أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

للبيع: بيت أبيض – كيف حوّل أميران خليجيان وصهر مديون السياسة الخارجية الأمريكية إلى صفقة عقارية

مجلس الحرب في سيشيل: الليلة التي عرضت فيها أمريكا للإيجار

لم يأتِ كتاب “الأمراء واللصوصPRINCES AND THIEVES :Jared Kushner and Mohammed bin Zayed‘s Secret Plot to Remake the Middle East” ليضيف فصلاً جديداً إلى مكتبة الكتب التي تناولت إدارة دونالد ترامب المضطربة، بل جاء ليغير زاوية النظر كلها. فبينما انشغلت معظم الكتب الصادرة عن هذه الحقبة بتوثيق الفوضى الداخلية والصراع بين أجنحة البيت الأبيض، اختار ماثيو كول، أحد أبرز صحفيي التحقيقات في مجلة The Intercept سابقاً وصاحب سجل طويل في تغطية الاستخبارات والحرب على الإرهاب، أن ينظر إلى القصة من الضفة الأخرى للخليج. أطروحته بسيطة في ظاهرها وصادمة في تفاصيلها: إن مجموعة من الأمراء الشباب الطموحين في أبوظبي والرياض وجدوا في وصول ترامب إلى الحكم فرصة تاريخية لإعادة هندسة السياسة الخارجية الأمريكية، ووجدوا في جاريد كوشنر، صهر الرئيس الشاب، وعديم الخبرة، والمثقل بديون عائلية، البوابة الذهبية المثالية لذلك الاختراق.

العنوان نفسه مقصود بدقة. الأمراء هم الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الرجل القوي الفعلي في الإمارات آنذاك، ومحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الصاعد بسرعة صاروخية. أما اللصوص فليسوا مجازاً أدبياً، بل شبكة حقيقية من الوسطاء والمحتالين ومرتزقة النفوذ الذين جعلوا من بيع الوصول إلى السلطة الأمريكية مهنة منظمة. في قلب هذه الشبكة يقف جورج نادر، المستشار اللبناني الأمريكي الغامض ذو الماضي المظلم والعلاقات المتشعبة، وإريك برنس مؤسس بلاك ووتر، وإليوت برويدي جامع التبرعات الجمهوري المدان سابقاً، ورجل الأعمال اللبناني جويل زامل المتخصص في حروب المعلومات. هؤلاء ليسوا مجرد شخصيات ثانوية، بل هم البنية التحتية التي بنى عليها الأميران مشروعهما.

يبدأ كول كتابه من حيث لا يتوقع القارئ، ليس من قصور أبوظبي أو الرياض، بل من غابة في بيلاروسيا الحالية. هناك، في خضم المحرقة، نجا جوزيف بيركوفيتز وراي كوشنر، جدا جاريد لأبيه، من النازيين أولاً ثم من الجيش السوفيتي، هرباً إلى مخيم للمقاومين اليهود في الغابة، قبل أن ينتهي بهما المطاف في مخيم للاجئين في إيطاليا ثم في نيويورك عام 1949 بلا مال ولا لغة. هذه الصدمة التأسيسية، كما يوثقها كول عبر مقابلات أرشيفية مع الجدة راي، لم تكن مجرد ذكرى عائلية، بل أصبحت عقيدة. قالت راي في مقابلة عام 1982: “شبابنا ضاع… جئنا محطمين، لم نكن أناساً طبيعيين”. هذا الإحساس الدائم بالخطر الوجودي وأن إسرائيل هي الضمانة الأخيرة للبقاء، انتقل كاملاً إلى الجيل الثاني، إلى تشارلي كوشنر.

وتشارلي كوشنر هو المفتاح النفسي والمالي لفهم جاريد. يرسمه كول ليس كرجل أعمال عقاري فحسب، بل كشخصية تراجيدية مهووسة بأن يصبح “أقوى يهودي في أمريكا” على حد تعبيره لمقربين. بنى إمبراطورية من 22 ألف شقة مستأجرة، تبرع بالملايين للمدارس الدينية في الضفة الغربية المحتلة، ودفع 125 ألف دولار لبيل كلينتون ليلقي خطاباً في مقر شركته، وأكثر من ثلاثة أضعاف ذلك لبنيامين نتنياهو. لكن خلف هذه الواجهة البراقة كان تشارلي يدير لعقد كامل عملية احتيال عائلي ممنهجة، يحول إيرادات شركات العائلة إلى مؤسسة وهمية يديرها، ثم يتبرع بها باسمه ويحصل على خصم ضريبي، محولاً أكثر من ستة ملايين دولار بهذه الطريقة، ومول منها تبرعات سياسية بقيمة 3.1 مليون دولار.

الانهيار كان مذهلاً ومبتذلاً في آن واحد. عندما اكتشف شقيقه موراي التلاعب ورفع دعوى مدنية، لم يلجأ تشارلي إلى محامين، بل إلى الانتقام الجنسي. دفع 25 ألف دولار لضابط شرطة متقاعد لاستدراج زوج شقيقته إلى فندق Red Bull Motor Inn الكئيب على الطريق السريع 22 في نيوجيرسي، وتسجيله سراً وهو يمارس الجنس مع عاهرة استأجرها. وعندما فشلت الخطة الأولى، لجأ إلى عشيقته الدائمة سوزانا، وهي مرافقة من أوروبا الشرقية كانت تعرف باسم جون هيس، ودفع لها 10 آلاف دولار لتنفيذ المهمة. صُوّر الفيديو، وشاهده تشارلي وزوجته وشقيقها معاً في مكتب الشركة. هذه الواقعة التي أدت إلى اعتقاله عام 2004 من قبل المدعي الفيدرالي الشاب آنذاك كريس كريستي، وحكم عليه بالسجن لسنتين قضى منها 14 شهراً في سجن فيدرالي في ألاباما، هي التي صنعت جاريد كوشنر السياسي. كل عطلة نهاية أسبوع كان الابن الشاب يقطع الطريق مع أمه لزيارة أبيه ست ساعات في السجن. هناك، كما ينقل كول، تشكلت لديه قناعة عميقة بأن النظام القضائي والمؤسسة السياسية يمكن أن تكون أدوات انتقام شخصي، وأن الولاء العائلي فوق القانون، وأن الإعلام يمكن شراؤه وإعادة تشكيل السردية.

لذلك كانت الخطوة الأولى بعد خروج تشارلي من السجن عام 2006 ليست بناء المزيد من الشقق، بل شراء صحيفة. كتب تشارلي شيكاً بعشرة ملايين دولار واشترى لابنه البالغ من العمر 25 عاماً صحيفة New York Observer. كانت الخطة التي وضعها مستشار علاقات عامة نيويوركي شهير واضحة ومكونة من ثلاث مراحل: أولاً، تحويل جاريد إلى وجه جديد ومقبول لإمبراطورية كوشنر الملوثة، ثانياً، شراء عقار أيقوني في مانهاتن يثبت أن العائلة عادت إلى النخبة، وثالثاً، استخدام المنصة الصحفية الجديدة للدفاع عن العائلة ومهاجمة خصومها، وعلى رأسهم كريس كريستي. وهكذا جاءت صفقة 666 Fifth Avenue الكارثية في عام 2007، عندما دفع جاريد 1.8 مليار دولار، وهو رقم قياسي آنذاك، مقابل برج متداعٍ كان يحتاج إلى مئات الملايين للترميم، في ذروة فقاعة العقارات قبل الانهيار المالي. هذه الصفقة التي أصبحت عبئاً ديونه 1.2 مليار دولار تستحق في 2019، هي القنبلة الموقوتة التي سيفهمها لاحقاً أمراء الخليج جيداً.

ماثيو كول لا يكتب سيرة ذاتية لجاريد كوشنر، بل يستخدم هذه الخلفية كبروفايل استخباراتي لهدف قابل للتجنيد. شاب نشأ في عائلة ترى العالم كتهديد وجودي دائم، تعرض لصدمة السجن والإذلال العلني لوالده على يد الدولة، يفتقر إلى أي خبرة في السياسة الخارجية أو الحكومة، لكنه يمتلك وصولاً مطلقاً إلى رئيس الولايات المتحدة، ومثقل بديون عقارية هائلة يحتاج لمن ينقذه منها، ومؤمن إيماناً عميقاً بأن صفقة كبرى واحدة يمكن أن تمحو كل العار السابق. هذه هي المواصفات التي كان يبحث عنها محمد بن زايد بالضبط، وهو الرجل الذي أمضى عقدين يبني دولة الإمارات كقوة استخباراتية وعسكرية صغيرة ولكن فتاكة، ويبحث عن وريث لنفوذه في واشنطن بعد أن شعر أن إدارة أوباما تخلت عنه.

لم يكن محمد بن زايد رجلاً يترك التاريخ يمر من أمامه. عندما انهارت أسواق المال في 2008 ثم انفجرت ميادين التحرير في تونس والقاهرة عام 2011، قرأ الرجل القوي في أبوظبي الحدثين كإنذار واحد. أدرك أن النفط وحده لا يحمي العروش، وأن الولايات المتحدة التي كان يعتبرها المظلة الأخيرة قد تتردد، كما ترددت إدارة أوباما في دعم حسني مبارك. من تلك اللحظة ولدت عقيدة جديدة: دولة صغيرة بثروة هائلة يجب أن تمتلك جيشاً لا يموت أبناؤها فيه، ونفوذاً لا يحتاج إلى موافقة وزارة الخارجية الأمريكية.

هنا دخل إريك برنس إلى المشهد. برنس، الضابط السابق في قوات النخبة البحرية SEAL ووريث ثروة صناعة قطع السيارات في ميشيغان، ومؤسس شركة بلاك ووتر التي أصبحت مرادفاً للحرب الخاصة الأمريكية في العراق، كان يبحث هو الآخر عن ولادة جديدة بعد أن دمرت سمعته مذبحة ساحة النسور في بغداد. يوثق ماثيو كول بالتفصيل كيف استقبله بن زايد في عام 2010 ليس كمتعاقد، بل كحليف استراتيجي. الرؤية كانت صادمة حتى بمعايير الخليج: بناء كتيبة كوماندوز من 800 مقاتل أجنبي، لا يضم إماراتياً واحداً. قال بن زايد لضباطه بوضوح إنه لا يثق بالمسلمين لقتل مسلمين آخرين، وأنه يريد غير مسلمين تحديداً. نصف مليار دولار هو قيمة العقد الأولي. خلال أشهر استورد برنس العشرات من الجنود الكولومبيين السابقين الذين خاضوا حرب العصابات ضد فارك، ومدربين من جنوب أفريقيا، أغلبهم من وحدات الكوماندوز في حقبة الفصل العنصري، وأمريكيين وكنديين. مهمتهم المعلنة حماية المنشآت الحيوية، من حقول النفط إلى المفاعل النووي الذي كان قيد الإنشاء، ومهمتهم غير المعلنة حماية عائلة آل نهيان نفسها إذا ثار الداخل.

لكن عبقرية بن زايد في استخدام المرتزقة كانت أيضاً نقطة ضعفه، لأن إريك برنس لا يعرف معنى السرية. يروي كول كيف أن برنس، بينما كان فريقه يبني المعسكر السري في صحراء أبوظبي، استقدم طاقم تصوير لتوثيق عملياته في الصومال. ففي موازاة عقد الإمارات، كان برنس قد أبرم صفقة سرية أخرى مع أبوظبي لإنشاء قوة بحرية لمحاربة القراصنة الصوماليين الذين كانوا يهددون خطوط الملاحة عبر خليج عدن، وخاصة بعد حادثة اختطاف القبطان ريتشارد فيليبس التي أمر أوباما فريق SEAL 6 بتحريره. انتهك الإمارات وبرنس حظراً أممياً لتصدير السلاح، هربا معدات عسكرية وطائرات هليكوبتر ومرتزقة من جنوب أفريقيا متنكرين في صورة مساعدات إنسانية. النتيجة لم تكن تقليل القرصنة بل تحويلها إلى حرب أهلية مصغرة، حيث قصفت مروحيات يقودها جنوب أفارقة بيض قرى صومالية وقتلت مدنيين، واتهمت الأمم المتحدة القوة التي سميت Puntland Maritime Police Force بأنها أصبحت ميليشيا خاصة لأمير حرب انفصالي في إقليم بونتلاند، وأنها أداة قمع داخلي بتمويل أجنبي. أحد ضباط CIA السود السابقين الذين شاركوا في التدريب نقل عن زميله الجنوب أفريقي قوله بلا مواربة: “أنا هنا فقط لأقتل النحفاء”، في إشارة عنصرية للصوماليين.

الفضيحة الأكبر كانت مالية. كشف زملاء برنس الأمريكيين أن الرجل كان يضخم الفواتير ويستخدم شركات واجهة يملكها سراً لشفط الملايين من صندوق العقد الإماراتي، وأن أموالاً حكومية غسلت عبر جمعية خيرية إماراتية لتمويل مشروع الصومال. عندما نشرت نيويورك تايمز أول تحقيق عن الكتيبة السرية، استدعى جنرال إماراتي برنس وقال له إن خدماته لم تعد مطلوبة. انتهت التجربة الأولى بالفشل، لكنها علمت بن زايد درساً محورياً: المرتزق الجيد هو الذي يمكن التخلص منه، لكن شبكة المرتزقة نفسها لا غنى عنها.

لهذا السبب، عندما فاز دونالد ترامب في نوفمبر 2016، كان بن زايد أول من فهم أن واشنطن القديمة قد ماتت. لم يعد بحاجة إلى إقناع وزارة الخارجية أو البنتاغون، بل إلى رجل واحد يفتح له باب برج ترامب. ذلك الرجل كان جورج نادر. يقدم كول واحداً من أكثر البورتريهات قتامة وإثارة في الكتاب لنادر. لبناني الأصل، أمريكي الجنسية، يتحدث الإنجليزية بلكنة ثقيلة، ادعى لعقود أنه مستشار غير رسمي للإدارات الأمريكية في الشرق الأوسط، صديق لكل من شيمون بيريز ومحمد بن زايد، وفي الواقع كان محتالاً محترفاً يحمل في سجله إدانات سابقة باستغلال أطفال، وهي حقائق كان يعرفها قليل من الناس في أبوظبي وواشنطن، لكنها جعلته مثالياً للمهمات القذرة لأنه لا يملك ما يخسره.

كان نادر قد بنى علاقته مع بن زايد منذ التسعينيات، وأصبح مستشاره السري لشؤون واشنطن. وفي انتخابات 2016، وجد نادر نفسه يملك ما لا يملكه أحد: علاقة وثيقة بستيف بانون، كبير استراتيجيي ترامب، وعلاقة بجوول زامل، رجل الاستخبارات الإسرائيلي الذي يملك شركات للتأثير على الانتخابات عبر السوشيال ميديا. رتب نادر اجتماعاً في برج ترامب في ديسمبر 2016 حضره بن زايد شخصياً، مخالفاً البروتوكول، وجاريد كوشنر وستيف بانون ومستشار الأمن القومي المقبل مايكل فلين. كان ذلك إعلاناً: أبوظبي تريد أن تكون الوسيط.

ذروة هذه المسرحية كانت في جزيرة سيشيل، في يناير 2017، قبل أيام من تنصيب ترامب. على شرفة فيلا تطل على المحيط الهندي، عقد بن زايد ما سماه مجلس حرب. على الطاولة كان إريك برنس، عائداً من المنفى بفضل علاقته ببانون وبأخته بيتسي ديفوس التي رشحها ترامب وزيرة للتعليم، وجورج نادر، وكيريل ديميترييف، المصرفي الروسي خريج هارفارد الذي يدير صندوق الثروة السيادي الروسي البالغ عشرة مليارات دولار والمقرب من بوتين. يصف كول المشهد بدقة سينمائية. بن زايد يقول لفريقه إن الإمارات مدينة لبرنس لأنه أنقذها قبل سبع سنوات من القراصنة، في رواية كريمة تخفي حقيقة أن برنس طُرد لعدم كفاءته. ثم يطرح برنس فكرته الجديدة، الأكثر جنوناً: جيش مرتزقة عالمي من أربعة آلاف مقاتل غربي، بتمويل إماراتي، ودعم أمريكي ضمني، يمكن نشره في ليبيا لدعم الجنرال خليفة حفتر للاستيلاء على طرابلس، ثم إعادة تصدير النموذج إلى الصومال وسوريا والعراق لمواجهة وكلاء إيران مثل حزب الله والحوثيين. كان برنس يقارن مشروعه بشركة الهند الشرقية الهولندية وفرسان الهيكل، متخيلاً استعماراً جديداً في القرن الحادي والعشرين تقوده شركة تجارية تمتلك جيشاً.

ثم جاء السؤال الحاسم من بن زايد، السؤال الذي يكشف جوهر الكتاب كله: “هل تعتقد أن ترامب سيدعم هذا؟”. كان بن زايد لا يريد مرتزقة فقط، بل يريد أن يعرف هل يمكن استئجار السياسة الخارجية الأمريكية نفسها. هل إدارة ترامب جادة عندما تقول إنها تريد من العرب أن يتحملوا عبء إطفاء حرائق الشرق الأوسط؟ أجاب برنس بثقة أنه يضع بانون في جيبه، وأن الإدارة الجديدة ستدعم كتيبة مرتزقة لوضع حد للفوضى. في تلك اللحظة، كان بن زايد يختبر برنس كأداة نفوذ، تماماً كما اختبر نادر من قبل.

بعد ذلك، طلب بن زايد من نادر ترتيب لقاء بين برنس وديميترييف. الهدف المعلن من جانب أبوظبي كان نبيلاً: تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو لإنهاء الحرب في سوريا، عبر إقناع روسيا بسحب دعمها العسكري وتقليص دعمها لإيران، مقابل رفع العقوبات الأمريكية عن روسيا، وهي عقوبات كانت تمنع استثمارات إماراتية بمليارات الدولارات في صندوق ديميترييف من تحقيق أرباح. جلس برنس مع المصرفي الروسي في بار المنتجع وتحدث لأكثر من ساعة، لكنه لم يتحدث عن ترامب وروسيا، بل عن ليبيا وحفتر وكيف يمكنه التنسيق مع الكرملين حتى لا تتصادم قواته المرتزقة مع القوات الروسية هناك. كان ديميترييف، المصرفي المحنك، محبطاً. قال لنادر لاحقاً إنه جاء ليقابل شخصاً من البيت الأبيض القادم لديه خط مباشر مع الرئيس المنتخب، فوجد رجلاً يتحدث عن ديكتاتور صغير في شرق ليبيا.

عاد بن زايد إلى أبوظبي على طائرته البوينغ 777، ومعه برنس ونادر. ورغم الفشل في إقناع الروس، كافأ بن زايد برنس مرة أخرى، منحه جواز سفر دبلوماسياً إماراتياً وأعاده إلى الحظيرة. وعلق مسؤول أمني إماراتي رفيع المستوى على القرار بجملة تلخص فلسفة الكتاب كله، وهي الجملة التي اختارها كول لتكون مفتاح فهم العلاقة بين الأمراء واللصوص: “إريك لص، لكنه لصنا”.

في هذا المشهد في سيشيل  يكتب ماثيو كول . و هو لا يكتب عن مؤامرة واحدة، بل عن سوق. سوق يتكون فيه النفوذ من ثلاثة عناصر: أمير يملك المال والطموح الإقليمي، ووسيط قذر يملك الوصول ولا يملك سمعة يخاف عليها، وسياسي أمريكي جديد يملك السلطة ولكنه يفتقر إلى الخبرة والمال. أبوظبي كانت قد أتقنت هذه اللعبة قبل سنوات، لكنها كانت تحتاج إلى شريك أكبر وأكثر تهوراً، شريك لم يكن سوى المملكة العربية السعودية ومحمد بن سلمان.

إذا كانت أبوظبي هي المهندس، فإن الرياض كانت هي القنبلة. هذا هو الانتقال الذي يصنعه ماثيو كول في منتصف كتابه، من حذر محمد بن زايد المحسوب إلى اندفاع محمد بن سلمان المتهور. ففي الوقت الذي كان فيه بن زايد يبني كتائب من المرتزقة الكولومبيين ويشتري صحفيين ومراكز أبحاث في واشنطن بصبر زراع لؤلؤ، كان في الرياض شاب في الثلاثين من عمره يقرر أنه يستطيع اختصار مئة عام من الدبلوماسية بصفقة واحدة وتغريدة واحدة.

يعود كول إلى عام 2015 ليرسم صورة للحظة صعود محمد بن سلمان. الملك سلمان لم يكن قد أكمل عامه الأول على العرش، وكان يعاني من بدايات الخرف، وابنه محمد الذي عين وزيراً للدفاع وهو في التاسعة والعشرين، بلا أي خبرة عسكرية، وجد نفسه فجأة يدير حرباً حقيقية في اليمن. كانت عاصفة الحزم بالنسبة لبن سلمان أكثر من مجرد تدخل عسكري، كانت إعلان ميلاد. أراد أن يقول للعالم وللعائلة المالكة في الداخل إنه ليس مجرد ابن مدلل، بل هو صدام حسين جديد لكن بنسخة أكثر عصرية، رجل يستطيع أن يحسم. لكن الحرب تعثرت سريعاً. خلال أسابيع، تحولت الحملة الجوية الخاطفة إلى مستنقع استنزف الخزينة وقتل آلاف المدنيين، وصنع أول شرخ بينه وبين الإدارة الأمريكية في عهد أوباما التي بدأت تنتقد علناً الكارثة الإنسانية.

هنا وجد محمد بن زايد فرصته. لم يكن بن زايد مجرد حليف للسعودية، بل كان الأب الروحي والمعلم السياسي لبن سلمان. يقول مصدر إماراتي مقرب من بن زايد لكول نصاً: “محمد بن زايد رأى في محمد بن سلمان نفسه عندما كان شاباً، لكن بنسخة أكثر جموحاً وأقل انضباطاً”. بدأ بن زايد يقدم الشاب السعودي في واشنطن كوريث شرعي للمنطقة، كرجل إصلاحي يحب التكنولوجيا ويكره الإخوان المسلمين، بينما في الواقع كان يدربه على فكرة أن واشنطن يمكن شراؤها إذا عرفت الباب الصحيح.

الباب الصحيح كان مرة أخرى جورج نادر، ومعه هذه المرة إليوت برويدي. برويدي هو شخصية كاريكاتيرية لو كان خيالاً لما صدقه أحد. مليونير من لوس أنجلوس جمع تبرعات للجمهوريين، أدين عام 2009 بتهمة رشوة مسؤولي صندوق تقاعد ولاية نيويورك، ثم حصل على عفو مشبوه، وعاد ليكون أحد أكبر جامعي التبرعات لترامب في 2016 حيث جمع أكثر من 160 مليون دولار، وعين نائباً لرئيس اللجنة المالية للحزب الجمهوري. برويدي لم يكن يفهم شيئاً في الشرق الأوسط، لكنه كان يفهم شيئاً واحداً: كيف يحول الوصول إلى البيت الأبيض إلى عقود سلاح. وفي مارس 2017، بعد أسابيع قليلة من تنصيب ترامب، تلقى برويدي رسالة بريد إلكتروني من نادر تقول ببساطة: “أصدقاؤنا في الإمارات والسعودية يريدون مساعدتك لتكون صديقاً لهم”.

ما حدث بعد ذلك هو ما يسميه كول “أكبر حملة نفوذ أجنبي غير مسجلة في تاريخ واشنطن الحديث”. وضع نادر وبرويدي خطة من ثلاث مراحل. الأولى هي شيطنة قطر. كانت قطر بالنسبة للإمارات والسعودية ليست مجرد دولة مزعجة بقناة الجزيرة، بل كانت منافساً أيديولوجياً يدعم الإخوان المسلمين وحماس، ويعقد صفقات مع إيران، ويبني نفوذاً ناعماً في واشنطن عبر استضافة قاعدة العديد الأمريكية. قررت أبوظبي والرياض أنه لا يمكن إصلاح قطر، بل يجب كسرها.

في 23 مايو 2017، وقع الهجوم السيبراني الأشهر في الخليج. اخترقت وكالة استخبارات إماراتية موقع وكالة الأنباء القطرية ونشرت تصريحات ملفقة لأمير قطر تميم بن حمد يمتدح إيران وحزب الله وإسرائيل في آن واحد. خلال ساعات، كانت قنوات العربية وسكاي نيوز عربية، الممولة سعودياً وإماراتياً، تعيد نشر التصريحات كحقيقة مطلقة. وفي 5 يونيو، أعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات وفرض حصار جوي وبري وبحري كامل على قطر. كان العالم مذهولاً، لكن أكثر المذهولين كانوا في البنتاغون والخارجية الأمريكية، حيث لم يكن أحد قد أبلغهم.

لماذا فعلوها؟ يجيب كول عبر وثائق مسربة من بريد برويدي الذي اخترقه قراصنة قطريون لاحقاً. في أحد الاجتماعات في فندق فور سيزونز جورجتاون، قال نادر لبرويدي بوضوح: “نحن نريد منكم أن تقنعوا واشنطن بأن قطر هي حماس والإخوان، وأننا نحن من نحارب الإرهاب”. وقع برويدي عقداً غير معلن بقيمة 2.5 مليون دولار مع مستشار إماراتي مقرب من طحنون بن زايد، شقيق محمد بن زايد ورئيس جهاز الاستخبارات، لتمويل حملة ضغط ضد قطر. جزء من الأموال ذهب لتمويل مؤتمرات في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة محافظة معروفة بمواقفها المؤيدة لإسرائيل والمعادية لقطر وإيران، وجزء آخر ذهب لشراء مقالات رأي في وول ستريت جورنال وواشنطن تايمز تهاجم قطر.

لكن الأهم كان ما حدث داخل البيت الأبيض. في اللحظة التي كان فيها وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس يحاولان تهدئة الأزمة لأن قاعدة العديد هي أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وتضم 11 ألف جندي أمريكي، كان جاريد كوشنر يجلس في مكتبه في الجناح الغربي ويخبر ترامب بأن السعوديين والإماراتيين على حق. لم يكن كوشنر يتصرف بدافع أيديولوجي، بل بدافع شخصي وتجاري بحت، وهذه هي النقطة التي يربطها كول بعبقرية.

قبل شهر واحد فقط من الحصار، في أبريل 2017، التقى كوشنر مع وفد قطري رفيع المستوى جاء يطلب استثماراً في برج 666 Fifth Avenue المنكوب. القطريون، عبر وزير ماليتهم علي شريف العمادي، عرضوا بشكل غير مباشر إنقاذ كوشنر، لكنهم رفضوا شروطه المبالغ فيها. شعر كوشنر بالإهانة. وبعد أيام، استقبل في البيت الأبيض وفداً سعودياً إماراتياً ضم محمد بن سلمان وطحنون بن زايد، وكان أكثر دفئاً. يقول مسؤول أمريكي حضر اللقاء لكول: “جاريد كان يرى نفسه كأمير ثالث. هو لم يكن يتعامل مع محمد بن زايد ومحمد بن سلمان كزعماء أجانب، بل كأقران له، كأبناء عائلات ثرية ورثت إمبراطوريات وتحاول إثبات نفسها”.

لذلك عندما اندلع الحصار، انحاز ترامب في البداية علناً للمحاصرين. كتب تغريدة صباح 6 يونيو 2017 قال فيها إن زيارته للرياض تؤتي ثمارها وإن قطر كانت تمول التطرف منذ زمن طويل. كانت تلك التغريدة هي تتويج لعملية نفوذ تكلفت ملايين الدولارات، ونفذها رجل مدان بالرشوة ورجل مدان بالاعتداء على أطفال. وزارة الخارجية اضطرت لإصدار بيان مناقض بعد ساعات لتؤكد أن قطر شريك في مكافحة الإرهاب.

لم تنته القصة هنا. بعد الحصار، أراد محمد بن سلمان أن يذهب أبعد. في أكتوبر 2017، زار جاريد كوشنر الرياض سراً، التقى بن سلمان حتى الرابعة صباحاً، وتبادلا الحديث عن استراتيجية لمواجهة إيران، وعن خطة لعزل حزب الله، وعن قائمة بأسماء أمراء سعوديين يعتبرهم بن سلمان خونة. بعد أسبوعين فقط، وقعت حملة الاعتقالات الشهيرة في فندق الريتز كارلتون، حيث سجن بن سلمان أكثر من 300 أمير ورجل أعمال، بمن فيهم الوليد بن طلال، وابتزهم بمليارات الدولارات. تسربت تقارير استخباراتية أمريكية تفيد بأن كوشنر قد يكون مرر معلومات استخباراتية أمريكية لبن سلمان ساعدته في تحديد أهدافه، وهو ما نفاه كوشنر بشدة، لكن كول يوثق كيف أن حتى وكالة الاستخبارات المركزية CIA بدأت تنظر إلى كوشنر كخطر أمني، وكيف رفض مسؤولو CIA إطلاعه على تقريرها اليومي السري للرئيس بسبب علاقاته المالية.

في هذه اللحظة، كما يكتب كول، اكتملت الحلقة. الأمير السعودي الشاب الذي أراد أن يشتري الشرعية الدولية وجد في البيت الأبيض شاباً آخر يريد أن يشتري النجاة المالية، ووسيطين يريدان أن يشتريا الحصانة من ماضيهما الإجرامي. كانت قطر هي الضحية الأولى، لكن الضحية الحقيقية كانت فكرة السياسة الخارجية الأمريكية كسياسة مبنية على المصالح الاستراتيجية طويلة المدى، وليس على شبكة من الديون الشخصية والمظالم العائلية.

لا يوجد مشهد يلخص مأساة جاريد كوشنر في البيت الأبيض أكثر من المشهد الذي يوثقه ماثيو كول في صيف 2017، حين دخل كوشنر غرفة لمجموعة من المتدربين الجدد في الكونغرس ليشرح لهم فلسفته في صنع السلام في الشرق الأوسط. قال لهم وهو يبتسم بثقة الابن الذي ورث شركة بمليارات الدولارات: “كما تعلمون، الجميع يجد مشكلة ويقول لك، يجب أن تفهم ما فعلوه آنذاك، ويجب أن تفهم أنهم فعلوا هذا. لكن كيف يساعدنا هذا على تحقيق السلام؟ دعونا لا نركز على ذلك. نحن لا نريد درساً في التاريخ. لقد قرأنا ما يكفي من الكتب”. ثم أضاف جملته الأشهر التي نقلها عنه آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي المخضرم الذي عمل مع ست إدارات: “لا تتحدث معي عن التاريخ، نحن نحاول فعل شيء جديد”.

هذه الجملة ليست مجرد غرور شاب، بل هي جوهر الاستراتيجية التي دخل بها كوشنر البيت الأبيض. لقد كان مقتنعاً، كما كان والده مقتنعاً من قبل، بأن كل مشاكل العالم هي مشاكل صفقات عقارية سيئة التفاوض، وأن الحل دائماً هو إيجاد السعر الذي يقبل به الجميع. في خطاب ألقاه في جامعة هوفسترا عام 2014، قبل دخوله السياسة بسنوات، شرح نظريته: “إذا كنت أحاول شراء مبنى وأنت تعلم أن أحدهم يريد بيعه بـ X لكنني أريد شراءه بـ Y، عليّ أن أجد مكاناً يتفق فيه الجميع”. بالنسبة له، الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي استمر مئة عام، والذي فشل في حله دبلوماسيون أفذاذ مثل هنري كيسنجر الذي كان كوشنر يعتبر نفسه وريثه اليهودي الجديد، لم يكن سوى مبنى سعره مرتفع قليلاً.

لكن كول يكشف أن هذه السذاجة المذهلة كانت مقصودة ومفيدة لأطراف أخرى. ففي الوقت الذي كان فيه كوشنر يردد أنه يريد تحقيق ما لم يحققه أحد، كان يخفي وراءه كارثة مالية شخصية تهدد بابتلاع عائلته بأكملها. برج 666 Fifth Avenue، الصفقة التي عقدها عام 2007 مقابل 1.8 مليار دولار عندما كان في السادسة والعشرين، كان قد تحول إلى ثقب أسود. كان البرج يخسر 14.5 مليون دولار سنوياً، نسبة الإشغال فيه لا تتجاوز 70%، وكان عليه سداد قرض عقاري بقيمة 1.2 مليار دولار في فبراير 2019، دون وجود أي مشترٍ مستعد لدفع الثمن. كل بنوك وول ستريت التي طرقها كوشنر، من جي بي مورغان إلى غولدمان ساكس، رفضت إعادة تمويله. كان على وشك الإفلاس العلني، وهو الإفلاس الذي كان سيعيد سيناريو سجن والده، لكن هذه المرة في عناوين الصحف المالية.

هذا هو السياق الذي يجب أن نفهم فيه زياراته المتكررة للخليج. في أبريل 2017، وقبل شهر واحد من حصار قطر، استقبل كوشنر في البيت الأبيض وزير المالية القطري علي شريف العمادي، الرجل الذي يدير جهاز قطر للاستثمار البالغ 300 مليار دولار. طلب كوشنر بشكل مباشر استثماراً قطرياً في برجه. العمادي، حسب رواية كول المستندة إلى شهادات ثلاثة مسؤولين قطريين وأمريكيين، كان مستعداً للمساعدة لكنه وجد مطالب كوشنر غير واقعية ومبالغاً فيها. رفض القطريون. شعر كوشنر بالإهانة الشخصية، وهو شعور نقله مباشرة إلى ترامب.

بعد أسبوعين فقط، كان كوشنر يستقبل محمد بن سلمان وطحنون بن زايد في البيت الأبيض، وكان الاجتماع أكثر وداً بكثير. ثم طار سراً إلى الرياض في أكتوبر 2017، وظل مستيقظاً مع بن سلمان حتى الرابعة صباحاً في قصر اليمامة. هناك، كما يوثق كول من خلال مذكرات مسؤول أمريكي حضر التحضيرات، تحدث الاثنان عن خطة لمواجهة إيران، وعن قائمة بأسماء أمراء ورجال أعمال سعوديين يعتبرهم بن سلمان فاسدين وخونة. لم يكن كوشنر يدرك، أو لم يكن يهتم، أن هذه القائمة ستتحول بعد أسبوعين إلى أكبر عملية ابتزاز في تاريخ السعودية الحديث، عندما سجن بن سلمان 381 أميراً ورجل أعمال في فندق الريتز كارلتون، وعلقهم من أرجلهم، وابتزهم بما يقدر بـ 100 مليار دولار. تسربت معلومات استخباراتية أمريكية تفيد بأن وكالة الاستخبارات المركزية CIA رصدت كوشنر وهو يتبادل معلومات قد تكون ساعدت بن سلمان في تحديد أهدافه، وهو ما جعل CIA ترفض منحه التصريح الأمني الأعلى Top Secret لأكثر من عام، في سابقة تاريخية لصهر رئيس.

في هذا المناخ المسموم ولدت ما سميت “صفقة القرن”. يشرح كول كيف أن كوشنر، بالتحالف مع بنيامين نتنياهو الذي كان يرى فيه شريكاً عقارياً آخر، تبنى استراتيجية تسمى “من الخارج إلى الداخل” أو Outside-In. الفكرة بسيطة وخطيرة: بدلاً من التفاوض مع الفلسطينيين، يجب عقد صفقات سلام منفصلة مع الإمارات والسعودية والبحرين والمغرب، وتقديمها لإسرائيل كهدايا، ثم خنق الفلسطينيين اقتصادياً حتى يقبلوا بأي شيء. لم يكن كوشنر يريد حل الدولتين، بل كان يريد ثلاث غايات، كما قال لآرون ميلر: الأولى، صفقة جيدة جداً لإسرائيل لدرجة أن نتنياهو لا يستطيع رفضها أمام ترامب، والثانية، إقناع واشنطن بأن أولويتها في الشرق الأوسط هي التحالف مع العرب ضد إيران وليس السلام الفلسطيني، والثالثة، استغلال ضعف الفلسطينيين المالي لفرض الحل عليهم. قال ميلر لكول معلقاً: “كان الأمر واضحاً أين يتجه، كان الأمر يتعلق بالقوة. إسرائيل تمثل القوة، والفلسطينيون يمثلون الضعفاء”.

كانت صفقة القرن، في جوهرها، امتداداً لصفقة 666 Fifth Avenue. كوشنر كان يطبق نفس المنطق: تجاهل التاريخ، تجاهل المشاعر، تجاهل الحقوق، والتركيز على السعر. اقترح إنشاء صندوق استثماري بقيمة 50 مليار دولار، معظمها من أموال الخليج، لبناء مطار في غزة ومحطة تحلية مياه، مقابل أن يتخلى الفلسطينيون عن القدس وحق العودة والسيادة. عندما رفض الفلسطينيون حتى حضور ورشة البحرين الاقتصادية التي نظمها في يونيو 2019، اعتبر كوشنر ذلك دليلاً على أنهم مفاوضون سيئون، تماماً كما اعتبر والده موراي مفاوضاً سيئاً عندما اعترض على اختلاسه أموال العائلة.

لكن اللحظة الأكثر كشفاً في هذا الفصل، وهي اللحظة التي يختارها كول عنواناً للفصل العاشر “سرقة القرن”، جاءت في أغسطس 2018. بعد عام ونصف من البحث اليائس، وجد كوشنر أخيراً منقذاً: شركة بروكفيلد لإدارة الأصول الكندية. وقعت بروكفيلد عقد إيجار لمدة 99 عاماً لبرج 666، دفعت مقدماً 1.1 مليار دولار، وهو مبلغ أنقذ عائلة كوشنر من الإفلاس في اللحظة الأخيرة. بدا الأمر كمعجزة مالية، لكن كول يكشف ما وراء المعجزة. قبل أشهر قليلة من الصفقة، كان جهاز قطر للاستثمار قد استثمر 1.8 مليار دولار في صندوق تابع لبروكفيلد، وأصبح ثاني أكبر مساهم في الشركة نفسها. بعبارة أخرى، الأموال القطرية التي رفضت إنقاذ كوشنر بشكل مباشر في البيت الأبيض، عادت لتنقذه بشكل غير مباشر عبر شركة وسيطة، بعد أن فرضت عليه الإمارات والسعودية حصاراً بدعم منه. لم يكن كوشنر قد انتصر على السوق، بل كان السوق الخليجي نفسه قد قرر أن بقاءه مديناً أفضل من بقائه مفلساً، لأن المدين يمكن التحكم به.

هنا تتجلى خلاصة كول : لم يكن جاريد كوشنر جاسوساً، ولم يكن عميلاً أجنبياً بالمعنى التقليدي. كان أسوأ من ذلك، كان رجلاً يعتقد أن السياسة الخارجية الأمريكية هي مجرد امتداد لمحفظته العقارية، وأن الأمراء الذين يبتسمون له في الرياض وأبوظبي هم شركاء تجاريون محتملون، لا قادة دول يستخدمونه كورقة. وعندما سأل محققو الكونغرس ريكس تيلرسون عن شعوره عندما علم أن كوشنر عقد اجتماعاً سرياً في الرياض مع بن سلمان وبن زايد وبانون ليخططوا لحصار قطر دون علم وزارة الخارجية، أجاب تيلرسون بغضب نادر: “هذا أغضبني، لأن وجهة نظر وزارة الخارجية لم يتم التعبير عنها أبداً”. كانت تلك هي المرة الأولى في أكثر من مئتي عام التي يدير فيها صهر الرئيس سياسة خارجية موازية وسرية ضد مصالح وزارته نفسها.

لم يكن هناك مشهد يلخص كتاب ماثيو كول كاملاً أكثر من المشهد الذي حدث في الثاني من أكتوبر 2018، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. دخل جمال خاشقجي، الكاتب في واشنطن بوست والمعارض الهادئ لمحمد بن سلمان، باحثاً عن ورقة تثبت طلاقه ليتمكن من الزواج. لم يخرج. قطّعه فريق اغتيال سعودي من خمسة عشر رجلاً بمنشار عظام، ووضعوا جثته في حقائب. كانت تلك هي اللحظة التي انفجرت فيها فقاعة الوهم التي باعها محمد بن سلمان لجاريد كوشنر وللعالم، وهم المصلح الشاب المنفتح الذي يحب شركات التكنولوجيا ويستمع لموسيقى دافت بانك ويقود سيارة لامبورغيني.

لكن الأهم في رواية كول ليس الجريمة نفسها، بل رد فعل البيت الأبيض عليها. ففي الأسابيع التي تلت الاغتيال، بينما كانت وكالة الاستخبارات المركزية CIA تخلص في تقرير سري إلى أن ولي العهد السعودي هو من أمر بالعملية بدرجة ثقة عالية، وبينما كان العالم كله يطالب بمعاقبة الرياض، كان جاريد كوشنر هو من يدير غرفة العمليات للدفاع عن بن سلمان. يوثق كول كيف أن كوشنر، بناء على نصيحة مباشرة من محمد بن زايد الذي اتصل به قائلاً إن التخلي عن بن سلمان سيكون كارثة على تحالف مكافحة إيران، أقنع ترامب بأن يصدر بياناً رئاسياً يقول فيه “ربما فعلها وربما لم يفعلها”، وهو بيان كتب جزء منه كوشنر نفسه. وكيف أنه بعد شهر واحد فقط من الجريمة، طار كوشنر مرة أخرى إلى الرياض، صافح بن سلمان أمام الكاميرات، وتبادلا المزاح، في رسالة واضحة للعائلة المالكة السعودية أن أمريكا لا تزال معه.

لماذا فعل كوشنر ذلك؟ يجيب كول بأن الإجابة ليست أيديولوجية، بل مالية ونفسية. ففي تلك اللحظة، كان برج 666 Fifth Avenue قد أنقذ للتو عبر صفقة بروكفيلد المشبوهة التي مولتها أموال قطرية بشكل غير مباشر، وكان كوشنر يستعد لإطلاق شركته الاستثمارية الجديدة Affinity Partners بعد مغادرة البيت الأبيض، الشركة التي ستجمع بعد ذلك ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي بقيادة بن سلمان نفسه، رغم أن لجنة الاستثمار في الصندوق أوصت برفض الصفقة لقلة خبرة كوشنر ومخاطره العالية، لكن بن سلمان تجاوز اللجنة وأمر بالدفع. كانت العلاقة لم تعد علاقة نفوذ سياسي، بل علاقة دين متبادل. كوشنر أنقذ بن سلمان سياسياً بعد خاشقجي، وبن سلمان أنقذ كوشنر مالياً بعد 666.

نقاط قوة الكتاب ثلاث. أولاً، أنه يعيد الاعتبار للضحية المنسية في كل هذه القصة: فكرة السيادة الأمريكية. فعندما يسمح البيت الأبيض لرجل مثل جورج نادر، الذي كان معروفاً لدى FBI بسجله الإجرامي، بحضور اجتماعات في المكتب البيضاوي، وعندما يسمح لجاريد كوشنر بالاحتفاظ بتصريح أمني مؤقت لأكثر من عام رغم ديونه الهائلة وعلاقاته المالية مع حكومات أجنبية، فإن المشكلة ليست في الأجانب الذين يحاولون التأثير، بل في النظام الذي يسمح لهم. ثانياً، أن الكتاب يكشف كيف أن حرب اليمن وحصار قطر وصفقة القرن لم تكن قرارات استراتيجية أمريكية، بل كانت منتجات جانبية لصفقات عقارية وديون شخصية وابتزاز متبادل. السياسة الخارجية الأمريكية لم تعد تصنع في مجلس الأمن القومي، بل في مكتب محاماة في نيويورك يدير إفلاس برج.

ثالثاً، أن كول يكتب و هو لا يصور بن زايد وبن سلمان كأشرار كاريكاتيريين، بل كزعماء براغماتيين تعلموا من الأمريكيين أنفسهم كيف يلعبون اللعبة. فبن زايد الذي استثمر في مراكز أبحاث مثل معهد الشرق الأوسط ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، كان يقلد ما كانت تفعله إسرائيل والسعودية منذ عقود، لكنه فعله بشكل أكثر كفاءة ووقاحة. وبن سلمان الذي استخدم تويتر وشركات العلاقات العامة لتبييض صورته، كان يقلد ما كان يفعله ترامب نفسه.

في الصفحة الأخيرة من الكتاب، ينقل كول عن مسؤول أمريكي رفيع عمل مع كوشنر قوله: “لم نكن ندرك أننا نتعامل مع عائلة كوشنر كعائلة تجارية، وليس كجزء من الحكومة الأمريكية”. هذه الجملة هي خلاصة التحقيقات والكتب التي صدرت عن إدارة ترامب. لقد ظن الجميع أن الخطر يأتي من تدخل روسي أو صيني، بينما كان الخطر الحقيقي يأتي من برج زجاجي غارق في الديون في الجادة الخامسة في مانهاتن، ومن شابين يعتقدان أن العالم يمكن شراؤه إذا وجدت السعر المناسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى