ديمقراطية بلا علمانية

في سياق الحديث عن موضوع العلمانية نتعرض لرسالة دكتوراة تحمل عنوان “الديمقراطية بدون علمانية: نقد براغماتي لهابرماس” (Democracy without Secularism: A Pragmatist Critique of Habermas) للباحث دانيال مايكل مولين. تم تقديم هذه الرسالة إلى جامعة فريج في أمستردام (Vrije Universiteit Amsterdam) ومعهد الدراسات المسيحية في تورونتو كجزء من متطلبات الحصول على درجة الدكتوراة.إذ تعتبر العلاقة بين الدين والسياسة من أكثر القضايا تعقيداً في الفلسفة السياسية المعاصرة، وهي المحور الأساسي الذي تدور حوله هذه الأطروحة. يجادل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بأن الديمقراطية تعتمد بشكل أساسي على اعتراف جميع المواطنين بشرعية القانون. وبناءً على ذلك، يجب أن يحتكم النقاش السياسي العام إلى “العقل العام” فقط، والذي يعتبر بطبيعته علمانياً. ويترتب على هذا الرأي، وفقاً لهابرماس، أنه يجب على المواطنين المتدينين ترجمة أسبابهم ومبرراتهم الدينية إلى لغة علمانية يمكن للجمهور الأوسع الوصول إليها وفهمها.
في المقابل، تجادل هذه الرسالة بأن الحجج الدينية مبررة تماماً في الخطاب العام إذا امتنعت عن الدوغمائية (التعصب أو الجمود العقائدي). علاوة على ذلك، يرى الباحث أنه لا يوجد شيء متأصل في الأسباب العلمانية يجعلها في متناول الجمهور بالضرورة، أو يجعلها أكثر قدرة على توليد إجماع بين أعضاء مجتمع تعددي. فإذا تعاملنا مع الحجج الدينية ببساطة على أنها حجج مبنية على مقدمات مثيرة للجدل، فسيصبح من غير الواضح لماذا يتم استهداف الحجج الدينية بالذات باعتبارها تمثل مشكلة خاصة للديمقراطيات الليبرالية، خاصة وأن العديد من الحجج السياسية العلمانية تشترك في هذه السمة وتكون مثيرة للجدل أيضاً. من المسلم به أن الأسباب الدينية من غير المرجح أن تضمن الإجماع، لكن هذا لا يُحسب ضدها إذا لم يكن الإجماع هو الهدف الأساسي والوحيد للخطاب الديمقراطي.
توضح هذه الرسالة أن هابرماس، وغيره من المنظرين الليبراليين مثل جون رولز، قد وضعوا تركيزاً مبالغاً فيه على “الإجماع” كهدف أسمى للديمقراطية. وعلاوة على ذلك، فإن ما يشيرون إليه ليس الإجماع العملي الذي يتم تحقيقه براغماتياً من خلال التسويات والتنازلات المتبادلة، بل هو إجماع مثالي يمثل إنجازاً للعقل العلماني. يعتبر الباحث هذا الأمر إشكالياً لسببين رئيسيين: أولاً، لا يوجد سبب معياري يجعلنا نعتقد أنه ينبغي علينا تحقيق مثل هذا الإجماع؛ وثانياً، من غير المرجح أن يتحقق مثل هذا الإجماع في الممارسة العملية في أي مجتمع. وبالتالي، يبدو أنه لا توجد قوة معيارية حقيقية للادعاء بأنه يجب على المواطنين المتدينين ترجمة حججهم بالضرورة إلى لغة علمانية.
في مقدمة الرسالة، التي تحمل عنوان “رسم خريطة ” (Charting the Territory)، يشير الباحث إلى أن هناك إجماعاً عاماً على أنه من المفيد لكل من الدين والسياسة أن يظلا منفصلين. يجب أن تظل الدولة علمانية ومحايدة فيما يتعلق بالمطالبات المتنافسة للأديان والطوائف. يمنع هذا الترتيب أي دين معين من ممارسة احتكار السلطة العامة، ويمنح الأفراد الحرية في ممارسة أي دين أو عدم ممارسة أي دين على الإطلاق. ومع ذلك، فإن القول بأن الدولة يجب أن تظل علمانية ليس بياناً مفيداً جداً من الناحية العملية، حيث يمكن أن تعني كلمة “علماني” أشياء كثيرة ومختلفة باختلاف السياقات. والقول بأن الإيمان الديني للشخص لن يؤثر أبداً على أفعاله السياسية هو قول ساذج يتجاهل تعقيد الطبيعة البشرية. لذلك، تحت القشرة الرقيقة لهذا الإجماع، تكمن العديد من القضايا العميقة والمعقدة التي يمكن للأشخاص ذوي الالتزام القوي بالديمقراطية أن يختلفوا حولها. يتفاعل هذا المشروع مع هذه القضايا من خلال الدخول في حوار نقدي مع أعمال يورغن هابرماس.
يُعرف هابرماس في الدوائر الفلسفية بالدفاع عن “نظرية الفعل التواصلي” الخاصة به، وهي تعبير متطور ودفاع عن مبادئ عصر التنوير. يعتقد هابرماس أن الحجة العقلانية المبنية على تقديم الأسباب هي القوة المشروعة الوحيدة في صنع القرار السياسي. ولكن لكي تقوم العقلانية بعملها، يجب أن تكون في متناول الجمهور؛ أي يجب أن يعترف جميع المواطنين بشرعيتها بغض النظر عن مواقفهم الإيمانية الخاصة. في السنوات الأخيرة، بدأ هابرماس في تخفيف موقفه فيما يتعلق بشرعية اللغة الدينية في الحياة العامة، معترفاً بأننا نعيش في مجتمع “ما بعد علماني” (postsecular society). هذا التطور يطرح تساؤلات حول مدى استمرارية آرائه السابقة مقارنة بكتاباته الجديدة. يتتبع الباحث هذا التقدم عبر فصول الرسالة ويستخلص استنتاجاته الخاصة، ويضع هابرماس في حوار مع العديد من المحاورين مثل تشارلز تايلور وجون رولز وريتشارد رورتي.
يتناول الفصل الأول من الرسالة، وعنوانه “الحداثة والمستاؤون منها” (Modernity and Its Discontents)، بتعمق سردية التنوير ومفهوم العلمنة. هناك عدة أسباب لتخصيص الفصل الأول للخلفية التاريخية لموضوع الرسالة؛ أولاً، هذا هو المكان الذي يبدأ منه هابرماس نفسه، لا سيما في عمله المنشور الأول “التحول البنيوي للمجال العام” الذي يعتبر دراسة مهمة للخلفية الثقافية التي تشكل فيها مفهومنا الحديث لكلمة “عام”. ثانياً، السرد التاريخي مهم جداً لتقييم أطروحة هابرماس حول معيارية اللغة العامة العلمانية. يمكن تحدي السرد التقليدي الذي يصف صعود الهياكل السياسية الليبرالية خلال عصر التنوير كنتيجة بحتة للتقدم الخالص للعقل العلماني النزيه. هذا السرد التقليدي يتجاهل أو يقلل بشكل كبير من الدور الذي لعبته المسيحية في تشكيل المبادئ التي أصبحت حجر الأساس للديمقراطيات الليبرالية الحديثة. إن إعادة سرد قصة العلمنة لا يضعف بالضرورة معيارية العقل العلماني، لكنه يسمح لنا بالاستنتاج بأن المعيارية الحصرية للغة العلمانية لم تكن مفترضة عند ولادة الدولة القومية الليبرالية الحديثة.
ثالثاً، تعتمد استنتاجات هابرماس على تفسير معين للتاريخ الفكري الغربي يُسمى “أطروحة العلمنة” (the secularization thesis). كأطروحة تجريبية، فهي تتنبأ بأن الدين سوف يتراجع حتماً في مواجهة التحديات القادمة من العقل العلماني، مثل القوة التفسيرية للعلم. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا التنبؤ يتحقق في الواقع الفعلي للمجتمعات. لقد شهد الدين عودة قوية للظهور في التاريخ الحديث لم تتوقعها نظرية العلمنة على الإطلاق. هناك شك متزايد في أن سردية التنوير ليست مجرد وصف محايد لمسيرة العقل التاريخية، بل هي وصف محمل بالقيم يهدف إلى تهميش أطراف معينة. إن أطروحة العلمنة التجريبية، التي فقدت مصداقيتها إلى حد كبير، تفسح المجال بسرعة لنسخة معيارية مفادها أن لغة العلمانية هي ببساطة اللغة العامة المعيارية الوحيدة المسموح بها في الديمقراطيات الغربية.
يقدم الباحث سردية بديلة توفر تصحيحاً للتاريخ أحادي الجانب الذي غالباً ما يشكل خلفية لمناقشاتنا السياسية المعاصرة. على النقيض من سرد “نزع السحر عن العالم” (disenchantment) الذي ورثه هابرماس عن ماكس فيبر، والذي بموجبه تتلاشى طرق التفكير الدينية تدريجياً ليحل محلها التفكير العلمي، يجادل الباحث بأن عوامل داخل المسيحية نفسها سهلت عملية العلمنة، وأن النظرة العلمانية للعالم أصبحت ممكنة بفضل شروط مسبقة داخل الفكر المسيحي. العلمانية ليست ببساطة مسألة القضاء على أنماط التفكير الديني، بل هي في حد ذاتها موقف فلسفي إيجابي يخدم العديد من نفس وظائف الدين الذي يزعم أنه يحل محله. وفي هذا السياق، يستند الباحث بقوة إلى دراسة تشارلز تايلور الضخمة “عصر علماني” (A Secular Age).
ويضيف الباحث أن شخصيات تاريخية بارزة مثل جون لوك، الذي غالباً ما يُصوَّر على أنه الأب الروحي للدولة العلمانية الحديثة، استعار العديد من حججه، خاصة في “رسالة في التسامح” (A Letter Concerning Toleration)، من مصادر مسيحية. وبالتالي، من المعقول جداً أن نرى أن أسس الدولة الليبرالية الحديثة في القرن السابع عشر هي أسس مسيحية بعمق؛ فهي لم تصل إلى الوجود كاختراع مفاجئ لفلسفة علمانية خالصة بطبيعتها. من المعقول أيضاً رؤية ظهور العلمنة في القرن السابع عشر كاستجابة عملية وتداولية لمعالجة واقع “التعددية الدينية”، وليس كعملية حتمية لنزع السحر عن العالم. هذا السرد المعاد بناؤه يمكن أن يساعدنا في إجراء تمييز فلسفي وتاريخي مهم بين “العلمنة” (secularization) كمسار تاريخي و”العلمانية” (secularism) كأيديولوجيا مقيدة، وهو تمييز مفيد جداً في مناقشة وضعنا السياسي المعاصر المليء بالتحديات.
ويتعرض الفصل الأول كذلك للظروف التاريخية لظهور المجال العام في إنجلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ظهور المجال العام كان مرتبطاً بشكل وثيق بثقافة الطباعة، وقراءة الكتاب المقدس من قبل العلمانيين، والحسابات الاكتوارية، والعلوم التجريبية، والمشاريع الرأسمالية. كما يشير هابرماس، فإن إلغاء الرقابة في إنجلترا بموجب قانون الترخيص لعام 1695 كان خطوة محورية لا يمكن المبالغة في تقديرها كدافع أساسي لصعود المجال العام. الديمقراطية التمثيلية وتعيين أول حكومة برلمانية شكلت نموذجاً للخطاب السياسي، حيث تحولت المعارضة السياسية من استخدام العنف ومحاولات فرض المصالح بالقوة إلى الانخراط في نقاش نقدي سلمي ودائم بين الحزب الحاكم والمعارضة.
علاوة على ذلك، يوضح الكاتب كيف أسهم المجتمع العلمي في عصر التنوير، وخاصة “الجمعية الملكية” في إنجلترا، في تشكيل نموذج للنقاش العقلاني. كانت النجاحات التي حققها العلم التجريبي بمثابة حافز قوي للاعتقاد بأن النقاش النقدي، كما تمثله الجمعية الملكية، يمكن توسيعه ليشمل النقاش السياسي والديني. كان يُنظر إلى المجتمع العلمي على أنه نموذج لخطاب مثالي يُنتج الإجماع بفضل التزام هذا المجتمع الصارم بإملاءات العقل والأدلة. المعرفة التي نتجت عن الجمعية الملكية لم تكن مجرد اقتناع أو رأي شخصي، بل كانت “معرفة عامة” كما وصفها توماس سبرات، أحد رجال الدين الداعمين للجمعية. هؤلاء اللاهوتيون المعتدلون لجأوا في كثير من الأحيان إلى العقل لتقديم مفهوم مبسط ومخفف للدين، مجرد من الكثير من العقائد الزائدة للمتحمسين والمتعصبين الدينيين.
يعطي لوك في كتاباته الأولوية للعقل، وهو لا يختلف في ذلك عن العقلانيين في القرن السابع عشر الذين استخدموا المنهج الاستنباطي لاستخلاص النتائج من التعريفات والبديهيات. لقد سعى لوك بنشاط إلى تغيير الطريقة التي تمارس بها السلطة الدينية في المجال العام، واستبدالها بالاحتكام المباشر إلى العقل المتاح للجمهور. ومن خلال كتابه “مقال خاص بالفهم البشري”، وتحديداً الكتاب الرابع منه، يتضح أن لوك كان من كبار العقلانيين في التراث الغربي، حيث كان يرى ضرورة أن ننسب درجة اليقين في معتقداتنا إلى وزن الأدلة المتاحة، وهو مبدأ كان يهدف بالتأكيد إلى استبعاد المتحمسين الدينيين في عصره من التأثير على المجال العام.
في سياق الاعتراضات الأولية على الخطاب الديني في المجال العام، يطرح الفصل الأول سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الأسباب الدينية. يوافق الباحث على أن الحجج الدينية لا ينبغي أن تُمنح احتراماً إضافياً لمجرد كونها دينية، وأنه يجب إخضاع جميع المطالبات العامة للتدقيق النقدي. ومع ذلك، فإن وضع قواعد النقاش بحيث لا يمكن للمطالبات الدينية أبدًا أن تفي بشروط العقلانية العامة هو بمثابة افتراض مسبق متحيز. يتساءل الباحث: هل يمتلك التفكير العلماني حقاً احتكاراً للتواصل العقلاني؟. في النهاية، يشدد الباحث على أهمية العثور على حل وسط براغماتي يسمح بنموذج متعدد الأطراف للنقاش العام، ويتجنب الإصرار الأحادي والمسطح على التجريد المسمى “العقل العام”، مما يمهد الطريق للفصول القادمة لمناقشة البدائل الممكنة التي تحترم كل من التعددية والإيمان.
بعد أن أنهى الباحث في الفصل الأول تفكيك السردية التاريخية الأحادية لعصر التنوير ونشأة العلمانية، ينتقل في الفصل الثاني من الرسالة إلى مواجهة الأساس النظري والفلسفي المعاصر الذي يقدمه يورغن هابرماس. يدرك الباحث دانيال مولين أن الإطاحة بـ “أطروحة العلمنة” من الناحية التاريخية لا يكفي لإسقاط البناء الفلسفي لهابرماس، لأن الأخير لا يعتمد فقط على التاريخ، بل يعتمد على نظرية معقدة في اللغة والتواصل. هابرماس لا يطالب بإقصاء الأسباب الدينية من الفضاء الرسمي للديمقراطية لمجرد أنه يعادي الدين، بل لأن نظريته الفلسفية الشاملة حول كيفية عمل المجتمع البشري وتوليده للشرعية السياسية تتطلب ذلك . لذلك، يكرس الباحث هذا الفصل لتحليل ما يُعرف بـ “نظرية الفعل التواصلي” (Theory of Communicative Action) وكيفية انبثاق مفهوم “المجال العام” منها.
يستفيض الباحث في شرح “نظرية الفعل التواصلي” التي تعتبر حجر الزاوية في فلسفة هابرماس بأكملها. يرى هابرماس أن العقلانية لا تقيم في وعي الفرد المنعزل الذي يتأمل العالم (كما كان يفترض ديكارت أو كانط)، بل هي عقلانية “بين-ذاتية” (Intersubjective) تتحقق من خلال التواصل اللغوي. عندما يتحدث الأفراد بهدف الوصول إلى تفاهم متبادل حول أمر ما، فإنهم يمارسون “فعلاً تواصلياً”. وفي كل فعل تواصلي، يرفع المتحدث – بوعي أو بدون وعي – ثلاثة ادعاءات رئيسية تسمى “ادعاءات الصلاحية” (Validity Claims)، وهي:
-
ادعاء الحقيقة (Truth): أن العبارة المنطوقة تتطابق مع العالم الموضوعي الخارجي.
-
ادعاء الصواب (Rightness): أن العبارة تتوافق مع العالم الاجتماعي للأعراف والمعايير الأخلاقية المشروعة.
-
ادعاء الصدق (Truthfulness أو Sincerity): أن المتحدث يعبر بصدق عن عالمه الداخلي وعن نواياه الحقيقية. لكي يكون التواصل عقلانياً وناجحاً، يجب أن يكون المستمع قادراً على قبول أو رفض هذه الادعاءات بناءً على “الأسباب” و”الحجج” فقط، وليس بناءً على الإكراه، أو السلطة، أو التلاعب. الديمقراطية المشروعة، في نظر هابرماس، هي امتداد مؤسسي لهذا الفعل التواصلي؛ فالقوانين لا تستمد شرعيتها من قوة الدولة، بل من كونها نتاجاً لنقاش عام حر وعقلاني يخضع فيه الجميع لـ “القوة غير القسرية للحجة الأفضل”.
لتطبيق هذه النظرية على السياسة، يوضح الباحث كيف يقسم هابرماس الفضاء الديمقراطي إلى مسارين أو مستويين أساسيين: “المجال العام غير الرسمي” (أو الضعيف) و”المجال العام الرسمي” (أو القوي). المجال العام غير الرسمي يشمل الصحافة، الإنترنت، الجمعيات الأهلية، الكنائس، الساحات العامة، والنقاشات العفوية في المقاهي. هذا المجال يتسم بسيولة تامة وفوضى خلاقة، وهو بمثابة مجسات استشعار أو “رادار” يلتقط مشاكل المجتمع، واللغة فيه حرة تماماً. في المقابل، هناك “المجال العام الرسمي”، وهو يشمل المؤسسات التي تمتلك سلطة إصدار قرارات ملزمة مدعومة بإكراه الدولة وقوة الشرطة، مثل البرلمان، اللجان التشريعية، والمحاكم الدستورية. يرى هابرماس أن الانتقال من النقاش العشوائي في المجال غير الرسمي إلى التشريع المُلزم في المجال الرسمي يتطلب “فلترة” أو تصفية صارمة للأسباب والحجج، بحيث لا يمر إلى القوانين إلا ما يمكن تبريره بعقلانية لجميع المواطنين.
هنا نصل إلى النقطة المحورية في الفصل الثاني: لماذا يمثل الدين مشكلة خاصة في هذا الطرح الهابرماسي؟ يوضح الباحث أن هابرماس يرى الأسباب الدينية تفتقر إلى ميزة حاسمة وهي “إمكانية الوصول العام” (Public Accessibility). الأسباب العلمانية – سواء كانت اقتصادية، علمية، أو حقوقية – تعتمد على لغة مشتركة ومقدمات معرفية يمكن نظرياً لأي مواطن أن يفهمها، ويجادل فيها، ويفحص أدلتها مستخدماً عقله البشري العادي. أما الأسباب الدينية، فهي ترتكز على أساس “معرفي خاص”: وحي إلهي، نصوص مقدسة تفترض الإيمان المسبق بها، أو سلطة لاهوتية لا تعترف بها بقية أطياف المجتمع. إذا تم تشريع قانون قسري (مثل حظر الإجهاض، أو منع العمل في أيام العطلات الدينية) بناءً على مبرر ديني بحت قدمه المشرعون، فإن المواطن الذي لا ينتمي لهذا الدين سيجد نفسه مجبراً على إطاعة قانون لا يستطيع فهم أسبابه أو القبول بعقلانيتها. هذا يخلق اغتراباً ديمقراطياً، ويدمر مبدأ الشرعية التداولية الذي يقتضي أن ينظر المواطن إلى نفسه ليس فقط كموضوع للقانون، بل كـ “مؤلف” له.
لتجنب إقصاء المواطنين المتدينين بالكامل وتكميم أفواههم، استحدث هابرماس أداة مفاهيمية أسماها “شرط الترجمة” (The Translation Proviso). يحلل الباحث هذا الشرط بدقة متناهية. ينص شرط الترجمة على أنه يُسمح للمواطنين المتدينين باستخدام لغتهم وحججهم الدينية الصريحة بحرية تامة داخل “المجال العام غير الرسمي”. ولكن، بمجرد أن يقترب النقاش من أبواب “المجال العام الرسمي” (البرلمان والمحاكم)، يجب “ترجمة” هذه الحجج الدينية إلى لغة سياسية علمانية محايدة يقبلها الجميع. العبء الأساسي لهذه الترجمة يقع على كاهل المواطن المتدين، ليقوم بتقديم محتوى رسالته الدينية بقالب علماني حقوقي. يضرب هابرماس مثالاً شهيراً: يمكن ترجمة المفهوم المسيحي القائل بأن “الإنسان مخلوق على صورة الله” إلى المفهوم الدستوري العلماني القائل بـ “الكرامة الإنسانية المتساوية وغير القابلة للتصرف”. بهذه الطريقة، يتم إنقاذ المحتوى الأخلاقي للدين، مع تفريغه من طابعه اللاهوتي الإقصائي، ليكون صالحاً للاستخدام التشريعي الرسمي.
في نهاية الفصل الثاني وبدايات الفصل الثالث، يبدأ الباحث دانيال مولين في توجيه مدفعية النقد البراغماتي تجاه هذا الشرط، مقدماً سلسلة من الاعتراضات العميقة التي تتجاوز السطح السياسي إلى العمق المعرفي والنفسي. الاعتراض الأول يركز على ما يسميه الباحث “العبء المعرفي والنفسي غير المتكافئ” (Asymmetrical Cognitive Burden). يجادل الباحث بأن شرط هابرماس يخلق انقساماً ظالماً بين المواطنين. المواطن العلماني (وليكن يتبنى فلسفة كانطية، أو ليبرالية اقتصادية، أو ماركسية) يمكنه الدخول إلى المجال العام واستخدام لغته الأصلية، والمحاججة بمفاهيمه الأساسية مباشرة دون أن يُطلب منه تبريرها بلغة أخرى. أما المواطن المتدين، فيُطلب منه القيام بعملية ذهنية شاقة ومستمرة: يجب عليه أن يقسم هويته إلى نصفين. نصف داخلي خاص يؤمن بالدين ويستمد منه رؤيته للعالم، ونصف عام سياسي يجب عليه أن يتحدث لغة غريبة عنه (العلمانية) ويبرر مواقفه من خلالها. هذا الانفصام المفروض مؤسسياً يتناقض مع فكرة المواطنة الديمقراطية المتساوية، لأنه يطلب من المتدينين ما لا يطلبه من العلمانيين: أن يتنكروا للغتهم الأم بمجرد دخولهم ساحة التشريع.
يتعمق الباحث في نقد عملية “الترجمة” ذاتها مستعيناً بفلسفة اللغة. يجادل بأن الترجمة بين لغات ذات نماذج معرفية (Paradigms) متباينة لا يمكن أبداً أن تتم بسلاسة ودون فقدان جوهري للمعنى (Loss of Meaning). عندما نترجم “خلق الإنسان على صورة الله” إلى مجرد “الكرامة الإنسانية”، فإننا ننزع عن المفهوم الديني سياقه الكوني العميق، وعنصر الرهبة، والشعور بالمسؤولية الأخلاقية أمام خالق أعلى. الحجة الدينية تستمد قوتها الإلزامية بالنسبة للمؤمن من كونها صادرة عن سلطة متعالية، وتجريدها من هذا الطابع يجعلها حجة باهتة وميتة روحياً. والأخطر من ذلك، كما يلاحظ الباحث بذكاء، أن شرط الترجمة هذا يدفع المواطن المتدين إلى انتهاك إحدى الركائز الثلاث لنظرية هابرماس نفسها: “ادعاء الصدق” (Truthfulness). فإذا كان المواطن المتدين مقتنعاً بأن معارضته لقانون ما نابعة بالأساس من إيمانه بأن هذا القانون يخالف إرادة الله، ولكنه يُجبر في البرلمان على اختلاق حجج علمانية نفعية لا يؤمن بها داخلياً لمجرد استيفاء “شرط الترجمة”، فإنه في هذه اللحظة يمارس النفاق السياسي ويفقد “صدقه” التواصلي. هابرماس، من خلال محاولته إنقاذ العقلانية العلمانية، يدفع المتدينين نحو ممارسة التضليل اللغوي في المجال العام.
يمضي الباحث في بناء أطروحته تمهيداً للنقد البراغماتي الشامل، ليهاجم الافتراض الهابرماسي المبطن بأن “اللغة العلمانية هي لغة محايدة”. يجادل الباحث بقوة بأن العلمانية ليست مجرد أداة تواصلية فارغة من المضمون، وليست نقطة الصفر المعرفية التي يقف عليها الجميع. العلمانية، في جوهرها، هي “عقيدة شاملة” (Comprehensive Doctrine) لها مسلماتها الأنطولوجية حول الكون، والطبيعة البشرية، ومصادر المعرفة. عندما يشترط هابرماس أن تتم ترجمة جميع الحجج إلى الإطار العلماني، فهو فعلياً يفرض “هيمنة معرفية” (Epistemic Hegemony) لنموذج واحد على حساب النماذج الأخرى. الفضاء الديمقراطي الذي يتم هندسته بهذه الطريقة ليس فضاءً محايداً تتنافس فيه الأفكار بحرية، بل هو فضاء مُجهز مسبقاً لضمان انتصار الرؤية العلمانية للعالم وإخضاع الرؤى الدينية لعملية تدجين قسرية. هذا الاستنتاج يفتح الباب واسعاً أمام الفصل الثالث الذي يقدم فيه الباحث الحل “البراغماتي” المتمثل في التخلي عن هوس الإجماع العقلاني الشامل والقبول بالتسويات العملية.
بعد أن وفق الباحث على “شرط الترجمة” الهابرماسي وأثبت أنه يفرض عبئاً غير متكافئ على المواطنين المتدينين، يطرح في هذا الجزء المتقدم من الفصل الثالث سؤاله الجوهري: إذا كانت العقلانية العلمانية ليست محايدة، وإذا كان شرط الترجمة مجحفاً، فما هو البديل الفلسفي الذي يمكن أن يبقي على الديمقراطية حية في مجتمع تعددي دون اللجوء إلى مقصلة الإقصاء العلماني؟ الإجابة التي يقدمها دانيال مولين تتجسد في “الفلسفة البراغماتية” (Pragmatism). يستند الباحث إلى التراث البراغماتي الكلاسيكي والجديد، مستلهماً أفكار فلاسفة من أمثال جون ديوي وويليام جيمس وصولاً إلى ريتشارد رورتي. الفلسفة البراغماتية، في جوهرها، ترفض الهوس الفلسفي التقليدي بالبحث عن “اليقين المطلق” أو “الأسس المعرفية الصلبة” (Foundationalism). بالنسبة للبراغماتيين، الحقيقة ليست جوهراً ميتافيزيقياً ثابتاً نكتشفه من خلال العقل الخالص، بل هي ما يثبت جدواه وفعاليته في حل المشكلات الإنسانية على أرض الواقع. ومن هذا المنطلق، لا تهتم البراغماتية كثيراً بـ “أصل” الحجة (سواء كانت مستمدة من نص ديني مقدس أو من نظرية اقتصادية علمانية)، بل تهتم بـ “عواقب” هذه الحجة ونتائج تطبيقها العملي في الفضاء العام.
في خطوة تحليلية بالغة الذكاء، يتوقف الباحث مطولاً عند الفيلسوف البراغماتي المعاصر ريتشارد رورتي (Richard Rorty). يُعتبر رورتي من أشد المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية، لكنه اشتهر بموقفه العدائي تجاه إدخال الدين في السياسة، حيث وصف الحجج الدينية بأنها “موقف يوقف المحادثة” (A Conversation-Stopper). يرى رورتي أنه عندما يطرح شخص ما حجة دينية في نقاش سياسي (كأن يقول: “هذا القانون مرفوض لأنه يخالف إرادة الله”)، فإن النقاش الديمقراطي يتوقف فوراً، لأنه لا توجد أرضية مشتركة يمكن للآخرين أن يناقشوه من خلالها إن لم يكونوا يؤمنون بنفس الإله. هنا، يستخدم مولين “البراغماتية” للرد على رورتي نفسه، معتبراً أن رورتي خان المبادئ البراغماتية في هذه النقطة بالذات. يجادل مولين بأن استبعاد الحجج الدينية مسبقاً وبشكل قاطع (A Priori) ليس موقفاً براغماتياً، بل هو موقف دوغمائي (عقائدي متصلب) يتنكر في ثوب الليبرالية. الديمقراطية البراغماتية الحقيقية تفترض الانفتاح التجريبي على كافة اللغات والمفردات. إذا كانت الحجة الدينية “توقف المحادثة” فعلاً في بعض الأحيان، فإن هناك حججاً علمانية راديكالية (مثل الحجج الماركسية المتطرفة أو النيوليبرالية القاسية) يمكن أن توقف المحادثة أيضاً. البراغماتية تتطلب منا أن ندع جميع الحجج تدخل إلى ساحة التداول العام (Marketplace of Ideas)، وأن نترك التجربة الديمقراطية والتداول المستمر يفرزان ما هو مفيد وما هو غير مفيد، بدلاً من وضع حراس بوابات علمانيين يحددون مسبقاً من يحق له التحدث.
الضربة القاضية التي يوجهها النقد البراغماتي لهابرماس تتركز على تفكيك مفهوم “الإجماع العقلاني المثالي” (Ideal Rational Consensus). يرى هابرماس أن الهدف الأسمى للتواصل الديمقراطي هو وصول جميع المواطنين إلى إجماع يتفقون فيه ليس فقط على القوانين، بل يتفقون أيضاً على “نفس الأسباب العقلانية” التي تبرر هذه القوانين. هذا هو مبرره الأساسي لمطالبة المتدينين بالتخلي عن أسبابهم الخاصة واستخدام الأسباب العلمانية المشتركة. يرفض مولين هذا الهدف رفضاً قاطعاً، واصفاً إياه بأنه وهم طوباوي خطير. في أي مجتمع حديث يتميز بـ “التعددية العميقة” (Deep Pluralism)، من المستحيل عملياً ومعرفياً أن يتفق جميع الأفراد على الأسباب الفلسفية أو الأخلاقية النهائية لأي قضية معقدة. المواطنون يحملون “رؤى شاملة” (Comprehensive Doctrines) مختلفة جذرياً. البراغماتية تخبرنا أن الديمقراطية لا تحتاج إلى هذا التطابق المعرفي العميق لكي تعمل بفعالية. لكي تنجح الديمقراطية، يكفي أن يتفق المواطنون على “الإجراء” وعلى “النتيجة العملية” (القانون أو السياسة)، حتى لو اختلفت أسبابهم وتبريراتهم اختلافاً جذرياً. يضرب الباحث هنا أمثلة توضيحية: يمكن لمواطن متدين أن يدعم قانون حماية البيئة لأن البيئة هي “خلق الله الذي استخلف فيه الإنسان ليرعاه”، وفي نفس الوقت، يمكن لمواطن علماني أن يدعم نفس القانون بحجة “المنفعة العامة وضمان بقاء الأجيال القادمة”، ويمكن لمواطن ثالث أن يدعمه بناءً على “حقوق الحيوان”. جميعهم يلتقون عند نقطة الموافقة على نفس القانون، ولكن كل واحد منهم وصل إلى هذه النقطة عبر مسار معرفي مختلف تماماً. الديمقراطية لا تحتاج إلى صهرهم جميعاً في بوتقة العقلانية العلمانية الهابرماسية؛ بل يكفيها هذا التقاطع العملي.
وبناءً على ما سبق، يطرح مولين مفهوم “التسوية العملية” أو التعايش العملي (Modus Vivendi) كبديل متواضع وأكثر واقعية من “الإجماع” الهابرماسي. الفلاسفة الليبراليون (مثل رولز وهابرماس) غالباً ما ينظرون بازدراء إلى مصطلح “التسوية العملية”، معتبرين إياه مجرد هدنة هشة بين أطراف متصارعة تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على بعضها البعض. لكن مولين يعيد الاعتبار لهذا المفهوم من منظور براغماتي. التسوية العملية ليست مجرد هدنة مؤقتة، بل هي إنجاز ديمقراطي هائل ناتج عن الاعتراف المتبادل بصعوبة واستحالة توحيد العقول. إنها تمثل نضجاً سياسياً يقبل فيه المواطنون بالعيش معاً وإدارة اختلافاتهم عبر التصويت، والمساومات، والتنازلات المتبادلة، دون أن يتنازل أي طرف عن لغته الأساسية أو هويته الروحية.
لا تكتمل صورة النقد دون التطرق إلى القطب الآخر للفلسفة السياسية المعاصرة. في الفصل الرابع، يوجه مولين أنظاره نحو الفيلسوف الأمريكي جون رولز (John Rawls)، صاحب كتاب “الليبرالية السياسية”. يُعتبر رولز وهابرماس وجهين لعملة واحدة في سعيهما لإيجاد أساس عقلاني للدولة الديمقراطية يحميها من التمزق بسبب التعددية. يعترف مولين بأن نموذج رولز يختلف في آلياته عن هابرماس، لكنه يشترك معه في نفس الغاية الاستبعادية تجاه الدين. صاغ رولز مفهوم “العقل العام” (Public Reason)، وهو الإطار الذي يجب على القضاة والمسؤولين والمواطنين الالتزام به عند مناقشة القضايا الدستورية الجوهرية ومسائل العدالة الأساسية. يرى رولز أنه يجب على المواطنين تبرير مقترحاتهم باستخدام مفاهيم سياسية بحتة يمكن للجميع قبولها بشكل “معقول”، ويجب إبعاد “الرؤى الشاملة” (سواء كانت أدياناً أو فلسفات علمانية كبرى كالكانطية) عن هذا المجال الحساس. للوصول إلى هذا الاستقرار، اقترح رولز فكرة “الإجماع المتشابك” (Overlapping Consensus)، حيث تدعم كل رؤية شاملة المبادئ السياسية الليبرالية من داخل منظورها الخاص.
ومع ذلك، واجه رولز نفس المشكلة الهابرماسية: ماذا لو أصر المواطن المتدين على استخدام لغته الدينية الصريحة؟ استحدث رولز ما يُعرف بـ “الشرط” (The Proviso)، والذي يسمح بإدخال الرؤى الدينية في النقاش العام، شريطة أن يتم لاحقاً (في الوقت المناسب) تقديم أسباب سياسية عامة كافية لدعم ما تم اقتراحه دينياً. يخضع مولين هذا النموذج الرولزي لتشريح براغماتي صارم، ليكتشف أن رولز يمارس نفس الإقصاء ولكن بلغة أكثر نعومة. الأداة السحرية التي يستخدمها رولز لاستبعاد ما لا يروق له هي مفهوم “المعقولية” (Reasonableness). رولز يقسم المواطنين والرؤى إلى “معقولة” و”غير معقولة”. الرؤية الشاملة المعقولة، في قاموس رولز، هي تلك التي تقبل مسبقاً بفصل الدين عن الدولة وبمبادئ الليبرالية السياسية كما حددها هو. يكشف مولين أن “المعقولية” عند رولز ليست معياراً إجرائياً محايداً، بل هي مفهوم محمل بقيم علمانية مسبقة. رولز يصمم قواعد اللعبة السياسية بطريقة تضمن فوز الليبرالية العلمانية قبل أن تبدأ المباراة. المواطن المتدين الذي يرفض هذا الإطار (الذي يعتقد مثلاً أن الدين يجب أن يوجه الحياة العامة بوضوح) يُصنف ببساطة على أنه “غير معقول”، وبالتالي يتم إخراجه من دائرة “العقل العام” وحرمانه من التأثير التشريعي. يؤكد النقد البراغماتي لمولين أن محاولة رولز خلق لغة سياسية مستقلة تماماً ومحايدة هي محاولة فاشلة معرفياً، لأنها تعتمد على “إبستمولوجيا خفية” تفترض أن هناك طريقة واحدة صحيحة للتفكير السياسي وهي الطريقة العلمانية الليبرالية. البراغماتية، في المقابل، ترفض هذا الاحتكار المعرفي، وتدعو إلى ديمقراطية لا تخاف من اللغة الميتافيزيقية أو اللاهوتية، بل تتركها تتفاعل بحرية تحت قبة التداول العملي الذي يركز على العواقب والنتائج الملموسة.
يخصص الباحث دانيال مايكل مولين الفصل الخامس من أطروحته لدراسة مرحلة مفصلية ومثيرة للجدل في المسار الفكري ليورغن هابرماس، وهي المرحلة التي شهدت مع بداية القرن الحادي والعشرين مراجعة لافتة لمواقفه الصارمة تجاه الدين، حيث أطلق هابرماس على هذه الرؤية المستحدثة مفهوم “المجتمع ما بعد العلماني” (Post-secular Society). يوضح مولين أن هذا التحول لم يكن مجرد استجابة لنزوة فكرية طارئة، بل كان اعترافاً صريحاً بتهاوي “أطروحة العلمنة التجريبية” التي سادت الفلسفة الاجتماعية لعقود طويلة. فقد أثبتت الواقعية السياسية والتطورات الجيوسياسية العالمية – ولا سيما مع تصاعد دور الحركات الدينية في الفضاءات السياسية عبر العالم وتحول الدين إلى عنصر محوري في النقاشات العامة – أن الدين لم ينحسر إلى المجال الخاص كما توقعت نظريات التنوير الكلاسيكية، ولم يتلاشَ أمام زحف العقلانية العلمية والمادية.
يجادل مولين بأن هابرماس، بنزاهته الفكرية المعهودة، أدرك أن المجتمعات الغربية الليبرالية باتت تواجه واقعاً جديداً يفرض عليها التكيف الذهني والمؤسسي مع وجود تجمعات دينية حيوية وفاعلة تستند إلى إيمان راسخ وترفض التواري عن الساحة العامة. إن “المجتمع ما بعد العلماني” في التحديد الهابرماسي ليس مجتمعاً عاد إلى الدين أو تخلى عن أركان الدولة العلمانية، بل هو مجتمع يتعدى الرؤية الساكنة التي تعتبر العلمنة مساراً خطياً حتمياً ينتهي بمحو التقاليد الإيمانية. في هذا السياق، يصبح الشاغل الأساسي لهابرماس هو البحث عن صيغة جديدة تسمح بالتعايش السلمي والتضامن الوطني بين المواطنين المتدينين والمواطنين العلمانيين، دون أن يؤدي ذلك إلى تمزيق نسيج الدولة الديمقراطية أو إخصاء الفضاء العام.
يتوقف الباحث دانيال مولين مطولاً عند إحدى أبرز محطات هذا التحول الهابرماسي، والمتمثلة في المناظرة التاريخية الشهيرة التي عقدت عام 2004 في الأكاديمية الكاثوليكية بمدينة ميونخ بين يورغن هابرماس والكاردينال جوزيف راتزينغر (البابا بنديكتوس السادس عشر لاحقاً). تناولت هذه المناظرة قضية “الأسس الأخلاقية قبل-السياسية للدولة الليبرالية”. يحلل الباحث المقترحات التي قدمها هابرماس في تلك المناظرة، مشيراً إلى أنه استعان بمقولة قانونية وفلسفية شهيرة تعرف باسم “مقولة بوكنفردة” (Böckenförde Dictum) نسبة إلى القاضي الدستوري الألماني إرنست-فولفغانغ بوكنفردة، والتي تنص على أن: “الدولة الليبرالية العلمانية تعيش على مقدمات وتأكيدات أخلاقية لا تستطيع هي نفسها أن تضمنها أو تنتجها من تلقاء ذاتها”.
يعترف هابرماس في هذا السياق بوجود “أزمة دافعية” (Motivation Crisis) وتآكل في التضامن الاجتماعي داخل المجتمعات الحديثة. فالديمقراطية الليبرالية تعتمد اعتماداً كلياً على وجود فضائل مدنية، وشعور بالمسؤولية، واستعداد للتضحية من أجل الصالح العام من جانب مواطنيها. غير أن العقلانية السوقية النيوليبرالية والنزعة الفردية الاستهلاكية المتصاعدة العاجزة عن توليد المعنى التضامني تفرغ الدولة من هذه الشحنة الأخلاقية والوجدانية. هنا، يرى هابرماس أن التقاليد الدينية تصبح مصدراً حيوياً و”خزاناً للمفاهيم الأخلاقية والإلهامات الروحية” التي يمكن أن تغذي الضمير الجمعي وتنقذ الدولة العلمانية من الجفاف الأخلاقي والتفكك الاجتماعي. ينظر هابرماس إلى الدين في هذه المرحلة ليس كتهديد عقلاني يجب محاربته، بل كحليف وظيفي يمتلك لغة غنية بالصور والرموز والقدرة على تعبئة التضامن والمواطنة الفاعلة.
بناءً على هذا الاعتراف بأهمية الدين، يطرح هابرماس نموذجه المطور الذي يسمى عملية “التعلم المتبادل” (Mutual Learning Process) أو “التعلم الذاتي المتبادل” بين المتدينين والعلمانيين. يحلل الباحث مولين تفاصيل هذا المفهوم بدقة، موضحاً أن هابرماس يفرض فيه مجموعة من التكاليف والواجبات المعرفية الصارمة على كلا الطرفين لضمان نجاح الحوار في المجتمع ما بعد العلماني:
أولاً، الواجبات المعرفية الملقاة على عاتق المواطنين المتدينين:
-
استدماج السلطة العلمانية: يجب على المتدينين تطوير موقف إيماني داخلي يعترف بشرعية وحياد الدولة العلمانية وعلوية القوانين الدستورية.
-
التكيف مع العقل العلمي: يجب على المؤمنين إعادة تفسير عقائدهم بطريقة لا تتصادم مع المعارف والكتشوفات العلمية والتقنية الحديثة.
-
قبول التعددية الدينية: يجب عليهم التخلي عن ادعاءات الاحتكار المطلق للحقيقة الأخلاقية، والاعتراف بحق الأديان الأخرى والفلسفات العلمانية في الوجود المتساوي.
ثانياً، الواجبات المعرفية الملقاة على عاتق المواطنين العلمانيين:
-
التخلي عن الغطرسة العلمانية: يطالب هابرماس المواطنين العلمانيين بالتخلي عن النزعة العلمانية الاستعلائية (Secularist Arrogance) التي تنظر إلى الدين كبقايا جفون أو خرافة بدائية في طريقها للزوال.
-
الكف عن الانغلاق المعرفي: يجب على العلمانيين الانفتاح الجاد على الخطاب الديني ومحاولة استكشاف ما قد يحتويه من “مضمون حقيقي” (Truth-content) أو قوة إلهام أخلاقية لم تفقد صلاحيتها.
-
المشاركة النشطة في الترجمة: لا ينبغي ترك عبء الترجمة اللغوية على عاتق المتدينين وحدهم، بل يجب على العلمانيين المساهمة والمساعدة في ترجمة الحدوس الأخلاقية الدينية إلى مفاهيم مدنية عامة.
رغم أن هذا التحول الهابرماسي يبدو في ظاهره انفتاحاً كبيراً وتسامحاً غير مسبوق تجاه الدين، إلا أن الباحث دانيال مولين يتقدم في الجزء الأخير من الفصل الخامس ليوجه نقداً براغماتياً قارصاً لهذا النموذج، كاشفاً الأوهام والتناقضات التي لا تزال تسكن الفكر الهابرماسي المتأخر.
الاعتراض الأول لمولين يتعلق بما يسميه “التوظيف النفعي/الوظيفي للدين” (Functionalization of Religion). يجادل الباحث بأن هابرماس لا يقبل الدين لذاته، ولا يعترف بالقيمة المعرفية أو الوجودية الخاصة للإيمان الديني كما يعيشه المؤمنون. بدلاً من ذلك، يتعامل هابرماس مع الدين كـ “مورد أخلاقي خشبي” يتم استغلاله واستنزافه فقط لتغذية الدولة العلمانية عندما تعجز هي عن حشد المواطنين. هذا التعامل الأداتي ينظر إلى الدين كبطارية شحن أخلاقية، وليس كمنظومة معرفية تمتلك حق التحدي المستقل للعقلانية التنويرية. بالنسبة للمؤمن، هذا الموقف الهابرماسي يحمل نوعاً من النفاق الضمني؛ فهو يقول للمتدين: “نحن لا نؤمن بمصدر معتقداتك ولا الميتافيزيقا التي تستند إليها، لكننا نريد استخدام طاقتك الروحية والأخلاقية لحماية مؤسساتنا العلمانية”.
الاعتراض الثاني والخطير، والذي يبرزه الباحث بقوة، هو أن هابرماس – رغم كل حديثه المعتسف عن “التعلم المتبادل” – لم يتخلَّ أبداً عن “شرط الترجمة” (Translation Proviso) بصفته الفلتر النهائي الحاكم. يظل هابرماس مصراً على أن اللغة الدينية الصريحة ممنوعة حظراً باتاً من دخول البرلمان أو المؤسسات التشريعية الرسمية. لا تزال “العلمانية” تسيطر على بوابات الدولة وتحدد ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني. يرى مولين أن هذا التناقض يدمر مفهوم “التكافؤ المعرفي” الذي يزعمه هابرماس؛ فالتعلم المتبادل يظل وهمياً طالما أن أطراف الحوار لا يقفون على أرضية متساوية من النفوذ والشرعية اللغوية.
من منظور براغماتي أصيل، يرى الباحث دانيال مولين أن عملية “الترجمة” الهابرماسية المزعومة ليست تفاعلاً متكافئاً، بل هي عمل إجباري من طرف واحد يطالب الدين بالخضوع للشروط والافتراضات المسبقة للعقلانية التنويرية العلمانية. البراغماتية، كما يسوغها الباحث، تشير إلى أن العقلانية العلمانية نفسها ليست شفرة محايدة ولا تمتلك الحق في تنصيب نفسها قاضياً أو مترجماً حصرياً للثقافات الأخرى. إن محاولة هابرماس اختزال القوة الروحية للدين وترجمتها مفاهيمياً إلى مصطلحات حقوقية علمانية تُفقد الدين الميزة الأساسية التي تجعله قادراً على التأثير والتحريك من الأصل.
يؤكد مولين أن عنوان رسالته “الديمقراطية بدون علمانية” لا يعني بحال من الأحوال الدعوة إلى إقامة دولة ثيوقراطية تسلطية، ولا يعبر عن رغبة في إدماج المؤسسة الدينية في أجهزة الدولة، أو تقويض مبادئ سيادة القانون وحرية الاعتقاد والمساواة المواطنية. على العكس من ذلك تماماً، إن ما يطرحه الباحث هو التخلي التام عن “العلمانية المعرفية والأيديولوجية” التي تنصب نفسها وصياً على عقول المواطنين وحارساً لبوابات التشريع السياسي، مع الإبقاء الكامل على الحياد المؤسسي والإجرائي للدولة الذي يضمن عدم انحيازها لفئة أو طائفة على حساب أخرى. إن العلمانية الأيديولوجية، في المنظور البراغماتي الذي يبنيه الباحث، أصبحت تمثل عائقاً حقيقياً أمام الديمقراطية نفسها، لأنها تمارس إقصاءً مبطناً وفصاماً وجودياً ضد شريحة واسعة من المجتمع، وتمنع الفضاء العام من الاغتناء بالطاقات الأخلاقية والحدوس الروحية الصادقة التي تختزنها التقاليد الدينية.
٠ الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي نايل بوست




