أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ديمقراطية بلا خيارات

تولد أزمات المفاهيم دائماً في رحم الأزمنة الانتقالية والتحولات الهيكلية الكبرى؛ فحين تتغير الواقعات المادية والعلاقات الاجتماعية بسرعة تتجاوز قدرة القواميس السياسية المستقرة على الاستيعاب، يصبح المعجم السياسي الموروث بحد ذاته موضع شك وتساؤل، وترتبك أداة الوصف والملاحظة بقدر ما ترتبك الظاهرة المراد فحصها. وفي هذه اللحظات الفاصلة التي يبدو فيها القديم قد اندثر بينما لم يستوِ الجديد بعدُ في قالب مفهومي ناضج، يغدو القول بأن العالم بات أكثر تعقيداً أو أقل وضوحاً مجرد انطباع أول تشخيصي لا يروي غلة الباحث ولا يسعف السياسي. من هذا المنطلق تحديداً، يقدم عالم الاجتماع والعلوم السياسية الألماني فيلب مانوف (Philip Manow) في كتابه الصادر حديثاً عن دار نشر سي إتش بيك (C.H.Beck, 2026) بعنوان «خطوط الانقسام: النظم الحزبية في أوروبا وتصدع الدولة الوطنية» (Spaltungslinien: Europas Parteiensysteme und die Dekonsolidierung des Nationalstaats) أطروحة  تسعى إلى إعادة رسم الخريطة التفسيرية للنزاعات السياسية المعاصرة في أوروبا، من خلال نقد المفاهيم التقليدية و المقولات السائدة حول أسباب التحول الديمقراطي والانقسامات الحزبية الطارئة على القارة العجوز.

يتناول مانوف في هذا العمل جغرافية الصراع السياسي الأوروبي الراهن، متتبعاً الخطوط التوجيهية التي تعيد ترتيب أدوات النزاع بين القوى الحزبية والشرائح الاجتماعية. وهو ينطلق من ملاحظة أساسية مفادها أن النظارات التحليلية الكلاسيكية المعتمدة على الثنائية التقليدية بين «اليسار» و«اليمين» لم تعد قادرة على تعقب المسارات الجديدة للصراع، ليس بسبب عجز طارئ في الفكر السياسي، بل لأن البنية المادية والاجتماعية التي تأسست عليها تلك المفاهيم قد شهدت تحولاً بنيوياً زلزل أركانها. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديداً في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، استقرت المعادلة السياسية في الغرب على صراع واضح المعالم حول كيفية تنظيم الإقتصاد وإدارته؛ حيث وقفت طبقة عاملة يسارية متراصة تتطلع إلى تقييد جموح السوق وإعادة توزيع الثروة في مواجهة بورجوازية يمينية تدافع عن حرية الملكية الفردية وحرية الأسواق وتراكم رأس المال. غير أن هذه الصورة النمطية التي شكلت وجدان الفكر السياسي الحديث قد انقلبت رأساً على عقب في العقود الأخيرة بشكل يدعو للدهشة، لنجد أنفسنا أمام مشهد جديد يصوت فيه العمال لصالح ألاحزاب اليمينية، بينما تتمركز الفئات البورجوازية المتعلمة في مراكز المدن الكبرى حول الأحزاب اليسارية والخضراء.

إن هذا الانزياح الطبقي المزدوج يطرح علامات استفهام عميقة حول طبيعة التحولات الجارية؛ فهل يعني تصويت الطبقة العاملة لصالح أحزاب اليمين أنها تخلت عن مطلب كبح جماح رأس المال وشبكات الأمان الاجتماعي؟ إن المتأمل في البرامج السياسية المتطورة للأحزاب الشعبوية اليمينية المعاصرة يلاحظ بسرعة أن هذه الأحزاب لم تعد تكتفي بالخطاب التقليدي القائم على دحر النهج الليبرالي في الاقتصاد وحسب، بل إنها زحفت تدريجياً وبخطى حثيثة نحو تبني سياسات توزيعية وإعادية توزيع موجهة نحو الداخل، ممتزجة بحماية اقتصادية صارمة وتأكيد على دور الدولة الاجتماعية، شريطة أن يقتصر نفع هذه الدولة ورعايتها على «السكان الأصليين» أو المكونات الوطنية التاريخية دون الوافدين الجدد. وبذلك أضحت هذه الأحزاب تمثل تركيبة هجينة ومستحدثة تجمع بين سياسات اجتماعية واقتصادية محسوبة على اليسار التقليدي، وسياسات مجتمعية وثقافية متشددة تنتمي إلى أقصى اليمين.

وفي المقابل تماماً، شهد القطب الآخر تحولاً لا يقل دراماتيكية؛ إذ تحولت أحزاب اليسار التقليدية في معظم البلدان الأوروبية من أحزاب تعبر عن الشغيلة وطبقات العمال الصناعيين إلى أحزاب تمثل النخب الحضرية المتعلمة والشرائح الميسورة في قطاعات الخدمات والوظائف الحكومية والجامعية. ولعل اللفتة اللافتة في هذا الصدد هي أن هذه النخب الجديدة غالباً ما تصوغ خطاباً نقدياً حاداً ومستفيضاً ضد ما تسميه «الليبرالية الجديدة»، إلا أن هذا النقد النظري واللفظي يظل معزولاً عن واقعها المادي الحقيقي؛ إذ إن هذه الشرائح تعيش في واقع الأمر وتزدهر ضمن إطار العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتقدها. وهنا يتساءل مانوف عما إذا كانت هذه العدائية المفترضة لليبرالية الجديدة سوى غلاف أخلاقي وثقافي يتيح لهذه الطبقة المتوسطة الجديدة الجمع بين موقع اقتصادي مريح وموقف أخلاقي نقدي يمنحها التميز والشرعية الاجتماعية في صراعها الدائم على مكانة النفوذ والرمزية داخل المجتمع.

تترتب على هذه الانزياحات المزدوجة حالة من الارباك المفهومي البالغ؛ إذ أضحى المشهد السياسي المعاصر يتخذ شكلاً شبه معكوس يُختزل في مواجهة بين «طبقة عاملة يمينية» و«بورجوازية يسارية». وتكمن الصعوبة التحليلية هنا في أن محاولة إدراج هذه القوى الجديدة ضمن التراتبية القديمة لليمين واليسار تنتج مفارقات متعددة؛ فالأحزاب اليمينية الجديدة القادمة من خلفيات شعبوية تتبنى سياسات حماية واجتماعية كانت تعد تاريخياً حجارة الزاوية في برنامج اليسار، بينما اليسار الجديد يمارس نقداً لليبرالية الاقتصادية لا يمنعه من الدفاع المستميت عن نمط نمو اقتصادي عالمي مفتوح يستند إلى سياسات الهوية والانفتاح الثقافي. وبدلاً من النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها نفاقاً أخلاقياً يمكن الاستثمار فيه شعبوياً للغمز من قناة «النخب الحاكمة»، يفضل مانوف غلق الباب أمام التفسيرات الأخلاقية السطحية، والبحث بدلاً من ذلك عن الأسباب الهيكلية والبنيوية العميقة التي أدت إلى انفصام العلاقة بين القواعد الاجتماعية للأحزاب وبين أيديولوجياتها التاريخية.

وفي محاولة لفهم هذا المزيج غير المألوف من المواقف السياسية، تلجأ أدبيات العلوم السياسية المعاصرة إلى ابتكار مصطلحات هجينة تحاول الجمع بين الضدين؛ فنسمع من جهة اليسار عن «الليبرالية الجديدة التقدمية» كما أطرتها نانسي فرايزر، أو عن «رأس المال المتيقظ» (Woke Capitalism) من المنظور المحافظ كما يستعرضه باتريك دينين، بينما توصف الأحزاب الشعبوية الجديدة بأنها تمثل «شعبوية يسارية-يمينية» أو «محافظة يسارية». كما ظهر في الأدبيات السوسيولوجية والانتخابية مفهوم «الناخب اليساري السلطوي» لوصف أولئك الذين يطالبون بالعدالة الاقتصادية وإعادة التوزيع وفي الوقت نفسه يرفضون السياسات التحررية والتنوع الثقافي. إلا أن مانوف يرى أن هذه التسميات الهجينة تكتفي بوصف النتيجة وتسمية الجمع بين النقائض دون أن تقدم تفسيراً حقيقياً لكيفية تشكل هذه التركيبات ولماذا باتت تتمتع بكل هذا الجذب الانتخابي في الوقت الراهن تحديداً دون غيره من الأزمنة السابقة.

ويصل لمحاولات المدارس السوسيولوجية تحويل النزاع إلى ما يسمى «البعد الثاني» للسياسة، أي البعد الثقافي أو القيمي أو الهوياتي، وكأن البعد الأول (البعد الاقتصادي التوزيعي) قد بقي سالماً لم يمسه التغيير. إن اختزال الصراع السياسي المعاصر في ثنائيات بوسطجية مثل «العالميين في مواجهة المحليين» أو «أصحاب المكان في مواجهة أصحاب أي مكان» أو «المنفتحين في مواجهة الانغلاقيين»، يساهم في إضفاء طابع عاطفي وثقافي على النزاعات، مما يصور ناخبي الأحزاب الشعبوية وكأنهم مجموعة من الغاضبين الذين تتحكم فيهم الانفعالات والمشاعر غير العقلانية التي تدفعهم للتصويت ضد مصالحهم الاقتصادية المباشرة. يرفض مانوف هذا التفسير التبسيطي الذي يتهم الطبقات العاملة بالعجز عن إدراك مصالحها الطبقية الحقيقية، مؤكداً أن الصراع حول الانفتاح والانغلاق ليس مجرد نزاع قيم وأذواق ثنائية، بل هو انعكاس مباشر للتحول البنيوي الذي شهده الإطار الذي تأسس عليه النظام الديمقراطي الحديث نفسه، وهو «الدولة الوطنية». فالانتقال من إطار الدولة الوطنية المقفلة ذات الحدود الحامية إلى الفضاءات الفائقة للوطنية والمفتوحة على الأسواق العابرة للحدود، هو الذي أعاد تشكيل المصالح المادية والثقافية على حد سواء، وجعل السياسات التوزيعية متداخلة عضويّاً مع السياسات الهوياتية والمجتمعية بشكل يمنع تفكيكهما أو فصلهما في أبعاد مستقِلة.

يقدم الكتاب زاوية تحليلية  ترتبط بمنظور مانوف للاقتصاد السياسي المقارن؛ حيث يرفض التعميم الإسقاطي الذي يتعامل مع الظاهرة الشعبوية أو التفكك الحزبي في أوروبا بوصفها موجة عاتية واحدة وواحدة الأسباب. وبدلاً من إلقاء عباءة  فضفاضة على المشهد الأوروبي برعايته الشاملة، يقسم الباحث القارة إلى أقاليم متمايزة باختلاف نماذجها الاقتصادية و دولها الرعائية، ليوضح كيف تُرجم تفكيك الدولة الوطنية إلى خطوط انقسام حادّة ولكن بمدلولات متباينة بين شمال القارة وجنوبها وشرقها. فالأزمة ليست واحدة لأن نماذج الرأسمالية الأوروبية ليست متجانسة، وما يبدو في الظاهر كأنه صحوة قومية شمولية تشمل القارة بأكملها هو في حقيقته استجابات سياسية محددة تحركها المزايا التنافسية والمواقع الهيكلية لكل إقليم ضمن النطاق المالي والسياسي للاتحاد الأوروبي.

في شمال أوروبا ودولها الشمالية القائمة على نماذج نمو موجهة للتصدير وشبكات أمان اجتماعي سخية ومؤسسات سوق عمل منظمة، لم يأتِ التهديد الأساسي للنموذج الوطني من ضغوط التقشف المالي، بل من سياسات حرية الحركة وفتح الحدود أمام تدفقات العمل والهجرة العابرة للدول. لقد أدى الدفع الأوروبي باتجاه سوق عمل موحد ومفتوح إلى تقويض القواعد المؤسسية التي بنيت عليها شروط التضامن الوطني وسوق العمل المحلي، مما خلق شعوراً عميقاً لدى الطبقات العمالية والمتوسطة الدنياء بأن موارد الدولة الاجتماعية المستقرة تتعرض للاستنزاف أو المنافسة غير المتبادلة. ومن هنا تحديداً، نبتت ظاهرة «شوفينية الرفاه» (Welfare Chauvinism) وتمددت الأحزاب الشعبوية اليمينية في الشمال؛ إذ لم تطالب هذه الأحزاب بتقويض دولة الرفاه أو إلغاء خدماتها، بل على العكس تماماً، طالبت بإعادة صياغة شروط استحقاقها عبر إعادة تقويد الحدود الوطنية واقتصار خيرات هذه الدولة على المواطنين حاملي الجنسية، مما يحول الصراع في الشمال إلى صراع حمائي ثقافي واجتماعي يهدف إلى إغلاق الحدود للحفاظ على المكتسبات التوزيعية الداخلية.

أما في جنوب أوروبا، فإن الديناميكية السياسية والاقتصادية تتخذ مساراً مغايراً تماماً محكوماً بأزمة منطقة اليورو وتوزعات القوة المترتبة عليها. فالدول الجنوبية القائمة على نماذج نمو تعتمد على الطلب المحلي والتوسع المالي وجدت نفسها، عقب تبني العملة الموحدة وتوقيع الميثاق المالي الأوروبي، مجردة من أدواتها السيادية التقليدية لإدارة الأزمات الاقتصادية، مثل تعديل سعر الصرف أو التوسع في الإنفاق الحكومي المستقل. وحين اندلعت أزمة الديون السيادية، فرضت المؤسسات التكنوقراطية الأوروبية سياسات تقشف صارمة وإصلاحات قسرية أزاحت الخيارات الديمقراطية للناخبين جانباً لصالح إملاءات الدائنين. وفي هذا السياق، لم تتشكل خطوط الانقسام الرئيسية حول الهجرة أو الهوية كما في الشمال، بل تشكلت حول السيادة الاقتصادية والعدالة التوزيعية، مما فسّر صعود حركات وشعبويات يسارية وسيادية خاضت صراعها الأساسي ضد التكنوقراطية الأوروبية وسياسات التقشف، متخذة من نقد الهيمنة الماليّة الألمانية والأوروبية عنواناً لمشروعها السياسي.

وفي الشرق الأوروبي والدول التي انضمت للاتحاد عقب سقوط الكتلة الشرقية، يتبدى نموذج ثالث لإنحسار الدولة الوطنية، يمتزج فيه التحول الاقتصادي السريع نحو رأسمالية السوق بتجربة التحول الديمقراطي المشروط بالمؤسسات الأوروبية. لقد واجهت هذه المجتمعات نزيفاً ديموغرافياً هائلاً نتيجة هجرة الكفاءات والأيدي العاملة نحو الغرب، إلى جانب هيمنة رأس المال الأجنبي على القطاعات الاستراتيجية المحلية، مما ولد شعوراً بفقدان السيطرة الوطنية والتحول إلى مجتمعات ملحقة بالمركز الغربي. وبدلاً من أن تؤدي هذه التحولات إلى تبلور يسار عمالي تقليدي، جرى استثمار هذه المرارات الهيكلية من قبل أحزاب محافظين وطنيين نجحت في دمج سياسات حمائية واجتماعية موجهة للأسرة مع خطاب قومي محافظ يرفض الوصاية الثقافية والسياسية لبركسل، متخذة من الدفاع عن الأسرة والدين والسياج القومي وسيلة لإعادة بناء شرعية الدولة في مواجهة ما تعتبره تفكيكاً يفرضه المركز الأوروبي.

إن الرابط العضوي الذي يجمعه مانوف بين هذه الأقاليم المتمايزة يكمن في مفهوم «تفريغ الديمقراطية التمثيلية من مضمونها» أو ما يمكن تسميته بالإزاحة التكنوقراطية للسياسة (Entpolitisierung). لقد أدى نقل صلاحيات اتخاذ القرار في مجالات السياسة النقدية، والتجارة، والمنافسة، والإنفاق المالي، إلى هيئات غير منتخبة—مثل البنك المركزي الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، والمحاكم الفائقة للوطنية—إلى خلق وضع غريب تصبح فيه الانتخابات الوطنية مجرد منافسة بين أحزاب مختلفة لتطبيق السياسة الاقتصادية نفسها. لقد أصبح بوسع المواطنين تغيير الحكومات عبر الصناديق الانتخابية، لكنهم لا يستطيعون تغيير السياسات الأساسية التي تمس حياتهم اليومية، مما أوجد ما وصفه الأدب السياسي بالمأزق التكنوقراطي: «ديمقراطية بلا خيارات سياسية حقيقية».

تؤدي هذه الفجوة  بين التمثيل السياسي والقدرة على الحكم إلى انهيار ثقة المواطنين في الأحزاب التقليدية المستقرة، التي تحولت تدريجياً من مؤسسات وسيطة تعبر عن مطالب المجتمع إلى أدوات إدارية في يد الدولة لتطبيق الإملاءات الفائقة للوطنية. وفي هذا الفراغ المؤسسي الموحش، تكتسب القوى الشعبوية والأحزاب البديلة مشروعيتها السياسية، ليس لأنها تملك حلولاً سحرية أو برامج معقدة بالضرورة، بل لأنها تعيد إدخال عنصر «الصراع والبديل» إلى الفضاء السياسي الذي سعت التكنوقراطية إلى تجفيفه. ومن هنا، يخلص مانوف إلى أن الاضطراب السياسي الحاد الذي تشهده النظم الحزبية الأوروبية ليس مجرد عارض مرض أو كبوة عابرة في مسار التطور الديمقراطي، بل هو تمظهر سياسي طبيعي ومباشر للصراع المتفاقم بين الإطار الديمقراطي المحلي الذي يستند إلى الدولة الوطنية، وبين النمط التكنوقراطي المعولم الذي يسعى إلى إدارة المجتمعات والاقتصادات دون حاجة إلى المراقبة الديمقراطية أو التفويض الشعبي.

يلج بنا الكاتب إلى قلب الآلية المؤسسية التي طالما ضمنت الاستقرار السياسي في القارة العجوز، ألا وهي أزمة ما يُعرف في الأدبيات السياسية الأوروبية عموماً والألمانية خصوصاً بـ «أحزاب الشعب» أو أحزاب الخيمة الكبيرة (Volksparteien). يرى مانوف أن الانهيار المتسارع لهذه التكوينات الحزبية الكبرى، ممثلة تاريخياً في الديمقراطية الاجتماعية (يسار الوسط) والديمقراطية المسيحية أو المحافظين (يمين الوسط)، لا يعود إلى نقص في الكاريزما القيادية أو خلل في الحملات الانتخابية، بل هو نتيجة حتمية لانهيار الأساس البنيوي والمادي الذي قامت عليه. لقد صُممت هذه الأحزاب في حقبة الرأسمالية الصناعية وما بعد الحربين لتكون آلات هائلة للإدماج الاجتماعي؛ حيث كانت مهمتها الأساسية ترويض الصراع الطبقي وتدوير الزوايا الحادة بين مصالح رأس المال وحقوق العمال، عبر تقديم تسويات وسطى تضمن النمو الاقتصادي من جهة، وتعيد توزيع الثروة عبر شبكات الأمان الاجتماعي من جهة أخرى. غير أن تضعضع الدولة الوطنية وانتقال مركز الثقل الاقتصادي من التصنيع الكثيف إلى اقتصاد المعرفة والخدمات المالية، قد سحب البساط من تحت هذه التسوية التاريخية، جاعلاً من المستحيل على هذه الأحزاب الاستمرار في إرضاء تحالفات اجتماعية باتت مصالحها متناقضة بشكل جذري وغير قابلة للتوفيق داخل خيمة حزبية واحدة.

في هذا السياق، يتتبع مانوف التحول العميق الذي طرأ على طبيعة الخطاب السياسي والبرامج الانتخابية لأحزاب الوسط التقليدية التي سعت، منذ أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، إلى تبني ما عُرف بـ «الطريق الثالث»، محاولةً التكيف مع ضغوط العولمة المالية من خلال تبني سياسات الخصخصة، ومرونة سوق العمل، وتخفيف القيود التنظيمية على رأس المال، مع الاحتفاظ بخطاب تقدمي على المستوى الثقافي. لقد أدى هذا الخيار الاستراتيجي إلى انتحار بنيوي بطيء للديمقراطية الاجتماعية الأوروبية؛ إذ فقدت تدريجياً قاعدتها العمالية التقليدية التي شعرت بالخيانة والتخلي، لتجد هذه الطبقات نفسها عارية ومكشوفة أمام رياح المنافسة العالمية وتدفقات الهجرة. وفي الوقت نفسه، حاولت أحزاب يمين الوسط التكيف عبر التخلي عن محافظتها الثقافية التقليدية والاندفاع نحو مركز حضري متحرر، مما ترك فراغاً هائلاً على الأطراف. هذا الفراغ المزدوج، الاقتصادي على اليسار والثقافي على اليمين، هو الذي استطاعت الأحزاب الشعبوية الجديدة واليمين الراديكالي أن تملأه ببراعة، مقدمة نفسها كحامٍ أخير للمجتمعات المحلية المهددة من قبل نخب معولمة لم تعد تعبأ بالمصير الوطني.

لا يقف مانوف عند حدود التحليل المؤسسي البحت، بل يوسع مقاربته ليدمج البعد المكاني والجغرافي كعنصر حاسم ومحدد في إعادة رسم خطوط الانقسام المعاصرة. لقد حلّ «الاستقطاب المكاني» محل الانقسام الطبقي التقليدي ليصبح المولد الأساسي للصراعات السياسية؛ إذ لم يعد التناقض الأساسي بين مالكي وسائل الإنتاج والبروليتاريا حصراً، بل تحور ليصبح صراعاً جغرافياً بامتياز بين «المراكز المتروبوليتانية الكبرى» و«الأطراف أو الهوامش الجغرافية». ففي المدن الكبرى والمراكز الحضرية المتصلة بشبكات الاقتصاد العالمي، تتراكم الثروات، وتتركز الوظائف المعرفية ذات القيمة المضافة العالية، وتتجمع النخب ذات التعليم الجامعي التي تتبنى قيماً كوزموبوليتانية منفتحة، وترى في العولمة والتكامل الأوروبي والتنوع الثقافي مجالاً حيوياً لازدهارها المهني والشخصي. هذه المراكز الحضرية باتت الحاضنة الطبيعية لأحزاب الخضر واليسار الليبرالي الجديد، حيث تتماهى المصالح المادية الناتجة عن الاندماج في الاقتصاد المعولم مع المواقف الأخلاقية الداعمة للسياسات البيئية والتعددية الهوياتية.

وعلى النقيض تماماً، تقف الأطراف الجغرافية، المتمثلة في المدن الصناعية السابقة التي طالها التدهور، والبلدات الصغيرة، والمناطق الريفية، كمسرح مكاني للشعور بالتهميش وفقدان الأهمية. في هذه الهوامش الجغرافية، لا يُنظر إلى العولمة كفرصة، بل كتهديد وجودي يسحب الاستثمارات، ويغلق المصانع، ويسحب الكفاءات الشابة نحو العواصم، مخلفاً وراءه مجتمعات تعاني من تراجع الخدمات العامة، وتداعي البنى التحتية، وانخفاض القيمة العقارية للممتلكات. بالنسبة لساكني هذه الأطراف، لا تمثل الشعارات الكوزموبوليتانية والسياسات البيئية الصارمة سوى رفاهية أخلاقية لا تستطيع تحمل تكلفتها سوى نخب المدن المعزولة عن الواقع . ومن هنا، يجادل مانوف بأن التصويت للأحزاب القومية والشعبوية في هذه المناطق ليس مجرد رد فعل ثقافي رجعي أو تعبير عن جهل أو عنصرية متأصلة كما تحب النخب الحضرية أن تصوره، بل هو احتجاج عقلاني ومقاومة سياسية ضد تهميش هيكلي متعدد الأبعاد؛ إنها محاولة لاستخدام السيادة الوطنية كسلاح أخير لحماية مجتمعاتهم المحلية من ديناميكيات استخلاص الثروة التي يمارسها الاقتصاد المعولم.

ويغوص الكتاب في هذه الديناميكية المكانية ليوضح كيف أن «العزل الجغرافي» قد تحول إلى عزلة معرفية وسياسية كاملة. لقد فقدت المجتمعات الأوروبية مساحات التلاقي والتمازج التي كانت توفرها المؤسسات الوطنية التقليدية مثل الخدمة العسكرية الإلزامية، أو النقابات العمالية الواسعة، أو حتى الكنيسة. في غياب هذه المؤسسات الوسيطة التي كانت تجبر الفئات الاجتماعية المتباينة على الاحتكاك اليومي والتفاوض حول مصالحها، تحولت المراكز والأطراف إلى فقاعات معزولة تتحدث بلغات سياسية غير قابلة للترجمة. فالنخب الحضرية تتحدث لغة الحقوق العالمية، وحماية المناخ، والانفتاح على الآخر، بينما تتحدث مجتمعات الأطراف لغة الحماية، والسيادة، والأمن الاقتصادي، والمحافظة على الهوية الثقافية الموروثة. هذا التباعد الأنطولوجي يجعل من محاولات التوفيق بين الطرفين مسألة بالغة التعقيد، ويؤسس لنمط جديد من الصراع السياسي الذي يتسم بالعداء المستحكم والقطيعة الشعورية، حيث لا ينظر كل طرف إلى الآخر كخصم سياسي مشروع يمتلك رؤية مختلفة، بل كتهديد بنيوي وممثل لمشروع مضاد يقوض أسس الحياة الطبيعية.

ينتقل فيلب مانوف  إلى الآليات الحقوقية والدستورية التي أدت إلى تحويل أزمة التمثيل الحزبي والجغرافي إلى استعصاء مؤسسي شامل يطال العصب الأساسي للبناء الديمقراطي في أوروبا. ، فالتحليل يمتد لما يُعرف في الأدبيات السياسية والدستورية بـ «قَضْيَنَة السياسة» (Judicialization of Politics) وترسيخ «الدستورية الفائقة للوطنية» (Supranational Constitutionalism). يرى مانوف أن التراجع المتسارع لقيام الدولة الوطنية بدورها التوزيعي والتوافي لم يكن مجرد نتيجة تلقائية لقوى السوق المعولمة أو التغيرات التكنولوجية المتسارعة، بل كان كذلك محصلة عملية هندسة حقوقية ومؤسسية واعية جرى فيها سحب القرارات السياسية السيادية تدريجياً من أروقة البرلمانات الوطنية المنتخبة، ونقلها إلى غرف المحاكم المحصنة والهيئات القضائية والتكنوقراطية التي لا تخضع لأي مساءلة شعبية مباشرة.

تستند هذه العملية التحولية إلى إحلال تدريجي ومستمر لـ «منطق الحقوق والرقابة القضائية» محل «منطق الأغلبية والمداولة الديمقراطية». ففي إطار منظومة الاتحاد الأوروبي والمحاكم الفوق-وطنية—مثل محكمة العدل الأوروبية في بروكسل والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ—تحولت الترتيبات الاقتصادية والتنظيمية وسياسات حرية الحركة وقوانين المنافسة وسوق العمل إلى أصول دستورية ملزمة تتسامى على التشريعات الوطنية. لقد أدى هذا التسامي الحقوقي إلى خلق وضع غريب تصبح فيه القرارات السياسية التي كانت تعتبر تاريخياً موضع نزاع ومداولة حرة بين الأحزاب والكتل البرلمانية—مثل تحديد معايير الأجور، وإعادة هيكلة القطاع العام، وسياسات اللجوء والهجرة، والسياسات الماليّة—أحكاماً قانونية محصنة بموجب المعاهدات الفوق-وطنية. وبذلك، تحول القضائيون والخبراء القانونيون إلى أرباب عمل حقيقيين للسياسة العامة، حيث يُلغى التعدد السياسي لصالح التفسير القانوني المغلق، وتُحجم إرادة الأغلبية الانتخابية بوصفها تهديداً مفترضاً للسيادة القانونية والمبادئ العابرة للدول.

و من خلال الربط بين هذا التمدد القضائي وبين سلب السيادة المالية المباشرة للبرلمانات الوطنية، وهي السيادة التي شكلت تاريخياً الحجر الأساس لميلاد الديمقراطية التمثيلية برمته تتضح الأزمة ا. فالمبدأ الدستوري التاريخي الذي قامت عليه النظم النيابية الحديثة، والمتمثل في أن «لا ضريبة ولا إنفاق دون تمثيل شعبوي حقيقي»، قد جرى تقيده ببطء ولكن بثبات عبر اتفاقيات المعايير الماليّة الصارمة مثل «ميثاق الاستقرار والنمو» و«الميثاق المالي الأوروبي». لقد فرضت هذه الأطر قواعد صلبة تلزم الدول بحدود قصوى للجزاءات والعجز المالي والدين العام، ممثلة في نسبة الثلاثة بالمئة الشهيرة، دون أدنى اعتبار لظروف الدورة الاقتصادية أو الرغبة الشعبية المعبر عنها في الصناديق. ونتيجة لذلك، تجردت البرلمانات الوطنية من أداة الموازنة بوصفها الفعل السياسي الأكثر جوهرية في تحديد الأولويات الاجتماعية والتوزيعية، وتحولت تلك البرلمانات من ساحات صراع وتفاوض سياسي حول كيفية توزيع الثروة إلى أجهزة إدارية مهمتها المحتومة إعادة صياغة الإملاءات الماليّة الفوق-وطنية في قالب تشريعي محلي.

إن هذا التآكل المزدوج للسيادة التشريعية والمالية ينشئ، بحسب مانوف، مفارقة خطيرة تشخص طبيعة الأزمة الراهنة؛ حيث تحولت الليبرالية السياسية والاقتصادية من مشروع يضمن حريات الأفراد ويكبح جماح السلطة المطلقة إلى نظام تكنوقراطي قضائي يمارس ما يمكن تسميته بـ «الليبرالية غير الديمقراطية» (Undemocratic Liberalism). في هذا النظام، تُحاط الحقوق الفردية وقواعد السوق المفتوحة بسياج معزول عن تقلبات الإرادة الشعبية، وتُعامل مطالب الحماية الاقتصادية والاجتماعية التي ترفعها الطبقات المتضررة بوصفها انحرافات غير عقلانية أو انتهاكات لسيادة القانون. وفي مقابل هذه الليبرالية المعزولة عن الشعب، ينشأ رد الفعل التلقائي والموازي المتمثل في «الديمقراطية غير الليبرالية» (Illiberal Democracy) أو الشعبوية السيادية، التي تسعى إلى إعادة الاعتبار لمبدأ حكم الأغلبية والسيادة الوطنية حتى لو كان ذلك على حساب المؤسسات القضائية وضمانات الضبط والتوازن الدستوري.

يرفض الكاتب الطرح  السائد الذي يكتفي بإدانة الظاهرة الشعبوية بوصفها خروجاً غير مبرر عن القواعد الدستورية السليمة أو نزعة تسلطية طارئة، مؤكداً أن الحركات السيادية والشعبوية المعاصرة هي الناتج الجدلي والمباشر لـ «تكليس السياسات» عبر المعاهدات المحصنة. فحين تجد الفئات الاجتماعية أن التغيير عبر الصناديق الانتخابية لا يفضي إلى أي تغيير ملموس في السياسات الاقتصادية والمجتمعية بسبب القيود الدستورية والقضائية الفوق-وطنية، فإنها تتجه بطبيعة الحال نحو التشكيك في النظام الدستوري نفسه، ونقل الصراع من صراع «داخل النظام» حول توزيع الموارد إلى صراع «على النظام» وحول مدى شرعية الترتيبات الفوق-وطنية برمتها. إن هذا التحول في طبيعة الصراع يمثل التهديد الأكبر للاستقرار الدستوري، لأنه يلغي المساحة الوسطى القائمة على التوافق والتفاوض، ويحول النزاع السياسي إلى معركة صفرية حول شكل الدولة ومستقبل الاندماج الأوروبي.

ويتوقف مانوف عند ظاهرة «التعديل المعطل» أو الاستعصاء الدستوري الذي يواجه المنظومة الأوروبية؛ فالأطر المؤسسية للاتحاد الأوروبي ومؤسساته الفوق-وطنية صُممت بطريقة تجعل تعديل المعاهدات التأسيسية يتطلب إجماعاً تاماً بين جميع الدول الأعضاء، وهو أمر أضحى مستحيلاً عملياً في ظل توسع الاتحاد وتباين المصالح بين أقاليمه المختلفة. هذا الانغلاق المؤسسي يخلق صلبة هيكلية تمنع المنظومة من التكيف المرن مع الأزمات الطارئة أو مع التحولات العميقة في توازنات القوى الاجتماعية. ونتيجة لهذا الفخ الدستوري، تندفع القوى السياسية الناشئة إلى تبني استراتيجيات المواجهة المباشرة، سواء عبر افتعال الأزمات الدستورية الداخلية، أو من خلال التعطيل التكتيكي للقرارات الفوق-وطنية، أو عبر استخدام الاستفتاءات الشعبية كأداة ضغط سياسي للالتفاف على القيود المؤسسية والقضائية.

تتجلى خطورة هذا الواقع الدستوري في منطق الشرعية نفسه؛ إذ إن الشرعية الديمقراطية التقليدية القائمة على التفويض الانتخابي والتناوب السلمي على السلطة أضحت في حالة صدام مستمر مع الشرعية التكنوقراطية والقضائية القائمة على الكفاءة الإجرائية وسيادة النصوص الفوق-وطنية. ولم يعد النزاع محصوراً في المسائل الأيديولوجية الكلاسيكية، بل بات يطرح أسئلة  حول من يملك حق الكلمة الأخيرة في المجتمع: هل هو الشعب الناخب عبر ممثليه المنتخَبين، أم هما القضاة والخبراء التكنوقراط عبر متون المعاهدات والأحكام القضائية ؟ إن عجز النظم السياسية الأوروبية عن إيجاد تركيبة متوازنة تدمج هذين المصدرين للشرعية هو ما يعمق أزمة الدولة الوطنية، ويضمن استمرار الاضطراب الحزبي والمؤسسي كسمة ملازمة للمشهد السياسي الأوروبي في الحقبة الراهنة.

يرسم مانوف مسار الانتقال التاريخي من «دولة الرفاهية والتوزيع الطبقي» التي سادت منتصف القرن العشرين إلى ما يمكن تسميته بـ «دولة الأمن الوجودي والسيادة المكانية» في القرن الحادي والعشرين. لم يعد المواطن الأوروبي المعاصر ينظر إلى الدولة بوصفها مجرد أداة لتعديل الفوارق الطبقية أو تقديم الخدمات العامة الروتينية، بل بات يطلب منها، قبل كل شيء، توفير ملاذ أمن وجودي ومظلة حماية شاملة ضد المخاطر الشديدة الناجمة عن السيولة المعولمة، سواء تجسدت تلك المخاطر في الصدمات الاقتصادية العابرة للحدود، أو اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، أو التغيرات الديموغرافية المتسارعة، أو فقدان الهوية الثقافية والمكانية المستقرة.

تستند هذه الأطروحة إلى مفهوم «المواطنة» في زمن العولمة الافتراضية والفضاءات المفتوحة؛ إذ يرى مانوف أن السعي الحثيث لتحويل الحدود الوطنية إلى حدود شفافة وغير مرئية لخدمة حرية حركة رأس المال والسلع والأفراد قد أدى، على عكس الوعود الليبرالية التبشيرية، إلى نزع الحماية عن الفئات الاجتماعية الأقل قدرة على التنقل والحركة. لقد تحولت المواطنة في الفضاء الأوروبي المفتوح من عقد اجتماعي متضامن يمنح المواطن حقوقاً استثنائية حصرية ومكفولة بحكم انتسابه السياسي للجماعة الوطنية، إلى ما يشبه «الأصل المالي أو التنافسي» الذي يُنتزع منه المضمون الحماسي والسيادي بمرور الوقت. وفي هذا الفراغ المفهومي والمؤسسي، أضحى الشعور بـ «انعدام الأمن الوجودي» هو المحرك العاطفي والمادي الأساسي للسلوك الانتخابي للطبقات العمالية والمتوسطة التقليدية في الأطراف الجغرافية. إن المطالبة الشديدة بـ «إعادة الحدود» ليست مجرد كراهية طارئة للآخر أو انغلاق ثقافي مجرد، بل هي تعبير مادي مباشر عن الرغبة في إحياء «السياج الحامي» الذي يتيح إعادة إنتاج التضامن الاجتماعي ومنع تسليع الحياة اليومية في سوق عالمية لا ترحم.

وفي هذا السياق، يربط مانوف  بين تحولات النظم الحزبية الأوروبية وبين الصعود المفاجئ للحيّز الجيواقتصادي في السياسة الدولية. لقد عاشت أوروبا لعقود تحت وهم أن التاريخ قد انتهى لصالح النموذج الليبرالي المفتوح، وأن العولمة الاقتصادية المستندة إلى الكفاءة وخفض التكاليف والمفاضلة التجارية ستظل تحكم العالم إلى الأبد. غير أن التفتت الدراماتيكي للنظام الدولي، والصراع الاستراتيجي المحتدم بين القوى العظمى، والحروب الناشئة على حدود القارة العجوز، قد كشفت جميعها عن هشاشة هذا الرهان الأوروبي الفائق للوطنية. لقد اكتشفت المجتمعات الأوروبية، ومعها أجزاء واسعة من النخب الحاكمة، أن الاعتماد المطلق على الأسواق المفتوحة والواردات الرخيصة وسلاسل التوريد الممتدة عبر العالم قد جرد القارة من «عصب السيادة التكنولوجية والصناعية». وهنا أضحت المطالبة بإعادة التوطين الصناعي، وتأمين موارد الطاقة، وحماية الصناعات الاستراتيجية، عنواناً حاسماً يعيد صياغة المواقف الحزبية على نحو لم يكن متوقعاً قبل سنوات قليلة.

يحدث هذا التحول الجيواقتصادي حالة من الارباك الصادم لدى أحزاب الوسط التقليدية التي بنت شرعيتها كاملة على أيديولوجيا الانفتاح وإلغاء القيود الحمائية. ففي الوقت الذي تجد فيه هذه الأحزاب نفسها مجبرة على تبني لغة الحماية والتدخل الحكومي والدعم الصناعي المباشر لمواجهة التحديات الجيوسياسية الطارئة، فإنها تكتشف أن الأحزاب الشعبوية واليمين الراديكالي واليسار السيادي كانت قد سبقتها إلى هذا الفضاء الفكري بسنوات طويلة. لقد أضحت «حمائية الدولة» والتدخل التخطيطي مفاهيم مباحة ومطلوبة حتى من قبل أكثر النخب كوزموبوليتانية، مما أفقر السجال الحزبي التقليدي وحرم الوسط الليبرالي من سلاحه الأخلاقي الذي كان يستخدمه لشيطنة الطروحات الحمائية بوصفها «شعوذة شعبوية» أو «شعبوية جاهلة بالاقتصاد». وهكذا يتبين أن الحاصل في النظم الحزبية ليس مجرد ظاهرة انتخابية محلية، بل هو انعكاس عميق لافتراق الواقع الجيواقتصادي العالمي عن المبادئ المؤسسية التي بني عليها مشروع الاندماج الأوروبي.

ويمتد كتاب «خطوط الانقسام» لمأزق «أحزاب الخضر» بوصفها الممثل الأبرز للبورجوازية اليسارية الحضرية في هذا التحول. يوضح مانوف كيف أن أحزاب الخضر قد تحولت من حركات احتجاجية راديكالية مناهضة للمؤسسة إلى الركيزة الأساسية للوضع القائم في العديد من الدول الأوروبية، ولا سيما في ألمانيا ودول الشمال. إن الخطاب البيئي والتحول نحو الطاقة النظيفة، وإن جرى تغليفه بلغة إنسانية وأخلاقية شاملة حول إنقاذ الكوكب، يعمل في واقع الأمر كاستراتيجية صريحة للتمايز الطبقي؛ فهو يقدم نمط حياة مكثف الاستهلاك للقيم الرمزية والتكنولوجيا الخضراء لا تستطيع تحمل تكاليفه سوى الطبقات الحضرية الميسورة. وحين تُترجم هذه السياسات البيئية إلى تشريعات حكومية تفرض ضرائب كربونية مرتفعة، وتكاليف باهظة على التدفئة والمنازل، وقيوداً على حركة السيارات والتنقل التقليدي، فإن عبئها المالي المباشر يقع بظلم فادح على سكان الأطراف والطبقات العاملة التي تعتمد في حياتها اليومية على البنية التحتية القديمة والوقود الأحفوري.

إن هذا التباين التوزعي الحاد حول تكلفة «التحول الأخضر» يخلق خط انقسام جديداً شديد الالتهاب، يحول السياسات البيئية من موضوع للتوافق المجتمعي العام إلى ساحة صراع طبقي ومكاني مكشوف. تصبح أحزاب الخضر في نظر مجتمعات الأطراف مجرد أداة لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى، حيث تُفرض التضحيات المالية والاقتصادية على الطبقات الضعيفة لتأهيل أنماط حياة النخب الحضرية وتحسين بيئتها المحلية. وتتجلى هذه الديناميكية السياسية في صدام مستمر بين يسار إيكولوجي حضري يرى في السياسات الخضراء واجباً أخلاقياً وضرورة كوكبية لا تقبل التفاوض، وبين يمين شعبوي وحركات احتجاجية مناطقية ترى في هذه السياسات عدواناً طبقيّاً مباشراً على مستوى معيشتها وقدرتها على البقاء الاقتصادي. إن هذا الصراع الاستقطابي يمنع تشكل أي أغلبيات مستقرة، ويجعل من التشريع في مجالات الطاقة والمناخ والبيئة عملية محفوفة بالمخاطر الدستورية والانتخابية.

ولا يغفل مانوف عن تقييم المآلات المستقبلية الناتجة عن هذا الضعف المتسارع للدولة الوطنية والنظم الحزبية؛ إذ يرى أن أوهام «العودة إلى الاستقرار القديم» أو استعادة نظام الأحزاب الكبرى القادر على استيعاب غالبية الناخبين تحت مظلة واحدة قد أضحت مجرد أضغاث أحلام تعكس عجز النظرية السياسية الكلاسيكية عن استيعاب التحولات المادية. إن صيرورة «إنهاء الترسيخ/التفكك» (Dekonsolidierung) ليست مجرد أزمة عابرة أو كبوة مؤقتة في المسار الديمقراطي سيزول أثرها بمجرد تحسن المؤشرات الاقتصادية أو تغير القيادات الحزبية، بل هي «حالة هيكلية جديدة ومستمرة» تعبر عن التناقض البنيوي القائم بين الفضاء السياسي المستند إلى مشروعية ديمقراطية محددة بحدود وطنية، وبين الفضاء الاقتصادي والقانوني الفائق للوطنية الذي يسعى إلى السيطرة على حركة المجتمعات وإدارتها عبر آليات تكنوقراطية.

في ظل هذا الواقع الجديد، يتجه المشهد السياسي الأوروبي نحو مزيد من التفتت والسيولة الحزبية؛ حيث تتكاثر الأحزاب الصغيرة والمستحدثة، وتصبح الحكومات الائتلافية أكثر هشاشة وتعقيداً وأقل قدرة على اتخاذ القرارات المصيرية. إن الائتلافات الحاكمة الممتدة التي تجمع بين الضدين—كالحكومات الموسعة بين الديمقراطيين الاجتماعيين والمحافظين أو الائتلافات الثلاثية المعقدة—تؤدي عملياً إلى مزيد من إفراغ الديمقراطية من مضمونها؛ لأنها تجبر الأحزاب المشاركة على تقديم تنازلات حادة تفقدها هويتها الأيديولوجية وأمام قواعدها الانتخابية، مما يوسع باستمرار الفراغ الذي تتغذى عليه القوى الشعبوية المناهضة للنظام. وهكذا يدخل النظام السياسي في حلقة مفرغة: كلما تحالفت الأحزاب التقليدية لحجب الشعبويين عن السلطة، زادت حالة الاندماج والتماثل بين تلك الأحزاب التقليدية، وزاد التفتت الشعبي، وتعاظمت القوة الانتخابية للقوى الشعبوية التي تظل الحزب الوحيد القادر على تقديم بديل سياسي واضح.

يختتم مانوف بالتأكيد على أن المستقبل السياسي لأوروبا لن يتحدد من خلال الشعارات الأخلاقية والتمنيات الليبرالية بالانفتاح، بل عبر القدرة على إعادة صياغة التوازن المفقود بين ثلاثية صعبة المنال: «السيادة الوطنية الديمقراطية»، و«التكامل الاقتصادي العابر للحدود»، و«العدالة التوزيعية والما أمان الاجتماعي». إن العجز عن إيجاد هذا التوازن سيبقي النظم الحزبية الأوروبية في حالة اضطراب دائم و متواصل، وسيدفع المجتمعات نحو صراعات جغرافية وثقافية وطبقية متجددة، تجعل من الدولة الوطنية الأوروبية مسرحاً لخطوط انقسام متقاطعة، وتفرض على الفكر السياسي إعادة بناء أدواته التحليلية بالكامل لفك أسر الخريطة السياسية المعقدة التي تحكم القارة العجوز اليوم.

«الأسطورة التأسيسية» التي قام عليها مشروع التكامل الأوروبي عقب الحرب العالمية الثانية؛ تلك الأسطورة القائلة بأن تجاوز الدولة الوطنية والانتقال إلى فضاءات فائقة للوطنية يمثل المسار الحتمي والتطوري الوحيد لضمان السلام والاستقرار وازدهار النماذج الديمقراطية. يرى الباحث أن هذه المقولة، التي هيمنت على وجدان الفكر السياسي الليبرالي لعقود طويلة، كانت تعاني من خلل مضمر؛ إذ افترضت أن الديمقراطية التمثيلية يمكن أن تنزع عن وعائها التاريخي المتمثل في الدولة الوطنية المقفلة دون أن تفقد مضمونها التوافي وقدرتها على ضبط التفاوتات المادية والمكانيّة.

في هذا الصدد، يستحضر مانوف المعضلة الثلاثية التي أطرها الاقتصاد السياسي المعاصر (المعروفة بـ «ثلاثية رودريك» ومفارقات السيادة)، ويعيد تطبيقها على الواقع الأوروبي ليوضح أنه من المستحيل عملياً الجمع المتزامن بين «عولمة اقتصادية وتكامل فوق-وطني عميق»، و«سيادة وطنية مستقلة»، و«ديمقراطية تمثيلية حقيقية ذات خيارات خصبة». لقد اختار الاتحاد الأوروبي حسم هذه المفارقة لصالح الدمج بين التكامل الفوق-وطني وتعميق حرية الأسواق، وهو ما استلزم بالضرورة التضحية بأحد العنصرين الآخرين: فإما التقليل من السيادة الوطنية عبر نقل الصلاحيات للهيئات التكنوقراطية غير المنتخبة، وإما تفريغ الديمقراطية المحلية من مضمونها التنافسي وتحويل الانتخابات البرلمانية إلى طقوس إجرائية لا تغير من السياسات العامة شيئاً. إن هذا الخيار المؤسسي المأزوم هو الذي جعل الدولة الوطنية في أوروبا تدخل في حالة من «التفكك/التصدع» (Dekonsolidierung)، حيث تقف الحكومات عاجزة عن الاستجابة لمطالب مواطنيها التوزيعية، مما يتسبب في تفجير النظم الحزبية المستقرة وتوليد تحالفات سياسية غير مألوفة تتحد في رفصها للمركز التكنوقراطي.

ويعمق مانوف نقده للنخب الكوزموبوليتانية والحضرية من خلال الكشف عن طابع «الاستعلاء الأخلاقي» الذي يُغلف به الخطاب الفوق-وطني قراراته وإملاءاته الاقتصادية والاجتماعية. فحين تُفرغ الديمقراطية من بعدها التنافسي التوزيعي، تُستبدل النزاعات حول المصالح المادية المشروعة بسجالات أخلاقية حول القيم والأذواق والشرعية الثقافية. وفي هذا الفضاء المحوّر، يُصنف الخصوم السياسيون والمطالبون بالحماية الاقتصادية أو السيادة الوطنية ليس بوصفهم أصحاب مصالح متضاربة يجب التفاوض معهم وإدماجهم في تسوية سياسية، بل بوصفهم قوى «غير عقلانية»، أو «شعبوية جهولة»، أو حتى «تهديداً للمبادئ الديمقراطية». يؤكد مانوف أن هذا النهج الإقصائي، الذي يمارسه اليسار الليبرالي والوسط التكنوقراطي تحت مسمى حماية الدستورية والقيم العالمية، يتسبب في الواقع بإعادة إنتاج العنف السياسي الرمزي، ويدفع الفئات المجهدة والمهمشة في الأطراف الجغرافية نحو مزيد من الراديكالية والتشكيك في شرعية النظام المؤسسي برمته.

ومن هنا، يرى الكتاب أن الظاهرة الشعبوية بمختلف تجلياتها اليمينية والسيادية ليست خروجاً طارئاً عن جادة الصواب أو مجرد عدوى أيديولوجية عابرة، بل هي «وظيفة تعويضية أملتها آليات النظام السياسي ذاته». لقد أعادت القوى الشعبوية إدخال عنصر «الصراع والبديل» (Das Politische) إلى المجال العام الذي بذلت التكنوقراطية الفوق-وطنية جهوداً مضنية لتجفيفه وتدجينه. وحين تتمكن هذه الأحزاب الشعبوية من التمدد في الأطراف وحشد الفئات العمالية والمحلية، فإنها تشير بصورة صريحة إلى الفجوة الهائلة بين ما تقدمه المؤسسات الفوق-وطنية من وعود بالرفاه والانفتاح، وبين ما يعيشه المواطن في حياته اليومية من تراجع في الخدمات وانهيار للروابط المجتمعية وفقدان للأمن الوجودي. إن الشعبوية، بعبارة مانوف المكثفة، هي رد الفعل المناعي الطبيعي والديمقراطي ضد هيمنة التكنوقراطية، وإن كان هذا رد الفعل يتخذ أحياناً أشكالاً هوياتية أو حادة ترعب النخب الحاكمة.

وعند التطلع نحو مستقبل النظم الحزبية وديناميات الدولة الوطنية في القارة العجوز، يقدم مانوف ثلاثة سيناريوهات مستقبليّة تحكم التحول السياسي الأوروبي يتجسد السيناريو الأول في «الجمود المؤسسي الدائم والتفتت الممتد» (Permanent Gridlock)، حيث تتواصل حالة السيولة الانتخابية وتراجع الأحزاب الكبرى، وتضطر الأحزاب التقليدية إلى تشكيل ائتلافات هشة وموسعة تجمع بين أطياف متناقضة لتشكيل الحكومات، مما يشل قدرة هذه الحكومات على اتخاذ قرارات حاسمة، ويدخل البلاد في أزمات سياسية متكررة تتشابه مع النموذج البلجيكي أو الإيطالي ولكن على مستوى القارة بأكملها. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في «التطبيع التدريجي للشعبوية الوطنية» (Normalization of National-Populism)، حيث تتمكن الأحزاب اليمينية والسيادية من اختراق مراكز السلطة والدخول في الحكومات ائتلافياً أو منفردة، لتفرز نمطاً جديداً من الحكم يجمع بين الحمائية الاقتصادية الموجهة للداخل والسياسات المجتمعية المحافظة، مع إعادة فرض بعض ضوابط السيادة الوطنية على معاهدات الاتحاد الأوروبي من الداخل دون تفكيكه كاملاً.

أما السيناريو الثالث، والأقل احتمالاً بالنظر إلى الصعوبات الدستورية، فيتلخص في «إعادة الهيكلة الراديكالية لعمق التكامل الأوروبي» (Structural De-integration)، عبر تراجع  الإتحاد الأوروبي عن بعض صلاحياته التكنوقراطية والقضائية، وإعادة منح البرلمانات الوطنية هامشاً حقيقياً لإدارة السياسات الماليّة والتوزيعية وسوق العمل. يرى مانوف أن هذا السيناريو، رغم أنه الوحيد القادر على استعادة التوازن الديمقراطي بين الدولة والمواطن، يواجه عائقاً دستورياً هائلاً يتمثل في آلية الإجماع المطلوبة لتعديل المعاهدات التأسيسية، فضلاً عن المقاومة الشديدة التي ستصفيها القوى والنخب المعولمة التي تزدهر ضمن النمط الفوق-وطني الراهن. وبذلك، تبقى أوروبا محاصرة بين بؤس التكنوقراطية الفوق-وطنية المحصنة وغضب الشارع الوطني المفتت، مما يضمن استمرار خطوط الانقسام كعنصر حاسم ومحدد للهوية السياسية القادمة.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى