في المجتمع حتى لو تم إسكاتهم، فإن الوكيزم يعمد باستمرار إلى بناء ما يسمى بـ “المساحات الآمنة” (Safe Spaces). الهدف من هذه المساحات هو حماية الأشخاص الذين يُصنفون ضمن جماعات الضحايا من التعرض لأحفاد جماعات الجناة. ويبدو هذا الإجراء مبرراً في نظرهم لأن الأشخاص الذين وُلدوا في جماعات الجناة (مثل الرجال البيض) لا يحملون ذنباً متوارثاً فحسب، بل إنهم يراكمون ذنوباً إضافية بأنفسهم بشكل نشط.

يصف برينر كيف تقوم سياسات الوكيزم بتصوير جماعات الجناة المزعومة بأنها تستمر في إيذاء أفراد جماعات الضحايا من خلال أفكارهم ومواقفهم الشريرة. في المقابل، يفترض حراس الوكيزم أن الضحايا غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم ضد هذه الهجمات المزعومة، ومن هنا تنبع الحاجة الملحة لتلك المساحات الآمنة. وبما أن إحدى المجموعتين تعتبر شريرة وعدوانية بطبيعة أصلها، والأخرى عاجزة عن الدفاع عن نفسها بطبيعة أصلها أيضاً، فإن الوكيزم لا يعتبر استبعاد أشخاص من لون بشرة معين من زيارة متاحف أو فعاليات معينة تصرفاً عنصرياً، بل يعتبره عملاً من أعمال الرعاية والحماية العطوفة.

إن إعادة التوجيه الشاملة هذه للمجتمع لا تتم بهدوء أو بصمت. عندما يفقد الأشخاص وظائفهم أو يُمنعون من الظهور العام، يحدث ذلك بضجيج كبير وصخب إعلامي واسع. هذا الصخب ليس نابعاً من دفاع الضحايا عن أنفسهم – فهذا نادراً ما يحدث – بل لأن أشكال تدمير الوجود الاجتماعي هذه مصممة لتكون بمثابة أمثلة تحذيرية رادعة للآخرين. يقارن برينر هذه العروض الصاخبة لـ “تدمير” البشر بالإعدامات العلنية التي كانت تقام كعروض استعراضية في أوروبا حتى قبل مائتي عام. فكما كان يُقطع رأس شخص في “ساحة جريف” (Place de Grève) في باريس أمام حشد من الجماهير ليكون عبرة ولتأكيد الأعراف السائدة، فإن استعراضات مشابهة جداً تحدث اليوم في عصر الوكيزم من خلال التدمير الاجتماعي والاغتيال المعنوي.

هذا الضجيج المستمر لا يثير الدهشة، فثقافة الوكيزم ترى المجتمع في حالة طوارئ دائمة. وبما أن هذه الحالة الطارئة تشكل أهمية وجودية لاستمرارية الثقافة الجديدة، فإنه يجب الحفاظ عليها بأي ثمن، وهو ما يتحقق من خلال خلق وإثارة موجات غضب واستياء جديدة باستمرار. فالمجتمع “المستثار دائماً” هو بطبيعته مجتمع صاخب، حيث تتوالى فيه موجات الغضب لتُستبدل بموجات غضب أخرى أكبر وأعلى صوتاً. وأي شخص يتمنى مجتمعاً أكثر هدوءاً – ربما بحجة أن التفكير العميق يتطلب الهدوء ولا يزدهر وسط الضوضاء – يضع نفسه في خطر الإلغاء والنبذ.

أما من يتم إلغاؤه في هذه الثقافة الجديدة، فإنه نادراً ما يتلقى تبريراً لإسكاته، ولا تتوفر له أي جهة للاستئناف أو الدفاع عن نفسه. وإذا حصل أن تلقى شخص سبباً لإلغائه – كأن يعترض على ضجيج الغضب المستمر – فإن التبرير سيكون غالباً اتهامه بإنكار ظلم وجرائم تاريخية ومحاولة التهرب من النقاش حولها. ويرى برينر أن هذا التبرير يمثل مفارقة مزدوجة، حيث أن الوكيزم بطبيعته يتجنب ثقافة النقاش والحوار التي طورها عصر التنوير، كما يتجنب التحليل التاريخي الدقيق والموضوعي. بدلاً من ذلك، يفضل الوكيزم الصاخب الخطاب المباشر والإدانات القاطعة والواضحة التي لا تقبل الجدل.

إن تطور الوكيزم بهذه القوة والسرعة لا نظير له في التاريخ الحديث. وإذا ما بحثنا عن مقاربات تاريخية، فقد نتذكر الجملة الشهيرة التي روع بها مؤلف واحد النخب الأوروبية قبل 175 عاماً: “شبح يجول في أوروبا”. لكن برينر يرى أن مقارنة الوكيزم بهذا “الشبح” (إشارة إلى البيان الشيوعي) هي مقارنة محفوفة بالشكوك لسببين: الأول، أنه لا يوجد مؤلف واحد محدد للوكيزم، بل تتوزع ملكيته الفكرية على حركات ومناهج متعددة ومتناثرة. والثاني، أن الوكيزم لا يشبه الشبح المخيف القادم من عالم آخر بقدر ما يشبه “النسيج” أو “الشبكة” (Gespinst) . إنها خيوط دقيقة تلتف حول الحاضر وتتشابك معه تدريجياً، وعلى الرغم من رقتها وقابليتها للتمزق، إلا أنها تتشكل من نسيج قوي ومحكم: إنه نسيج “الأخلاق” المزعومة.

نغادر محطة التعريف العام بالظاهرة وندخل مباشرة إلى غرفة العمليات الفلسفية، حيث يقوم الكاتب بتشريح  للجذور الفكرية والهندسة الأيديولوجية التي بنيت عليها ثقافة اليقظة. لا يمكن فهم أي حركة شمولية أو راديكالية دون تفكيك حمضها النووي الفكري، وبرينر يدرك تماماً أن الوكيزم ليس مجرد صيحة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل هو تتويج لعقود من التحولات الفلسفية العميقة التي تبرعمت في أروقة الجامعات الغربية. ينطلق الكاتب من فرضية أساسية مفادها أن هذه الحركة تمثل في جوهرها هجوماً مضاداً وممنهجاً على إرث عصر التنوير الأوروبي بأسره، مستمدة ذخيرتها الحية من تزاوج غريب ومعقد بين الماركسية الكلاسيكية بعد تجريدها من محتواها الاقتصادي، وبين فكر ما بعد الحداثة الفرنسي الذي هيمن على العلوم الإنسانية منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

يتتبع برينر هذا الخيط التاريخي، مشيراً إلى أن الوكيزم أخذ من الماركسية هيكلها الصراعي الشامل الذي يقسم العالم بحدة إلى ظالم ومظلوم، ولكنه استبدل صراع الطبقات الاقتصادية والمادية بصراع الهويات الثقافية والعرقية والجندرية. في هذا الإطار، تم استدعاء أدبيات “النظرية النقدية” التي أسستها مدرسة فرانكفورت، والتي كانت تهدف في الأصل إلى نقد مؤسسات المجتمع الرأسمالي، ليتم تحويرها لاحقاً وتوجيهها نحو تفكيك كل ما يشكل الحضارة الغربية وتصويره على أنه منظومة قمعية بحتة ومؤسسة على الاضطهاد الخفي. غير أن الانعطافة الأخطر، بحسب تحليل برينر، حدثت عندما التقت هذه النظرية النقدية مع أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة، وعلى رأسهم ميشيل فوكو وجاك دريدا. لقد أخذ الوكيزم من هؤلاء الفلاسفة أخطر أسلحتهم على الإطلاق: تدمير فكرة “الحقيقة الموضوعية”. ففي عالم الوكيزم، المستلهم بشكل مباشر من تنظيرات فوكو، لا توجد حقيقة خالصة أو معرفة مجردة أو وقائع مستقلة عن السلطة، بل هناك فقط “علاقات قوة”. كل ادعاء بالعلم، كل مؤسسة قائمة، كل قاعدة لغوية، بل وحتى المنهج العلمي التجريبي نفسه، لا يُنظر إليه كأداة للوصول إلى الحقيقة وتفسير العالم، بل كأداة صممتها الفئات المهيمنة لفرض سيطرتها الأيديولوجية واضطهاد الأقليات وإسكات أصواتها.

هذا التدمير المنهجي لمفهوم الحقيقة الموضوعية واستبدالها بمفهوم “الحقائق المتعددة” أو تقديس “التجارب المعاشة” الذاتية، أدى إلى كوارث معرفية يسلط برينر الضوء عليها بشدة ويفكك آثارها المدمرة. عندما يتم إلغاء المعيار الموضوعي المشترك الذي يمكن للبشر الاحتكام إليه عند الاختلاف، يصبح النقاش العقلاني الديمقراطي أمراً مستحيلاً. في أدبيات ثقافة اليقظة الحالية، لا يتم تقييم الفكرة بناءً على قوة منطقها أو مدى تماسك أدلتها وصحة براهينها، بل يتم تقييمها وحجبها أو قبولها حصرياً بناءً على “هوية” قائلها وموقعه في هرم الضحية والاضطهاد. إذا كان المتحدث ينتمي إلى فئة تُصنف تاريخياً على أنها مضطهدة، فإن كلماته تُعتبر حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل ويجب تصديقها والرضوخ لها دون طلب أدلة، لأن مجرد طلب الدليل يُعتبر في عرف هذه الثقافة نوعاً من أنواع العنف الممارس من قبل أصحاب الامتيازات. وإذا كان المتحدث ينتمي إلى الفئة المُصنفة كمهيمنة، فإن كل ما يقوله، مهما كان عقلانياً أو مدعوماً بالحقائق العلمية والإحصائيات، يُرفض سلفاً ويتم إدانته باعتباره محاولة خبيثة للحفاظ على الهيمنة وبنية السلطة الأبوية والعرقية. هذا الانزلاق الفلسفي، كما يجادل برينر بحرقة، يعيد البشرية بخطوات متسارعة إلى عصور ما قبل التنوير المظلمة، حيث كانت الخرافة والانتماء القبلي ومحاكم التفتيش تتفوق على العقل والبرهان والحرية الفردية.

ومن هنا، ينتقل الكاتب إلى تحليل واحد من أهم الأسلحة الفتاكة التي يعتمد عليها الوكيزم لفرض سيطرته المطلقة على الفضاء العام: “عسكرة اللغة وتأميمها”. بناءً على أطروحات دريدا التفكيكية التي تفترض أن الواقع يُبنى ويتشكل حصرياً من خلال اللغة، تبنى الوكيزم عقيدة صارمة مفادها أن تغيير العالم يبدأ حتماً بفرض السيطرة على الكلمات ومعاقبة المخالفين. لكن برينر يلاحظ أن هذه العملية لم تتوقف أبداً عند حدود تهذيب اللغة من المصطلحات العنصرية أو المسيئة بشكل واضح، وهو أمر محمود ومطلوب في أي مجتمع متحضر، بل تحولت إلى هوس مرضي بـ “هندسة اللغة” وتنقيتها من كل شائبة قد تُفسر، ولو من بعيد وبسوء نية، على أنها استبعاد أو تهميش. لقد أصبحت اللغة في عصر الوكيزم حقل ألغام حقيقي ومخيف؛ حيث يتم اختراع مصطلحات جديدة وغامضة بشكل يومي، ويتم إعدام ومحو مصطلحات أخرى كانت تعتبر حتى وقت قريب طبيعية ومحايدة تماماً. تم تحويل الضمائر الشخصية في اللغات الغربية من مجرد أدوات لغوية بسيطة لتسهيل التواصل اليومي إلى بطاقات هوية أيديولوجية وإعلانات ولاء سياسي إجبارية. والأخطر من ذلك كله، هو إعادة تعريف مفهوم “العنف” بحد ذاته ليشمل الكلمات العادية والنقاشات الفكرية. إن مساواة الأذى المادي والجسدي الملموس بـ “الأذى اللفظي” غير المقصود، واعتبار بعض الآراء المعارضة علمياً أو سياسياً “عنفاً حقيقياً يهدد الوجود الجسدي للأقليات”، هو استراتيجية مدروسة ومحسوبة بدقة لمنع أي حوار ديمقراطي ولتبرير قمع الرأي الآخر وإسكاته بالقوة المعنوية والإدارية.

ويتعمق برينر أكثر في  البنية الأخلاقية والاجتماعية لهذه الحركة، مبيناً كيف أنها تعتمد على رؤية “مانوية” شديدة التبسيط والتطرف، تقسم البشرية جمعاء إلى معسكرين مغلقين لا ثالث لهما: معسكر الخير الصافي المتمثل في الضحايا والمضطهدين وحلفائهم المستيقظين، ومعسكر الشر المطلق المتمثل في الظالمين وأصحاب الامتيازات والمستفيدين من النظام الأبوي والعنصري. هذا التقسيم الحاد والصارم يلغي تماماً الفروق الفردية والتعقيدات البشرية والجهد الشخصي، وهو ما يعتبره الكاتب طعنة قاتلة في قلب المبدأ الديمقراطي الليبرالي الذي يقدس الفردانية وحرية الاختيار. في عالم الوكيزم المعاصر، لا أهمية لشخصيتك، أو أخلاقك الفردية، أو نواياك الطيبة، أو حتى إنجازاتك الشخصية وإسهاماتك في المجتمع؛ كل ما يهم وكل ما تُقيم به هو “الخصائص البيولوجية أو الاجتماعية غير القابلة للتغيير” التي ولدت بها، مثل لون بشرتك، أو جنسك، أو ميولك. إن هذا التوجه ينسف الحلم التاريخي العظيم والنبيل لحركات الحقوق المدنية الحقيقية، وتحديداً حلم المفكر والمناضل مارتن لوثر كينغ جونيور الذي ناضل ودفع حياته ثمناً من أجل يوم يُحكم فيه على الناس بناءً على “مضمون شخصيتهم وكفاءتهم” وليس “لون بشرتهم”. الوكيزم، كما يراه برينر بقلق بالغ، يعكس هذه الآية تماماً، ويعيد تثبيت الانتماء العرقي والجندري كعدسة وحيدة وحتمية تُقرأ من خلالها قيمة الإنسان وتُحدد بها حقوقه وواجباته.

وترتبط بهذه الرؤية المانوية  عقيدة أخرى بالغة الخطورة وهي ما يُشبه إعادة إنتاج لمفهوم “الخطيئة الأصلية” الديني ولكن في قالب علماني وأكاديمي حديث. في هذه الأيديولوجيا، يولد الأشخاص المنتمون للفئات المُصنفة كمهيمنة وهم يحملون وزراً تاريخياً  لا يمكن التخلص منه أو التكفير عنه أبداً، وهو ما يُعرف في أدبياتهم بـ “الامتياز” أو “الامتياز الأبيض”. هذا الامتياز لم يعد يُعامل كمجرد ميزة مجتمعية قابلة للنقاش والتفكيك أو كظاهرة اقتصادية قابلة للمعالجة بالسياسات العامة، بل تحول إلى وصمة عار أخلاقية وجريمة وجودية تُلزم صاحبها بالعيش في حالة من الاعتذار الدائم، والتذلل المستمر، والشعور العميق بالذنب. بناءً على ذلك، تُنظم اليوم ورش عمل تدريبية إجبارية في الجامعات والمؤسسات الحكومية والشركات الكبرى لإجبار الأفراد على “الاعتراف بامتيازاتهم اللاواعية”، في طقوس جماعية قاسية تشبه إلى حد بعيد جلسات الاعتراف الكنسية في العصور الوسطى المظلمة، أو جلسات النقد الذاتي القسرية والعلنية التي كانت تمارسها الأنظمة الشمولية في منتصف القرن العشرين لكسر إرادة المعارضين. لكن المشكلة الكبرى والمأساوية، كما يوضح الكتاب، هي أن هذا الاعتراف الوكيزي لا يؤدي أبداً إلى الخلاص أو المغفرة أو التصالح. فالذنب الهيكلي لا يسقط بالتقادم، والمطهر الأيديولوجي لا ينتهي، مما يخلق حالة من الخضوع النفسي الدائم ويؤسس لتراتبية مجتمعية جديدة ومرعبة تقوم على مدى الخنوع لسلطة النشطاء وحراس العقيدة.

إن الأفكار، كما يعلمنا التاريخ البشري الطويل، لا تبقى أبداً حبيسة الأروقة الأكاديمية العاجية أو بطون الكتب الفلسفية المعقدة، بل سرعان ما تنزل إلى الشوارع، وتتحول إلى ممارسات يومية، وهياكل سلطة، ومؤسسات قمعية تسعى بكل ما أوتيت من قوة لإعادة صياغة المجتمع وهندسته وفق صورتها المشوهة والمعقدة. يخصص برينر هذا الفصل المحوري والأساسي من كتابه لتشريح الكيفية الدقيقة التي نجحت بها ثقافة اليقظة في اختراق شرايين المجتمعات الديمقراطية الغربية، محولة إياها من مجرد نقاشات هامشية ونظرية في أقسام الدراسات الثقافية والأدبية إلى قوة مؤسسية قاهرة ومخيفة تفرض سيطرتها المطلقة على قطاعات حيوية، وتستخدم نفوذها غير المسبوق لتحويل هذه القطاعات والكيانات إلى أذرع تنفيذية صارمة لعقيدتها الجديدة، مما أسفر في النهاية عن تدمير ممنهج للعديد من المكتسبات الحضارية والعلمية التي استغرق بناؤها قروناً من النضال المستميت وعصر التنوير.

يبدأ برينر هذا الرصد الميداني بالتوقف طويلاً ومفصلاً عند مأساة ما يمكن تسميته بـ “حصار الأكاديميا” والاستيلاء الكامل على الجامعات والمؤسسات البحثية الغربية. تاريخياً، وُلدت فكرة الجامعة الحديثة في الغرب لتكون الحصن المنيع لحرية التفكير، والملاذ الآمن للبحث العلمي الراديكالي، والمساحة الحرة والمفتوحة التي تصطدم فيها الأفكار المتناقضة والرؤى المتباينة دون أي خوف من رقيب أو سلطة دينية أو توجيه سياسي. لكن الكاتب يرصد بأسى بالغ كيف تحولت هذه الصروح العلمية العريقة تحت وطأة زحف الوكيزم إلى ما يشبه “غرف صدى” أيديولوجية مغلقة ومحكمة تماماً، لا يُسمح فيها إلا بترديد صوت واحد ونسخة واحدة لا تقبل التشكيك من الحقيقة. لقد تم استبدال المعايير الكلاسيكية العظيمة المتمثلة في الدقة المنهجية، والموضوعية العلمية، والنزاهة الأكاديمية التجريبية، بمعيار جديد وصارم وخانق هو “المطابقة الأيديولوجية” والولاء المطلق لسرديات اليقظة حول العرق، والجنس، وتقاطعية الاضطهاد والهيمنة. يوضح برينر كيف أصبح الباحثون والأكاديميون، خاصة في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأيضاً بشكل متزايد في مجالات العلوم الدقيقة كالبيولوجيا والطب، يعيشون تحت وطأة إرهاب فكري حقيقي؛ فأي باحث يجرؤ على تقديم نتائج تجريبية، أو إحصائيات علمية دقيقة، أو تحليلات تاريخية تتناقض مع المقررات العقائدية والمسبقة للوكيزم، يواجه فوراً سلسلة من العقوبات القاسية. تبدأ هذه العقوبات برفض نشر أبحاثه في الدوريات المحكمة التي تم اختراق لجان تحكيمها، وتمر بتشويه سمعته الأكاديمية واتهامه علناً بالرجعية أو العنصرية أو الفاشية، وتنتهي في كثير من الأحيان بإنهاء مستقبله المهني وطرده من وظيفته الأكاديمية تحت ضغط حملات التشهير المنظمة التي يقودها الطلاب النشطاء الراديكاليون المدعومون من إدارات جامعية جبانة ومستسلمة تماماً لابتزازهم. هذا المناخ الخانق لم يقضِ فقط على التعددية الفكرية، بل أدى إلى انحسار مريع في الإبداع والابتكار، حيث بات الباحثون يفضلون طواعية اجترار المواضيع الآمنة والمكررة والمطابقة للمواصفات الأيديولوجية بدلاً من خوض غمار أبحاث جريئة قد تكلفهم حياتهم المهنية ومكانتهم الاجتماعية بأكملها، مما يمثل بلا شك تراجعاً حضارياً خطيراً يهدد قدرة المجتمعات الإنسانية على فهم واقعها وتطوير ذاتها بحرية وتجرد.

ولم يتوقف هذا الزحف الأيديولوجي الشرس عند أسوار الحرم الجامعي، بل تمدد كالعدوى الفيروسية ليخترق عصب الاقتصاد الرأسمالي وعالم الشركات الكبرى والأسواق الحرة. يُفرد برينر مساحة واسعة ومهمة للغاية لتحليل ظاهرة غريبة ومتناقضة ظاهرياً، ألا وهي ظاهرة “الوكيزم المؤسسي” أو يقظة الشركات؛ حيث تبنت الشركات متعددة الجنسيات، والكيانات المالية الضخمة، لغة وسياسات ثقافة اليقظة بانتهازية براغماتية فجة تثير الدهشة والاستغراب. يتساءل الكاتب الفيلسوف هنا: كيف لكيانات رأسمالية شرهة تسعى في المقام الأول لتعظيم أرباحها وإرضاء مساهميها أن تتبنى خطاباً يرتكز في جذوره الفلسفية على معاداة الرأسمالية وتفكيكها؟ الإجابة العميقة تكمن في ثنائية الخوف والمصلحة. يرى برينر أن هذا التحول المفاجئ والواسع ليس نابعاً على الإطلاق من صحوة أخلاقية نبيلة طرأت على مجالس إدارات هذه الشركات الرأسمالية، بل هو استراتيجية دفاعية ذكية وماكرة لدرء هجمات النشطاء الشرسين على منصات التواصل الاجتماعي، وحماية العلامات التجارية الكبرى من مقصلة “الإلغاء” والمقاطعة الجماهيرية التي قد تكبدهم خسائر مالية فادحة وتدمر أسهمهم في البورصة. ومن خلال التأسيس السريع والمتلاحق لأقسام إدارية ضخمة وممولة بسخاء تحت مسميات براقة مثل أقسام “التنوع والمساواة والشمول”، تم تحويل أقسام الموارد البشرية التقليدية إلى مجالس تفتيش حقيقية و”شرطة أخلاق” جديدة ومرعبة تراقب أنفاس الموظفين، وتفتش في نواياهم، وتوجه سلوكياتهم. تقوم هذه الشركات بشراء ما يشبه صكوك الغفران الحديثة من حراس العقيدة الجدد عبر إطلاق حملات إعلانية وتجارية مدججة بالشعارات التقدمية، وفرض دورات تدريبية إلزامية ومهينة للكرامة الإنسانية في كثير من الأحيان، يُجبر فيها الموظفون البيض أو الذكور على الاعتراف بامتيازاتهم العرقية أو الجندرية اللاواعية، والاعتذار عنها، وتفكيكها علناً أمام زملائهم. النتيجة الحتمية لهذا العبث المؤسسي المتصاعد، كما يوثقها برينر بالأدلة والتحليل، هي تدمير بيئة العمل المهنية السليمة، وخلق أجواء مسمومة ومحتقنة يسودها الشك، والحذر، والتوجس المتبادل بين الزملاء في المكاتب، وتتراجع فيها بشكل ملحوظ معايير الكفاءة المهنية، والإنتاجية العالية، والجدارة الفردية لصالح نظام محاصصة هوياتية صارم يقيّم الموظف بناءً على فئته الديموغرافية وموقعه في سلم الضحية، وليس بناءً على مهاراته أو إخلاصه وإنجازه في عمله الموكل إليه.

ومن الساحة الأكاديمية والمؤسسية والاقتصادية، ينتقل الفيلسوف أندرياس برينر لتعرية أخطر التداعيات المجتمعية والسياسية لهذه الظاهرة الطاغية، وهي حالة “الرقابة الذاتية” الخانقة والشاملة التي شلت حركة المجتمعات وكممت أفواه الأغلبية الساحقة من المواطنين. إن الضجيج العالي، والاستعراضات القاسية للفضيلة، وحفلات الإعدام المعنوي والاجتماعي التي يمارسها نشطاء الوكيزم يومياً وبلا هوادة ضد أي صوت معارض أو مشكك، قد حققت هدفها السيكولوجي الرئيسي بامتياز لا نظير له: زراعة الخوف العميق والمستدام في قلوب المواطنين العاديين. يشير برينر إلى مفارقة مأساوية وساخرة تتمثل في أن الأغلبية العظمى من المواطنين في الديمقراطيات الغربية العريقة، والذين يتمتعون بفطرة إنسانية سليمة ويميلون بطبيعتهم إلى الوسطية والاعتدال العقلاني، لا يتفقون إطلاقاً مع هذه التطرفات الأيديولوجية والهلوسات اللغوية والجندرية التي تُفرض عليهم من أعلى، لكنهم يفضلون الصمت المطبق والانزواء السلبي لتجنب الأذى الماحق والخراب الذي قد يطال حياتهم. إن الخوف المرعب والحقيقي من فقدان مصدر الرزق والوظيفة، أو التعرض للنبذ الاجتماعي والعائلي، أو تشويه السمعة الدائم والذي لا يمكن محوه عبر حملات التنمر الإلكترونية الشرسة التي لا ترحم ولا تنسى زلة واحدة، جعل الناس يمشون حرفياً على قشر البيض في كل تفاصيل وتفاعلات حياتهم اليومية. لقد فُقدت العفوية الجميلة في التفاعلات البشرية؛ وأصبحت النقاشات العابرة في أماكن العمل، أو في التجمعات العائلية في الأعياد، أو حتى بين الأصدقاء القدامى، محفوفة بالمخاطر والألغام القابلة للانفجار في أي لحظة. يخشى كل فرد أن تنزلق من لسانه كلمة بريئة لم يعد مصرحاً بها في القاموس الجديد والمستحدث، أو أن تُساء تفسير دعابة عفوية أو ملاحظة بريئة لتتحول فجأة، وبفعل فاعل، إلى تهمة رسمية وجناية فكرية بالعنصرية، أو الكراهية، أو التحيز المسبق. هذا المناخ البوليسي الخانق والمرعب، الذي يشبه إلى حد بعيد ما وصفه الروائيون العباقرة في أدب الديستوبيا والأنظمة الشمولية القمعية، يدمر ببطء وثبات النسيج الاجتماعي الطبيعي والعضوي، ويقضي بلا رجعة على أسس الثقة المتبادلة بين المواطنين، ويحول المجتمع المتماسك إلى أرخبيل من الجزر المنعزلة التي يسكنها أفراد خائفون، مرعوبون، ومنافقون يظهرون عكس ما يبطنون. ويعتبر برينر هذا الوضع الشاذ تهديداً صريحاً ومباشراً لأسس النظام الديمقراطي الليبرالي، الذي لا يمكن أن يحيا أو يتنفس أو يصحح أخطاءه إلا في هواء الحرية المطلقة للنقاش والجدل البنّاء والصراع السلمي للأفكار.

ننتقل الآن إلى تشريح “التناقضات الداخلية” المدمّرة، وكيف تحولت ثقافة الوكيزم إلى آلة عمياء تطحن حتى أشد مؤيديها إخلاصاً، مصداقاً للمقولة التاريخية الشهيرة: “الثورة تأكل أبناءها”. يرى برينر أن أي حركة تعتمد على النقاء الأيديولوجي المتطرف وتفتقر إلى آليات التسامح الداخلي، محكوم عليها بالانهيار تحت وطأة تناقضاتها الخاصة، وهذا تحديداً ما يشهده الوكيزم في مرحلته الحالية.

يبدأ برينر هذا المحور بتسليط الضوء على ظاهرة “دوامة النقاء” (Purity Spiral) التي تسيطر على ديناميكيات الوكيزم. في أي مجتمع يعتمد على الاستعراض الأخلاقي، يصبح المقياس الوحيد للنجاح والترقي الاجتماعي هو المزايدة المستمرة على الآخرين في إظهار الالتزام بالعقيدة. لا يكفي أن تكون متسامحاً أو مؤيداً للمساواة، بل يجب أن تكون منخرطاً في عملية “تطهير” مستمرة لنفسك ولمحيطك من أي شوائب أو انحرافات فكرية مهما كانت طفيفة. هذه الدوامة تخلق بيئة من البارانويا والشك المتبادل حتى بين الرفاق في نفس الخندق الأيديولوجي. يوضح الكتاب كيف أن العديد من الشخصيات الأكاديمية والفنية التي كانت تُعتبر يوماً ما أيقونات للتقدمية والدفاع عن حقوق الأقليات، وجدت نفسها فجأة على مقصلة الإلغاء، ليس لأنها غيرت مواقفها نحو اليمين أو المحافظة، بل لأنها لم تستطع مواكبة السرعة الجنونية لتغير المعايير، أو لأنها تجرأت على التساؤل حول مدى منطقية قاعدة لغوية أو سلوكية جديدة تم اختراعها بالأمس فقط. إن المطالبة بالولاء المطلق والعمى الكامل عن المنطق تجعل من المستحيل على أي شخص البقاء في “المنطقة الآمنة” إلى الأبد.

ومن أبرز الآليات التي تفرز هذه التناقضات، والتي يفرد لها برينر تحليلاً نقدياً لاذعاً، هو مفهوم “تقاطع أشكال التمييز” أو “التقاطعية” (Intersectionality). لقد بدأ هذا المفهوم كإطار قانوني واجتماعي مشروع لفهم كيف يمكن أن تتداخل أنواع مختلفة من التمييز (مثل العرق والجنس والطبقة) لتخلق تجارب فريدة من التهميش. لكن الوكيزم، كما يجادل برينر، اختطف هذا المفهوم وحوله إلى ما يشبه “نظام الطوائف” أو “نظام الطبقات” الصارم (Caste System). في هذا النظام الجديد، يتم حساب القيمة الأخلاقية للفرد ومدى أحقيته في التحدث أو القيادة بناءً على مجموعة من النقاط التراكمية التي يكتسبها من هوياته المهمشة. هذا ما أسماه بعض النقاد بـ “أولمبياد القمع” (Oppression Olympics)، حيث تتنافس المجموعات والأفراد على إثبات من هو الأكثر تعرضاً للاضطهاد التاريخي أو الهيكلي، لأن الضحية في هذا النظام هي التي تمتلك السلطة الأخلاقية المطلقة، وهي التي لا يجوز مساءلتها أو نقدها.

يؤدي هذا التطبيق المشوه للتقاطعية إلى صدامات داخلية عنيفة لا يمكن حلها. يطرح برينر أمثلة افتراضية وواقعية عن كيفية تضارب الهويات داخل هذا الهرم المعقد. عندما ينشأ خلاف بين امرأة بيضاء مثلية الجنس، ورجل أسود مغاير الجنس، وشخص متحول جنسياً من خلفية لاتينية، من الذي يمتلك الحق في فرض رؤيته؟ من الذي تُعتبر تجربته الحياتية “حقيقة” لا تقبل الجدل؟ إن غياب أي معيار موضوعي للاحتكام إليه (بعد أن تم تدمير فكرة الحقيقة الموضوعية والمنطق باعتبارها أدوات “قمعية” موروثة من عصر التنوير الغربي)، يجعل الحركة تعيش في حالة من الفوضى المستمرة والمحاكمات الداخلية التي تعتمد حصرياً على من يستطيع الصراخ بصوت أعلى أو من يمتلك درعاً هوياتياً أقوى. هذا الصراع الدائم يفتت التحالفات التقدمية التقليدية ويحولها إلى قبائل صغيرة متناحرة، يتربص كل منها بالآخر لاصطياد زلاته اللغوية أو الفكرية.

أحد أكثر خطوط الصدع تدميراً داخل الحركة، والذي يعتبره برينر نذيراً حقيقياً بنهاية الوكيزم، هو “الحرب الأهلية النسوية” والصراع العنيف حول تعريف “المرأة”. لقرون، ناضلت الحركة النسوية لتحرير المرأة ككيان بيولوجي واجتماعي من القيود الأبوية، معتمدة في ذلك على واقع مادي ملموس يتمثل في الاختلافات البيولوجية وما يترتب عليها من أدوار مجتمعية مفروضة. لكن الوكيزم، من خلال تبنيه المتطرف لنظرية الكوير والجندر، يرفض تماماً أي أسس بيولوجية، معتبراً أن الجنس (الذكر والأنثى) هو مجرد “بناء اجتماعي” تعسفي يتم تعيينه عند الولادة. هذا أدى إلى مطالبات بتفكيك مصطلح “المرأة” نفسه، واستبداله بمصطلحات طبية مجزأة مثل “الأشخاص الذين يحيضون” أو “أصحاب الأرحام” أو “الأشخاص الذين يلدون”، في محاولة لعدم إقصاء المتحولين جنسياً. هذا المسح المنهجي للغة الخاصة بالمرأة وللواقع المادي للأنوثة، أثار غضباً عارماً لدى قطاعات واسعة من النسويات (يُطلق عليهن هجومياً اختصار TERF)، اللواتي وجدن أنفسهن يُصنفن فجأة كـ “يمينيات متطرفات” و”محرضات على الكراهية” لمجرد تمسكهن بوجود فروق بيولوجية بين الجنسين ورغبتهن في الحفاظ على مساحات آمنة مخصصة للنساء البيولوجيات (مثل الملاجئ أو السجون أو الرياضات النسائية). إن استهداف الكاتبة جي. كي. رولينغ ومحاولة محوها ثقافياً هو المثال الأبرز الذي يسوقه برينر كدليل على مدى تطرف الوكيزم واستعداده لتدمير أقوى حلفائه إذا شككوا في أي جزء من العقيدة الجديدة.

لا يتوقف الأمر عند حدود الصراع الجندري، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ “الأزمة المعرفية” (Epistemological Crisis). يرى برينر أن الوكيزم يمثل هجوماً كاسحاً على الأسس المعرفية التي بنيت عليها الحضارة الحديثة. إن المبادئ الأساسية لعصر التنوير، مثل الموضوعية، والمنطق، والمنهج العلمي التجريبي، والعقلانية، يتم تقويضها بشكل ممنهج واتهامها بأنها “بناءات بيضاء” أو “أدوات هيمنة استعمارية”. في بعض الجامعات الغربية الأكثر راديكالية، بدأت تظهر أصوات تطالب بـ “تفكيك الاستعمار” (Decolonizing) حتى في مجالات العلوم الدقيقة مثل الرياضيات والفيزياء، بحجة أنها تتجاهل “طرق المعرفة الأصلية” أو تعطي الأولوية لنموذج معرفي محدد يُعتبر قمعياً. إن وضع “التجارب الحياتية” و”المشاعر الذاتية” للفرد على قدم المساواة مع الحقائق العلمية المثبتة تجريبياً، أو حتى تفضيلها عليها، يمثل، في نظر برينر، انتحاراً حضارياً. عندما يصبح من المحرم طبياً الحديث عن معدلات السمنة كخطر صحي لأن ذلك يمثل “رهاباً من الأجسام البدينة” (Fatphobia)، أو عندما يُطلب من الأطباء تجاهل الفروق البيولوجية في تقديم العلاجات، فإن الوكيزم يتحول من حركة تطالب بالعدالة الاجتماعية إلى خطر مباشر يهدد سلامة المجتمع وتقدمه العلمي.

وبالتوازي مع هذا الخراب المعرفي، يستمر الوكيزم في ممارسة ما يصفه برينر بـ “التعقيم الثقافي” (Cultural Sterilization) الشامل. لقد تحولت الفنون والآداب، التي كانت دائماً مساحة لاستكشاف الجوانب المظلمة والمعقدة والمتناقضة للطبيعة البشرية، إلى مجرد أدوات لـ “التربية الأخلاقية” والتلقين الأيديولوجي. برزت ظاهرة “قراء الحساسية” (Sensitivity Readers) كرقابة استباقية صارمة؛ حيث يتم توظيف هؤلاء القراء من قبل دور النشر لتمشيط المخطوطات والكتب قبل نشرها، بحثاً عن أي كلمات أو شخصيات أو مواقف قد تُفسر، ولو عن بعد، بأنها مسيئة أو مزعجة لأي مجموعة مهمشة. لم يقف الأمر عند الأعمال الجديدة، بل امتد بأثر رجعي إلى الكلاسيكيات الأدبية. يندد برينر بحملات إعادة كتابة وتعديل روايات كتاب مثل أجاثا كريستي، ورولد دال، وإيان فليمنج، لتنقيتها من أي أوصاف تعتبر غير لائقة بمعايير اليوم. إن هذا التطهير التاريخي والثقافي لا يمحو فقط السياق التاريخي للأعمال الفنية، بل يعامل القراء المعاصرين ككائنات هشة نفسياً لا تستطيع التعامل مع نصوص تعكس فترات زمنية وأعرافاً مختلفة. الفن في ظل الوكيزم، كما يقول برينر، يفقد روحه التمردية وقدرته على الاستفزاز والتساؤل، ليصبح باهتاً، متوقعاً، ومثقلاً بالوعظ الأخلاقي السطحي. لا يمكن لأي كاتب اليوم أن يغامر بكتابة شخصية شريرة تنتمي لأقلية معينة خوفاً من اتهامه بتكريس الصور النمطية، ولا يمكن لممثل أن يؤدي دور شخصية تختلف عنه في التوجه الجنسي أو الانتماء العرقي دون أن يتعرض لحملات شرسة تتهمه بـ “الاستيلاء”. هذا الخنق للإبداع يحول الثقافة إلى أرض قاحلة لا تنبت إلا الامتثال والخوف.

إن هذه التناقضات العميقة، والحروب الداخلية المستعرة، والاعتداء الصارخ على العلم والفن، هي التي تدفع برينر للقول إن الوكيزم قد وصل إلى ذروته وبدأ رحلة الهبوط والتآكل السريع. إن حركة تطالب بالشمولية وتُمارس الإقصاء بأبشع صوره، وتدعو للتنوع ولكنها تفرض لوناً واحداً من التفكير، وترفع راية التسامح بينما تنصب المشانق الافتراضية لكل من يختلف معها، لا يمكن أن تستمر طويلاً كقوة هيمنة ثقافية. المجتمع لا يستطيع أن يعيش طويلاً في حالة استنفار عصبي دائم وإرهاب فكري مستمر. هناك حدود لطاقة الاحتمال البشري، وهناك لحظة حتمية يبدأ فيها العقل الجمعي برفض هذا العبث.

يرى برينر أننا نقف اليوم أمام لحظة فارقة؛ لحظة تحول فيها الخوف المجتمعي والرقابة الذاتية الخانقة إلى حالة من الإرهاق الشامل، ثم إلى غضب مكتوم، وصولاً إلى بداية تمرد علني ومنظم ضد سيطرة ثقافة “الإلغاء” وسياسات الهوية المتطرفة. لم يعد الصمت خياراً آمناً للأغلبية التي طالما التزمت الحياد خوفاً من الاستهداف، بل أصبحت هذه الأغلبية تدرك أن التنازل المستمر عن مساحات الحرية والعقلانية لا يرضي نهم هذه الحركة، بل يزيد من تسلطها وشراهتها لابتلاع المزيد من مكتسبات عصر التنوير.

ينطلق برينر في هذا المحور من تحليل طبقي واجتماعي شديد الأهمية، حيث يفكك الأسطورة التي تروج لها حركة الوكيزم بأنها تمثل صوت المهمشين والمضطهدين والطبقات الكادحة. على النقيض تماماً من هذا الادعاء، يبرهن الكتاب على أن الوكيزم في جوهره هو “مشروع نخبوي” بامتياز، ومجموعة من “المعتقدات الترفيهية” أو “قناعات الرفاهية” (Luxury Beliefs) التي تتبناها الطبقات البرجوازية الحضرية المترفة، والأكاديميون المنعزلون في أبراجهم العاجية، وموظفو الشركات الكبرى الذين لا يعانون من أي تهديد وجودي حقيقي في حياتهم اليومية. إن العامل البسيط الذي يكدح طوال اليوم لتأمين لقمة عيشه ودفع فواتيره المتراكمة في ظل أزمات التضخم الطاحنة، لا يكترث البتة بالنقاشات السريالية حول الضمائر المحايدة جنسياً، أو تفكيك الاستعمار في مناهج الرياضيات، أو البحث الدقيق عن الاعتداءات اللفظية الصغيرة في مسلسلات الكرتون القديمة. إن هذه الانشغالات هي ترف لا يملكه سوى من تحرر من أعباء البقاء الأساسية. وبدلاً من أن تقدم هذه النخبة المستيقظة حلولاً حقيقية لمعاناة الطبقات العاملة، فإنها تتعالى عليهم، وتصمهم بالجهل والرجعية والعنصرية لمجرد تمسكهم بقيمهم التقليدية ولغتهم الفطرية العفوية. هذا التعالي الأخلاقي الفج خلق هوة سحيقة بين النخبة الوكيزية وعموم الشعب، وهي هوة بدأت تبتلع شرعية هذه الحركة بأكملها.

وفي سياق متصل، يغوص الكتاب في التداعيات السياسية الكارثية لهذا الانفصال الطبقي والثقافي. لعدة عقود، كانت الأحزاب اليسارية والديمقراطية الاجتماعية في الغرب هي الممثل الشرعي والمدافع الأول عن حقوق الطبقة العاملة والفقراء والمهمشين اقتصادياً. لكن مع اختطاف هذه الأحزاب من قبل تيار الوكيزم، تحولت بوصلتها بشكل جذري من النضال من أجل “العدالة الاقتصادية” وتكافؤ الفرص وإعادة توزيع الثروة، إلى الغرق في مستنقع “السياسات الثقافية” وحروب الهوية الفرعية. لقد تخلى اليسار الحديث عن العامل والمزارع والموظف البسيط، لصالح الدفاع الشرس عن قضايا فئوية ضيقة جداً وفرض امتحانات أيديولوجية صارمة على كل من يرغب في الانتماء إلى معسكر التقدميين. يرى برينر أن هذا التحول يمثل خيانة تاريخية كبرى للطبقة العاملة، التي وجدت نفسها فجأة بلا غطاء سياسي يدافع عن مصالحها المادية الحقيقية. والنتيجة الحتمية لهذا الفراغ كانت تقديم هدية مجانية وتاريخية لتيارات اليمين المتطرف والشعبوي في أوروبا والولايات المتحدة. لقد استغلت هذه التيارات الشعبوية حالة الغضب والحنق التي تشعر بها الأغلبية الصامتة تجاه الوصاية الأخلاقية الوكيزية، لتقدم نفسها كحامي حمى الفطرة السليمة، واللغة الطبيعية، والهوية الوطنية الجامعة. إن الوكيزم، بمحاولته القضاء على أي تمييز، قد ساهم بشكل مباشر في صعود أقوى حركات الاستقطاب السياسي في العصر الحديث، وبات يغذي بطريقة عكسية نفس القوى التي يدعي محاربتها.

من الساحة السياسية، ينتقل برينر لتشريح التمرد في الساحة الاقتصادية وعالم الشركات، وهو المجال الذي كان حتى وقت قريب يبدو وكأنه استسلم تماماً لسطوة الوكيزم. في السنوات الماضية، سارعت الشركات الكبرى إلى تبني خطابات ثقافة اليقظة، وتأسيس أقسام ضخمة للتنوع والشمول، وتغيير علاماتها التجارية وتوجهاتها الإعلانية لتجنب غضب النشطاء الافتراضيين على منصات التواصل الاجتماعي. لكن هذا الخضوع السريع بدأ يصطدم بمنطق السوق الذي لا يرحم. يوضح الكتاب كيف بدأت ظاهرة المقاطعة الاستهلاكية تلعب دوراً محورياً في إعادة الشركات إلى صوابها؛ حيث أدركت الأغلبية الصامتة من المستهلكين قوتها الاقتصادية، وبدأت تعاقب بشراسة العلامات التجارية التي تبالغ في الوعظ الأخلاقي أو تحاول فرض أجندات هوياتية على منتجات ترفيهية أو استهلاكية بحتة. لقد أثبتت حوادث مقاطعة شهيرة لشركات مشروبات وماركات ملابس وشركات إنتاج سينمائي أن شعار “اذهب نحو الوكيزم، تذهب نحو الإفلاس” (Go Woke, Go Broke) ليس مجرد عبارة تهكمية، بل هو حقيقة اقتصادية قاسية تترجم إلى خسائر بمليارات الدولارات. وبناءً على ذلك، نرصد اليوم، كما يشير برينر، تراجعاً صامتاً ولكنه حازم من قبل العديد من الشركات الكبرى التي بدأت تفكك أقسام التنوع والشمول لديها، وتعود للتركيز على الجدارة والكفاءة وجودة المنتج بدلاً من التركيز على هندسة التوازن العرقي والجندري بين موظفيها استرضاءً لحفنة من النشطاء المتطرفين.

ولا يتوقف الرفض المجتمعي عند حدود السياسة والاقتصاد، بل يتمدد بقوة نحو بناء مؤسسات بديلة ومقاومة قانونية صارمة. بعد أن أحكم الوكيزم قبضته على وسائل الإعلام التقليدية والجامعات ودور النشر، أدرك المفكرون المستقلون والعلماء الرافضون للتدجين الأيديولوجي أنه لا بد من خلق مساحات جديدة ومستقلة لحرية التعبير. يرصد برينر الصعود الهائل للصحافة المستقلة، والمنصات الحرة مثل “سابستاك”، والبودكاست غير الخاضع للرقابة، والجامعات الجديدة التي تأسست خصيصاً لتكون حصوناً للبحث العلمي الحر بعيداً عن إرهاب ثقافة الإلغاء. الملايين من البشر يهاجرون يومياً من وسائل الإعلام الرئيسية التي تحولت إلى منابر تلقين، ويتجهون نحو هذه المنصات البديلة بحثاً عن نقاشات حقيقية، معقدة، وغير خاضعة لفلترة حراس العقيدة الجدد. وفي الوقت ذاته، بدأت أروقة المحاكم تشهد سيلاً من الدعاوى القضائية التي يرفعها أكاديميون وموظفون تم فصلهم تعسفياً بسبب آرائهم، أو طلاب تعرضوا للتمييز العكسي باسم “التمييز الإيجابي”. إن استعادة الساحة القانونية وتفعيل قوانين حرية التعبير وحقوق الإنسان التقليدية أصبحت أدوات فاعلة في تفكيك البنية المؤسسية للوكيزم، وإجبار الجامعات والشركات على التراجع عن سياساتها القمعية ودفع تعويضات طائلة لمن طالتهم مقصلة الإلغاء.

إن كل هذه المؤشرات المتضافرة – الرفض الشعبي، الخسائر الاقتصادية، المقاومة المؤسسية، والتمرد السياسي – تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا نشهد بداية النهاية لحقبة الهيمنة الوكيزية المطلقة. إن المجتمع البشري يتمتع بآليات دفاعية ذاتية (Immune System) قادرة على لفظ أي أيديولوجيا تحاول خنق الطبيعة البشرية ومصادرة العقل. وكما أن أي حمى شديدة تبلغ ذروتها قبل أن يبدأ الجسد في التعافي والعودة إلى توازنه الطبيعي، فإن حمى الوكيزم التي أحرقت الأخضر واليابس في طريقها خلال السنوات الماضية، تقترب الآن من نقطة الانكسار. لقد استنفدت هذه الحركة طاقتها في افتعال الأزمات، وتقسيم المجتمعات، وتدمير الأفراد، ولم يعد لديها ما تقدمه سوى المزيد من الاستقطاب والعدمية.

٠ الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي نايل بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى