جي دي فانس:حين يفشل الحلم الأمريكي في منح الطمأنينة

في عالم السياسة الأمريكية المعاصرة، نادراً ما تأتي كتب المذكرات الشخصية مجرد سرد محايد للمحطات الذاتية؛ بل غالباً ما تُصاغ باعتبارها وثائق فكرية أو بيانات تعيد رسم ملامح الشخصية العامة وتنظم موقعها في الخريطة الأيديولوجية والثقافية للأمة. حين أصدر جي دي فانس كتابه الشهير “مرثية الهيلبيلي” عام ألفين وستة عشر، نُظر إليه بصفته الشارح الاجتماعي الأبرز لمعاناة الطبقة العاملة البيضاء في حزام الصدأ الأمريكي، والمحلل الذي فكك شفرة التحولات التي دفعت الملايين نحو التيارات المحافظة. واليوم، ومن موقعه نائباً لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، يعود فانس في كتابه الجديد الصادر عام ألفين وستة وعشرين بعنوان “الرابطة: طريق عودةً إلى الإيمان” الصادر عن دار “هاربر” التابعة لـ “هاربر كولينز”، ليلقي بظلالٍ أكثر عمقاً وتعقيداً على رحلته الشخصية. هي رحلة لا تقف عند حدود الحراك الاجتماعي القاسي من أزقة الفقر والشتات العائلي إلى أروقة جامعة ييل وصناديق الاستثمار الجريء ثم البيت الأبيض، بل تتجاوز ذلك لتصل ل الإشكالية الأزلية حول كيف يفقد الإنسان إيمانه الروحي في خضم الصدمات الحياتية، وكيف يعود إليه عبر مسار تحليلي ونقدي . يهدي فانس كتابه إلى زوجته أوشا، مرسخاً دورها كمرساة عاطفية وفكرية في حياته، ومستشهداً بالنص الإنجيلي حول التفكير في كل ما هو صادق وعادل ونقي ومحبوب. ومنذ الصفحات الأولى، يتضح أننا لسنا أمام كتاب في اللاهوت الأكاديمي، ولا أمام وثيقة دفاعية عن عقيدة محددة، بل أمام مراجعة نفسية وإنسانية لروح أمريكية ممزقة بين الاستحقاق التكنوقراطي والنزعة الاستهلاكية من جهة، والبحث عن الجذور والجذور الإيمانية الصلبة من جهة أخرى.
يفتتح فانس مقدمته التي اختار لها عنوان “الراعي الصادق” بمشهد مكثف يختزل التناقضات العميقة التي تعيشها عائلته اليوم. ينقلنا الكاتب إلى صبيحة يوم الأحد داخل القصر التاريخي المكون من ثلاثة طوابق والمخصص لإقامة نائب رئيس الولايات المتحدة. هناك، حيث تتقاطع إجراءات الحراسة المشددة ورجال الاستخبارات مع صراخ الأطفال وفوضى الصباح التقليدية؛ حيث لا يجد إيوان البالغ من العمر تسع سنوات حذاءه، ويحتج فيفيك ذو الست سنوات متسائلاً عن سبب ذهابهم إلى الكنيسة من الأساس، بينما تطالب الصغرى ميرابيل ذات الأربع سنوات بتأخير المغادرة حتى تتناول وجبة إفطار ثانية. وفي قلب هذه الفوضى تقف الزوجة أوشا، ذات النشأة الهندوسية والخلفية غير الكاثوليكية، كمرساة تضبط إيقاع البيت، وتوجه إلى زوجها نظرة صامتة تحمل معنى يؤكد أنها تفعل كل هذا فقط لأنها تحبه رغم عدم انتمائها لتلك العقيدة. وحين يصل الموكب إلى الكنيسة متأخراً، وتلتفت أعناق المصلين نحو نائب الرئيس ورجال أمنه، يقف فانس متسائلاً بلمسة تواضع صحفية عما إذا كان المصلون يلاحظون أنهم لم يمشطوا شعر ابنتهم الصغيرة. هذا المشهد اليومي البسيط يحمل في طياته النواة الفكرية للكتاب بأكمله، إذ لا يقدم فانس نفسه كقديس ولا كمنظر معصوم؛ بل كأب نفعي ومؤمن قلق يخشى أن يفقد أطفاله إيمانهم عند الكبر، تماماً كما حدث معه هو شخصياً عندما ألقى بالدين جانباً في مقتبل شبابه.
يتوقف هذا السرد عند المحرك الأساسي الذي دفع فانس نحو الإلحاد ثم أعاده إلى الإيمان والمتمثل في الشغف بالحراك الاجتماعي. يذكر فانس أنه كان منذ صغره مسكوناً بسؤال محوري حول فرص الطفل المولود في الخمس الأدنى من الدخل القومي لكي يصعد إلى الخمس الأعلى أو حتى إلى الطبقة المتوسطة. وبالنسبة لطيف نشأ في بيئة فقيرة ومفككة، كان هذا السؤال هو قلب “الحلم الأمريكي”، وكان إثبات الذات نضالاً يائساً للخروج من القاع. لكن المفارقة الكبرى تتجلى حين حقق فانس كل ما طلبته منه الأسطورة الأمريكية، ليصبح نائباً لرئيس الولايات المتحدة من بين الأصغر سناً في تاريخ البلاد، ويجمع ثروة طائلة في عالم رأس المال الجريء، ويؤمن لأطفاله حياة رغيدة لا ينقصها شيء من المتاع المادي. ومع ذلك، ومع كل جائزة كان يحصدها في سباق استحقاقية الكفاءة والميريتوقراطية، كان يشعر بأنه يفقد شيئاً جوهرياً كان يغني طفولته رغم كل ما فيها من فقر وحرمان. وهنا يستدعي فانس الآية الإنجيلية الشهيرة من إنجيل متى التي تتساءل عما إذا كان الناس يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً، ليؤكد أن الأشجار تعرف من ثمارها. عندما نظر فانس إلى العالم المنفصل للنخب الثقافية والجامعات المرموقة التي انتسب إليها، وجد ثماراً مريرة من القلق المستمر واللهاث خلف الألقاب والإنحلال الأخلاقي والمنافسة الشرسة التي تفتقر إلى المعنى. وفي المقابل، حين نظر إلى أجداده والفقراء المؤمنين في بقعته الأولى، وجد ناساً عاديين غير مشغولين بالشهادات أو الثروة، لكنهم يمتلكون طمأنينة وسلاماً وثباتاً روحياً لا يمتلكه أرباب الملايين، مقتنعاً بأن شجرتهم كانت تثمر ثماراً أفضل بكثير.
لا يدعي فانس أنه شهد تجربة إشراقية مفاجئة مثل تحول القديس بولس على طريق دمشق، ولا أنه رأى معجزة شفاء شفافة. بل كانت عودته نتاج استبصار تدريجي لصدى التعاليم في سلوك البشر المحيطين به. فقد رأى والده وزوجة أبيه يستقبلان مدمني المخدرات في منزلهما للمساعدة في تعافيهم عندما أغلقت المستشفيات المحلية أبوابها في وجوههم، وشاهد الجدات يربين أحفادهن بصبر إلهي عميق وسط الظروف الاقتصادية الخانقة. كما أنه نظر في عيني ابنه الكبير، ليدرك أن الطفل لا يحتاج أباً غنياً أو نافذاً، بل يحتاج فقط إلى أب صالح. وفي نقطة تحول حاسمة، ينقل فانس رسالة إلكترونية تلقاها من صديق كاهن طرح عليه مفهوم الراعي أو الشهيد الصادق، مخبراً إياه بأنه قد يجد فكرة قيامة رجل من بين الأموات فكرة مجنونة، ولكن إذا كان يصدق تعاليم الكنيسة حول الفضيلة والخطيئة ويرى أن الأخلاق المسيحية عميقة وصادقة، فعليه أن يعلم أن هؤلاء الناس الأتقياء ليسوا كاذبين وأن شهادتهم الحية لن تضله. ومن هنا حسم فانس خياره بالعودة، مختاراً الكاثوليكية للدفء الروحي والثبات العقائدي الذي تقدمه ضد فوضى الحياة الحضرية المعاصرة، مع احتفاظه بامتنان عميق لجذوره البروتستانتية والإنجيلية التي غرست فيه محبة الله الأولى.
في الفصل الأول الذي يتناول ما ألم بـ جي دي فانس والانهيار والمسدسات التسعة عشر، ينقلنا الكاتب إلى حوار جرى بينه وبين شابة تدعى ويسلي أثناء قيادته السيارة في أرياف ولاية إنديانا. كانت ويسلي تعاني صدمة محاولة والدتها الانتحار بجرعة زائدة، وتعكس كلماتها الغاضبة أزمة جيل كامل نشأ في كنائس مستقلة تعتمد على الإثارة الموسيقية والخطب الحماسية دون جذور عقائدية صلبة. كانت ويسلي تسخر من كلام جدتها بأن كل شيء جزء من خطة الله، معتبرة أن القول بأن البشر يفسدون الأشياء والله يصلحها هو أغبى شيء سمعته، وأنها رغم إيمانها بالله لا ترى له أي أهمية في حياتها الحالية. سمع فانس في حديث ويسلي صدى صوته القديم، فاكتشف أن الإيمان بالنسبة لجيل الشباب لا ينهار بسبب البراهين العلمية المعقدة، بل بسبب الشعور بالعجز والمأساة الإنسانية التي لا تقدم الكنيسة السطحية إجابات قانعة لها. وهنا يتذكر فانس الشخصية الأكثر تأثيراً في حياته، وهي جدته “ماماو” التي لم تكن الجدة التقليدية التي تحوك الصوف؛ بل كانت امرأة صلبة، تقرأ الإنجيل يومياً، وتكتب أدعيتها على محارم الورق وتضعها بجوار السرير. وفي الوقت نفسه، كانت تحب استخدام الشتائم القاسية، وحين توفيت كانت تمتلك تسعة عشر مسدساً محشواً بالرصاص. يسترجع فانس حواراً خفيف الروح جرى بينه وبين جدته وهو في السابعة من عمره بعد جنازة أحد أقاربه، حين سألها عن كيفية خروج الروح إلى السماء بينما الجسد محبوس في التابوت تحت الأرض، مستخدماً تشبيهاً مستوحى من شغفهما المشترك بالأسلحة متسائلاً عما إذا كانت الروح مثل الطلقة والجسد مثل الغلاف الفارغ الذي يبلى في الأرض. فكرت الجدة ملياً ثم أجابته بأسلوبها الفريد مؤكدة أن الأمر كذلك بالضبط. كان إيمان الجدة إيماناً عملياً؛ تبغض الواعظين التلفزيونيين وتصفهم بالمحتالين الذين يستغلون عواطف الناس وأموالهم، ورغم أنها لم تكن تتردد على الكنائس كثيراً لكرهها للنفاق، إلا أنها غرست في فانس أن الله مهتم بالمسؤولية الفردية، وأن التقاعس في المدرسة هو إهدار للمواهب الإلهية، وإساءة معاملة الأخت هي خيانة للواجب المسيحي والأسري.
يتتبع فانس كيف اندمجت المسيحية المحافظة في شبابه مع الحزب الجمهوري خلال ثمانينيات وتعينيات القرن الماضي عبر تحالفات الأغلبية الأخلاقية. لكنه ينبه إلى حقيقة معقدة تكذب الطرح المبسط، مؤكداً أن أبناء الطبقة العاملة الذين صوتوا للجمهوريين لم يفعلوا ذلك بدافع الجهل الاقتصادي؛ بل لأنهم وجدوا أنفسهم أمام خيار أحكمه الانقسام الأخلاقي. وتعبر زوجة أبيه عن ذلك بوضوح حين قالت إن الجمهوريين لا يهتمون بالعمال وهم يعملون للحرية الاقتصادية للأغنياء، ولكن عند التخيير بين حزب يقف مع الأغنياء وحزب يرفض الدفاع عن الأطفال غير المولودين في إشارة للإجهاض، فإنها تعرف خيارها جيداً. ومع ذلك، تغلغلت الهواجس الرؤيوية في الكنائس، فانتشرت سلسلة كتب تتحدث عن نهاية العالم، واشتعلت المعارك الثقافية حول حرب عيد الميلاد وحظر بعض الكتب بدعوى ترويجها للسحر. وصار الإيمان الذي امتلكه فانس وهو في الخامسة عشرة إيماناً صدامياً ومذعوراً، منكمشاً عن الثقافة العامة ومترقباً للهجوم من كل حدب وصوب.
لقد حدث الانهيار الحقيقي لإيمان فانس ليس في القاعات الدراسية، بل تحت وطأة الفقر والمرض والموت. ففي عام ألفين وخمسة، وهو في سلك سلاح المشاة البحرية، تلقت أسرته ضربات متتالية حيث عجزت الجدة عن دفع فواتير علاجها، ثم انهارت رئتها وتوفيت. وفي الوقت نفسه، انخرطت الكنائس الأمريكية في معركة إعلامية وسياسية طاحنة حول قضية امرأة كانت في حالة احتضار واحتدم الخلاف حول نزع أنبوب تغذيتها. شعر فانس بنقمة مريرة إزاء اهتمام الكنائس بالقضايا الإعلامية الكبرى وإطلاق الخطب العاطفية حول نهاية العالم، بينما تتجاهل المآسي اليومية المتمثلة في البؤس المادي والتفكك الأسري وإدمان الأمهات وضياع الشباب. وعقب جنازة جدته، وبينما كان يقود سيارته عائداً إلى قاعدته العسكرية في شمال كارولاينا وسط جبال أبالاشيا، وفي حالة ذهول وحزن عميق، فقد فانس السيطرة على سيارته على طريق مبلل. اتجهت السيارة بسرعة هائلة نحو الحاجز الحديدي المطل على الهاوية، واستسلم فانس للموت المحقق وتوقع السقوط من أعلى الجبل. وفجأة، حدث ما وصفه بأنه التجربة الأكثر قرباً من الخوارق في حياته؛ إذ توقفت السيارة تماماً وسكنت في مكانها قبل أن تمس الحاجز بإنشات قليلة، دون أن يشعر حتى بقوة الشد من حزام الأمان. ورغم أنه صار ملحد راديكالياً لاحقاً، إلا أن هذه اللحظة ظلت تنقض عليه في عتمة ذكرياته، متكية كشوكة لتحدي ثقته المطلقة في قوانين الفيزياء والصدفة المحضة، ومذكرة إياه بأن هناك قوة أعلى أوقفت اندفاعه نحو الموت.
عندما أُرسل فانس إلى العراق في أغسطس ألفين وخمسة، كان قد ترك إيمانه خلفه. وفي الفصل الثاني، يقدم فانس تحليلاً نقدياً لظاهرة الإلحاد، رافضاً الادعاء النمطي المبسط الذي يصور الإلحاد كنتيجة حتمية للعقلانية المترفعة والتفكير العلمي المحض. ويجادل فانس بأن معظم الناس لا يفقدون إيمانهم بسبب الحجج الفلسفية المعقدة، بل بسبب تآكل الثقة الاجتماعية والمؤسسية، ليتحول الإيمان بالنسبة له من ممارسة جماعية تربطه بأسلافه وجدته إلى مجرد أفكار مجردة لا عزاء فيها. في العراق، أُسندت إلى فانس مهمة حماية وتدريب العمال العراقيين في الانتخابات، وهناك التقى بمسلمين عاديين يمزحون حول الثقافة الأمريكية لكنهم يوجهون نقداً ثقافياً عميقاً للغرب؛ إذ لم يكونوا يكرهون الديمقراطية أو الثروة أو الطب الحديث، بل كانوا يخشون الهيمنة الثقافية الأمريكية الاستهلاكية التي تهدد التماسك الأسري والمجتمعي. وفي خيمته العسكرية، كان فانس يقرأ كتابات سي. إِس. لويس، وذُهل بعمق رؤيته في تشخيصه للشر والتوق إلى مخلص، لكن المفارقة كانت أن هذه القراءة لم تعده للكنيسة، بل زادت من سخطه على المسيحية المائعة والشكلية التي اختبرها في موطنه. وعند عودته إلى الولايات المتحدة، وتحديداً في سنته الأخيرة في المشاة البحرية، اصطدم فانس بروايات الفيلسوفة الفردانية عين راند التي قدمت له بديلاً مغرياً للإيمان الفاقد للروح من خلال تمجيد الإنجاز الشخصي والاعتماد على الذات ورفض لعب دور الضحية واستبدال الصلاة بالعمل الشاق والأناني النافع. تأثر فانس بفلسفتها قائلاً لنفسه إنه يجب عليه التوقف عن العويل والصلاة والبدء في العمل الشاق حتى الموت إذا كان يريد تحقيق أي شيء، لتملأ راند الفراغ الروحي الإيماني بفلسفة تمجد القوة والنجاح المادي.
وينتهي هذا بدخول فانس إلى جامعة ولاية أوهايو في كولومبوس عام ألفين وسبعة، حيث كان ينظر إلى أبنية الجامعة ويستحضر القوانين التاريخية التي شرعت لتعليم الطبقات الصناعية. كان دخول فانس إلى الجامعة تحولاً طبقياً حاسماً، حيث صار لأول مرة فتى كلية، وهنا بدأت الهوة تتسع بينه وبين جذوره الشعبية. فحين زار عائلته وانتقد أخته لأنها تطعم أطفالها حبوب الإفطار المحلاة، سخرت منه واعتبرته متكبراً متأثراً بنخب النظافة المادية، وبدأ يشعر بالدونية الخفية والهمز واللمز من قبل زملائه تجاه بيئته الأولى.
ومع انتقال جي دي فانس من جامعة ولاية أوهايو إلى أروقة مدرسة ييل للحقوق، تبدأ مرحلة جديدة من الاغتراب المركب الذي يغوص فيه الكتاب بعمق لافت ومثير للانتباه. لم يكن الدخول إلى جامعة ييل مجرد انتقال أكاديمي أو خطوة طبيعية في سلم النجاح، بل كان اصطداماً عنيفاً بعالم النخب الأمريكية الحاكمة؛ حيث وجد فانس نفسه محاطاً بزملاء ينتمون إلى طبقات اجتماعية مخملية، يتحدثون بلغة ثقافية مختلفة، ويحملون تصورات عن العالم تتناقض كلياً مع الجذور الخشنة التي تربى عليها في حزام الصدأ وأرياف الأبالاش. في هذه البيئة المشبعة بالاستحقاقية والميريتوقراطية الصارمة، شعر فانس وكأنه قادم من كوكب آخر، يحمل في داخله عقداً طبقية تتخفى خلف تفوقه الأكاديمي وذكائه الحاد. لقد كانت مدرسة ييل، بكل ما تمثله من ليبرالية تقدمية وثراء فاحش، مختبراً حقيقياً لاختبار قناعاته الفردانية الراديكالية التي استقاها سابقاً من فلسفة عين راند. وبينما كان زملاؤه يتنافسون بضراوة على فرص التدريب في أرقى مكاتب المحاماة في مانهاتن والمناصب المرموقة، كان هو يراقب هذا اللهاث المحموم بعين الشك والمراقبة، متسائلاً بمرارة عما إذا كانت هذه هي قمة جبل الحلم الأمريكي التي طالما سعى إليها بكل طاقته. وفي خضم هذا التيه الثقافي والروحي، ظهرت أوشا في حياته، ليس فقط كزميلة دراسة تفوقه ذكاءً ورصانة وهدوءاً، بل كمرآة عاكسة لتناقضاته الداخلية. ورغم خلفيتها الهندوسية ونشأتها المختلفة جذرياً عن بيئته، وفرت له أوشا الملاذ العاطفي والفكري الذي كان يفتقده بشدة، وبدأت تفكك تدريجياً قسوة الفردانية التي تلبسته، معيدة إياه إلى إدراك أهمية الروابط الإنسانية العميقة التي تتجاوز المصالح المادية البحتة والنجاحات الفردية المجردة.
بعد التخرج، قادته طموحاته المهنية إلى قلب وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا، ليدخل عالم الاستثمار الجريء أو ما يُعرف بالفينتشر كابيتال، وهو العالم الذي يمثل ذروة الرأسمالية التقنية المعاصرة ومحرك الاقتصاد الحديث. في هذا الفضاء الفسيح المليء بالمليارديرات الشباب ورواد الأعمال الذين يسعون لتغيير العالم عبر التطبيقات الذكية والخوارزميات المعقدة، اكتشف فانس فراغاً روحياً أشد قسوة من الفقر المادي الذي شهده في طفولته المبكرة. يصف الكتاب بتفصيل نقدي كيف أن هؤلاء النخب التقنية، رغم امتلاكهم لثروات خيالية تفوق ميزانيات دول بأكملها، يعيشون في حالة من القلق الوجودي الدائم والعزلة المجتمعية الخانقة. لقد أدرك هناك، وسط بريق التكنولوجيا الحديثة، أن الأموال الطائلة والنجاح المادي الساحق لا يمتلكان القدرة على سد الفجوة الأخلاقية أو معالجة التفكك الأسري والمجتمعي الذي يضرب بجذوره في المجتمعات الأمريكية المهمشة. كان يرى بأم عينه كيف تتدفق مليارات الدولارات من أموال الاستثمار نحو مشاريع استهلاكية تهدف إلى اختطاف انتباه المستخدمين وتزيد من اغتراب الإنسان عن واقعه، في حين تُترك مجتمعات الطبقة العاملة في مسقط رأسه لتواجه مصيرها المظلم مع تفشي البطالة وانهيار المصانع وتغول إدمان الأفيونيات. هذا التناقض الصارخ والمؤلم بين الثراء الفاحش في سان فرانسيسكو والخراب الاجتماعي في مدن أوهايو، جعله يكفر تدريجياً بنظرية عين راند التي تمجد الأنانية الفردية وتعتبرها فضيلة مطلقة. لقد بات مقتنعاً يقينياً بأن السوق الحر وحده لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال بديلاً عن التماسك الأخلاقي والاجتماعي، وأن الاعتماد المطلق على الكفاءة المجردة من التعاطف الإنساني يؤدي في النهاية المطاف إلى مجتمع مشوه يفتقر إلى المعنى والغاية السامية.
في هذه المرحلة الحرجة من البحث عن المعنى والغاية، يفتح فانس في كتابه فصلاً جديداً من التحول الفكري العميق من خلال لقائه بالفلسفة المعقدة التي قدمها له المفكر إيريك جيرارد، والتي شكلت جسراً متيناً وقنطرة عبور نحو الفكر الكاثوليكي الرصين. لقد وجد فانس في نظرية جيرارد حول الرغبة المحاكاتية وتفسيره المعمق لظاهرة كبش الفداء أداة تحليلية مذهلة لفهم أمراض المجتمع المعاصر وتفكيكها. فبدلاً من التفسيرات السطحية التي تقدمها السياسة اليومية المبتذلة أو الاقتصاد البحت، أدرك فانس من خلال هذه القراءات الفلسفية أن الكثير من الصراعات المجتمعية الطاحنة وحروب الثقافة الغاضبة المستعرة على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، ليست في جوهرها سوى انعكاس لرغبات مقلدة وحالة من التنافس العدمي الأعمى الذي ينتهي دائماً بالبحث عن ضحية أو كبش فداء لتحميله كل خطايا المجتمع وإخفاقاته. هذه الرؤية الفلسفية المعمقة نزعت القناع الزائف عن الوجه القبيح للعلمانية الاستهلاكية، وأثبتت له بما لا يدع مجالاً للشك أن البشر، مهما ادعوا العقلانية المادية المجردة، لا يمكنهم التخلص من بنيتهم الدينية والروحية العميقة المتأصلة في نفوسهم؛ فإما أن يعبدوا إلهاً متسامياً يمنح حياتهم معنى وقيمة أخلاقية، أو أن يعبدوا أصناماً حديثة تتمثل في بريق المال والسلطة المطلقة والأيديولوجيات السياسية الغاضبة التي تأكل أبناءها. لقد وفرت له هذه الفلسفة الجيراردية الإطار الفكري الرصين الذي كان يبحث عنه طويلاً، إطار يتجاوز العاطفية المفرطة والهشة التي عهدها في كنائس طفولته الإنجيلية، ويتفوق في الوقت ذاته على الجفاف الروحي والعدمية التي تتسم به النخب العلمانية المحيطة به في وادي السيليكون، مما مهد الطريق بقوة أمام تحول روحي أكثر جذرية وشمولاً في حياته الشخصية.
تبلورت هذه التراكمات الفكرية والروحية لتصل إلى ذروتها القصوى في عام ألفين وتسعة عشر، وهو العام المفصلي الذي شهد تحوله النهائي والرسمي واعتناقه للكنيسة الكاثوليكية الرومانية. لم يكن هذا التحول الجذري مجرد تغيير في الانتماء الديني أو بحث عن هوية جديدة، بل كان تتويجاً منطقياً لرحلة طويلة من البحث المضني عن جذور تاريخية صلبة ومؤسسة دينية قادرة على الصمود والثبات في وجه التغيرات الثقافية السريعة والمدمرة التي تعصف بالمجتمع. يشرح فانس في مذكراته بتأمل عميق كيف أن الكاثوليكية، بتراثها الفكري العريق ولاهوتها المتماسك الذي يجمع ببراعة بين متطلبات العقل واحتياجات الإيمان، قدمت له التوازن المنشود الذي افتقده. لقد وجد في العقيدة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية، وخاصة مبدأ التبعية أو التضامن الاجتماعي، بديلاً مثالياً وعملياً للتطرفين اللذين رفضهما بشكل قاطع: رأسمالية السوق المنفلتة التي تسحق المجتمعات المحلية وتهمش الضعفاء، وتدخل الدولة الشمولي الذي يلغي المبادرة الفردية ويخنق الحرية. في أروقة الكنيسة الكاثوليكية، لم يجد فانس فقط طقوساً مهيبة وجمالاً روحياً يربطه بأجيال متعاقبة من المؤمنين عبر مئات السنين من التاريخ، بل وجد أيضاً مجتمعاً حياً يقدر مؤسسة العائلة، ويحمي الضعفاء والمهمشين، وينظر إلى الإنسان كغاية مقدسة في حد ذاته وليس كمجرد ترس استهلاكي في آلة الإنتاج الاقتصادي الضخمة. إن لحظة تعميده لم تكن إعلاناً عن وصوله إلى اليقين المطلق الخالي من أي شكوك بشرية، بل كانت بمثابة إرساء لمرساة ثقيلة في بحر هائج، وقراراً واعياً بالالتزام بنظام أخلاقي وروحي يتجاوز ذاته الفردية، ويوفر لأطفاله وعائلته الأساس المتين والصلب الذي حُرم منه هو شخصياً في طفولته المضطربة.
وهكذا، تتشابك خيوط السيرة الذاتية والروحية لـ جي دي فانس لتشكل نسيجاً معقداً من التحولات التي لا يمكن بأي حال من الأحوال فصلها عن السياق الأوسع للمجتمع الأمريكي المعاصر وتناقضاته. إن انتقاله المثير للجدل من قاع المجتمع إلى قمته، ومن الإيمان الطفولي البسيط إلى الإلحاد الغاضب ثم إلى الكاثوليكية الفلسفية المعمقة، ليس مجرد قصة نجاح شخصية عابرة، بل هو انعكاس لأزمة جيل كامل يبحث عن بوصلة وسط عواصف التغيير الثقافي والاقتصادي. لقد أعاد هذا المسار الروحي والفكري صياغة نظرته للسياسة والمجتمع بشكل جذري، ليمهد الطريق نحو مرحلة سياسية جديدة وحاسمة سيتم فيها دمج هذه القناعات الدينية العميقة مع صعود تيار المحافظين الجدد، وهو ما سيلعب دوراً محورياً في تشكيل مسيرته السياسية اللاحقة. وهذه الرحلة، بكل ما تحمله من تقلبات فكرية وانتصارات سياسية وانكسارات نفسية، لا تزال مستمرة وتحمل في طياتها الكثير من المفاجآت.
ومع اكتمال التحول الروحي والفكري لـ جي دي فانس وتعمده في الكنيسة الكاثوليكية، ينتقل الكتاب نحو الساحة السياسية، حيث تتقاطع قناعات الروح الثابتة مع براغماتية السلطة المتغيرة في مشهد أمريكي بالغ التعقيد والتشابك. لم يظل هذا التحول الديني حبيس جدران الكنيسة أو طيات الكتب الفلسفية التي قرأها، بل تحول إلى محرك أيديولوجي رئيسي دفع به نحو إعادة تقييم موقعه في الخريطة السياسية الأمريكية. يشرح فانس في هذه الفصول كيف أن إيمانه الجديد بالترابط الاجتماعي ورفضه للفردانية المطلقة جعله يعيد النظر في طبيعة التحالفات السياسية، ليدرك أن تيار المحافظين التقليدي، الذي طالما مجد السوق الحر المنفلت وتجاهل تدمير المجتمعات المحلية، لم يعد يمثل استجابة حقيقية لمعاناة الطبقة العاملة. من هنا، يقدم فانس تبريراً فلسفياً لتبنيه ما يُعرف باليمين الجديد أو الشعبوية القومية، مؤكداً أن تحوله من ناقد شرس للرئيس دونالد ترامب في بداياته إلى أحد أبرز حلفائه لم يكن مجرد انتهازية سياسية كما يروج خصومه، بل كان قناعة راسخة بأن النخب الثقافية والسياسية الحاكمة قد تخلت عن واجباتها تجاه الشعب، وأن هناك حاجة ملحة لكسر الهيمنة التكنوقراطية التي حولت المواطنين إلى مجرد أرقام استهلاكية. لقد رأى في الحراك الشعبوي، رغم خشونته وتناقضاته، محاولة يائسة من قبل الطبقات المهمشة للدفاع عن أسلوب حياتها وعائلاتها ومجتمعاتها ضد طوفان العلمانية الثقافية والاقتصاد المعولم الذي يسحق كل ما يقف في طريقه.
غير أن هذا الاندماج في المعترك السياسي لم يأتِ دون أثمان باهظة وتوترات داخلية عميقة يتوقف عندها الكتاب بكثير من التأمل والمكاشفة. يواجه فانس، كسياسي كاثوليكي في حزب جمهوري تهيمن عليه تاريخياً قوى الإنجيلية المحافظة ومصالح الشركات الكبرى، معضلة التوفيق بين العقيدة الاجتماعية للكنيسة التي تشدد على التضامن وحماية الضعفاء، وبين متطلبات الحزب التي تميل غالباً نحو تقليص شبكات الأمان الاجتماعي وخفض الضرائب على الأثرياء. يعترف فانس بصعوبة هذا التوازن، مشيراً إلى معاركه الداخلية لمحاولة توجيه البوصلة السياسية نحو سياسات تدعم الأسرة بشكل مباشر، مثل توسيع الإعفاءات الضريبية للأطفال ودعم الأمهات العاملات وتوطين الصناعات لحماية وظائف الطبقة العاملة. بالنسبة له، لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأخلاق، ولا يمكن الدفاع عن القيم العائلية في ظل نظام اقتصادي يدمر استقرار العائلة ويجبر الوالدين على العمل لساعات طوال فقط لتأمين الاحتياجات الأساسية. هذه الرؤية المزدوجة، التي تزاوج بين المحافظة الثقافية الصارمة والتدخل الاقتصادي لصالح العمال، تجعله شخصية مثيرة للجدل حتى داخل معسكره السياسي، وتضعه في مواجهة مستمرة مع حراس العقيدة الرأسمالية التقليدية الذين يرون في طروحاته انحرافاً عن مبادئ السوق الحر، بينما يرى هو فيها ترجمة عملية لإيمانه الديني وواجباً أخلاقياً تفرضه عليه جذوره القادمة من أرياف الأبالاش المنسية.
ينقلنا فانس بعد ذلك إلى الحاضر، وتحديداً إلى عام ألفين وستة وعشرين، ليصف تجربته من داخل أروقة البيت الأبيض والمؤسسة التنفيذية كنائب لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية. في هذه الفصول يحلل فانس وهم السلطة المطلقة، واصفاً واشنطن بأنها آلة طاحنة تستهلك أرواح قاطنيها وتجبرهم على تقديم تنازلات يومية تتصادم أحياناً مع قناعاتهم العميقة. يروي كيف أن بريق المنصب الثاني في هرم السلطة العالمية لا يقدم عزاءً حقيقياً أمام الشعور بالمسؤولية التاريخية وأمام قسوة الهجمات الإعلامية التي لا تستهدفه فحسب، بل تمتد لتطال عائلته وزوجته وأطفاله. يعود هنا إلى مفهوم الراعي الصادق الذي استلهمه من صديقه الكاهن، محاولاً تطبيقه في بيئة سياسية تتسم بالخداع والمناورات؛ متسائلاً باستمرار عما إذا كان قادراً على الحفاظ على نقاء سريرته وإيمانه وسط مستنقع السياسة اليومية. يصف الصراع اليومي للحفاظ على وقت مخصص للصلاة وقراءة الكتاب المقدس وسط جداول زمنية مزدحمة بالاجتماعات الأمنية والأزمات الدولية، معترفاً بأن السلطة بطبيعتها تمتلك قوة جذب هائلة قادرة على إعماء البصيرة وإبعاد الإنسان عن الغاية الأساسية التي دخل من أجلها المعترك السياسي، وهي حماية أولئك الذين لا صوت لهم في مجتمعات حزام الصدأ التي انحدر منها.
وفي خضم هذه المعارك السياسية الطاحنة، يعيد فانس التأكيد على أن الحروب الثقافية التي يخوضها بضراوة ليست مجرد تكتيكات انتخابية لشد العصب الجماهيري، بل هي في نظره معارك وجودية للحفاظ على آخر حصون المجتمع المتمثلة في العائلة التقليدية. مستلهماً ذكريات طفولته القاسية مع التفكك الأسري وإدمان والدته، ينظر فانس إلى السياسات الثقافية المعاصرة التي تفكك الهوية البيولوجية وتهدم السلطة الأبوية باعتبارها تهديداً قاتلاً سيضرب الطبقات الفقيرة بأقسى مما يضرب النخب الغنية. فالنخب، كما يجادل، تمتلك شبكات أمان مالية واجتماعية تمكنها من تحمل التبعات الكارثية للتجارب الاجتماعية المنفلتة، بينما تدفع عائلات الطبقة العاملة ثمن هذه التغيرات من تشرد أبنائها وضياع مستقبلهم. من هنا، يبرر خطابه السياسي الحاد والصادم في كثير من الأحيان، معتبراً إياه درعاً يحاول من خلاله بناء ما يشبه سفينة نوح سياسية وتشريعية تحمي القيم الجوهرية من طوفان العدمية العلمانية. يرى فانس أن السياسة لا ينبغي أن تكون محايدة تجاه الأخلاق، بل يجب أن تنحاز بوضوح نحو بناء بيئة مجتمعية تدعم الفضيلة وتسهل على الناس العاديين أن يعيشوا حياة صالحة ومستقرة، بعيداً عن التشوهات التي تفرضها ثقافة الاستهلاك والإلغاء.
هذه الرؤية المعقدة التي يطرحها فانس كنائب للرئيس وكمفكر سياسي، تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات أعمق حول مستقبل المشروع الأمريكي برمته، وما إذا كانت الحلول السياسية قادرة حقاً على ترميم التشققات الروحية التي يعاني منها المجتمع. إن قراءته للتاريخ وللواقع تجعله يقف على خط تماس حرج بين التفاؤل الحذر والتشاؤم المستمد من إدراكه لحجم الخراب المؤسسي.
وفي مواجهة هذا العبء الثقيل للسلطة، ينتقل الكتاب في فصوله اللاحقة لتقديم نقد فلسفي ولاهوتي للأسس التي قامت عليها الليبرالية المعاصرة، حيث يرفض فانس أطروحة “نهاية التاريخ” التي روجت لها النخب الأكاديمية والسياسية في تسعينيات القرن الماضي. يجادل فانس بأن الوعد العلماني بخلق فردوس أرضي من خلال الديمقراطية الليبرالية والأسواق المفتوحة والتكنولوجيا غير المقيدة، لم يكن سوى وهم خطير أدى إلى تعميق شقاء الإنسان واغترابه. مستعيناً بقراءاته المعمقة في فكر القديس أغسطينوس وكتابه التأسيسي “مدينة الله”، يطرح فانس رؤية كاثوليكية واقعية للسياسة، تعترف بالطبيعة البشرية الساقطة والناقصة، وتؤكد أن السياسة في أفضل حالاتها لا يمكنها أن تجلب الخلاص الروحي، بل تقتصر مهمتها على إدارة الكفاءة الدنيوية والحد من الشرور وحماية الضعفاء. هذه الرؤية الأغسطينية حررته من عبء المثالية السياسية الزائفة، وجعلته يدرك أن أي محاولة لخلق يوتوبيا علمانية تنتهي حتماً إلى نوع من الاستبداد الذي يسحق الروابط العضوية للمجتمعات المحلية. لقد بات يرى في التدخلات الحكومية الضخمة التي تحاول إعادة هندسة المجتمع بناءً على نظريات مجردة، استمراراً لخطيئة الكبرياء البشري، مفضلاً بدلاً من ذلك سياسة التواضع التي تركز على دعم المؤسسات الوسيطة كالأسرة والكنيسة والنقابات العمالية المحلية، بوصفها خط الدفاع الأول عن كرامة الفرد في مواجهة تغول الدولة وتوحش السوق.
ينتقل فانس بعد هذه التأملات الفلسفية واللاهوتية العميقة إلى البعد الأكثر حميمية وإيلاماً في مذكراته، وهو التكلفة النفسية والروحية التي تدفعها عائلته نتيجة العيش تحت الأضواء الكاشفة في قمة هرم السلطة الأمريكية. يصف الكاتب المفارقة القاسية بين رغبته العميقة في توفير نشأة طبيعية ومستقرة لأطفاله الثلاثة، وبين الواقع الاستثنائي الذي يفرضه سكنهم حيث الإقامة الرسمية لنائب الرئيس، محاطين بجدران أمنية صارمة وحراسة لا تفارقهم لحظة واحدة. هنا، تبرز شخصية زوجته أوشا مجدداً كحارسة لهيكل العائلة الداخلي، حيث يتحدث فانس بإسهاب عن جهودهما المشتركة، رغم اختلاف خلفياتهما الدينية، لتحصين عقول أطفالهما ضد حمى الاستهلاك والتسطيح الثقافي الذي يضرب المجتمع الأمريكي. يروي كيف أنهما يخوضان معركة يومية شاقة للحد من تعرض الأطفال للشاشات والأجهزة الذكية، انطلاقاً من قناعة فانس التي تبلورت خلال سنوات عمله السابقة في وادي السيليكون، بأن هذه التقنيات لم تُصمم لتسهيل حياة البشر، بل صُممت بعناية لاختطاف انتباههم وتحويلهم إلى مدمنين على المشتتات اللحظية التي تدمر قدرتهم على التأمل والصلاة وبناء علاقات حقيقية. يعتبر فانس أن حماية أطفاله من هذا التغول التكنولوجي هي جزء لا يتجزأ من مسؤوليته الروحية والأخلاقية كأب، وأن تلقينهم قيمة العمل اليدوي ومفهوم الشكر على النعم البسيطة هو الترياق الوحيد ضد آفة الاستحقاقية التي تدمر أرواح أبناء النخب السياسية والاقتصادية وتفصلهم عن الواقع.
وفي هذا السياق الدفاعي عن مؤسسة الأسرة، يخصص فانس مساحة واسعة ومؤثرة للحديث عن الكنيسة المحلية باعتبارها الملاذ الأخير والحصن الباقي في مواجهة التذرر المجتمعي وحالة العزلة التي تفرضها الحداثة. فعلى النقيض من الكنائس العملاقة التي عرفها في طفولته، والتي كانت تعتمد على الإبهار البصري والموسيقى الصاخبة والخطب العاطفية المؤقتة التي سرعان ما يزول أثرها، وجد فانس في الرعية الكاثوليكية المحلية مجتمعاً حقيقياً وصلباً يتقاسم فيه الناس الأعباء اليومية بصمت وتواضع بعيداً عن الاستعراض. يصف تلك اللحظات الأسبوعية الاستثنائية التي يقف فيها في طابور التناول جنباً إلى جنب مع عمال النظافة والمعلمين وأصحاب الحرف البسيطة، متخلياً عن ألقابه السياسية الرفيعة وحصانته السلطوية، ليقف كإنسان خاطئ ومفتقر إلى الرحمة الإلهية. هذه المساواة الروحية العميقة التي توفرها الكنيسة تشكل بالنسبة له تذكيراً أسبوعياً قاسياً وضرورياً بحجمه الحقيقي في هذا الكون، وتعمل كأداة ضبط ذاتي صارمة تمنعه من الغرق في نرجسية السلطة والغرور السياسي. يرى فانس أن الكنيسة ليست مجرد مؤسسة تقدم خدمات روحية واجتماعية، بل هي مستشفى ميداني لعلاج الأرواح المنهكة من معارك الحياة الحديثة، وأن استعادة قوة هذه المجتمعات الإيمانية المحلية هي الشرط المسبق لأي نهضة سياسية أو اجتماعية حقيقية في الولايات المتحدة، فبدون هذا الأساس الأخلاقي المتين، تصبح كل السياسات الاقتصادية والتشريعات الحكومية مجرد محاولات يائسة لترقيع ثوب متهالك لا يلبث أن يتمزق من جديد أمام أول اختبار حقيقي.
وهكذا، يواصل فانس نسج خيوط مذكراته تجمع بين التحليل السياسي والاعتراف الروحي، رافضاً تقديم إجابات سهلة أو حلول سحرية لجمهوره وقرائه. إنه يضع القارئ أمام مرآة قاسية تعكس تناقضات الثقافة الأمريكية التي تمنح الفرد كل أسباب الرفاهية المادية بينما تسلبه المعنى والغاية وتتركه وحيداً في مواجهة أسئلة الوجود الكبرى.
تصل هذه القراءة لمذكرات جي دي فانس إلى محطتها الأخيرة والأكثر كثافة من الناحية العاطفية والفكرية، حيث يختتم الكاتب مؤلفه بفصل بالغ التأثير تمت صياغته على هيئة رسالة مفتوحة ومطولة موجهة إلى أطفاله الثلاثة. في هذه الرسالة، يتخلى نائب الرئيس عن درعه السياسي ولغته التكنوقراطية، ليتحدث بصوت الأب القلق الذي يدرك تماماً حجم التحديات التي تنتظر أبناءه في عالم يتسارع نحو الإنحلال المجتمعي. يصارح فانس أطفاله بأنهم سينشأون في بيئة تتسم بالامتيازات المادية الهائلة التي لم يحلم بها هو في طفولته البائسة بين أرياف الأبالاش، لكنه يحذرهم بصرامة من أن هذه الامتيازات ذاتها قد تكون الفخ الأعظم الذي يهدد أرواحهم. يطالبهم بألا ينخدعوا بسراب الميريتوقراطية والاستحقاقية التي تعبد النجاح المادي وتزدري الضعفاء، مؤكداً لهم أن الشهادات الجامعية المرموقة والمناصب الرفيعة لا تحمل أي قيمة حقيقية إذا كانت مبنية على فراغ روحي وانفصال عن آلام الناس العاديين. يوصيهم بأن يتمسكوا بإيمانهم كبوصلة وحيدة قادرة على إرشادهم وسط عواصف الثقافة الاستهلاكية التي ستحاول بلا هوادة تحويلهم إلى مجرد تروس في آلة اقتصادية لا تعرف الرحمة، مشدداً على أن مقياس نجاحهم في الحياة لن يكون في حجم الثروة التي سيجمعونها أو المناصب التي سيتقلدونها، بل في قدرتهم على بناء عائلات متماسكة والحفاظ على وعودهم والوقوف بشجاعة إلى جانب الحق حتى لو كان ذلك يعني مواجهة النخب القوية التي ينتمون إليها اجتماعياً.
ومن هذه الوصية الأبوية، ينتقل فانس في خاتمة كتابه لتقديم مرافعته الفلسفية الأخيرة حول مستقبل الأمة الأمريكية ومفهوم نهاية التاريخ. يوجه فانس ضربة نقدية قاضية للرؤية الليبرالية المتفائلة التي سادت في العقود الماضية والتي افترضت أن الديمقراطية الرأسمالية المجردة من القيم الدينية هي المحطة النهائية والتاج المتوج لمسيرة البشرية. في المقابل، يطرح رؤية كاثوليكية واقعية ومستمدة من اللاهوت المسيحي، ترى أن التاريخ البشري ليس مسيرة تصاعدية حتمية نحو اليوتوبيا، بل هو صراع مستمر ودائم بين مدينة الله التي تسعى للفضيلة والمحبة والتضحية، ومدينة الإنسان التي تغرق في الكبرياء والأنانية وتقديس الذات. يعتقد فانس أن الأزمة الحالية التي تعصف بالولايات المتحدة ليست مجرد أزمة اقتصادية يمكن حلها ببعض التعديلات الضريبية أو التشريعات الحكومية، بل هي أزمة روحية عميقة ناتجة عن فقدان الغاية المتسامية. ويحذر من أن تفريغ الساحة العامة من الإيمان الديني لم يؤدِ إلى مجتمع عقلاني متسامح كما وعد العلمانيون، بل أدى إلى ظهور ديانات سياسية بديلة وأيديولوجيات راديكالية تتسم بالتعصب الأعمى والبحث المستمر عن كباش فداء. بناءً على ذلك، يرى أن المعركة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين ستكون بين ثقافة تدافع عن الحياة والأسرة والروابط العضوية، وبين ثقافة تدفع نحو المزيد من التذرر والعزلة والاعتماد المطلق على الدولة والشركات التكنولوجية الكبرى.
بناءً على هذا التشخيص الروحي والمجتمعي، يطرح فانس في الصفحات الأخيرة ما يمكن اعتباره خارطة طريق أو مانيفستو سياسي للتيار المحافظ الجديد في الولايات المتحدة. يجادل بضرورة إحداث قطيعة نهائية مع سياسات اليمين التقليدي الذي ركز لعقود طويلة على حماية مصالح الشركات الكبرى وتوسيع التجارة الحرة على حساب استقرار المجتمعات المحلية. يدعو فانس إلى تأسيس تحالف سياسي جديد يضع العائلة العاملة في قلب اهتماماته التشريعية والاقتصادية، تحالف لا يخجل من استخدام قوة الدولة لحماية الفضيلة العامة والحد من تغول الاحتكارات التكنولوجية التي تفسد عقول الأجيال الناشئة. بالنسبة له، لا يمكن للسياسة أن تكون محايدة أخلاقياً؛ فإما أن تدعم القوانين استقرار الزواج وإنجاب الأطفال وحماية الحياة، وإما أن تنحاز لقوى التفكك. هذا التحول الجذري في التفكير المحافظ، والذي يمزج بين السياسات الاقتصادية الحمائية والمحافظة الثقافية الصارمة المستمدة من العقيدة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية، يمثل في نظر فانس الأمل الوحيد لإنقاذ الطبقة العاملة الأمريكية من الانهيار الشامل، ويوفر بديلاً حقيقياً قادراً على إعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطنين ومؤسساتهم.
في الختام، تتجاوز هذه المذكرات كونها مجرد سرد ذاتي أو تبرير سياسي لمسيرة نائب رئيس لا يزال في خضم معاركه الطاحنة، لتصبح وثيقة ثقافية بالغة الأهمية تعكس روح العصر وتناقضاته. إن رحلة فانس من طفل مجروح يراقب انهيار عائلته في ظل إدمان والدته وفقر مجتمعه، مروراً بشاب غاضب يلتمس الخلاص في الإلحاد والفردانية الراديكالية، وصولاً إلى رجل دولة يجد مرساته في اللاهوت الكاثوليكي، هي في جوهرها قصة أمريكا المعاصرة بكل ما فيها من تشققات وبحث يائس عن المعنى.
٠ الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي نايل بوست




