أنا مهم.. إذن أنا موجود

بين أيدينا اليوم وثيقة فكرية، تتجاوز الأطر التقليدية للقراءة النفسية أو الفلسفية المعتادة، متمثلة في نص يحمل عنوان “The Matter of Mattering: How Our Deepest Longing Drives Us and Divides Us غريزة الأهمية: كيف تدفعنا أعمق أشواقنا وتفرقنا”. هذا العمل ، الذي خرج إلى النور عبر أروقة شركة ليفرايت للنشر التابعة لمؤسسة دبليو. دبليو. نورتون، يحمل توقيع الفيلسوفة والروائية ريبيكا نيوبرغر غولدشتاين. لا نبالغ إن قلنا إن هذا الإصدار يمثل تتويجاً لمسار طويل وشاق من التأمل والبحث المستمر، وهو مسار استغرق من المؤلفة أكثر من أربعين عاماً لتطوير أطروحته المركزية. وقد استهلت غولدشتاين نصها بإهداء بالغ الرقة إلى “سولي وكاي”، اللذين يمنحانها “فرحاً لا ينتهي”، قبل أن تضعنا أمام اقتباس مكثف للروائية والفيلسوفة آيريس مردوخ، يلامس جوهر المعضلة البشرية المتمثلة في عجزنا عن التعبير عن تفرد الإنسان وقيمته الثمينة إلا من خلال قوالب الأيديولوجيا والتجريد.
اللافت في رحلة تبلور هذا المشروع الفكري، هو بداياته غير المألوفة على الإطلاق. فقد تشكلت النواة الأولى لهذه الأطروحة الفلسفية البحتة عبر مسار روائي بحت. قبل أربعة عقود، نشرت غولدشتاين أول أعمالها، والذي حمل عنوان “مشكلة العقل والجسد”، وكان عملاً روائياً بامتياز. المفارقة هنا تكمن في أن المؤلفة كانت تعمل حينها أستاذة للفلسفة، وتحديداً في حقل فلسفة العلوم الدقيق. وعلى الرغم من شغفها العميق بقراءة الروايات، إلا أنها لم تخطط يوماً لكتابة عمل سردي، حتى وجدت نفسها غارقة في هذه التجربة التي قادتها إلى تيار من الأفكار غير المتوقعة.
المحفز الفعلي لهذه الشرارة الفكرية جاء من محرر كتابها الأول، الذي أبدى حيرته تجاه الشخصية الرئيسية في الرواية. تساءل المحرر بوضوح: “إنها تمتلك الجمال، والذكاء، وحس الدعابة، والجاذبية الجنسية.. فلماذا هي دائمة التعاسة؟”. هذا التساؤل المباشر دفع المؤلفة للتأمل العميق، ليخرج الرد على لسان شخصيتها الروائية متمحوراً بالكامل حول مفهوم “الأهمية”، حيث تتساءل الشخصية في حوار داخلي عن تلك الإرادة الأعمق من مجرد الرغبة في “أن يكون للمرء شأن، وألا يكون مجرد لا شيء”. من رحم هذا التساؤل الوجودي المربك، ولدت فكرة “خريطة الأهمية”، وهي الأداة المفاهيمية التي استخدمتها الشخصية الروائية لتبرير انجذابها نحو الرجل الذي ستتزوجه لاحقاً، وهو عبقري الرياضيات “نوام هيميل”. تشرح الشخصية كيف أن موقع الإنسان على هذه الخريطة يتحدد بناءً على ما يراه بالغ الأهمية، وهو ما يشكل إدراكه لنفسه وللآخرين، ويصنفهم بين “نكرات” و”شخصيات مرموقة”، أو بين من كان الأفضل لهم ألا يولدوا، وبين الأبطال الخالدين مثل أينشتاين.
لم تقف فكرة “خريطة الأهمية” عند حدود السرد الروائي، بل امتد تأثيرها بشكل مدهش لتلتقطها حقول معرفية متباينة. ففي عام 1992، وظفت عالمة النفس إيلين كاشاك هذا المفهوم في كتابها “حيوات جندرية: سيكولوجيا جديدة لتجربة النساء”. ولاحقاً، في عام 2009، استعان عالما الاقتصاد السلوكي جورج لوينشتاين وكارل موين بذات الخريطة في مقال بحثي نشر في مجلة هارفارد بزنس ريفيو. هذا الانتشار الأكاديمي أكد لغولدشتاين أن فكرتها تمتلك قابلية للتطبيق العملي تتجاوز تصوراتها الأولية.
ولعل نقطة التحول الكبرى في مسار هذا المشروع حدثت عندما لفتت أفكار غولدشتاين انتباه مارتن سليغمان، مؤسس فرع علم النفس الإيجابي. بادر سليغمان في مارس من عام 2018 إلى تنظيم ورشة عمل مكثفة استمرت لثلاثة أيام، وكرست بالكامل لمناقشة مفهوم “الأهمية”. جمعت هذه الورشة نخبة من علماء النفس البارزين، أمثال روي باوميستر، وغابرييلا كيلرمان، وأندرو ريس، وباري شوارتز، وديفيد يادن. وقد تمخضت هذه التظاهرة العلمية عن ورقة بحثية مشتركة، انضم إليها أليكسي روبيشو، لكن الأثر الأعمق تجلى في تعليق سليغمان نفسه، الذي صرح قائلاً: “تظهر من حين لآخر فكرة من حقل الفلسفة تتسم بقدر عظيم من العقلانية، إلى الحد الذي يفضح فقر الأفكار في حقل علم النفس. ومفهوم الأهمية هو إحدى هذه الأفكار”.
من هذه الأرضية الصلبة، تنطلق غولدشتاين في مقدمة كتابها لضرب هذا المفهوم الذي تعتبره القطعة المفقودة في أحجية فهمنا لذواتنا وللآخرين، ولفهم طبيعة العصر المضطرب الذي نعيشه. تقدم المؤلفة إطاراً تحليلياً جديداً لفحص مكامن الخلل في حيواتنا الفردية والمجتمعية على حد سواء. تبدأ الأطروحة من حقيقة بيولوجية صلبة: كل كائن حي مدفوع بضرورة عضوية تضمن له أهميته الذاتية، أي أنه يمنح الأولوية المطلقة لبقائه وازدهاره. هذه الشيفرة البيولوجية لبقاء الذات مزروعة في أضخم الحيتان الزرقاء تماماً كما هي متجذرة في أضعف شتلات العشب التي تكافح للنمو عبر شقوق الأرصفة.
لكن المعادلة تأخذ أبعاداً شديدة التعقيد حين يتعلق الأمر بالجنس البشري. فالضرورة العضوية لا تكفينا؛ بل إنها تولد في داخلنا دافعاً من أعتى الدوافع الإنسانية، وهو السعي نحو وجود نعتبره نحن، في قرارة أنفسنا، ذا معنى. نحن البشر، وحدنا دون سائر الكائنات، نحتاج إلى إقناع أنفسنا بأن أهميتنا الذاتية مبررة، وأن هناك سبباً لوجودنا يمتد أبعد من مجرد كوننا موجودين بطبيعة الحال. نحن نتوق بشدة لإثبات أن شعورنا الذاتي بأهميتنا يقابله واقع موضوعي يؤكد تلك الأهمية. هذا التوق العميق والمُلِح هو تحديداً ما تطلق عليه غولدشتاين اسم “غريزة الأهمية”.
لإدراك مدى قوة هذا التوق البشري، يكفي أن نتأمل كيف يضحي الأفراد بحياتهم ذاتها في سبيله، مخلفين وراءهم إعلانات تؤكد أن ما جعل لحياتهم قيمة تستحق العيش، هو ذاته ما جعلها تستحق التضحية. تورد المؤلفة أمثلة تاريخية بليغة: نداء جان دارك وهي وسط النيران المطالب برفع الصليب عالياً لتبصره، وتصريح سقراط الخالد بأن الحياة الخالية من التأمل لا تستحق العيش، حين خير بين الموت والتخلي عن نهجه الفلسفي. ويمتد الخط ليصل إلى المناضل الجنوب أفريقي ستيف بيكو الذي قضى في المعتقل مؤمناً بأن الموت من أجل فكرة ستحيا أفضل من العيش من أجل فكرة ستموت، وصولاً إلى مارتن لوثر كينغ الابن الذي أعلن قبل اغتياله بيوم واحد إيمانه المطلق بوصول شعبه إلى “أرض الميعاد” حتى وإن لم يكن معهم.
ولا تقتصر أولوية “الأهمية” على الرموز البطولية، بل هي متأصلة فينا جميعاً. فالإنسان يفقد الرغبة في الحياة إن تملكته القناعة بانعدام أهميته الحالية والمستقبلية. وتلفت المؤلفة النظر إلى تفصيلة معبرة، وهي أن الرابط الإلكتروني الخاص بالخط الساخن الوطني للوقاية من الانتحار في الولايات المتحدة يحمل عبارة صريحة: “أنت مهم” (youmatter).
هذه الغريزة العميقة هي المسؤولة عن إنتاج أفضل ما في التجربة الإنسانية وأسوأ ما فيها على الإطلاق. فهي المولد الأساسي للأديان والفلسفات التي تحاول الإجابة عن التساؤل حول ما يشكل الحياة ذات القيمة. وهي الدافع وراء الإبداع الفني الذي جعل موسيقياً بحجم ليونارد بيرنشتاين يرى أن الفنان العظيم يهب طاقته وحياته ليتأكد من أن نغمة تتبع أخرى لتترك فينا إحساساً بأن هناك شيئاً صحيحاً في هذا العالم، ودفع فناناً كفنسنت فان جوخ للتصريح بعجزه عن الاستغناء عن قوة الخلق والإبداع الأكبر منه شخصياً. وكذلك الأمر في العلوم، حيث تدفع هذه الغريزة استكشافاتنا، كما عبرت عالمة الكواكب كارولين بوركو عن التوق البشري لفهم مكاننا في الكون، أو كما رأى الفيزيائي هنري بوانكاريه أن جمال الطبيعة هو ما يجعلها تستحق المعرفة، ويجعل الحياة تستحق العيش.
على النقيض من ذلك، فإن هذه الغريزة ذاتها هي المحرك لفن السياسة، وللحروب التي وصفها كارل فون كلاوزفيتز بأنها “امتداد للسياسة بوسائل أخرى”. كما أنها المولد الأساسي للعديد من الفوارق الاجتماعية حيث يسعى البعض لإثبات أهميتهم عبر الحط من أهمية الآخرين، وهو ما يتجلى في أشكال مقيتة كالعنصرية، والتمييز الطبقي، والشوفينية، والتحيز العرقي، وغيرها من أساليب تحجيم الآخر.
إننا نعيش اليوم مفارقة صارخة وصفتها غولدشتاين بـ “أزمة الأهمية”. فمن جهة، حققت البشرية تقدماً كمياً مذهلاً؛ تضاعف متوسط العمر المتوقع، وتراجع الفقر المدقع بعشرة أضعاف، وحلقت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، خاصة بين الفتيات. وللمرة الأولى في التاريخ، يمتلك أكثر من نصف الشباب تعليماً ثانوياً، وباتت غالبية الدول تتمتع بقدر من الديمقراطية، مع تزايد ملحوظ في مشاركة النساء في البرلمانات وقوة العمل، ناهيك عن التوسع الهائل في انتشار الإنترنت.
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، تتصاعد موجات الإحباط واليأس والشعور بالظلم. باتت النخب تُتهم بالاستحواذ على حصة الأسد من كل شيء، مما خلف ردة فعل عكسية تتسم بالاستياء واللجوء إلى الشعبوية، والانزلاق أحياناً نحو الفاشية. تحول العالم إلى مسرح للقبلية السياسية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بغريزة الأهمية. وتعمقت الأزمة بفعل التفاوت الصارخ في الثروة، وتحول العمال في الاقتصاد العالمي إلى مجرد أرقام قابلة للاستبدال، فضلاً عن المخاوف العميقة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي بتهديده لـ “أهمية” البشر، حتى في المجالات الإبداعية. كما أن التقدم العلمي أضعف من قدرة الدين على توفير شعور بالأهمية المتعالية، ليحل محله سعي محموم وراء الثروة والشهرة والسلطة، مما يترك كثيرين فريسة للشعور بانعدام القيمة. وقد جاءت جائحة كورونا عام 2020 لتعمق هذه الجراح، حيث أدى قرب الموت إلى تكثيف الصراعات حول من يستحق الأهمية، متجلية في حروب الحجر الصحي والكمامات واللقاحات.
تضعنا المؤلفة أمام خمس عشرة فكرة رئيسية تؤطر بها مشروعها، مؤكدة أننا كائنات من “مادة” تتوق لأن تكون “مهمة”، وأن الأهمية تعني في جوهرها استحقاق نيل الانتباه. هذا التوق نابع من حاجتنا لإقناع ذواتنا بأننا نستحق الاهتمام الذي نوليه لأنفسنا. وتصل المفارقة ذروتها حين نشير إلى أن أحد أعمق تجليات هذا التوق يتمثل في إنكارنا لكوننا مجرد مادة تخضع لقوانين الطبيعة الحتمية كقانون الإنتروبيا. فالحياة ذاتها، كما تؤكد غولدشتاين، هي مقاومة مستمرة للإنتروبيا. وتصنف المؤلفة استراتيجيات البشر في الاستجابة لهذه الغريزة إلى أربعة أنماط: المتفاعلون اجتماعياً، والمتجاوزون، والمتنافسون، والساعون للبطولة، وهو ما يشكل خريطة معقدة من التنوع البشري المذهل.
ففي سعيها لتحليل هذا التعقيد البشري، تغوص ريبيكا غولدشتاين في صميم ما تسميه “خريطة الأهمية”، وهي أداة مفاهيمية مبتكرة لفهم المسارات المتنوعة التي يسلكها البشر لإشباع توقهم العميق لأن يكونوا ذوي شأن. وتحدد المؤلفة أربع استراتيجيات رئيسية أو “مشاريع أهمية” يتبناها الأفراد لبلوغ هذه الغاية، وهي استراتيجيات تتشابك لتشكل نسيج هوياتنا وثقافاتنا المعقدة. يتجلى المسار الأول في “التجاوز”، حيث يسعى الفرد إلى ربط نفسه بشيء أكبر من ذاته، سواء كان ذلك عبر الإيمان الذي يمنح أهمية كونية، أو من خلال الانغماس في الفن والعلم والفلسفة كما فعل عظماء التاريخ. أما المسار الثاني فيتمثل في “الترابط الاجتماعي”، وهو المسار الذي يجد فيه الأفراد أهميتهم من خلال الانتماء إلى جماعة، ورعاية الأسرة، وبناء العلاقات الإنسانية الدافئة التي تمنحهم شعوراً بأنهم لا غنى عنهم في حياة الآخرين.
وتنتقل غولدشتاين إلى المسار الثالث، وهو السعي نحو “التميز”، حيث يكرس الفرد طاقاته لإتقان مهارة معينة أو إنجاز عمل استثنائي يخلد ذكراه، تماماً كما فعل عبقري موسيقى الراغتايم سكوت جوبلين، الذي انتهى به تفانيه المطلق لعمله المهمل “تريمونيشا” إلى نهاية مأساوية، ولكنه ترك بصمة لا تُمحى. وفي المقابل، يبرز المسار الرابع المتمثل في “التنافس”، وهو المسار الذي يدفع الأفراد إلى إثبات أهميتهم عبر التفوق على الآخرين وهزيمتهم، مما يخلق بيئة صراعية قد تتجلى في الطموح المهني الشرس أو حتى في النزاعات الكبرى. وتؤكد المؤلفة أن هذه المسارات ليست معزولة عن بعضها، بل تتداخل وتتصارع في داخل كل إنسان، مما يجعل مسألة إيجاد توازن صحي بينها التحدي الأكبر في رحلة الحياة.
وتتجاوز الأطروحة البعد الفردي لتسلط الضوء على الانعكاسات المجتمعية الخطيرة حين يُحرم البشر من القدرة على تحقيق هذا الإشباع الوجودي. ففي ظل عالم حديث تفككت فيه الكثير من الروابط الاجتماعية التقليدية، وتعاظم فيه الاعتماد على التكنولوجيا التي تحررنا ظاهرياً من الحاجة للآخرين، تنفجر “أزمة الأهمية” بأشكال مدمرة. وترى غولدشتاين أن هذا الحرمان يقف في صميم أعتى مشكلات عصرنا، بدءاً من وباء الوحدة العزلة الذي ينهش المجتمعات المعاصرة، وصولاً إلى تصاعد موجات التطرف والاستقطاب السياسي الحاد. فالإنسان الذي يعجز عن إيجاد مسار إيجابي لإثبات أهميته، قد يجد في الأيديولوجيات المتطرفة أو الجماعات المتعصبة بديلاً يمنحه شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء، حتى لو كان ذلك على حساب تحقير الآخرين وسلبهم أهميتهم.
وتدعم المؤلفة رؤيتها بتوليفة فكرية ، تدمج فيها بين علوم الأعصاب المعاصرة، وعلم الأحياء التطوري، ونظرية المعلومات، لتخلق ما يمكن وصفه بـ “لاهوت طبيعي” يفسر عملية صناعة المعنى لدى الإنسان. ومن خلال هذا الدمج، تثبت غولدشتاين أن النجاح المادي البحت أو توفير الدخل الأساسي الشامل لن يكونا كافيين وحدهما لعلاج أزمة الأهمية؛ فالمسألة تتجاوز تلبية الاحتياجات البيولوجية والاقتصادية لتلامس حاجة نفسية أكثر عمقاً. ولعل أبلغ دليل على ذلك ما قدمه الطبيب النفسي فيكتور فرانكل من خلال تجاربه مع سجناء معسكرات الاعتقال، حيث تبين أن أولئك الذين تمكنوا من خلق معنى لحياتهم والتمسك بإيمانهم بأهمية وجودهم، كانوا الأقدر على الصمود والاستمرار، حتى عندما جُردوا من كل مقومات النجاة المادية أو المكانة الاجتماعية.
بهذه الرؤية ، لا تكتفي غولدشتاين بتشخيص المرض الوجودي الذي يفتك بعالمنا، بل تمهد الطريق لطرح حلول أخلاقية وعملية. إنها تدعونا إلى إعادة النظر في كيفية تقييمنا لأنفسنا وللآخرين، مقترحة أن الخروج من هذا المأزق يتطلب منا التحلي بقدر أكبر من الرحمة في رؤيتنا لبعضنا البعض، وإدراك حقيقة جوهرية مفادها أن عالمنا يتسع ليكون الجميع فيه ذوي أهمية. هذه الرؤية الإنسانية العميقة تفتح آفاقاً جديدة للتفكير في كيفية بناء مجتمعات تحتضن هذا التوق الفطري بدلاً من سحقه،.
تمتد رؤية ريبيكا غولدشتاين في تفكيكها لغريزة الأهمية لتلامس أعمق الطبقات الفلسفية التي تشكل فهمنا للوجود الإنساني، متجاوزة التحليل النفسي والاجتماعي المباشر لتدخل في حوار مفتوح مع الإرث الفلسفي الطويل الذي حاول تفسير طبيعة الدوافع البشرية. وهنا، لا يمكننا أن نتجاهل التقاطع المذهل بين مفهومها عن “الأهمية” وبين المفهوم الفلسفي العريق المعروف بـ “الكوناتوس” (Conatus) الذي صاغه الفيلسوف باروخ سبينوزا، والذي يعبر عن النزوع الطبيعي أو السعي المستمر لكل كائن للحفاظ على كينونته والاستمرار في الوجود. إن غولدشتاين، وهي الباحثة المتعمقة في فلسفة سبينوزا، ترتقي بهذا المفهوم من مستواه البيولوجي والفيزيائي الخالص إلى مستوى سيكولوجي ووجودي معقد؛ فالإنسان لا يسعى فقط للحفاظ على بقائه الجسدي المادي، بل يستميت في الدفاع عن بقائه المعنوي، عن قيمته، وعن المساحة التي يحتلها في وعي الآخرين وفي نسيج الكون. هذا البقاء المعنوي هو جوهر “الأهمية”، وبدونه يتحول الوجود المادي إلى عبء ثقيل، وتصبح الحياة مجرد تكرار عبثي لا يحمل أي دلالة.
إن هذا الانتقال من البقاء البيولوجي إلى البقاء المعنوي يضعنا أمام مفارقة الإدراك البشري. فنحن الكائنات الوحيدة التي تمتلك وعياً ذاتياً قادراً على إدراك حتمية فنائها، وهذا الوعي المأساوي بالموت يخلق في داخلنا رعباً وجودياً لا يمكن ترويضه إلا من خلال ابتداع آليات دفاعية معقدة، وعلى رأسها “مشروع الأهمية”. نحن نسعى لترك أثر لا يُمحى، سواء عبر إنجاب الأطفال ونقل جيناتنا وتاريخنا إليهم، أو عبر الإبداع الفني والأدبي الذي يتجاوز حدود الزمن، أو من خلال الانخراط في حركات سياسية واجتماعية تعدنا بالخلود في ذاكرة الأمة أو التاريخ. إن كل صرح معماري عظيم، وكل قصيدة خالدة، وكل اكتشاف علمي غير مجرى البشرية، ليس في صميمه سوى صرخة احتجاج ضد الفناء، ومحاولة يائسة ولكنها نبيلة لإثبات أن وجودنا لم يكن عابراً، وأننا كنا هنا، وكنا مهمين.
وتتفرع هذه الغريزة لتلقي بظلالها الكثيفة على شكل تفاعلاتنا اليومية وبناء مجتمعاتنا المعاصرة، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية العنيفة التي يشهدها عالمنا اليوم. فإذا نظرنا إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي الحديث من عدسة “خريطة الأهمية”، سنجد أنه نظام صُمم ببراعة لاستغلال هذا التوق البشري وتوجيهه نحو الاستهلاك المحموم والمنافسة الشرسة. لقد تم اختزال “الأهمية” في مقاييس كمية مادية صرفة: حجم الثروة، نوع السيارة، العلامات التجارية الفاخرة، والمكانة الوظيفية في الهياكل المؤسسية الهرمية. هذا الاختزال المادي أدى إلى اغتراب الإنسان المعاصر عن جوهره، حيث أصبح يلهث وراء سراب من الأهمية المشروطة بما يمتلكه لا بما هو عليه. وفي اقتصاد العمل الحر (Gig Economy) المعاصر، تتجرد قطاعات واسعة من العمال من أي شعور بالأهمية أو الاستقرار، إذ يتم التعامل معهم كأرقام قابلة للاستبدال في خوارزميات صماء لا تعترف بإنسانيتهم أو بتوقهم للتقدير، مما يولد جيوشاً من المحبطين الذين يشعرون بأنهم غير مرئيين، وأن وجودهم أو غيابهم لا يشكل أي فارق يذكر في الآلة الاقتصادية الضخمة.
ولعل التحدي الأكبر الذي تواجهه غريزة الأهمية في عصرنا الحالي يأتي من التطور المتسارع والمخيف لتقنيات الذكاء الاصطناعي. تاريخياً، كان الإنسان يستمد جزءاً كبيراً من تفوقه وأهميته الكونية من قدراته المعرفية والإبداعية؛ فنحن الكائنات التي تفكر، وتبتكر، وتتذوق الجمال. ولكن، مع ظهور آلات قادرة على محاكاة هذه القدرات بل والتفوق عليها في مجالات متزايدة، يتعرض الإنسان لصدمة نرجسية ووجودية غير مسبوقة. عندما تتمكن خوارزمية من كتابة مقال متماسك، أو رسم لوحة فنية معقدة، أو تشخيص مرض بدقة تفوق أمهر الأطباء، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ما الذي يتبقى لنا؟ أين تكمن أهميتنا الاستثنائية إذا كنا قابلين للتجاوز في أقدس قلاعنا المعرفية والإبداعية؟ إن هذا التهديد التكنولوجي يمس العصب الحساس لغريزة الأهمية، ويدفعنا إلى إعادة تعريف معنى الإنسانية ذاته، والبحث عن مصادر جديدة للقيمة لا يمكن للآلة تقليدها، كالعطف، والتعاطف، والعمق العاطفي، والضعف البشري الذي يخلق أواصر التضامن.
وفي موازاة هذا التهديد التكنولوجي، تبرز منصات التواصل الاجتماعي كساحة معركة يومية ومرهقة تتصارع فيها خرائط الأهمية الفردية والجماعية. لقد منحت هذه المنصات وهماً ديمقراطياً بأن الجميع يمتلك صوتاً ويمكن أن يكون مهماً، ولكنها في الواقع خلقت نظاماً شديد القسوة يعتمد على الإشباع اللحظي والمقاييس الرقمية الصارمة (الإعجابات، المشاركات، عدد المتابعين) لتحديد قيمة الفرد. إن غريزة الأهمية تجد نفسها محاصرة في هذه البيئة الافتراضية، حيث يضطر الأفراد إلى تلميع صورهم، وعرض نسخ مشوهة ومثالية من حيواتهم، والانخراط في أداء مسرحي مستمر لجذب الانتباه. هذا السعي المحموم للحصول على تأكيد خارجي مستمر يؤدي إلى هشاشة نفسية خطيرة؛ إذ تصبح الأهمية مرهونة بتقلبات الخوارزميات ومزاج الجماهير الافتراضية، مما يفسر الارتفاع المخيف في معدلات القلق والاكتئاب، خاصة بين الأجيال الشابة التي ربطت قيمتها الذاتية بهذا العالم الافتراضي المتقلب.
ومن هنا، تتشعب الأزمة لتضرب في صميم البنى السياسية والاجتماعية، حيث تلعب غريزة الأهمية المحبطة دوراً مركزياً في صعود تيارات الشعبوية والقومية المتطرفة والسياسات الهوياتية. فعندما تشعر فئات واسعة من المجتمع بأنها تم تهميشها، وأن النخب الثقافية والسياسية والاقتصادية لا تنظر إليها إلا بازدراء أو تجاهل، فإن هذا الإحساس بانعدام الأهمية يتحول إلى وقود شديد الاشتعال للغضب والانتقام. إن القادة الشعبويين لا يبيعون سياسات اقتصادية محكمة، بل يبيعون “الأهمية”؛ إنهم يخاطبون الجماهير المهمشة ويقولون لهم: “أنتم مهمون، نحن نراكم، وأنتم ضحايا لمن سلبوكم مكانتكم”. هذه الرسالة تتلقفها النفوس المتعطشة للانتماء والاعتراف، فتلتف حول القبيلة السياسية أو العرقية، وتبدأ في استمداد أهميتها من شيطنة “الآخر” واحتقاره. إن الاستقطاب السياسي الحاد الذي يمزق الدول الديمقراطية اليوم ليس مجرد خلاف حول الضرائب أو الرعاية الصحية، بل هو في جوهره صراع حياة أو موت حول من يمتلك الحق في أن يكون مهماً، ومن يحق له صياغة السردية الوطنية.
ولا تتوقف هذه التداعيات عند الحدود الداخلية للدول، بل تتمدد لتفسر الكثير من النزاعات الدولية الجيوسياسية. إن حروب الكرامة، والسعي لبناء إمبراطوريات، والإنفاق الهائل على التسلح واستعراض القوة العسكرية، هي امتداد لغريزة الأهمية على مستوى الدول والأمم. فكما يسعى الفرد لتوسيع خريطة أهميته، تسعى الأمم لفرض هيمنتها وإثبات أن سرديتها الثقافية والتاريخية هي الأسمى والأحق بالسيادة. هذا التنافس المحموم يؤدي إلى إهدار هائل للموارد البشرية والمادية في صراعات صفرية، حيث يُنظر إلى أهمية أمة ما على أنها لا تتحقق إلا عبر كسر إرادة أمة أخرى وإخضاعها.
وسط هذه اللوحة القاتمة والمربكة، تدعونا فلسفة الأهمية إلى استراحة تأملية عميقة لمراجعة طرائقنا في منح القيمة وتلقيها. إن العلاج لا يكمن في قمع هذه الغريزة الفطرية، فذلك مستحيل بيولوجياً ونفسياً، بل يكمن في إعادة توجيهها وتهذيبها. علينا أن ننتقل من مرحلة السعي للأهمية القائمة على التنافس الإقصائي والمقاييس المادية، إلى رحاب الأهمية القائمة على الترابط والتعاطف والتكامل. إن المجتمع الذي يبني مؤسساته وتعليمه وثقافته على فكرة أن كل فرد فيه يحمل قيمة جوهرية غير قابلة للتفاوض أو المساومة، هو المجتمع الأقدر على النجاة من أمراض العصر الوجودية.
يتطلب هذا التحول ثورة أخلاقية هادئة تبدأ من مستوى العلاقات الشخصية اليومية؛ كيف ننظر إلى البائع في المتجر، كيف نستمع إلى الطفل الذي يحاول التعبير عن نفسه، كيف نتعامل مع المسن الذي فقد قدرته على الإنتاج المادي. كل تفاعل إنساني هو فرصة لمنح الأهمية أو سلبها. عندما نستمع بصدق للآخرين، وعندما نعترف بآلامهم وأفراحهم، فإننا نرسل لهم رسالة وجودية قوية مفادها: “أنا أراك، وأنت تعني شيئاً بالنسبة لي، ووجودك في هذا العالم يصنع فارقاً”. هذا الاعتراف المتبادل هو الترياق الوحيد ضد العزلة والاغتراب، وهو الأساس المتين لبناء شبكات أمان نفسية واجتماعية قادرة على احتواء الضعف البشري.
كما يمتد هذا التحول الأخلاقي ليشمل إعادة تقييم علاقتنا مع البيئة والطبيعة من حولنا. إن غريزة الأهمية في شكلها المتطرف والمشوه هي التي دفعت الإنسان لاعتبار نفسه المركز المطلق للكون، والسيد الذي يحق له استغلال كافة أشكال الحياة الأخرى لخدمة رفاهيته. ولكن، من خلال إعادة رسم خريطة الأهمية لتتسع وتشمل الكائنات الحية الأخرى والأنظمة البيئية التي تحتضننا، يمكننا تطوير حس من المسؤولية الكونية والرعاية الشاملة. إن أهميتنا الحقيقية قد لا تكمن في قدرتنا على قهر الطبيعة، بل في قدرتنا على حمايتها، وفي لعب دور الحارس الأمين لشبكة الحياة المعقدة والهشة التي نعتبر جزءاً لا يتجزأ منها.
ولكي تترسخ هذه الثقافة الجديدة للأهمية، فإن الفنون والآداب تلعب دوراً محورياً لا غنى عنه. فالرواية الجيدة، أو الفيلم السينمائي العميق، أو العمل المسرحي الصادق، تمتلك القدرة السحرية على كسر قوقعة الذات وإجبارنا على التماهي مع حيوات أشخاص لم نكن لنلتقي بهم أبداً. الفن يوسع مساحة خرائطنا العاطفية، ويدربنا على رؤية العالم من خلال عيون الآخرين، مما يجعلنا أكثر قدرة على استيعاب أهميتهم وحقهم في الوجود والكرامة. إنه تدريب مستمر لعضلة التعاطف التي بدونها تضمر إنسانيتنا وتتحول إلى مجرد هياكل باردة تتنافس في ساحة خالية من المعنى.
إن رحلة سبر أغوار غريزة الأهمية تحمل في طياتها أسئلة، فكلما تعمقنا أكثر في تحليل هذا التوق البشري، تكشفت لنا طبقات جديدة من التعقيد والتناقضات التي تسكن النفس البشرية. كيف يمكننا الموازنة بين الحاجة الفردية للتميز والبروز، وبين الحاجة الجماعية للانسجام والمساواة؟ كيف يمكن ترويض الرغبة العارمة في الخلود وترك الأثر، في ظل حتمية الفناء والنسيان التي تفرضها قوانين الكون الصارمة؟ وهل يمكن للإنسان يوماً ما أن يبلغ مرحلة من النضج الروحي والفلسفي يتخلى فيها عن حاجته المرضية لإثبات أهميته، ليكتفي ببساطة وسكينة بكونه موجوداً فقط؟ هذه الأسئلة الفلسفية المعقدة، وغيرها من الإشكاليات الشائكة التي تطرحها الأطروحة، ستظل بوصلتنا ونحن نغوص أعمق في قراءة هذا المشروع الفكري الثري.
إن الغوص في هذه التساؤلات يفتح أمامنا فضاءات أرحب لفهم الآليات النفسية الدقيقة التي نستخدمها يومياً، وبشكل لاواعٍ غالباً، للتفاوض على مساحتنا الخاصة في هذا العالم. فإذا أخذنا على سبيل المثال ظاهرة “النوستالجيا” أو الحنين الجارف إلى الماضي، سنجد أنها في جوهرها ليست مجرد رغبة رومانسية في استعادة زمن ولى، بل هي محاولة دفاعية يائسة لحماية شعورنا بالأهمية عندما يصبح الحاضر مهدداً أو ضبابياً والمستقبل مجهولاً ومخيفاً. في أوقات التغير السريع والأزمات الطاحنة، ينكمش إحساس الأفراد بقيمتهم، فيلجأون إلى الذاكرة كحصن أخير، يستدعون منه صوراً وأحداثاً كانوا فيها في مركز الاهتمام، أو كانت لهم فيها أدوار واضحة ومؤثرة. هذا الحنين الفردي ينسحب أيضاً على مستوى المجتمعات والأمم، التي تبتكر أساطير سردية حول ماضٍ مجيد ومثالي، في محاولة للتعويض عن تراجع أهميتها في موازين القوى العالمية الراهنة. إن فهمنا لهذه الآلية يفسر لنا الكثير من الخطابات السياسية الرجعية التي تَعِدُ الناس باستعادة “عظمة” مفقودة، وهي خطابات تلعب ببراعة على أوتار غريزة الأهمية المجروحة.
وعلاوة على ذلك، يجب أن نتوقف طويلاً أمام الدور المعقد الذي يلعبه الإيمان الديني في صياغة خريطة الأهمية البشرية عبر التاريخ. لقد قدمت الأديان أقوى إجابة وأكثرها تماسكاً على الإطلاق لأزمة انعدام القيمة؛ إذ أسست لفكرة أن أهمية الإنسان ليست مستمدة من إنجازاته الدنيوية المؤقتة، ولا من مكانته الاجتماعية العابرة، بل هي منحة إلهية مطلقة. من خلال فكرة أن هناك خالقاً للكون يعرف كل إنسان باسمه، ويحصي أنفاسه، ويهتم بتفاصيل حياته ومعاناته، تمكن الإنسان من تجاوز شعوره الماحق بالضآلة وسط هذا الكون الشاسع والبارد. لقد شكل هذا الإيمان الميتافيزيقي درعاً واقياً للبشرية لقرون طويلة، مانحاً أفقر الفقراء وأضعف الضعفاء إحساساً لا يتزعزع بأهميتهم الكونية. ولكن، مع صعود العلمانية المادية وتراجع السرديات الدينية الكبرى في العصر الحديث، تُرك الملايين من البشر في العراء الوجودي، مطالبين بأن يخلقوا أهميتهم الخاصة من الصفر، متسلحين فقط بقدراتهم الفردية في سوق تنافسي لا يرحم. هذا الفراغ الروحي الهائل لم يتم ملؤه بشكل مرضٍ حتى الآن، وهو ما يفسر اللجوء المحموم إلى بدائل علمانية، كالتسوق الاستهلاكي، أو عبادة المشاهير، أو الانخراط الهوسي في نظريات المؤامرة التي تمنح معتنقيها وهماً بأنهم يمتلكون معرفة سرية تجعلهم أكثر أهمية من القطيع الجاهل.
ومن الزاوية النفسية والعلاجية البحتة، فإن تسليط الضوء على غريزة الأهمية يفتح آفاقاً جديدة وثورية لمدارس العلاج النفسي الحديثة. فبدلاً من التركيز حصرياً على تخفيف الأعراض السلبية كالقلق والاكتئاب من خلال التدخلات الدوائية البحتة أو تعديل الأفكار المشوهة سطحياً، يبدأ المعالجون في التساؤل عن موقع المريض في خريطة أهميته الخاصة. هل يشعر المريض بأنه غير مرئي في أسرته؟ هل تم تجريده من قيمته في بيئة عمله؟ إن مساعدة الأفراد على إعادة بناء مصادر صحية ومستدامة للأهمية، مصادر تعتمد على العطاء، والنمو الشخصي الداخلي، وبناء روابط إنسانية حقيقية بدلاً من السعي المستميت وراء إعجاب الغرباء أو التميز التنافسي المجهد، تمثل حجر الزاوية في بناء مناعة نفسية قادرة على الصمود أمام تقلبات الحياة القاسية. إن الشفاء الحقيقي لا يبدأ إلا عندما يتوقف الإنسان عن استجداء قيمته من الخارج، ويبدأ في إدراك أن مجرد قدرته على الإحساس والتجربة ومشاركة الآخرين رحلتهم، هو بحد ذاته فعل ذو أهمية قصوى في نسيج هذا الوجود الشاسع.
تتمدد خيوط هذا التشريح الفلسفي لغريزة الأهمية لتبسط ظلالها على مراحل التطور البشري منذ لحظات الإدراك الأولى، حيث تتشكل النواة الصلبة لهذه الغريزة في سنوات الطفولة المبكرة. إن الطفل حين يطلق صرخته الأولى في هذا العالم، لا يطلب فقط الغذاء والدفء، بل يطلب باستماتة أن يتم الاعتراف بوجوده ككائن منفصل يستحق الاهتمام. إن النظرة المتبادلة بين الأم ورضيعها ليست مجرد تواصل بيولوجي، بل هي أول تعميد للطفل في نهر الأهمية؛ فمن خلال عيون الوالدين، يقرأ الطفل قيمته المبدئية. إذا كانت تلك النظرات محملة بالحب والقبول غير المشروط، ينشأ الطفل وفي داخله يقين راسخ بأنه “مهم” بطبيعته، وأن وجوده مبرر ومرحّب به. أما إذا قوبل بالإهمال أو النبذ العاطفي، فإن هذه الجروح المبكرة تخلق فجوة وجودية عميقة، وحفرة مظلمة من انعدام اليقين سيمضي بقية حياته محاولاً ردمها بأي ثمن. هؤلاء الأطفال الذين حُرموا من الاعتراف المبكر بأهميتهم، غالباً ما يتحولون في كبرهم إلى أفراد مهووسين بانتزاع الاعتراف من العالم الخارجي، إما عبر طموح مهني مَرَضي لا يعرف الشبع، أو عبر سلوكيات تدميرية ولفت للانتباه بطرق عبثية. إن خريطة الأهمية، كما تطرحها غولدشتاين، لا تُولد معنا جاهزة، بل يتم رسم تضاريسها الأولى في غرف نومنا المظلمة وفي أحضان من يتولون رعايتنا.
ومع خروج الطفل من شرنقة الأسرة إلى الفضاء المدرسي، يتعرض لصدمة منهجية كبرى؛ إذ يكتشف أن الأهمية ليست معطىً مجانياً ولا حقاً مكتسباً، بل هي مورد نادر يجب التنافس عليه بضراوة. إن النظام التعليمي الحديث، في جوهره غير المعلن، هو آلة ضخمة لفرز الأهمية وتوزيع المقامات. من خلال نظام الدرجات الصارم، ولوحات الشرف، والمنافسات الرياضية، يتلقى الطفل رسالة واضحة وصارمة: قيمتك تتحدد بما يمكنك إنجازه مقارنة بالآخرين. المدرسة تتحول إلى مسرح قاسٍ تُلعب فيه دراما الأهمية يومياً. هناك دائماً النجم الرياضي الذي يتربع على قمة الهرم الاجتماعي، وهناك الطالب المتفوق أكاديمياً الذي يستمد أهميته من استحسان المعلمين، وفي المقابل، هناك جيش من المهمشين، أو “النكرات” بلغة خريطة الأهمية، الذين يتعلمون باكراً أن موقعهم في ذيل القائمة. هذا الفرز المدرسي القاسي يترك ندوباً لا تُمحى في الوجدان البشري؛ فالكثير من العقد النفسية، والتنمر، والعنف المدرسي، ليس سوى محاولات يائسة ومنحرفة من قبل المراهقين لإثبات أهميتهم عبر فرض سيطرتهم وإذلال من هم أضعف منهم، تعويضاً عن شعورهم بالدونية في الساحات الأكاديمية أو الاجتماعية المعتمدة.
وتتعمق هذه الإشكالية بشكل دراماتيكي عندما ننتقل من ساحات المدارس إلى ساحات العمل والهياكل المؤسسية في مرحلة البلوغ. في العالم الرأسمالي المعاصر، تم اختطاف غريزة الأهمية وتوظيفها ببراعة شيطانية لدفع عجلة الإنتاج. إن ما يسمى بـ “ثقافة الكدح” (Hustle Culture) ليست في حقيقتها التزاماً بأخلاقيات العمل النبيلة، بل هي استغلال مُمَنهج للرعب الوجودي من أن نكون بلا قيمة. المؤسسات الحديثة تعد الموظف بالأهمية من خلال المسميات الوظيفية الرنانة، والترقيات، والمكاتب الزجاجية الواسعة، ولكنها في الوقت ذاته تلوح دائماً بسيف الاستغناء والتسريح، مما يبقي الفرد في حالة استنفار دائم وقلق مزمن. هذا التهديد المستمر بخسارة الأهمية هو ما يدفع ملايين البشر للعمل لساعات طوال، والتضحية بصحتهم الجسدية والنفسية وعلاقاتهم الأسرية، فقط ليثبتوا للآلة الاقتصادية أنهم ما زالوا مفيدين، وأنهم يستحقون الاحتفاظ بمكانتهم على الخريطة.
ولكن، عندما يصطدم هذا السعي المحموم بالأسقف الزجاجية، أو عندما تدرك الجموع أن الوعود بتحقيق الأهمية عبر التفاني المهني هي وعود زائفة لا تتحقق إلا لقلة قليلة تحتكر القمة، يحدث الانهيار. إن الوباء الصامت الذي يضرب مجتمعاتنا المعاصرة والمتمثل في “الاحتراق الوظيفي” (Burnout) هو، في أعمق طبقاته، أزمة في غريزة الأهمية. الاحتراق الوظيفي ليس مجرد إرهاق جسدي نتيجة كثرة المهام، بل هو نضوب روحي ناتج عن إدراك الفرد أن كل تضحياته وطاقاته التي بذلها لم تمنحه القيمة أو الاعتراف الذي كانت تعده به خريطة الأهمية المؤسسية. إنه اللحظة التي يكتشف فيها الترس الصغير في الآلة العملاقة أنه قابل للاستبدال في أي لحظة، وأن كل محاولاته للصعود والتميز لم تكن سوى وهم تبدد أمام برود النظام وقسوته. هذا الاكتشاف المروع يفرغ الحياة من معناها، ويجعل النهوض من السرير كل صباح فعلاً عبثياً يفتقر إلى أي دافع حقيقي.
ولا تتوقف تجليات غريزة الأهمية عند الحدود الاجتماعية والاقتصادية غير المرئية، بل إنها تتجسد مادياً في الهندسة المعمارية لمدننا وفي تخطيط الفضاءات العمرانية التي نعيش فيها. إن المدن الكبرى هي السجلات الحجرية لخرائط الأهمية البشرية. عندما نتأمل ناطحات السحاب الشاهقة التي تحتضن مقرات الشركات الكبرى والقصور الفارهة المحاطة بأسوار عالية وكاميرات مراقبة، فإننا لا نرى مجرد إنجازات هندسية، بل نرى إعلانات فجة ومكلفة عن الأهمية المطلقة لأصحابها. وفي المقابل، فإن العشوائيات الكئيبة، والأحياء المهمشة، وملاجئ المشردين، تقف كشواهد حية على من قرر المجتمع تجريدهم من أي أهمية تذكر. بل إن الأمر يصل إلى تفاصيل مرعبة فيما يُعرف بـ “العمارة العدائية” (Hostile Architecture)، كوضع مسامير معدنية على عتبات المباني أو تصميم مقاعد حدائق متعرجة تمنع المشردين من النوم عليها. هذه التصاميم ليست مجرد قرارات هندسية، بل هي إعلانات سياسية ومكانية تقول بوضوح لهذه الفئة من البشر: “أنتم لستم مهمين لدرجة أن مجرد وجودكم في فضائنا البصري يعتبر تلوثاً يجب القضاء عليه”. إن الهندسة المعمارية بهذا المعنى هي تجسيد مكاني للصراع الشرس على الأهمية والاعتراف.
ولعل من أكثر الفصول مأساوية في كتاب غريزة الأهمية هو ذلك الفصل المتعلق بالشيخوخة والتقدم في العمر. في المجتمعات التقليدية القديمة، كانت الأهمية تتناسب طردياً مع التقدم في السن؛ فكبار السن كانوا مستودع الحكمة، ومراكز القرار، ورموز الاستقرار التي يلتف حولها المجتمع، مما كان يمنحهم شعوراً عميقاً بالأهمية يرافقهم حتى أنفاسهم الأخيرة. ولكن، في العصر الحديث المهووس بالشباب، والسرعة، والإنتاجية التكنولوجية المستمرة، تم قلب خريطة الأهمية رأساً على عقب. أصبحت الشيخوخة مرادفاً لفقدان الأهمية والصلاحية. إن الإحالة إلى التقاعد في العديد من الثقافات الحديثة تمثل صدمة وجودية قاصمة للظهر؛ فهي لا تعني فقط توقف الدخل المادي، بل تعني انسحاب الفرد من دائرة الفعل والتأثير. يُطلب من المسن فجأة أن يتنحى جانباً، ليصبح عبئاً بعد أن كان منتجاً، ومستمعاً بعد أن كان متحدثاً. هذه العزلة الاجتماعية والتجريد من الأدوار الفاعلة تحرم المسنين من إشباع غريزة الأهمية، مما يفسر التدهور السريع في الصحة النفسية والجسدية الذي يصيب الكثيرين بمجرد توقفهم عن العمل. إن مجتمعاً لا يعرف كيف يمنح الأهمية لمن فقدوا قدرتهم على الإنتاج السريع، هو مجتمع يعاني من خلل أخلاقي جسيم في تعريفه لقيمة الإنسان.
وعلى مستوى أكثر اتساعاً وشمولية، تبرز الذاكرة التاريخية كساحة معركة كبرى من ساحات غريزة الأهمية الجماعية. التاريخ، كما يُقال دائماً، يكتبه المنتصرون. ولكن ماذا يعني ذلك في سياق خريطة الأهمية؟ إنه يعني ببساطة أن المنتصرين يمتلكون السلطة الحصرية لتحديد من كان مهماً بما يكفي ليُذكر، ومن كان نكرة فيُحكم عليه بالنسيان المطلق. إن الشعوب المستعمرة، والأقليات العرقية والدينية، والنساء عبر حقب زمنية طويلة، شُطبت أسماؤهم وإسهاماتهم من السجلات الرسمية للتاريخ البشري، في عملية محو منهجي لسلبهم أهميتهم بأثر رجعي. لذلك، فإن نضال هذه الحركات والمجموعات اليوم ليس مجرد نضال من أجل حقوق سياسية أو اقتصادية معاصرة، بل هو نضال وجودي لإعادة كتابة التاريخ وإجبار العالم على الاعتراف بأنهم كانوا دائماً هنا، وأنهم كانوا دائماً مهمين. إن إقامة النصب التذكارية الجديدة لرموز التحرر، وتغيير أسماء الشوارع والميادين، وإعادة صياغة المناهج الدراسية لتشمل روايات المقهورين، كل هذه الأفعال هي استجابات عميقة لغريزة أهمية جماعية جُرحت على مدار قرون وتحاول الآن استعادة موقعها على الخريطة الإنسانية.
إن الخروج من هذه المآزق الوجودية والاجتماعية المعقدة يتطلب منا، كما تلمح الفلسفة العميقة لهذا المفهوم، إحداث تحول جذري في طبيعة الاقتصاد العاطفي والنفسي الذي يحكمنا. إن المشكلة الحقيقية تكمن في أننا نتعامل مع “الأهمية” على أنها لعبة صفرية (Zero-Sum Game)، أي نؤمن وهماً بأن أهميتي لا تتحقق إلا إذا انتزعتها منك، وأن صعودي يقتضي حتماً سقوطك، وأن الضوء الذي يسلط عليّ يجب أن يُطفأ عن الآخرين. هذا التصور التنافسي المحدود هو الذي يخلق الحروب، والاستغلال، والكراهية. ولكن، ماذا لو استطعنا إعادة برمجة وعينا الجماعي لإدراك أن “الأهمية” هي مورد لامتناهٍ (Non-Zero-Sum)؟ إن الحب، والتعاطف، والتقدير الصادق، والفهم المتبادل، هي أشكال من الأهمية التي تتكاثر وتنمو كلما تم توزيعها. عندما أمنحك الاعتراف بأهميتك وقيمتك كإنسان، فإن ذلك لا ينقص من قيمتي شيئاً، بل على العكس، إنه يرفعنا معاً إلى مستوى إنساني أعلى، ويخلق شبكة من الترابط المعنوي تجعلنا جميعاً أكثر قوة ومناعة في وجه عبثية الوجود وقسوته.
. الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي نايل بوست




