أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ما بعد ترامب: لا عودة إلى واشنطن القديمة

في مشهد سياسي عالمي وأمريكي تتسارع فيه التحولات حتى تكاد تسبق القدرة على تأويلها، وتتكسر أمامه القواعد التي حكمت النظام الديمقراطي لعقود، لا يأتي كتاب الإعلامي الأمريكي براين تايلر كوهين الصادر عام 2026 عن دار هاربر كولينز بعنوان “اليوم التالي: كيف نمارس السلطة في عالم ما بعد ترامب The Day After: How to Wield Power in a Post-Trump World ” و هو دليل عمل سياسي، وبيان لقوى الديمقراطية الأمريكية، يقول لها إن ما حدث ليس انحرافا مؤقتا يمكن تصحيحه بالعودة إلى ما قبل عام 2016، بل هو سقوط مكتمل من فوق جرف الديمقراطية يستوجب بناء جمهورية جديدة لا ترميم جمهورية قديمة.

يبدأ الكتاب من حيث ينتهي معظم الكتب الأخرى. التمهيد الذي كتبه المحامي  مارك إلياس، أحد المدافعين عن حقوق التصويت في أمريكا، لا يترك للقارئ مساحة للوهم. إنه يضع الحقيقة كاملة بلا رتوش عن عودة ترامب إلى السلطة في انتخابات 2024 وما تلاها. الولاية الثانية، في وصف إلياس، ليست تكرارا للأولى بل نسختها الأكثر قتامة واكتمالا. رئيس عجوز مستبد محاط بدائرة ضيقة من الجبناء والمتملقين، بلا صمامات أمان، بلا كبار في الغرفة يكبحون الاندفاعة، بلا مستشارين يجرؤون على قول لا. والأخطر من شخص الرئيس نفسه هو تحول الحزب الجمهوري في الكونغرس من فرع دستوري مساو للسلطة التنفيذية، مهمته مراقبة الرئيس وفرض الضرائب وإعلان الحرب، إلى أداة طيعة تنتظر منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي لتنفذ. هنا ينهار الفصل بين السلطات ليس بقرار رئاسي بل باستقالة تشريعية طوعية.

ولا يتوقف الانهيار عند أسوار الدولة. يرصد إلياس كيف سقطت حصون المجتمع المدني التي كان يعتقد أنها خط الدفاع الأخير. كبرى شركات المحاماة التي تأسست لحماية سيادة القانون سارعت إلى عقد صفقات بمئات الملايين لتقديم خدمات مجانية للإدارة، والمؤسسات الإعلامية الكبرى التي كان يفترض أن تموت الديمقراطية في ظلامها حين تصمت، قبلت أن تموت في نور الشمس الساطع عبر تسويات مالية وهمية ملأت خزائن الرئيس. هذه الصورة الافتتاحية تضع القارئ أمام فرضية الكتاب المركزية التي سيبني عليها كوهين كل فصوله: أمريكا لم تعد على حافة الاستبداد، بل هوت بالفعل.

ومن هذا التمهيد القانوني الثقيل، ينتقل براين كوهين في المقدمة التي سماها البرولوج إلى مشهد روائي يكاد يكون سينمائيا، لكنه واقعي إلى حد القسوة. يأخذنا إلى أواخر يناير من عام 2029، إلى مكانين متوازيين. الأول هو مار-إي-لاغو، حيث يجلس الرئيس السابق دونالد ترامب في قاعة احتفالاته الذهبية، ليس كرجل دولة بل كظاهرة ترفيهية تذوي، يعاني من أخطر ما يمكن أن يعاني منه شخص مثله، وهو انحسار الانتباه. الأضواء تنطفئ، الحشود تصغر، لكن الشروخ التي أحدثها في البنية الأمريكية لا تزال تنزف. والمكان الثاني هو واشنطن، حيث يقف رئيس ديمقراطي جديد في البيت الأبيض بعد أن أزيلت عنه كل مظاهر الزيف الذهبي، المكاتب عارية، الجدران مجردة، كأن البيت نفسه يحتاج إلى تطهير.

هذا التقابل البصري ليس ديكورا أدبيا، بل هو تشخيص لصراع داخلي سيحتدم داخل معسكر الديمقراطيين في اليوم التالي. صراع بين تيارين. تيار المخضرمين التقليديين الذين يرون مهمتهم في تضميد الجراح وطي الصفحة والعودة إلى واشنطن القديمة القائمة على اللياقة والتوافق والتهدئة، وتيار المتمردين الجدد الذين يدركون أن العودة مستحيلة وأن محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء هي سذاجة سياسية ستسمح للفاشية الجديدة بأن تعود أكثر قوة. هنا يضع كوهين رسالته التي ستتردد في كل فصل: حماية الديمقراطية لا تكون بالترميم بل ببناء حصون منيعة يستحيل تدميرها، ونجاح التقدميين يتطلب أن يكونوا ثعلبا وأسدا في آن واحد، ثعلبا لتمييز الفخاخ وأسدا لإخافة الذئاب. التردد، في عالم كسرت فيه القواعد، ليس فضيلة بل انتحار.

هذه الازدواجية الماكيافيلية  هي التي تفسر عنوان الكتاب الفرعي: كيف نمارس السلطة. فالكتاب لا يسأل كيف نفوز بالانتخابات، بل كيف نمارس السلطة حين نفوز، وهو سؤال لم يطرحه الديمقراطيون بجدية منذ عقود. لقد اعتادوا أن يكونوا حزب الإصلاح الأخلاقي الذي يأتي لتنظيف الفوضى التي يتركها الجمهوريون، ثم يخسر لأنه يخشى أن يبدو قويا. الناخب الأمريكي، كما يلاحظ كوهين بدقة نفسية، يفضل زعيما خاطئا لكنه قوي وحاسم، على زعيم محق لكنه متردد وقلق من انتهاك الأعراف. هذه المفارقة هي التي حولت الديمقراطيين إلى فريق تنظيف دائم.

ولكي يثبت أن ما نراه ليس صدفة ولا نتاج عبقرية فردية لترامب، يعود كوهين في الفصول التأسيسية إلى نصف قرن من التخطيط المنهجي لليمين الأمريكي. إنه لا يبدأ من عام 2015 بل من أربعينات وخمسينات القرن الماضي، من عصر المكارثية، من السيناتور جوزيف مكارثي ومستشاره القانوني سيئ الصيت روي كوهن الذي سيصبح لاحقا المعلم الأول لدونالد ترامب في مانهاتن. هناك تأسست خلطة مسمومة من الأكاذيب والتنمر واستغلال الخوف من الشيوعية والأجانب والتشهير بالمؤسسات تحت غطاء الوطنية المزيفة. ثم جاءت ستينات القرن العشرين كزلزال مدو هز أركان أمريكا البيضاء المحافظة: قانون الحقوق المدنية عام 1964، قانون حقوق التصويت عام 1965، ميديكير وميديكيد، حركات تحرير المرأة، وقرارات المحكمة العليا التاريخية مثل غريسويل ضد كونيتيكت عام 1965 ورو ضد وايد عام 1973.

هذه الإصلاحات الليبرالية هي التي أيقظت قوى الردة. بعد صدمة سقوط باري غولدووتر عام 1964، أدركت الأوليغارشية الأمريكية أن المعركة الانتخابية وحدها لا تكفي. وهنا يبرز الحدث المفصلي الذي يضعه كوهين في قلب روايته: مذكرة لويس باول السرية عام 1971 الموجهة إلى غرفة التجارة الأمريكية. كانت تلك الوثيقة بمثابة إعلان حرب طبقي منظم يدعو قطاع المال والأعمال إلى شن هجوم مضاد لاستعادة السيطرة على الجامعات والمنابر الإعلامية ودور النشر والمحاكم عبر ضخ أموال طائلة لإنشاء مؤسسات فكرية يمينية. من رحم تلك المذكرة ولدت مؤسسة هيريتيج ومعهد كاتو، ومن رحمهما ولد مشروع 2025 الذي وضع مخططا تفصيليا لتسييس الخدمة المدنية وتدمير وزارة التعليم وتوسيع نظرية السلطة التنفيذية الوحدوية إلى حدود ديكتاتورية مطلقة.

لا يمكن فهم اللحظة الأمريكية الراهنة، كما يراها براين تايلر كوهين، دون العودة إلى ما قبل ترامب بزمن طويل، إلى اللحظة التي قررت فيها الأوليغارشية الأمريكية أن الديمقراطية الليبرالية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد تخدم مصالحها. هذا هو جوهر الفصل الأول الذي يحمل عنوانا دالا: اللعبة الطويلة. فترامب، في قراءة كوهين، ليس مبتكرا ولا عبقريا سياسيا، بل هو الوريث المحظوظ والمستفيد الأخير من مشروع استثماري أيديولوجي استمر خمسين عاما بلا انقطاع، مشروع لا يقاس بمنطق الانتخابات الأربعية بل بمنطق التحول البنيوي.

يعود كوهين إلى أربعينات وخمسينات القرن الماضي، إلى حقبة لم يقرأها جيل اليوم إلا كحاشية في كتب التاريخ. عصر السيناتور جوزيف مكارثي ومستشاره القانوني الشاب سيئ الصيت روي كوهن. هناك، في جلسات الاستماع المتلفزة ومحاكم التفتيش السياسية، تأسست الوصفة التي سيعيد ترامب إنتاجها لاحقا بلا تغيير يذكر: خلق عدو داخلي غامض، المبالغة في خطره الوجودي، اتهام المؤسسات الفيدرالية والجامعات والصحافة بالخيانة، واستخدام الوطنية المزيفة كغطاء للتنمر والتشهير والأكاذيب. المفارقة التي يلتقطها كوهين بذكاء هي أن روي كوهن نفسه هو الذي سيصبح بعد عقدين المعلم الأول لدونالد ترامب الشاب في مانهاتن، يعلمه كيف لا يعتذر أبدا، وكيف يهاجم القاضي والصحفي والمدعي العام، وكيف يحول القضية الخاسرة إلى عرض إعلامي. فالمكارثية لم تمت، بل انتقلت من قاعة مجلس الشيوخ إلى برج ترامب.

ثم جاءت ستينات القرن العشرين كزلزال لم تتعاف منه أمريكا البيضاء المحافظة حتى اليوم. يصفها كوهين بأنها العقد الذي هز كل المسلمات. قانون الحقوق المدنية عام 1964 الذي أنهى الفصل العنصري القانوني، وقانون حقوق التصويت عام 1965 الذي منح السود حق الانتخاب الفعلي، وتشريعات ميديكير وميديكيد التي أدخلت الدولة إلى غرفة العلاج، وحركات تحرير المرأة والمطالبة بالمساواة، وبدايات حركة حقوق المثليين، وانتصارات المحكمة العليا الليبرالية التي أسست للحق في الخصوصية في قضية غريسويل ضد كونيتيكت عام 1965 ثم حق الإجهاض في رو ضد وايد عام 1973. بالنسبة لقطاع واسع من البيض المحافظين ورجال الأعمال، لم تكن هذه إصلاحات بل انقلاب ثقافي وديموغرافي واقتصادي يهدد تراتبية قديمة.

هنا يأتي التحول الاستراتيجي الذي يعتبره كوهين لحظة الميلاد الحقيقية لما نراه اليوم. بعد الهزيمة الساحقة لمرشح اليمين باري غولدووتر في انتخابات 1964، أدرك قادة المال أن الفوز بالبيت الأبيض لا يكفي إذا ظلت الجامعات والإعلام والمحاكم في يد الليبراليين. في هذا السياق كتب المحامي لويس باول، الذي سيصبح لاحقا قاضيا في المحكمة العليا، مذكرته السرية الشهيرة عام 1971 إلى غرفة التجارة الأمريكية. كانت المذكرة أشبه بخطة حرب. تدعو رجال الأعمال إلى التوقف عن التذمر وبدء الاستثمار المنهجي في السيطرة على الأفكار. تقول بوضوح: يجب أن نغزو الجامعات، وننشئ مراكز أبحاثنا، ونسيطر على المنابر الإعلامية ودور النشر والمحاكم.

من هذه المذكرة ولدت الإمبراطورية الفكرية التي نعرفها اليوم. مؤسسة هيريتيج عام 1973، معهد كاتو، معهد مانهاتن، الجمعية الفيدرالية للقانون، وشبكة تمويل مظلمة ضخت مليارات الدولارات على مدى عقود. هذه الشبكة لم تكتف بإنتاج الأوراق البحثية، بل أنتجت القضاة والمسؤولين والتشريعات الجاهزة. وتتويجها المنطقي هو مشروع 2025 الذي يفصله كوهين بدقة. فهو ليس مجرد بيان انتخابي بل مخطط تفصيلي من تسعمائة صفحة لتفكيك الخدمة المدنية الفيدرالية وتحويلها إلى جيش من الموالين، وتدمير وزارة التعليم، وإحياء نظرية السلطة التنفيذية الوحدوية التي تمنح الرئيس سلطة ملكية مطلقة يفعل ما يشاء بلا رقيب.

ويصل هذا المسار الطويل إلى ذروته في السيطرة على المحكمة العليا. يوضح كوهين كيف أن الأغلبية المحافظة الحالية بنسبة ستة إلى ثلاثة ليست انعكاسا للانقسام الشعبي، بل نتاج عملية اختيار أيديولوجي دقيقة استمرت أربعين عاما. وهذه المحكمة هي التي مهدت للانقلاب الأخير عبر قرارها الكارثي في قضية ترامب ضد الولايات المتحدة عام 2024 الذي منح الرئيس حصانة جنائية مطلقة عن أفعاله الرسمية. قرار حول الرئيس من موظف منتخب إلى ملك فوق القانون، وهو ما يعتبره كوهين إعلان وفاة دستوري لا يمكن إصلاحه بالترميم.

في المقابل، يخصص كوهين الفصل الثاني بعنوان اللعبة الخاطئة لنقد لاذع لمسار الحزب الديمقراطي منذ بيل كلينتون حتى جو بايدن. يرى أن الديمقراطيين وقعوا في أسر أسطورة قاتلة أسماها الطريق الثالث والتوافق الوطني. تصوروا أن تقديم تنازلات للجمهوريين وتبني سياسات وسطية والحرص على الأعراف المؤسسية سيقابل باحترام متبادل. غير أن التاريخ أثبت العكس تماما. كلما تحرك الديمقراطيون نحو الوسط، تحرك الجمهوريون نحو الأرض المحروقة.

يضرب كوهين أمثلة لا ترد. حزمة التحفيز الاقتصادي لباراك أوباما عام 2009 في ذروة الأزمة المالية حظيت بصفر صوت جمهوري رغم أنها أنقذت الاقتصاد، وقانون الرعاية الصحية أوباماكير حظي بصفر صوت جمهوري رغم أنه كان في الأصل فكرة محافظة. حتى الميزانيات العادية تحولت إلى سلاح تعطيل. بينما كان ميتش ماكونيل يعلن صراحة أن هدفه الوحيد هو جعل أوباما رئيسا لفترة واحدة، كان الديمقراطيون يبحثون عن جمهوريين معتدلين لم يعودوا موجودين.

ويحلل كوهين نفسيا وسياسيا مفارقة الرجل القوي مقابل الرجل الضعيف التي حكمت الانتخابات الأمريكية. الرئيس الجمهوري يمارس السلطة بلا هوادة، يصدر أوامر تنفيذية، يهدم أجنحة البيت الأبيض، يمنح عفوا شاملا، ولا يأبه إن كانت المحاكم ستلغي قراره لاحقا. بينما الرئيس الديمقراطي يتخبط في حسابات الخوف من الفشل القضائي ورد فعل صحيفة نيويورك تايمز وغضب الناخب الوسطي المفترض، فيتجنب المعارك الضرورية بحجة حماية الديمقراطية، فيظهر بمظهر المتردد الخائر. والناخب، كما يقول، يفضل حتى زعيما خاطئا لكنه حاسم، على زعيم محق لكنه يعتذر عن قوته.

هذه الاستراتيجية حولت الديمقراطيين إلى ما يسميه فريق التنظيف. ينتخبون بعد كل كارثة جمهورية لإصلاح الاقتصاد وترميم التحالفات وخفض العجز، ثم يخسرون الانتخابات النصفية لأن الناخب لا يكافئ من نظف الفوضى بل يحاكم من يحكم الآن. ومن هنا يدعو كوهين إلى كسر الحلقة المفرغة والتخلي عن الكمامة الأخلاقية التي وضعها الديمقراطيون على أفواههم. فإذا كان الخصم قد كسر القواعد مرارا، فإن التمسك بها ليس فضيلة بل انتحار. المطلوب ليس أن يصبح الديمقراطيون جمهوريين، بل أن يفهموا أن القوة ليست عيبا وأن استخدام أدوات السلطة كإلغاء الفيليباستر وتوسيع المحكمة وفرض ضرائب عادلة هو دفاع عن الجمهورية لا اعتداء عليها.

ينتقل براين تايلر كوهين في قلب كتابه من التاريخ الأيديولوجي الطويل إلى التشريح اللحظي للجمهورية وهي تفرغ من الداخل، ويبدأ من حيث يبدأ الدستور الأمريكي نفسه، من المادة الأولى التي خصصها الآباء المؤسسون للكونغرس. فالدستور لا يبدأ بالرئيس ولا بالمحكمة، بل بالسلطة التشريعية التي منحت وحدها حق فرض الضرائب ورسم الميزانية وتنظيم التجارة وإعلان الحرب. غير أن ما يوثقه كوهين في الفصل الثالث بعنوان الشيكات على بياض وفصل السلطات هو أن هذه المادة تحولت إلى وثيقة مهجورة، وأن الكونغرس الجمهوري تخلى طوعا عن كونه فرعا مساويا ليصبح مجرد مكتب تصديق على منشورات الرئيس في وسائل التواصل.

يفتتح الفصل بواقعة تبدو هامشية لكنها تكشف جوهر التحول. إليزابيث ماكدونو، المسؤولة غير الحزبية عن القواعد البرلمانية في مجلس الشيوخ، وجدت نفسها وحدها تقف كحائط صد قانوني أمام حزمة تخفيضات ضريبية ضخمة أرادت إدارة ترامب تمريرها بأي ثمن. لم تكن ماكدونو ناشطة تقدمية ولا معارضة سياسية، بل موظفة مهنية تحرس القواعد الإجرائية. ومع ذلك طالبتها أصوات شعبوية صاخبة بالإقالة الفورية لمجرد قيامها بعملها، لأن أي احترام للإجراءات أصبح في منطق الولاء الشخصي خيانة. هذه اللحظة، كما يراها كوهين، تلخص انقلابا دستوريا صامتا. فحين يصبح الالتزام بالقواعد سببا للطرد، يصبح الكونغرس قطيعا ذا أيديولوجية خاوية يمنح الرئيس شيكا على بياض.

ولا يتوقف التآكل عند الميزانية. يغوص الكتاب في تضارب المصالح الذي لم يعرف التاريخ الأمريكي مثيلا له. عائلة ترامب ومقربوه لم يكتفوا بالاستفادة من المنصب، بل حولوا المنصب نفسه إلى منصة استثمارية عبر بوابة العملات المشفرة وشركات مثل وورلد ليبرتي فاينانشال التي حصدت مئات الملايين من جهات أجنبية مشبوهة تبحث عن تسهيلات تجارية ودبلوماسية. بينما انشغلت لجنة الرقابة في مجلس النواب، التي كان يفترض أن تكون سيف الكونغرس، بعقد جلسات استعراضية فارغة لا تحاسب ولا تراجع، لأن المحاسبة الحقيقية أصبحت خطرا على الأغلبية نفسها. ويصل كوهين إلى خلاصة مرة بأن النظام الأمريكي يقترب من نموذج يسميه الملكية المنتخبة أو النظام البرلماني المنحرف، حيث تندمج السلطة التنفيذية مع أغلبية تشريعية مطيعة فيصبح الرئيس رئيس وزراء مطلق الصلاحيات لا يقيده إلا موعد الانتخابات القادمة، وهو نموذج لا يمكن مواجهته بالتمسك بالتقاليد الحزبية الميتة.

ومن الكونغرس ينتقل إلى الحصن الذي كان يعتقد أنه الأخير، المحكمة العليا، في فصل عنوانه غير القابلين للمس. هنا لا يكتفي كوهين بالنقد الأيديولوجي بل يبني قضيته كمدع عام. يبدأ بقصة مأساوية واقعية للمواطنة رينيه جود، أم لثلاثة أطفال قتلت برصاص عناصر ملثمين من شرطة الهجرة والجمارك في شوارع مينيابولس خلال حملة مداهمة استهدفت أحياء لاتينية بناء على توجيهات أمنية متطرفة. حين سارعت منظمة الحريات المدنية الأمريكية لرفع دعوى استنادا إلى التعديل الرابع الذي يحمي المواطنين من التفتيش والاحتجاز بلا مذكرة، تدخلت المحكمة العليا عبر ما يسمى الجدول الظلي، أي بلا جلسات علنية وبلا تبرير قانوني مفصل، لإنقاذ سياسات الإدارة وشرعنة الممارسة.

يكشف كوهين كيف أن الأغلبية المحافظة بنسبة ستة إلى ثلاثة لا تعكس انقسام الشارع بل تحولت إلى ناد سياسي مغلق. يسرد  كيف رفع القاضي صامويل أليتو علما مقلوبا خارج منزله، وهو الرمز الذي تبناه أنصار تمرد السادس من يناير، وكيف تورط هو وزميله كلارنس توماس في قبول هدايا ورحلات فارهة على متن طائرات ويخوت خاصة بملايين الدولارات من مليارديرات يمينية مثل هارلان كرو، ناهيك عن تورط جيني توماس زوجة توماس في مراسلات مباشرة مع البيت الأبيض للضغط من أجل إلغاء نتائج انتخابات 2020. أمام هذا التردي يستدعي كوهين سابقة أبراهام لينكولن الذي لم يتردد في توسيع المحكمة وإعادة هيكلتها حين وقفت حجر عثرة أمام إلغاء العبودية بقرار دريد سكوت السيئ الصيت. ويطرح حزمة إصلاح لا تحتمل التأجيل: توسيع عدد القضاة، ولاية محددة بثماني سنوات بدلا من التعيين مدى الحياة، تقاعد إلزامي في السبعين، ومدونة سلوك قضائية صارمة ونافذة تطبق على الجميع.

ثم يغوص في الفصل الخامس بعنوان نحن الشعب في أدوات تفريغ الديمقراطية من مضمونها، وهو التلاعب بالدوائر الانتخابية وقمع الناخبين. يتخذ من كارولينا الشمالية نموذجا . هناك، بعد سيطرة الجمهوريين على المحكمة العليا للولاية، أعيد رسم الخرائط بطريقة تضمن فوزهم بأغلبية ساحقة من المقاعد بغض النظر عن أصوات الناخبين. حصل الديمقراطيون على ستة وأربعين بالمئة من الأصوات ولم يحصدوا إلا حفنة مقاعد، في هندسة انتخابية وقحة هدفها الوحيد حماية الحزب من المحاسبة الشعبية. وحين حاول النواب الديمقراطيون في تكساس استخدام سلاح النصاب القانوني ومغادرة الولاية للاحتجاج، واجهوا تهديدات اعتقال مدني من الحاكم غريغ أبوت.

في المقابل يبرز كوهين الرد المضاد الذي قاده الديمقراطيون في كاليفورنيا بقيادة غافين نيوسوم تحت شعار محاربة النار بالنار. فباستفتاء شعبي ناجح لإعادة رسم الخرائط لمواجهة الانحراف الجمهوري، يثبت أن الاكتفاء بدور الحمل الوديع أمام خصم يمزق القواعد هو انتحار سياسي. ولا يقتصر التلاعب على الخرائط بل يمتد إلى حرب شاملة ضد التصويت عبر البريد، وتطهير عشوائي لقوائم الناخبين، وإغلاق مئات مراكز الاقتراع في أحياء السود واللاتينيين لخلق طوابير طويلة محبطة، وتشريعات تعجيزية مثل قانون الحفظ الذي يفرض وثائق باهظة التكلفة للتسجيل. كلها استراتيجيات هدفها تقليص المشاركة لأن زيادة التصويت تصب تاريخيا في مصلحة القوى التقدمية.

ويختم كوهين هذا الثلاثي المؤسسي بالتشديد على أن الحل ليس تقنيا بل سياسي. تشريع قانون حرية التصويت وإصلاح المجمع الانتخابي عبر الميثاق الوطني للأصوات الشعبية هما طوق النجاة لإعادة الاعتبار لشعار نحن الشعب، لكنهما يتطلبان شجاعة كسر الفيليباستر، ذلك السلاح الإجرائي الذي حول مجلس الشيوخ إلى مقبرة للإصلاحات. فالديمقراطية، كما يقول، لا تحمى بالأعراف الميتة بل بقرارات حية.

يصل براين تايلر كوهين في منتصف كتابه إلى اللحظة التي يخلع فيها القناع عن جوهر التجربة الترامبية، وهي لحظة التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. الفصل السادس يحمل عنوانا ساخرا هو لست ملكا، وهي العبارة التي رددها دونالد ترامب مرارا للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية وهو يؤكد أنه يعمل بجهد جبار لمصلحة البلاد وأنه ليس ملكا ولا ديكتاتورا. غير أن كوهين يضع هذه العبارة جنبا إلى جنب مع ما كان يقوله ترامب في الاجتماعات المغلقة لأعضاء حكومته، حيث يعلن بلا مواربة أن لديه الحق المطلق في فعل أي شيء يرتئيه، بما في ذلك إرسال الجيش إلى المدن والولايات التي يحكمها معارضوه، متسائلا  عما إذا كان الشعب يفضل الديكتاتور طالما أنه يفرض النظام بطريقته.

هذه النزعة الإمبراطورية لم تبق كلاما. يوثق الكتاب كيف ترجمت إلى قرارات مادية تتجاوز كل الأطر الدستورية والهندسية والتاريخية. أبرزها قرار هدم الجناح الشرقي التاريخي للبيت الأبيض، ذلك الجزء الذي شهد قرنين من التاريخ الأمريكي، لإفساح المجال لبناء قاعة احتفالات ذهبية فخمة بلغت تكلفتها مئات الملايين من الدولارات. القرار اتخذ بلا موافقة تشريعية وبلا دراسة تاريخية، في محاكاة بصرية فجة لقصور الجمهوريات الموزية التي تحيط نفسها بالذهب لتخفي عوار استبدادها. البيت الأبيض نفسه، الذي كان رمزا للجمهورية البسيطة، يتحول إلى مرآة لذوق المالك الجديد.

ولا يتوقف الانحراف عند الحجر، بل يمتد إلى أخطر أدوات السلطة، وهي سلطة العفو الرئاسي. العفو في التقاليد الدستورية الأمريكية كان ملاذا أخلاقيا أخيرا لتصحيح أخطاء العدالة، يمنح بحذر ولحالات إنسانية. في عهد ترامب، كما يوثق كوهين، تحول إلى صك غفران مفتوح وبطاقة خروج مجانية من السجن لكل الحلفاء الفاسدين وتجار المخدرات ومزوري الانتخابات، وصولا إلى العفو الشامل عن جميع المتورطين في اقتحام الكابيتول في السادس من يناير عام 2021، بما في ذلك من ثبت اعتداؤهم بوحشية على ضباط الشرطة. إن تحويل العفو من أداة رحمة إلى أداة ولاء يفرغ مبدأ المساواة أمام القانون من مضمونه.

ويبلغ هذا المسار ذروته القانونية في القرار الكارثي الذي أصدرته المحكمة العليا بمنح الرئيس حصانة جنائية مطلقة عن أي أفعال رسمية يرتكبها أثناء وجوده في السلطة. كوهين ينقل حرفيا ما كتبه القضاة الأحرار في آرائهم المعارضة، : القرار يشرعن نظريا أسوأ الكوابيس السياسية، من إمكانية إصدار أوامر بتصفية الخصوم السياسيين إلى قبول الرشاوى الفاضحة تحت غطاء الحصانة الرئاسية. حينها لم يعد المواطن أمام رئيس منتخب، بل أمام ملك فوق المساءلة، وهو ما يجعل عبارة لست ملكا ليست نفيا بل اعترافا مقلوبا.

ومن  الملكية ينتقل كوهين إلى العبقرية الاقتصادية. الفصل السابع بعنوان خدعة الاقتصاد يفكك واحدة من أكبر الأكاذيب التي بنى عليها ترامب صورته. فالسيرة العقارية والتجارية لعائلة ترامب، كما يذكر الكتاب، مليئة بالإفلاسات المتكررة والديون المتعثرة والمشاريع الفاشلة، لدرجة أنها لا تؤهل صاحبها لإدارة مقصف صغير ناهيك عن أكبر اقتصاد في العالم. غير أن آلة البروباغندا ونجاح برنامجه التلفزيوني ذا أبرنتس نجحا في صياغة هالة زائفة من النجاح المالي، حولت رجل الأعمال المتعثر إلى رمز لعبقرية الصفقات.

عند تتبع الأرقام الحقيقية، ينهار هذا الوهم. يوضح كوهين بالأرقام أن الأداء الاقتصادي تحت إدارات ترامب كان الأسوأ منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي من حيث خلق الوظائف، مقارنة بالنمو الهائل الذي تحقق في عهدي باراك أوباما وجو بايدن. فالوظائف التي تفاخر بها ترامب كانت استمرارا لمنحنى صاعد بدأ قبله، ثم تراجعت بفعل حربه التجارية وسياساته الفوضوية. أما السياسة الاقتصادية نفسها فلم تكن يوما موجهة لما يسميه الرجل البسيط، بل كانت حزمة ضخمة من التخفيضات الضريبية الموجهة حصرا للنخبة الفاحشة الثراء والشركات الكبرى، ممولة عبر زيادة العجز المالي بصورة مخيفة واستنزاف مقدرات الدولة.

والأكثر سخرية هو سلاح الرسوم الجمركية الذي يصوره ترامب كأداة لمعاقبة الصين ودول أخرى. يثبت كوهين بالتحليل الاقتصادي أن المستهلك الأمريكي البسيط هو من يدفع ثمن تلك الرسوم من جيبه على شكل ارتفاع جنوني في أسعار السلع اليومية، تماما كضريبة غير مباشرة. فالرسوم لا يدفعها المصدر الأجنبي بل المستورد الأمريكي الذي ينقلها إلى المستهلك. وفي الخلفية تجري صفقات فساد عابرة للحدود، قبول هدايا فارهة كسبائك ذهب خالصة من حكومات أجنبية مقابل تسهيلات تجارية، وتحويل السياسة التجارية إلى سوق للمقايضة الشخصية.

لهذا يشدد كوهين على أن الحزب الديمقراطي لن يربح المعركة الاقتصادية بالدفاع عن الوضع القائم، بل بتبني أجندة اقتصادية شعبوية حقيقية: رفع الحد الأدنى للأجور، محاربة الاحتكار الذي يخنق المنافسة، فرض ضرائب عادلة على الأثرياء والشركات الكبرى، والاستثمار في البنية التحتية الخضراء. فالطبقة العاملة لا تحتاج إلى خطاب يطمئن وول ستريت، بل إلى سياسة تنقذها من خداع اليمين.

ويصل هذا التداعي المنهجي إلى جسد المواطن نفسه في الفصل الثامن المعنون عش ودع الآخرين يموتون، وهو عنوان يقتبس سخرية سوداء من شعار جيمس بوند. هنا يسلط كوهين الضوء على الأثر المدمر للسياسات اليمينية على صحة الأمريكيين وحياتهم. لقد أمضى ترامب وحزبه سنوات في محاولات محمومة لتدمير قانون الرعاية الصحية الميسرة المعروف بأوباماكير، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح في منح ملايين الأسر تأمينا لم تكن تملكه. المحاولات المتكررة لإلغائه في الكونغرس والمحاكم دفعت ملايين نحو الضياع الصحي وارتفاع أقساط التأمين.

ثم جاءت الضربة الأقسى عبر تشريعات اقتطعت المليارات من برنامج ميديكيد المخصص لذوي الدخل المحدود لتمويل التخفيضات الضريبية للأغنياء. النتيجة المباشرة التي يوثقها الكتاب بالأرقام هي إغلاق مئات المستشفيات الريفية وعيادات التوليد في مختلف أنحاء البلاد، لأنها لم تعد قادرة على العمل بلا تمويل. وفي الولايات المحافظة، أدى إلغاء الحق الدستوري في الإجهاض إلى خلق صحارى أمومة تخلو تماما من خدمات الرعاية للنساء، وارتفاع معدلات وفيات الأمهات الحوامل إلى مستويات تقارن بدول العالم الثالث.

ويضيف كوهين إلى ذلك تعيين شخصيات مثيرة للجدل في قطاع الصحة العامة، أبرزها روبرت كينيدي جونيور المعروف بنظرياته المناهضة للعلم واللقاحات. في عهده، كما يوثق الكتاب، عادت أمراض خطيرة كالحصبة والسعال الديكي للظهور في ولايات كانت قد قضت عليها، بسبب تراجع نسب التطعيم وتقليص ميزانيات المعاهد الوطنية للصحة وأبحاث السرطان الحيوية. إن تحويل الصحة العامة إلى ساحة حرب ثقافية له ثمن يدفعه الأطفال أولا.

في المقابل، يذكر كوهين حقيقة سياسية يغفلها كثيرون: برامج مثل ميديكير وميديكيد تحظى بشعبية جارفة لدى الغالبية الساحقة من الأمريكيين بغض النظر عن انتمائهم الحزبي. حتى الناخبون الجمهوريون يدافعون عنها. وهذا يفتح الباب واسعا أمام طرح استراتيجي بديل يقوم على تبني نظام صحي شامل وعادل على غرار نظام الدافع الواحد أو الرعاية الصحية للجميع، باعتبار أن الصحة ليست سلعة تخضع لمنطق الربح والخسارة، بل حق أساسي وشرط لاستعادة عافية الديمقراطية. فالدولة التي تترك مواطنيها يموتون لأنهم فقراء لا يمكنها أن تدعي أنها حرة.

يصل براين تايلر كوهين في الثلث الأخير من كتابه إلى المناطق التي يعتبرها الأخطر لأنها لا تدمر مؤسسة بعينها بل تدمر شروط إمكانية إصلاح أي مؤسسة، وهي الحقيقة والهواء والقانون. ففي الفصل التاسع المعنون كسر الأخبار ينتقل من واشنطن السياسية إلى واشنطن الرمزية التي تصنع الوعي، ويبدأ بشخصية غير متوقعة، موظف قانوني مغمور في لجنة الاتصالات الفيدرالية اسمه برندان كار. هذا الموظف الذي لم يعرفه أحد خارج أروقة البيروقراطية تحول في رواية كوهين إلى أداة طيعة وفعالة لترهيب المؤسسات الإعلامية الكبرى وإخضاعها قبل أن يتولى منصبه رسميا.

يروي الكتاب كيف سارعت شبكة إيه بي سي نيوز إلى دفع تسوية مالية ضخمة بلغت خمسة عشر مليون دولار تحت غلاف تبرع خيري لمتحف ترامب الرئاسي الوهمي، وذلك على خلفية خطأ مهني بسيط وغير متعمد وقع فيه أحد مذيعيها. خمسة عشر مليونا مقابل زلة لسان صححت على الهواء. لم يكن المبلغ تعويضا قانونيا بل جزية ولاء. ولم يتوقف الأمر عندها. شبكة باراماونت وسي بي إس دفعت بدورها ملايين الدولارات لتسوية دعاوى قضائية وصفها كوهين بالاختلاقية، وتزامن ذلك مع إلغاء برامج ساخرة كانت تنتقد السلطة وإزاحة قيادات تحريرية بارزة تجنبا لإغضاب البيت الأبيض. المشهد كله يجسد ما يسميه عملية فوكسة الإعلام الأمريكي، أي تحويله إلى نسخة من فوكس نيوز ليس بالملكية بل بالخوف.

ويتتبع كوهين جذور هذه السطوة إلى إرث روجر آيلز الذي أسس فوكس نيوز في تسعينات القرن الماضي بفلسفة واحدة: استغلال ميل البشر نحو الكسل المعرفي لتغذيتهم بوجبة يومية من المخاوف المصطنعة ونظريات المؤامرة. هذه الإمبراطورية لم تكن تبحث عن الحقيقة بل عن الولاء، ولم تكن تبيع أخبارا بل تبيع هوية. وصولا إلى لحظة فارقة في تاريخ الصحافة الأمريكية حين تدخل جيف بيزوس شخصيا، مالك واشنطن بوست، لوقف تأييد الصحيفة للمرشحين الديمقراطيين وتفريغ أقسام الرأي فيها من مضامينها التقدمية، حماية لمصالح شركاته العملاقة وعقودها الفيدرالية المليارية مع وزارة الدفاع والجهات الحكومية. إن انهيار استقلالية الصحافة، كما يقول كوهين، لا يمثل سقوطا مهنيا بل سقوطا لآخر صمامات الأمان التي تحمي وعي المواطن، لأن الديمقراطية لا تتهاوى بضربة واحدة بل تموت تدريجيا حين يتخلى حراس الحقيقة عن أدوارهم خوفا أو طمعا.

ومن ساحة تزييف الوعي ينتقل إلى ساحة تزييف الواقع المادي نفسه في الفصل العاشر المعنون غاز الدفيئة. هنا يلتقط علاقة بدت للعالم كتحالف أبدي بين دونالد ترامب وإيلون ماسك، ثم يوثق كيف تهاوت سريعا على وقع الخلاف حول الإعانات المالية للسيارات الكهربائية. ليست القصة شخصية بل رمزية، فهي تكشف سطحية التعامل مع قضية وجودية. يروي كيف كان ترامب يهاجم طواحين الهواء في اسكتلندا بدعوى أنها تقتل الطيور وتشوه المنظر، بينما يتجاهل عمدا التقارير العلمية الرصينة الصادرة عن وكالاته نفسها.

يشير المؤلف إلى أن ترامب لم يكتف بالانسحاب للمرة الثانية من اتفاقية باريس للمناخ ولا بتجميد مليارات الدولارات المخصصة لتقليل الانبعاثات ضمن قانون خفض التضخم، بل وصل به الأمر إلى محو وإلغاء قواعد البيانات التاريخية الشاملة حول الكوارث الطبيعية ودرجات الحرارة التي كانت تحتفظ بها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، وطرد كبار المستشارين العلميين وتطهير الوكالات البيئية من أي ذكر لمصطلح التغير المناخي. كأن إنكار الكلمة يلغي الظاهرة. والأكثر سخرية هو التناقض الاستراتيجي العالمي. بينما كانت واشنطن تمحو بياناتها، كانت بكين تقود العالم بلا منازع في الاستثمار في مزارع الرياح والطاقة الشمسية وصناعة السيارات الكهربائية، تتنازل أمريكا عن ريادتها التكنولوجية والاقتصادية مجاملة لشركات النفط واسترضاء لقواعد انتخابية تعيش في أوهام القرن التاسع عشر.

ويؤكد كوهين أن الطبيعة لا تكترث بالخطاب الشعبوي. الكوارث التي ضربت الولايات المحافظة نفسها في الجنوب والشرق، فيضانات مدمرة وأعاصير غير مسبوقة، تثبت يوما بعد يوم أن إنكار الواقع العلمي لا يلغي نتائجه الكارثية. ومواجهة هذا الخطر تتطلب إرادة سياسية شجاعة على غرار ما فعله فرانكلين روزفلت بصفقة جديدة، صفقة خضراء جديدة تحمي الأرواح وتنقذ الاقتصاد وتضمن بقاء الكوكب للأجيال القادمة، لا صفقة تبيع الكوكب مقابل أصوات انتخابية.

ثم يصل الكتاب إلى أكثر الملفات حساسية وخطورة، الفصل الحادي عشر المعنون حرب القانون. يوضح كوهين كيف حافظت وزارة العدل لعقود على تقاليد راسخة تجعلها منطقة حيادية بمعزل عن البيت الأبيض، لدرجة أن إدارات ديمقراطية سمحت بمحاكمة مقربين وأفراد من عائلات الرؤساء حرصا على سيادة القانون. غير أن المشهد انقلب رأسا على عقب. شهدت الوزارة موجة استقالات جماعية وتطهيرا واسع النطاق طال آلاف المحامين والمدعين، ليتم تعويضهم بشخصيات موالية تفتقر لأبسط قواعد النزاهة. يبرز هنا دور بام بوندي على رأس الوزارة وتود بلانش كمساعد، اللذين حولا جهاز الادعاء الفيدرالي إلى ذراع انتقامية لتصفية الحسابات.

يروي كوهين محاولات فاشلة وفاضحة لتلفيق تهم جنائية لشخصيات تجرأت على محاسبة ترامب، مثل المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي والمدعية العامة لولاية نيويورك ليتيشا جيمس التي أدانت إمبراطوريته العقارية بالاحتيال المالي. اعتمدت الملاحقات على محامين غير مؤهلين وأدلة واهية سقطت تباعا أمام القضاة الفيدراليين. الرسالة التي يريد كوهين إيصالها هي أن انهيار العدالة ليس خللا جانبيا بل هو جوهر المشروع. بلا عدالة مستقلة لا وطن يرجى ولا ديمقراطية تصان.

وهنا يضع كتاب اليوم التالي برنامجه لليوم التالي نفسه. لا يكتفي بالتشخيص بل يقدم خريطة طريق عملية وصادمة لتيار اعتاد الاعتذار عن قوته. أولا، كسر الفيليباستر في مجلس الشيوخ الذي حوله إلى مقبرة لكل إصلاح. ثانيا، توسيع المحكمة العليا وفرض ولاية محددة وتقاعد إلزامي ومدونة سلوك. ثالثا، إقرار قانون حرية التصويت والميثاق الوطني للأصوات الشعبية لإنهاء حكم الأقلية. رابعا، تشكيل لجان تحقيق مستقلة وتعيين مدعين خاصين محصنين لملاحقة الفساد وإعادة بناء الجدار الدستوري بين السياسة والعدالة. خامسا، تبني أجندة اقتصادية شعبوية حقيقية وصحية شاملة وصفقة خضراء جديدة.

الخلاصة التي يختم بها كوهين مراجعته هي أن أمريكا لا تحتاج إلى العودة إلى طبيعتها قبل 2016، لأن تلك الطبيعة هي التي أنجبت ما بعدها. الحنين إلى واشنطن القديمة القائمة على اللياقة والتوافق هو وهم قاتل. القواعد كسرت وإعادة لصقها لن تحمي أحدا. المطلوب هو بناء حصون جديدة، تشريعات وقوانين ومؤسسات يصعب على الفاشيين الجدد تدميرها في المستقبل. ازدواجية الثعلب الذي يميز الفخاخ والأسد الذي يخيف الذئاب هي وحدها التي يمكن أن تنقذ الجمهورية. فاليوم التالي ليس يوما للراحة، بل يوم لممارسة السلطة بلا تردد وبلا اعتذار، لأن التردد هذه المرة ليس فضيلة بل انتحار.

                                                                                                                                                                                        *الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى